بوتين يريد «استمرارية» العلاقة مع إسرائيل... وبنيت يحذّره من «طموحات» إيران

خلافات موسكو وتل أبيب حول سوريا لا تفسد «المصالح المشتركة»

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستقبلاً رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بنيت في سوتشي أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستقبلاً رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بنيت في سوتشي أمس (إ.ب.أ)
TT

بوتين يريد «استمرارية» العلاقة مع إسرائيل... وبنيت يحذّره من «طموحات» إيران

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستقبلاً رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بنيت في سوتشي أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستقبلاً رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بنيت في سوتشي أمس (إ.ب.أ)

عكست أجواء المباحثات التي أجراها أمس، في منتجع سوتشي الروسي، الرئيس فلاديمير بوتين، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بنيت، مدى حرص الطرفين على تجاوز مرحلة فتور سيطرت على علاقات موسكو وتل أبيب بعد تسلم الحكومة الجديدة مهامها، خصوصاً على خلفية تزايد الاستياء الروسي بسبب ضربات الطيران الإسرائيلي المتكررة على الأراضي السورية، ورفض الجانب الإسرائيلي اقتراحات موسكو بشأن تعزيز التنسيق والاعتماد على القوات الروسية لـ«مواجهة التهديدات ضد الدولة العبرية».
وغدا الملف السوري على رأس أجندة الحوار أمس، واستهل الرئيس الروسي المناقشات بالإشارة إلى تراكم «نقاط خلافية في الموضوع السوري»، لكنه استدرك سريعاً أن هذه الخلافات لا تُفسد المصالح المشتركة في سوريا، مشيراً إلى وجود «نقاط تلاقٍ» مهمة بين الطرفين أبرزها ضرورة مواصلة مكافحة الإرهاب.
وعكست هذه العبارات في مقدمة اللقاء، درجة صعوبة المحادثات التي مهّد لها الطرفان طويلاً، وتم الترتيب لها بزيارة لوزير الخارجية يائير لابيد، الشهر الماضي، هدفت إلى كسر الجمود في العلاقات والتحضير لاستعادة الزخم الذي شهدته علاقات موسكو مع رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو.
وبرز الحرص الإسرائيلي على إظهار أن العلاقات ودية من خلال حرص بنيت على الوقوف مع بوتين أمام الصحافيين وتبادل الحديث، لمدة زادت على دقيقة، بدلاً من المصافحة البروتوكولية السريعة التي تسجلها عدسات الكاميرات عادةً، قبل دخول قاعة الاجتماعات.
وكانت علاقات موسكو وتل أبيب قد شهدت مداً وجزراً واسعَين منذ اتخاذ روسيا قرار التدخل العسكري المباشر في نهاية سبتمبر (أيلول) 2015، إذ سارع نتنياهو إلى زيارة موسكو بعد أسابيع على بدء الحملة الروسية في سوريا، وأسفرت مناقشاته مع بوتين في حينها على اتفاق من ثلاث نقاط، استندت إليه علاقات الطرفين في سوريا في السنوات اللاحقة. والنقاط هي: عدم السماح بتحويل سوريا إلى مصدر تهديد لإسرائيل، وعدم السماح بتمركز قوى معادية لإسرائيل قرب المناطق الحدودية، فضلاً عن حق تل أبيب في توجيه ضربات ضد مواقع تنطلق منها تهديدات.
