الإصلاحات الدستورية والحوارات في فكر الملك فهد ونهجه

الحرية قد تصبح عبئًا علينا إن لم نعرف كيف نقف بها عند حدود معينة

عبد الرحمن الشبيلي
عبد الرحمن الشبيلي
TT

الإصلاحات الدستورية والحوارات في فكر الملك فهد ونهجه

عبد الرحمن الشبيلي
عبد الرحمن الشبيلي

ظل المجتمع المحافظ في المملكة العربية السعودية؛ والشرعي منه خاصة، يستنكر إطلاق مصطلح «الدستور» المتعارف عليه في العصور المتأخرة، وذلك خشية إعطاء الانطباع بأن الحاكمية والسيادة التشريعيّة هي ولو جزئيّا، للقوانين الوضعيّة المألوفة في المجتمعات الأخرى، وظلت الدولة السعودية في قرونها وعهودها الثلاثة تؤكّد دوما على أن المرجعيّة التشريعيّة المطلقة والوحيدة لكل الأنظمة هي للقرآن الكريم والسنة النبوية، وبقيت السلطات الثلاث؛ القضائية والتنظيمية والتنفيذية، تلتزم بهما أساسا لإصدار الأنظمة وتتلافى الأخذ بما يتعارض معهما، بل وتتجنّب إطلاق تعبير «القانون» الدال كناية على التشريعات الوضعية.
ولو تأمل المرء مصطلح «الدستور» الشائع في المجتمعات الأخرى، لوجد أنه من حيث القوة والمدلول لا يوازي فضل القرآن الكريم والسنة النبوية المطهّرة، ومع ذلك صار البعض يحمّله أكثر مما يحتمل، وربما وضعه في مرتبة تماهي مكانتهما، في حين أنهما مصدران «فوق الدستورية» وأن قدرهما أكبر من المصطلحات المستحدثة، مما يعني أن وصفهما بالدستور هو انتقاص من مقدارهما، فالدستور (constitution) معني بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم، يدلّل في القانون الدولي على «المبادئ الأساسية المنظّمة للسلطات الرئيسية الثلاث والعلاقة بينها، ولتبيان نظام الحكم وشكل الدولة، ولتوضيح حقوق الحاكم والمحكوم وواجباتهما» في حين أن القرآن الكريم نظام سماوي والسنة المطهّرة تشريع نبوي ينظّمان حياة الإنسان وشؤونه فيما هو أعمّ وأشمل.
ولقد صار الحرج في المملكة العربية السعودية يتوارى تدريجيا، بعد أن صدر النظام الأساسي للحكم عام 1992 وأصبح بعض الفقهاء كالشيخ محمد بن جبير رئيس مجلس الشورى يعُدّونه مجازا في المحافل الدولية بمثابة الدستور شكلا ومضمونا، لأنه يضمّ في مواده كثيرا من القواعد المنظّمة لشؤون الحكم وشكل الدولة وعلمها، كما يؤكّد على ديانة المجتمع وعلى مرجع السلطات الدستورية الثلاث، وعرَف بأسس اقتصادها ومواردها وبجغرافيتها، إلى غير ذلك من القواعد المكتوبة المنظّمة للحكم، فالمقصود بـ«الإصلاحات الدستورية» هنا هو: مجموعة الإصلاحات الإداريّة والسياسيّة والتنظيميّة التي تبنّاها الملك فهد منذ أن كان نائبا ثانيا لرئيس مجلس الوزراء، ثم وليّا للعهد، وانتهاء بالأنظمة الأساسية التي صدرت بعد تولّيه الحكم، بهدف تنظيم السلطات العليا ومجالسها في البلاد.
وأحسب أن توظيف مصطلح «الإصلاحات الدستورية» في العنوان يبقى الأكثر ملاءمة للدلالة على المعاني المقصودة في السياق، لكونه يمسّ جميع مؤسسات الدولة وسلطاتها ويجمع بين الإداري والسياسي والتنظيمي، أما المقصود بالشقّ الثاني من العنوان «الحوارات» فهو النهج الذي اتّبعه - ملكا - في لقاءاته الدوريّة المتكرّرة للحديث مع طلّاب الجامعات وفروعها والمبتعثين ومع أعضاء مجلس الشورى ومع القيادات الإعلامية، وكانت حوارات عامة تبادليّة مفتوحة تمتدّ لساعات، ولعل بين نهج الحوار المفتوح ومنهج الإصلاح المجتمعين في فكره، من التلازم ما سوّغ جمعهما في عنوان واحد، لكونهما يُمثّلان - في العلوم السياسية - جناحي الفكر الحديث المنفتح للقيادة، وبعض مرتكزات رجل الدولة والزعامة السياسية المتطوّرة.
يلحظ من يقرأ في تطوّر الحكم والإدارة في المملكة العربية السعودية، أن عملية الإصلاح، قد بدأت - وبكثافة - منذ أن تفرّغ الملك المؤسس في العشرينات لتنظيم شؤون الدولة بعد دخول الحجاز في الحكم السعودي، ولقد سهّل وجود بعض التنظيمات العثمانية في الحجاز لأن يُبنى عليها ويُعمل على تطويرها، وكان الأخذ بمنهج الشورى من الأمثلة الواضحة على ذلك، فلقد بدأ بتكوين نواة سميّت المجلس الأهلي ثم المجلس الاستشاري ثم الشوري في خطوات متسارعة انتهت - في غضون عامين - إلى الرسوّ على تسميته مجلس الشورى مكوّنا من ثمانية أعضاء منتخبين مع إصدار نظام له مطلع عام 1926م وصار يتطوّر - عددا وتنظيما واختصاصات - حتى عام 1932م الذي أُعلن فيه بيانُ توحيد البلاد تحت اسمها الحالي: المملكة العربية السعودية، وفي ذلك البيان، وجّه الملك عبد العزيز مجلس الوكلاء - السلطة التنفيذية في حينه - بوضع نظام أساسي مكتوب للبلاد، يوضح قواعد توارث الحكم وانتقال السلطة في البلاد، وقد أعد مجلسا الوكلاء والشورى بعد ثلاثة أعوام مشروع النظام المطلوب، وشاء الله أن تنشغل البلاد بعد تلك الفترة - بالتطورات السياسية والإدارية ومن بينها ظروف نشوب الحرب العالمية الثانية وتبعاتها الاقتصادية والأمنية - قبل أن يتحقق ما أمر به الملك، غير أن السلطات الثلاث، القضائية والتشريعية والتنفيذية، كانت تعمل متناغمة مع وجود مجلس الوكلاء طيلة السنوات الثلاثين الأخيرة من عهد الملك عبد العزيز، ثم بعد تحويله إلى مجلس للوزراء قبيل عهد الملك سعود. وفي أواخر عهد الملك سعود (1962) تبنّى مجلس الوزراء برئاسة ولي العهد الأمير فيصل مشروعا من عشرة بنود سُمّي «منهج الإصلاح الداخلي» تضمّن الكثير من أوجه التطوير والإصلاح التي كان الرأي العام المحلي يتطلّع إليها، وقد نُفّذ في حينه معظم بنود ذلك البرنامج، ثم بدأ في عهد الملك خالد - الذي استمر نحو ثمانية أعوام اضطلع فيها ولي العهد الأمير فهد بتسيير مقاليد الأمور السياسية والإدارية للبلاد - بدأ نشاط متواصل لإعادة النظر في العلاقة بين السلطات الدستورية، ولوضع التنظيمات الحديثة لكل من مجلسي الوزراء والشورى على أسس جديدة وواضحة من التكامل في المسؤولية وفصل السلطات، فتشكّلت في عام 1980م برئاسة وزير الداخلية (الأمير نايف) لجان لإعداد مشروع للنظام الأساسي للحكم، ولتحديث أنظمة مجلسي الوزراء والشورى ومجالس المناطق، وكان المراقب الإعلامي والإداري يستطيع - من خلال تكوين اللجان وصياغة الأفكار ومن لغة التنظيمات التي أفرزتها تلك الاجتماعات - أن يلحظ بصمات النفس التنظيمي والفكر السياسي للفهد، خاصة وقد ظهرت نتائجها في عهده، وكان من الواضح للكثيرين من معاصريه قبل تولّيه الحكم وفي أثنائه، أنه كان ذا فكر يميل نحو الانفتاح والتجديد ومواصلة مسيرة الإصلاح التي بدأت نواتها (لجنة التفتيش والإصلاح) في عهد والده المؤسّس منذ العشرينات.
ومع أن الظروف السياسية المعقّدة التي أحاطت بالبلاد في عهدي الملك خالد والملك فهد - منذ حادثة احتلال الحرم المكّي (1989) والمشكلة الأفغانية والحرب العراقية الإيرانية ثم حادثة احتلال الكويت (1990) وما أفرزته تلك الأزمات من مخاضات عميقة التأثير في الأوساط المحلية والإقليمية - قد جعلت صياغة الأنظمة تأخذ منحى متحفّظا نسبيّا عن أن تولد بمستوى التوقّعات المأمولة (كمشاركة المرأة والانتخابات في مجلس الشورى) لكنها لم تكن لتمنع الملك فهد من تلمّس «فن الممكن» لمواصلة مسيرة الإصلاح السياسي، وقد أشبهت تلك الظروف إلى حد ما، التحوّلات التي أحاطت بالبلاد في أعقاب ثورة اليمن وجعلت الملك فيصل المعروف بفكره التقدّمي يتبع سياسة حذرة ومتدرّجة في تنفيذ منهجه الإصلاحي السابق ذكره.
فلقد شهد عهد الملك فهد مشاريع إصلاحية مدروسة بُني عليها تحديث الكثير من المؤسسات الدستورية، وتأسيس حقبة من الحراك السياسي الداخلي والمشاركة الشعبيّة، وقيام صور جديدة من نشاطات المجتمع المدني، مثل: إنشاء الجمعية الوطنية (الشعبية) لحقوق الإنسان وهيئة حقوق الإنسان (الرسمية) وتأسيس مركز الحوار الوطني، وتنظيم عودة انتخابات المجالس البلدية في ظل نظام المناطق، ونحوها مما يصبّ في تعزيز الإصلاحات الحقوقية وإشاعة ثقافة الحوارات.
من بين حزمة الأنظمة المهمة التي صدرت مجتمعة عام 1992 كان النظام الأساسي للحكم الوثيقة الأهم والأشمل، وكان المظلة الدستورية التي تغطّي الثوابت والأسس وكل ما يتعلق بشؤون الحكم وشكل الدولة وديانتها ونظامها السياسي والشوري واقتصادها وحقوق الإنسان فيها وأسلوب توارث الحكم الملكي فيها، فضلا عن التأكيد على أنها دولة مؤسسات، فصدر النظام في تسعة أبواب تضمّ ثلاثا وثمانين مادة، تناولت مختلف الجوانب التي تتضمّنها الدساتير عادة، كما تناول أحد أبوابها بشكل مجمل قضية وراثة الحكم. في عام 1992 أيضا صدر أمران ملكيان بنظامين ؛ أحدهما لتحديث مجلس الوزراء (بوصفه السلطة التنفيذية) والآخر لتحديث مجلس الشورى (بصفته السلطة التنظيمية - التشريعية) وقد حدد النظامان اختصاصات المجلسين وارتباطهما بالملك بوصفه مرجع السلطات، كما حدّدا العلاقة التكاملية بين المجلسين، بما جعلهما معا يشتركان في إصدار الأنظمة، وعلى جانب السلطة القضائية، صدرت في أواخر عهد الملك فهد مجموعة تشريعات بالغة الأهمية لاستكمال منظومة الهيكل القضائي للبلاد وتطوير الإجراءات، كان منها نظاما القضاء والمرافعات.
ولم تتوقّف مسيرة الإصلاح في عهد الملك فهد عند إصدار الأنظمة الرئيسية المذكورة، فلقد تضمّنت كلمة الملك في مجلس الشورى عام 2003 نصوصا بالغة الصراحة والشفافية تعبّر عن النيّة في المضي بمنهج الإصلاح السياسي والدستوري، وبتوسيع آفاق المشاركة السياسية للمواطنين، وقد طلب الملك من الوزراء موافاته بجوانب التطوير والإصلاح التي يمكن أن تحقق مزيدا من تلك الأهداف، وكان ذلك الخطاب من أقوى ما مر على مجلس الشورى في تاريخ المملكة من كلمات سامية، واكتسب مجلس الشورى في العام نفسه زيادة في صلاحياته كان من شأنها تكريس مسؤوليّته التشريعية وتعزيز مرجعيّته بالنسبة للأمور التي يختلف معه مجلس الوزراء بشأنها، وقد جاء ذلك الخطاب قبل نحو عامين من وفاة الملك فهد.