والتزمت موسكو بعد ذلك الصمت حيال الضربات الجوية الإسرائيلية على الأراضي السورية، لكنّ علاقات الطرفين واجهت أصعب اختبار في عام 2018 عندما تسببت غارة إسرائيلية تزامنت مع تحليق طائرة عسكرية روسية قرب اللاذقية عن خطأ في توجيه الدفاعات السورية أسفر عن إسقاط الطائرة الروسية.
ودفع التطور إلى تشديد موسكو لهجتها حول الغارات الإسرائيلية، واتخاذ قرار بتسليم دمشق نظاماً صاروخياً متطوراً من طراز «إس 300» لكنه لم يوضع قيد التشغيل منذ ذلك الوقت، إذ نجح نتنياهو بسبب علاقاته الشخصية المتينة مع بوتين في تجاوز الأزمة واستعادة التعاون الثنائي.
ومع تغيير الحكومة في إسرائيل، سادت تكهنات في موسكو حول تدهور محتمل في العلاقات مع تل أبيب، بسبب عدم اهتمام القيادة الجديدة «بتعزيز التنسيق مع موسكو والعمل بموجب التفاهمات السابقة» وانعكس ذلك في تشديد وزارة الدفاع الروسية من لهجة بياناتها ضد الغارات الإسرائيلية المتكررة بشكل تزامن مع الإعلان عن تزويد دمشق بأنظمة حديثة من طرازي «بوك» و«بانتسير» مخصصة لمواجهة هذه الغارات. وسَعَت موسكو إلى تغيير قواعد اللعبة مع تل أبيب من خلال إعلانها عن رفض استمرار الغارات واقتراحها أن تتحمل بنفسها مسؤولية «ضمان أمن إسرائيل ومنع التهديدات المنطلقة من سوريا».
في هذا السياق، تشكل الزيارة الأولى لبنيت إلى روسيا محاولة لتطبيع العلاقات وإعادة التنسيق إلى مستواه السابق. وهذا ما دفع بوتين إلى الحديث في مستهلّ اللقاء عن أمله في أن تحافظ الحكومة الإسرائيلية الحالية على «استمرارية العلاقات».
ووصف بوتين العلاقات الروسية - الإسرائيلية بأنها «فريدة» ومتّسمة بالثقة المتبادلة، مبدياً أمله في أن «حكومة بنيت ستواصل نهج سلفه بنيامين نتنياهو فيما يتعلق بالعلاقات الإسرائيلية - الروسية، رغم (المعارك السياسية الداخلية) في الدولة العبرية». وقال بوتين: «كما تعلمون، نبذل جهوداً من أجل استعادة سلطة الدولة في سوريا، وهناك مسائل خلافية بيننا وعددها ليس قليلاً، غير أن هناك أيضاً نقاط تلاقٍ وفرصاً للتعاون، لا سيما فيما يخص المسائل المتعلقة بمحاربة الإرهاب، وبشكل عام ثمة الكثير من المسائل التي يمكن ويجب علينا مناقشتها».
وتطرق الرئيس الروسي إلى الروابط الاقتصادية والتجارية بين بلاده وإسرائيل، قائلاً إنها تتطور بنجاح على الرغم من أنها لا تزال متواضعة حتى الآن من حيث الحجم.
بدوره، شدد بنيت على أهمية العلاقات مع روسيا بالنسبة إلى بلده، مشيراً إلى أن بوتين خلال العقدين الماضيين قاد عملية تعزيز العلاقات بين الدولتين ونجح في ترقيتها إلى مستواها الحالي، واصفاً الرئيس الروسي بأنه «صديق قريب جداً وحقيقي لإسرائيل». وأبدى رئيس الوزراء الإسرائيلي نيته مناقشة التطورات في سوريا و«الجهود المبذولة بغية وقف تطور برنامج إيران النووي» مع بوتين.
وكان بنيت قد مهّد للمحادثات قبل وصوله إلى سوتشي بتأكيد أن «العلاقات بين روسيا وإسرائيل هي حلقة وصل مهمة في السياسة الخارجية الإسرائيلية بسبب المكانة الدولية العالية للاتحاد الروسي ومكانته في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك بفضل مليون نسمة من الناطقين بالروسية في إسرائيل». وقالت مصادر دبلوماسية إسرائيلية في موسكو إن بنيت يسعى خلال مناقشاته الأولى مع بوتين إلى التركيز بالدرجة الأولى على الوضع في سوريا و«المشكلة الإيرانية» ليس فقط لجهة الطموحات النووية لإيران، ولكن لدور طهران في سوريا أيضاً ونيتها تثبيت موطئ قاد دائم على مقربة من الحدود مع إسرائيل.