أما بالنسبة لمجالس المناطق، فكان قد صدر أول نظام حديث للمقاطعات عام 1963 عندما كان الأمير فهد على سدة وزارة الداخلية، وأوضح النظام التقسيمات الإدارية للمناطق على نحو مقارب لما هي عليه الآن، في حين أُحدث في وزارة الداخلية قطاع يعنى بشؤون تلك المقاطعات، وقد بقي النظام معمولا به نحو أربعين عاما، حلّ محله نظام المناطق الذي أصدره الملك فهد في أربعين مادة عام 1992 قُسّمت المناطق بموجبه إلى ثلاث عشرة منطقة، تتضمن عددا من المحافظات والمراكز بُنيت على أساس التقسيم الإداري والجغرافي والسكاني للبلاد، ويتولّى أمراء المناطق إدارتها وحفظ الأمن والنظام فيها وتنفيذ الأحكام الشرعية، وتطوير الخدمات الاجتماعية والاقتصادية والإدارية، وبحسب هذا النظام أُنشئ مجلس لكل منطقة برئاسة الأمير وعضوية نائبه ووكلائه ورؤساء الأجهزة الرئيسية الحكومية ومحافظي المحافظات وعدد من الأهالي من أهل العلم والخبرة.
ولقد برز من نهج الملك فهد في السنوات الثلاث الأولى من حكمه، حرصه على الالتقاء المباشر بالطلاب - ذكورا وإناثا - في الجامعات وفروعها، وبالمبتعثين الذين تجمّعوا في المدينة الرياضية بجدة، فشهدت تلك السنوات لقاءات مفتوحة مطوّلة، تحدّث فيها - مرتجِلا - أحاديث تلقائية، تطرّق فيها إلى ما كان يجول في خاطره وفي خاطر محاوريه في شؤون الوطن ومن الأحداث السياسية المحيطة بالمنطقة، كما كان يلتقي مع أعضاء مجلس الشورى في بداية كل سنة شوريّة، ويعقد لقاءات دوريّة مع الصحافيين المحليين ومسؤولي الإعلام بحضور الوزير ووكلائه، وذلك بغرض تزويدهم بالخلفيّات السياسية للأحداث ولتفسير مواقف المملكة نحوها، بما يساعدهم على قراءتها بشكل واعٍ عندما تتناولها صحفهم، وكان التلفزيون المحلي يعرض تلك الحوارات بأكملها، كما تقوم الجامعات ومجلس الشورى ووزارة الإعلام بطباعة هذه الأحاديث والحوارات في كتيّبات في حينه، وكان من ملامح تلك الحوارات وضوح الرؤية وسلاسة التعبير والإسهاب في تبيان المواقف التي تتخذها الحكومة تجاه بعض القضايا الداخلية والخارجية، ووقوفه مباشرة على المشكلات التي تواجه الشباب خاصة والمواطنين بعامة، من دون وساطة بيروقراطية، وكان يُصدر أحيانا توجيهات فوريّة بالحلول المطلوبة متى ما اقتنع بوجاهتها، أو يطلب الكتابة إليه بتفصيل الموضوع متى ما كان الأمر بحاجة إلى دراسة يليه اتخاذ قرار بأداة نظامية من مجلس الوزراء مثلا.
وقد بدت في حواراته المهارة السياسية في التوفيق بين متطلبات السريّة والكتمان من ناحية ومتطلّبات الشفافية من ناحية أخرى، كما كانت أحاديثه تتسم بدعابات تجعل من تلك الحوارات جلسات محببة للشباب، وبسعة صدر تخفف من عناء طولها، في روح من الودّ المتبادل التي أضافت إلى شعبيّته وتثبيت مكانته في قلوب الحاضرين والمتابعين، وقد شهد كل من عايش تلك الحوارات كيف كان يتقبّل بصدر رحب كل المداخلات والأسئلة، لا يستبعد شيئا منها أو يعتذر عن عدم الإجابة عنها. ومثّلت الحوارات فرصا دسمة لوسائل الإعلام الداخلية والخارجية لاستقاء المعلومات والأخبار منها، ومواد للاستشهاد بها والاقتباس منها، كما شكّلت نصوصها مادة توثيقية مهمة تضاف إلى سيرته، واستفاد منها معظم من كتب عنه في أثناء حياته وبعد وفاته، وكانت تلك الحوارات من السمات المتقدمة في شخصيّته ومنهاج حكمه، وهي سمات تلازم الزعامات السياسية المنفتحة على مواطنيها في النظم العصرية التي تهتم بقياسات الرأي العام والتواصل مع شعوبها. وكانت تلك الحوارات في حينها مؤتمرات صحافية ينتظرها الطلاب والإعلاميون والشوريّون للتعبير عن همومهم، وأعطت نماذج مثلى للمسؤولين والوزراء للانفتاح على المواطنين والخروج من المكاتب المغلقة، كما أبرزت جوانب من شخصيّته القيادية ومن فكره السياسي، ما كان من الممكن للمواطن العادي أن يستكشفها من دون هذه الوسيلة التي كانت تصل مباشرة إليه دونما تدخّل رقابي أو تحسينات. وبعد: لقد شكّلت القدرات القيادية في شخصية الملك فهد في عهوده السياسية الثلاثة، وخاصة في جانبي الإصلاحات الدستورية والإدارية والحوارات الجمعية، منعطفا تاريخيا مهما في تجديد دماء الحُكم وفي تقوية دعاماته وتوسيع دائرة المشاركة السياسية الوطنية، وهو ما وصفتُه في حينه بأنه أشبه بــ«ميلاد جديد للدولة» وأحسب أنه لو لم يتزامن عهده الذي دام قرابة ربع قرن مع بعض النوازل التي عصفت بالمنطقة وتسببت في أن تعتري تلك الفترة نظرة محافظة اضطر معها السير بدفة البلاد إلى شواطئ الأمان في عالم متلاطم الأمواج، فلربما كان لمسيرة الإصلاح السياسي والدستوري شأن آخر، ومع ذلك، فإن جوانب الإصلاح التي ذُكرت نماذج منها، لم تحظ بعد من المؤسسات التعليمية والبحثية بما تستحقه من تحليل علمي يتناسب وأهميته، خاصة أن المصادر متوافرة والمعلومات لم يمض على رحيل شخصيّتها سوى عقد من الزمن.

ـ محاضرة ألقيت في الندوة العلمية لتاريخ الملك فهد، الرياض.
* إعلامي وباحث سعودي



لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس
TT

لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس

خصّص برنامج «المكتبة الكبرى» (La Grande Librairie) على قناة «فرنس 5» حلقتَه الأسبوعية لسؤال يبدو في ظاهره خفيفاً، لكنه يمسّ في حقيقته أعمق ما يطرحه الوجود الإنساني من تساؤلات: لماذا نحتاج إلى الضحك؟ هذا السؤال الذي شغل الفلاسفة والأدباء منذ أرسطو إلى يومنا هذا عاد ليطفو بقوة على السطح الثقافي في هذه المرحلة تحديداً، وكأن الزمن يُلحّ عليه من جديد، حيث لم يعد الضحك من الذات والعالم ترفاً ثقافياً، بل بات شكلاً من أشكال المقاومة الصامتة في عصر القلق الجماعي والأزمات السياسية والاجتماعية.

رابليه

استقبل المقدّم أوغوستان ترابنار في برنامج «المكتبة الكبرى» نخبةً من الكتّاب والروائيين، وعلى رأسهم ديفيد فونيكينوس الحاصل على جائزة «رونودو»، الذي قدّم روايته الجديدة «أنا مضحك» (Je suis drôle)، (دار غاليمار). وأول ما لفت الانتباه هو شعار الإهداء الذي اختاره الكاتب وهي مقولة صموئيل بيكيت: «لا شيء أكثر إضحاكاً من الشقاء». هذه الجملة، على وجازتها، تلخّص فلسفة كاملة في الضحك: إنه ليس نقيض الألم، بل هو أحياناً وجهه الآخر، وقناعه القابل للارتداء. وقد أكد فونيكينوس في حواراته حول الرواية أن للضحك اليوم «قيمة تشبه الملاذ، لا غنى عنها»، وأن العصر الذي نعيشه، بكثافته وتوتراته، يجعل الفكاهة «أقصر الطرق لخلق المشاعر ولتوثيق الروابط بين البشر».