ورأت المصادر أن بنيت يسعى للفت أنظار بوتين إلى أن «التهديد الرئيسي للاستقرار في المنطقة هو إيران».
وفي إطار الملف السوري أيضاً، لم تستبعد مصادر روسية أن يكون اللقاء مع بنيت حاسماً لجهة الاتفاق بشكل نهائي على تنظيم اجتماع لرؤساء مجالس الأمن القومي في روسيا وإسرائيل والولايات المتحدة مخصص لمناقشة الوضع في سوريا.
وكانت تل أبيب قد أعلنت عن التوصل إلى اتفاق أوّلي في هذا الشأن من دون تحديد موعد أو أجندة الحوار، لكنّ الجانب الروسي أبدى تحفظاً على الموضوع، وقال دبلوماسيون روس إن الأطراف لم تتفق بعد بشكل نهائي على ترتيب اللقاء.
ميدانياً، خرج المئات من أبناء محافظة دير الزور شرق سوريا أمس، في مظاهرات أُطلق عليها اسم «جمعة الرفض»، امتدت في عموم ريف المحافظة الشرقي الذي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) رفضاً لعبور القوات الروسية من مناطق ريف دير الزور الشرقي والتوجه إلى محافظة الرقة.
وقال محمد البكاري، من أبناء بلدة الحصان بريف دير الزور الغربي: «نرفض دخول أي عنصر من القوات الروسية الحليفة للنظام السوري والعبور من مناطق ريف دير الزور الغربي والتوجه إلى محافظة الرقة عبر خط الجزيرة».
في المقابل، واصل الجيش الروسي رعاية التسويات في ريف درعا الشرقي جنوب سوريا، إضافةً إلى مفاوضات مع تركيا لإيجاد تسوية وتطبيق اتفاق موسكو الموقّع بين بوتين والرئيس التركي رجب طيب إردوغان في بداية العام الماضي.
وفي تل أبيب، اعتبرت مصادر أن اللقاء كان «حميماً ودافئاً وإيجابياً».
وأفاد بيان للناطق بلسان رئيس الوزراء بأن الرئاسة الروسية خصصت للقاء فقط ساعتين، وأن يكون لقاء شخصياً يقتصر على بوتين وبنيت، والمترجمين الإسرائيلي (وزير الإسكان، زئيف إلكين) والروسي، لكنه امتد إلى 5 ساعات، وتسبب ذلك في تغيير برنامج بنيت. فبدلاً من السفر إلى تل أبيب، كما كان مقرراً، مدّد إقامته في سوتشي حتى ختام اليوم (السبت).
وقال مسؤول إسرائيلي مطّلع في حاشية بنيت إن «هدف رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول من اللقاء قد تحقق، وهو بناء علاقات وطيدة مع بوتين، تؤكد له أن تغيير رئيس الحكومة في إسرائيل لن يضرّ بالعلاقات والتعاون بين البلدين».
وقال: «في واشنطن حاول بنيت إعادة بناء ما هدمه سلفه (بنيامين نتنياهو) من جسور للثقة مع الإدارة الأميركية والحزب الديمقراطي. وهنا جاء بنيت ليحافظ على العلاقات الجيدة التي بناها نتنياهو مع الرئيس بوتين وأفادت المصالح الإسرائيلية، خصوصاً في سوريا».
وأضاف أن بنيت «حرص على نقل رسالة لبوتين مفادها أنه توجد للبلدين مصلحة مشتركة في العمل ضد الإرهاب المتطرّف الذي تعد إيران سنداً له وممولاً لأذرعه، وليس فقط في سوريا بل في كل دول المنطقة ويعد تهديداً لكل دول الشمال، بما فيها أوروبا».



ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)

في ظل إصرار مصري وأوروبي على رفض الاعتراف بـ«مذكرة التفاهم» التركية - الليبية لتحديد مناطق الصلاحية البحرية الموقعة أواخر عام 2019، والتي صادق عليها مجلس النواب الليبي أخيراً، ومع تجدد عرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع مصر «يحقق المصالح المشتركة للبلدين»، يبدو أن «دبلوماسية الحوار» ستكون خيار القاهرة الأقرب لمعالجة التباينات بشأن الحدود مع أنقرة، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وصوّت مجلس النواب الليبي الأسبوع الماضي بالموافقة على اتفاقية «ترسيم الحدود البحرية» مع تركيا، وهو ما رفضته القاهرة في حينه، مؤكدة أن «الاتفاقية باطلة بطلاناً مطلقاً».

وأشار الأمين العام لاتحاد الموانئ البحرية العربية اللواء عصام الدين بدوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ترسيم الحدود البحرية عادة ما يتم عبر التفاوض القانوني والدبلوماسي»، مرجحاً «عقد اجتماعات خلال الفترة المقبلة تضم لجاناً قانونية تمثل كافة الأطراف بهدف الوصول إلى صيغة تحقق مصالح الجميع وتتوافق مع القانون الدولي».

لقاء سابق بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

من جانبه، أكد اللواء محمد إبراهيم خليل، مدير الكلية البحرية الأسبق، رفض مصر «مذكرة التفاهم» بين تركيا وليبيا، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق التركي - الليبي ينتهك الحقوق الاقتصادية لمصر في المياه الإقليمية، ويشكل حاجزاً يقطع البحر المتوسط، ويمنع أي حقوق مستقبلية لمصر في المياه الاقتصادية وما يتعلق بحقوق استكشاف الغاز والموارد الطبيعية».

وقال إن «مواجهة مثل هذا الاتفاق تتم عبر الجهود الدبلوماسية والرجوع لاتفاقيات التقسيم البحري»، مشيراً إلى أن «الحل سيكون عبر عقد جولات من التفاوض القانوني من أجل الوصول إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، ويحفظ حقوق مصر السيادية».

وأكد مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو الشوبكي، أن «قضايا ترسيم الحدود البحرية تخضع لمشاورات مع الدول الجارة والصديقة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر أمام خيارين، من بينهما التفاوض مع تركيا في ضوء العلاقات الطيبة بين البلدين، وعرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود»، مشيراً إلى أن «الطرح التركي قد يفضي إلى اتفاق جديد يرضي البلدين، ويراعي شواغل اليونان وقبرص».

أما الخيار الثاني، بحسب الشوبكي، فيتعلق بـ«تعديل مذكرة التفاهم الحالية اعتماداً على علاقات القاهرة القوية مع حكومة شرق ليبيا، والتي سبق أن أكّدت تفهمها لمخاوف مصر».

وأثارت «مذكرة التفاهم» التركية - الليبية اعتراضات عدة، لا سيما من جانب اليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي. وتعليقاً على الانتقادات قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الاثنين الماضي، إن بلاده «لا تسعى لتحقيق مكاسب سياسية على حساب أي طرف في شرق المتوسط»، وإنها تدعو إلى الحوار مع جميع دول المنطقة، وستحافظ على علاقاتها مع جميع الأطراف الفاعلة في ليبيا.

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أكد خلال لقائه نظيره التركي هاكان فيدان، الجمعة الماضي في إسطنبول، على هامش اجتماعات «الآلية الرباعية»، على «رفض مصر القاطع للتصديق على مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019»، مشدداً على «أهمية احترام مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، فيما يتعلق بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف بين الدول»، بحسب إفادة «الخارجية» المصرية آنذاك.