غير أن هذا السؤال لم ينتظر فونيكينوس ليُطرح. فقد تأمله رابليه في القرن السادس عشر حين صاغ عبارته الخالدة في مقدمة «غارغانتوا»: «الضحك خاصية الإنسان»، معلناً بذلك ثورة جمالية ومعرفية تجاوزت حدود الفكاهة لتمسّ صميم التعريف الإنساني، ولم يكن رابليه يقرّر ظاهرةً بيولوجية، بل كان يُعلن موقفاً فلسفياً وهي أن قدرة الإنسان على الضحك تفصله عن الحيوان، وهي الدليل على حريته في مواجهة الضرورة. في رواية «غارغانتوا» لا يضحك الملك العملاق غارغانتوا لمجرد التسلية، بل يكشف بسخريته الشعبية الصاخبة التناقضات الاجتماعية والفلسفية لعصره. ولهذا عدّ ميلان كونديرا الروائي الفرنسي التشيكي المعروف أن تاريخ الرواية الأوروبية بأسره قد بدأ مع ضحك رابليه، عادّاً بأنه «لحظة استثنائية في ميلاد فن جديد». أما جورج برنارد شو، الكاتب الآيرلندي المعروف فقد جعل من السخرية سلاحه الأدبي الأبرز، حيث استخدمهما لفضح المجتمع البرجوازي ومؤسساته. في مسرحيته «بيجماليون»، يستخدم السخرية ليبين كيف تُصنع الفردية والقيمة الإنسانية من قبل المجتمع، فالبروفسور هيغينز يحول الفتاة الفقيرة إلى «سيدة» ليس بسبب مواهبها الخاصة، بل بأدوات المجتمع وقيمه المصطنعة، والضحك هنا يكشف النفاق الاجتماعي وأثره. أما في «السلاح والرجل»، فيستخدم الفكاهة الحادة ليناقش موضوع الخير والشر، من خلال قصّة مصنع السلاح الذي يصبح أكثر فاعلية في مكافحة الفقر من جميع المؤسسات الخيرية، وهنا تصبح السخرية أداة لتشخيص مرض الحضارة المعاصرة. هذه الرؤية تحمل تناقضها الداخلي: الضحك يحرر لكنه يقيد، يجدد لكنه يلزم بالمعيار. وقبل برنارد شو، كان بودلير قد تناول في مقالة نقدية بالغة الأهمية بعنوان «جوهر الضحك»، (Essence du rire) أنواع الضحك التي يراها إما: «كوميديا معنوية» أخلاقية تنقد المجتمع، وإما «كوميديا مطلقة» تتخطى المعيار الأخلاقي لتكشف تناقضات الوجود بعيداً عن أي مصلحة في الإصلاح. وهذا التمييز البودليري يُضيء لنا سرّ الكتّاب الذين يضحكون دون أن يسعوا إلى إضحاك أحد: إنهم يستخدمون الكوميديا المطلقة لتشريح العالم لا لتجميله.

جورج برناردشو

وفي التراث العربي، خطّ المتنبي عبارته التي تختزل الأدب الساخر برمّته في بيته الشهير: «وكم ذا بمصر من المضحكات... ولكنه ضحك كالبكاء» فالضحك العربي، في أعمق تجلياته الأدبية، لم يكن يوماً ضحك الراضي ولا ضحك المنتصر، بل كان في الغالب ضحك المجروح الذي وجد في السخرية طريقه الوحيد للتعبير عن وجعه دون أن ينكسر. وقد أدرك الجاحظ، الذي يعدّه كثير من النقاد مؤسسَ الأدب الساخر في العربية، هذه الحقيقة حين صاغ «البخلاء»، ذلك العمل الذي يبدو في سطحه سرداً فكاهياً لحياة البخلاء ونفسياتهم، لكنه في جوهره تشريح اجتماعي دقيق للنفس الإنسانية في مواجهة المال والجشع والوهم. كما وظّف نجيب محفوظ الفكاهة الاجتماعية في أعماله بوصفها عدسةً كاشفة للفوارق الاجتماعية والطبقية في المجتمع المصري، حتى إن السخرية في «ميرامار» أو «اللص والكلاب» تبلغ أحياناً حدّ المأساة، وتُذكّرنا بأن الحدّ الفاصل بين الكوميديا والتراجيديا في الأدب الكبير في أوقات كثيرة ما يكون وهمياً.

بودلير

والواقع أن الكاتب الذي يلجأ إلى الضحك لا يفعل ذلك لأنه فوق الجرح أو بمنأى عنه. بل إنه في أحيان كثيرة يلجأ إليه لأنه غارق في الجرح إلى الحدّ الذي لا يرى معه مخرجاً سوى تحويل الوجع إلى لغة قابلة للتداول. وهذا ما لاحظه فونيكينوس حين قال في حواره مع برنامج «المكتبة الكبرى»: «كثيراً ما يربط الظرفاء بين طفولتهم القاسية والرغبة في إضحاك الآخرين. وكأن الضحك هو وسيلة لشفاء الأحزان وملء غياب ما...». فبطل رواية فونيكينوس طفل يتيمٌ في الخامسة من عمره، يكتشف أن الضحك هو الطريق الأقصر إلى المحبة وإلى الاعتراف، لكنه يكتشف أيضاً، بعد سنوات من المحاولة، أن الضحك حين يصبح مهنةً وهويةً يتحوّل إلى فخّ يلتصق بصاحبه كالقناع بالوجه، يستحيل خلعه. وهذه الصورة ليست اختراعاً روائياً خالصاً، فتاريخ الكوميديا الكبرى مليء بالكتّاب الذين عاشوا هذا التناقض بأجسادهم: من موليير الذي كتب «المريض بالوهم» وهو يحتضر فعلاً على الخشبة، إلى تشيخوف الذي تناول الأوضاع الاجتماعية بالسخرية في قصصه القصيرة، وصولاً إلى بيكيت الذي قرّر في مسرحياته أن الشقاء نفسه هو المادة الكوميدية الأكثر خصوبة، فأبطال مسرحيته الشهيرة «في انتظار غودو» يضحكون لأنهم لا يجدون ما يفعلونه، ويضحكون لأن الضحك أهوَن على النفس من الاعتراف بأن الانتظار لن ينتهي.

العصر الذي نعيشه وتوتراته يجعل الفكاهة أقصر الطرق لتوثيق الروابط بين البشر

فونيكينوس

وما يُلاحظه المتابعون لصناعة الأدب في السنوات الأخيرة هو ارتفاع حادّ في الأعمال التي تتخذ من الفكاهة والتهكم أدواتٍ رئيسية، في مرحلة يصفها كثيرون بأنها من أشدّ مراحل القلق الجماعي وتراجع الثقة بالمستقبل. وهذا ليس مصادفةً؛ إذ أشار الفيلسوف الأميركي سايمون كريتشلي في كتابه «حول الفكاهة» (On Humour) إلى أن الفكاهة الحقيقية تنطوي دائماً على اعتراف بالهشاشة، وأنها تُنشئ مسافةً بين الذات والواقع، لكي تجعل الواقع قابلاً للاحتمال دون إلغائه. بيد أن الأدب، بخلاف الفكاهة الرقمية الآنية التي تملأ منصات التواصل الاجتماعي بنكاتها السريعة، لا يكتفي بهذه المسافة الوقائية. إنه يسأل عن التكلفة، وعن الثمن، وعما يُخفيه الضحك وما يُفصح عنه في الآن ذاته. ولهذا تبقى الكتابة الساخرة أقرب إلى التشخيص منها إلى الترفيه: إنها لا تُلطّف الجرح بل تُضيئه.


«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب
TT

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

تتخذ مجموعة «المسافة صفر»، للقاص والروائي المصري محمد رفيع من آثار الحروب موضوعاً لها، ليس فقط الحرب الأخيرة في غزة، رغم حضورها بقوة بدءاً من عنوان المجموعة الذي يحيل إليها بجلاء، وكذا تبرز هذه الحرب في بعض القصص، لكن الأهم على مدار معظم النصوص هو الحرب بوصفها فكرة، ومن ثم يمكن إزاحة الدلالات من كونها تخص حرباً محددة، إلى فكرة إبادة الإنسان للإنسان، منذ بدء الخليقة إلى الآن، فضلاً عن آليات مقاومة الفناء، ومجابهة الموت، فقد استطاع الكاتب أن يوسع الفكرة، ويضفي عليها أبعاداً فلسفية ووجودية، عن الحق والخير والجمال، الوجود والعدم، الحرب والسلام، الجلاد والضحية، الشر والخير، وفي سعيه لهذا التوسع الدلالي، لم يحدد مدينة بعينها، بل كان حريصاً على أن تكون الفضاءات المكانية بلا اسم، كأن يقول المدينة أو القرية، لتنسحب الأحداث على أي مدينة تشهد حروباً وقصفاً يصيب أطفالاً ونساء عُزلاً، ولا قدرة لهم على خوض حرب، بل لم يستشرهم أحد في إشعال فتيلها، لكنهم أول من يكتوي بنيرانها.

كل أبطال قصص المجموعة تقريباً يعيشون على التخوم بين الحياة والموت، يمارسون حياتهم على حافة الخطر، في انتظار رصاصة طائشة أو شظية، بينما الموتى حاضرون رغم غياب أجسادهم، فثمة تبادل واضح للحضور والغياب يتبدى في أكثر من نص قصصي. ففي ثنايا السرد يتمكن الموتى وضحايا الحروب من الكلام، من التعبير، من الغناء حتى في قبورهم، في مقابل أن الأحياء يلتحفون الصمت المشحون بالخوف والرهبة، وتوقع الانتقال العبثي إلى الضفة الأخرى من الوجود، دون ذنب اقترفوه، يرحلون بوصفهم ضحايا لصراعات أكبر منهم، وحياتهم مثقلة بالتوتر.

المجموعة صادرة عن دار «روافد» للنشر والتوزيع في القاهرة، وتتكون من خمس وعشرين قصة قصيرة متراوحة الطول والعوالم. تبدأ بقصة «لن تموت جوعانَ»، التي يرويها طفل، مندهشاً من حرص أبيه على أن يطعمه هو وأخوته كل ليلة طعام العشاء، حتى لو كان قطعاً من الخبز الناشف، يقول الطفل: «أنا لا أفهم، كل شيء في هذه المدينة بلا معنى: الموت، القنابل، البرد، الأخبار، صمت الأمم. فلماذا يصر أبي على أن نأكل كل مساء؟»، هذا التساؤل الاستنكاري من الطفل، الذي لا يفهم حكمة تصرف الأب إلا حين يصيب القصف بيتهم، ويموت أبوه، ويخرج هو من تحت الركام وفي يده قطعة خبز، فيعرف حرص الأب على أن يحمي أولاده، على الأقل من الجوع، ما دام أنه لا يستطيع أن يحميهم من الموت، فعلى الأقل لا يموتون وهم جوعى.

وفي إطار التوسع الدلالي، تأتي قصص أخرى بعيداً عن الحرب، لكنها لا تخلو من دلالات القهر والعسف، ومنها قصة «أرض بلا ظل»، التي تأخذ منحى أقرب إلى العوالم الغرائبية، عبر فكرة فانتازية، مع ترك المكان دون تحديد، عن مدينة لا أحد فيها يملك ظلاً، فأهلها جميعاً بلا ظلال، رغم أن الشمس فيها لا تغيب، لكنها تسقط عليهم عمودية فوق الرؤوس، لكن في يوم غائم شهدت المدينة مولد طفل خرج من رحم أمه، وحين رأته القابلة وجدته يحمل ظلاً، وعاش حياته وظله لا يفارقه، فصار منبوذاً بوصفه خارجاً على قواعد المدينة، وخضع لتحقيقات من السلطات التي اعتبرته خطراً؛ لأن ظله يربك السكان، ويجعلهم يتذكرون ما لا يجب تذكره، وفي نهاية التحقيقات «طلبوا منه أن يتخلى عنه، أن يخلع ظله، كما يخلع الحذاء على العتبات، أن يسلّمه في كيس مختوم، ويعود نظيفاً. رفض فعوقب. نُفي إلى الجهة المظلمة من المدينة، حيث الشمس لا تشرق». في نقد واضح وتفكيك للأفكار الشمولية، التي تريد أن تسرق من الإنسان حتى ظله، وتحيله معنوياً إلى جثة في قبر، تميته وتقتل قدرته على الاختيار، فالجثث والموتى ليسوا نتيجة الحروب فقط، بل يمكن أن يكونوا نتيجة الظلم والقهر أيضاً.

تحفل المجموعة بكثير من القصص التي تتخذ مثل هذا المنحى الغرائبي، عبر أفكار مبتكرة وطازجة، وكلها تنحاز للإنسان، ومفعمة بالحمولات الرمزية، ومنها قصص «وردة في الحرب»، و«مدينة السعال»، و«الدرس الأخير في المدينة الأخيرة»، و«مهرب الضحك»، و«نشرة القصص»، و«الموتى يلعبون النرد» و«قتل الحواس»، وغيرها من القصص التي تتراوح بين ثنائية قتل المعاني والقيم الإنسانية، وصولاً إلى تصفية الإنسان وإفراغه من وجوده، مثل قتل حواسه في إحدى القصص، وهناك قصص أخرى تقدم معاني المجابهة، ومحاولة الحفاظ على هذه القيم، مثلما يتبدى في قصة «كتاب ما لم يحدث»، التي تروي حكاية عن مجموعة من الأطفال يكتبون وصاياهم الأخيرة، استعداداً للموت في أي لحظة، وكلها وصايا تليق بطفولتهم البريئة، مثل «لو مت خلوا بابا يضحك شوية، قولوا لأخويا إني مش زعلان منه، ادفنوني بالحذاء الأحمر، خلوا ماما تنام على سريري يوم بس»، فتنتشر في المدينة كتابة الأطفال لوصايا على هذا المنوال في أوراق وقصاصات صغيرة، وسرعان ما تتحول إلى الكتابة على الجدران، ثم تنتشر حمى كتابة الرسائل من الصغار إلى الكبار، وتنتهي القصة نهاية غرائبية كعادة قصص المجموعة، لكنها شديدة الاتصال بالواقع وقضاياه، يقول الراوي: «وفي صباح خريفي رمادي، استيقظ الجميع على صوت في السماء، طيور من ورق، ملونة، تحمل في مناقيرها القصيرة قصاصات صغيرة... واحدة فقط سقطت على رأسي. فتحتها، فوجدت مكتوباً بخط رفيع جداً: لو مت اكتبوا لنا نهاية غير دي».

إلى جنب الغرائبية، نهضت المجموعة على قدر كبير من عدم التحديد، فإذا كان المكان عائماً وغير متعين في الأغلب، فإن الزمان أيضاً بدا غير محدد، باستثناء الزمن الفلكي من صباح ومساء ونهار وليل، لكن لا يوجد زمن تاريخي مرجعي محدد، يمكن أن يستدل منه القارئ على حقبة زمنية بعينها، كما أن الشخوص أيضاً تبدو في كثير من النصوص بلا أسماء، بل أقرب إلى أدوار وظيفية أو دوال رمزية، أطفال أو كبار، أو شخصيات تعرف بأعمالها ووظائفها، أو جثث غير مسماة. وهذا النزوع نحو عدم التحديد المكاني والزماني، وكذا في الشخصيات المروي عنها، يجعل الدلالة غير محددة بحادثة واحدة ولا حرب بعينها، بل أقرب إلى نقد وتفكيك فكرة الحرب والدمار ذاتها، انحيازاً للإنسان وحياته في كل مكان وزمان.


الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين
TT

الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين

يكشف كتاب «سلطة الكلمة - مسالك لدراسة أدب طه حسين وفكره»، الذي يضم عدداً من الدراسات القيمة لثلاثة من النقاد والباحثين التونسيين هم منجي الشملي وعمر مقداد الجنمي ورشيد القرقوري، عن موقف عميد الأدب العربي من فكرة الحرب وكيف تطورت، حيث أصبح يرى فيها أداة لتخريب البلدان والحضارات، بعد أن كان يعتقد أنها ميدان لإظهار الشجاعة والدفاع عن النفس.

ويشير القرقوري إلى أن صاحب رواية «الأيام» تأثر في ذلك بمجريات الحرب العالمية الثانية، وما شهدته من دمار واسع ودماء سالت حتى كادت تغطى كوكب الأرض، فعبر عن نفوره منه عبر روايته «أحلام شهرزاد»، والتي ساق فيها موقفه من القتال غير المبرر والعنف غير المشروع على لسان شخصية «فاتنة».

تسعى تلك الشخصية حثيثاً إلى تجنب الحرب مع أعدائها كما صورها، وبعد أن اضطرت إلى الحرب تحاول جاهدة الابتعاد بالمعارك عن مدنها ومدن أعدائها حفاظاً على حضاراتها وعمرانها بل إنه أجرى على لسانها أنها «لن تغزو أحداً في مستقره، ولكنها ستغزوهم حول هذه المدينة».

ويواصل طه حسين على لسان بطلته في الرواية إبراز خطورة الحرب على الناس والحضارة، ملحاً على أن دور الجيوش ليس التحطيم والتهديم، بل البناء والتشييد، ذلك أن الجيش في تصوره عنصر حضارة وتطور.

تقول «فاتنة» لقادة جيشها المتشوقين للقتال: «إن الجيوش وسيلة لاتقاء الحرب لا لابتغائها، وأداة لدفع الشر لا لاجتلابه، أفإن جُنبتم الحرب وضُمنت لكم السلامة تضجون وتعجبون؟ من شاء منكم أن يغامر فليغامر بنفسه لا بالأبرياء من جنده».

هكذا أضحت شخصية «فاتنة» التي بعثها طه حسين إبان الحرب العالمية الثانية وسيلة للتعريض بالحاكم الذي لا يقي شعبه ويلات الحروب، وهي بمواقفها هذه تعلمه الرفق بالناس، وتدعوه إلى نبذ المغامرات العسكرية التي تزينها له شهواته الجامحة ومصالحه الذاتية، والتي تعود بالوبال على الإنسان وعلى الحضارة عموماً.

وتخاطب «فاتنة» أباها منددة بسلوك أعدائه من الملوك فتقول:

«ولكن الملوك أثاروا حرباً ظالمة لم تقتضها مصلحة عامة، ولم تدع إليها منفعة عاجلة أو آجلة لأمة من أممهم أو شعب من شعوبهم، إنما اتبع كل منهم هواه وركب رأسه وانقاد لشهوته الجامحة».

ولعل المؤلف يشير ضمنياً بكلام «فاتنة» إلى قادة النازية وقادة الفاشية الذين أشعلوا نيران الحرب العالمية الثانية خدمة لمصالحهم العاجلة فألحقوا الدمار بالكون كله، وأضروا بالفكر والحضارة، فكانوا شبيهين بالذين اتحدوا لحرب «فاتنة»، بقصد إخضاعها لمشيئتهم وضم مدينتها إلى مدنهم، ولكنها رغم ما أتاها من ضيم تأبى أن تعرض الناس والحضارة إلى الأذى ولا تستثني من ذلك مدن أعدائها وسكانها.

دعت البطلة الروائية إلى حماية الشيوخ والأطفال والنساء من تبعات الحرب، ولا يكون ذلك ممكناً في رأيها إلا إذا ابتعد المحاربون بحربهم إلى الصحاري والقفار وتركوا المدن الآهلة بالسكان مطمئنة، وفي هذه الدعوة دون شك نقد بأسلوب الرمز لقصف الطائرات الألمانية للمدن المصرية وخاصة القاهرة التي لم يكن سكانها طرفاً في هذه المعركة بين الإنجليز والألمان.

واعتبر طه حسين هذا القصف عملاً حريباً يضر أشد الضرر بحضارة مصر، وخاصة بآثارها؛ لذلك أصر على أن ينال مقترفه عقاباً رادعاً، فجعل «فاتنة» تقترح على أبيها وعلى قائد جيشها إنزال أشد العقوبات بالحاكم الذي يزج بشعبه في حرب لا طائل من ورائها تضر بعمرانه وحضارته.

تقول «فاتنة» لقائد جيشها: «فإذا مثلوا بين يديك أو بين يدي وكلائك فخيرهم بين الموت أو بين أن يشهدوا على أنفسهم بالطغيان وإهدار حقوق الشعوب، فأيهم اختار الموت فجرّعه كأسها وأيهم اختار الحياة، وكلهم سيختارونها، فليشهد على نفسه أنه طاغية مهدر لحق شعبه».

وقد عبر طه حسين عن هذا الموقف ذاته ودون رمز في مقال له، عنوانه «مستقبل الديمقراطية»، دعا فيه إلى اقتحام حدود ألمانيا وإذاقة الألمان طعم الهزيمة عقاباً لهم على ما اقترفوه من آثام في حق البشرية، فهم في رأيه قد خربوا العمران وأضروا بالحضارات.