ومن جانبه، أكد الوزير التركي «تفهمه للشواغل المصرية إزاء تطورات الأوضاع في ليبيا، وأهمية مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك للتعامل مع هذه الشواغل، ودعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا»، بحسب الإفادة.


10 آلاف ضحية للتصعيد في اليمن ... واختناق تعز صحياً

الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
TT

10 آلاف ضحية للتصعيد في اليمن ... واختناق تعز صحياً

الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)

بينما بلغت أعداد ضحايا التصعيد العسكري في اليمن نحو 10 آلاف إنسان، دخل النظام الصحي منعطفاً كارثياً هو الأشد خطورة منذ سنوات، متحولاً من حالة «الهشاشة المزمنة» إلى ما تصنفه الوكالات الدولية اليوم بحالة طوارئ معقدة غير قابلة للاحتواء، في ظل حصار على ثالثة كبرى مدن البلاد.

وأطلقت وزارة الصحة اليمنية تحذيراً من تدهور وشيك في القطاع الصحي بمحافظة تعز، مؤكدةً أن مخزون الأدوية والمستلزمات الطبية والأكسجين وصل إلى مستويات حرجة، بعد نحو 3 أشهر من التصعيد العسكري الحوثي والأعمال العدائية التي تطول المدنيين والبنية التحتية، مع تراجع حاد وغير مسبوق في التمويل الدولي.

وتتعرض مدينة تعز (جنوب غرب) لحصار تفرضه الجماعة الحوثية، مصحوباً بتصعيد عسكري في عدد من المناطق، يتركز أغلبها في المدينة ومناطق محيطة بها أو قريبة منها، وهو ما تسبب في رصد موجة نزوح جديدة شملت أكثر من رُبع مليون شخص في أرياف محافظتي لحج وتعز جراء استمرار القصف في مناطقهم.

وتُظهر أحدث البيانات الميدانية الموثقة من منظمة الصحة العالمية، حجم الكارثة الإنسانية؛ إذ خلّفت موجة التصعيد العسكري الأخيرة حصيلة ثقيلة من الضحايا بلغت 9072 ضحية جرى رصدهم عبر أنظمة الترصد الصحي المتبقية.

وتؤكد التقارير تسجيل 1677 حالة وفاة، كمنعكس مباشر للأعمال العدائية، بالإضافة إلى 7395 جريحاً غصّت بهم مراكز الصدمات والطوارئ، مما وضع ضغطاً هائلاً تفوق طاقته القدرات الجراحية للمنظومة الطبية المتهالكة أساساً.

وتتهم السلطات الصحية في تعز استهداف الجماعة الحوثية، الأربعاء، سيارة إسعاف في أثناء محاولتها نقل مدني مصاب من إحدى القرى التي تعرضت للقصف في منطقة العاوات بمديرية صبر الموادم، جنوب المدينة، خلال قصف مكثف استهدف القرى في المنطقة.

وللمرة الثانية خلال التصعيد العسكري الحالي تستهدف الجماعة سيارات الإسعاف بعد استهداف سابق الأسبوع الماضي أسفر عن مقتل سائق السيارة وفتاة مصابة كان يجري نقلها لتلقي العلاج بعد إصابتها بقصف سابق، وإصابة أحد الممرضين في طاقم الإسعاف بجروح.

كما اتهمت السلطات الصحافية في المحافظة الحوثيين بنهب 15 سيارة إسعاف من مكاتب الصحة والمراكز الصحية في المديريات الريفية.

نداء استغاثة أخير

في مدينة تعز، بلغت الأزمة الإنسانية ذروتها الحادة؛ حيث تواجه 42 منشأة ومرفقاً صحياً في المحافظة شبح التوقف التام والنهائي عن العمل خلال أيام، نتيجة النفاد الوشيك لمخزونات الأدوية، والمستلزمات الطبية المنقذة للحياة، وأسطوانات الأكسجين الطبي، وفقاً لوزارة الصحة اليمنية.

ويهدد هذا التوقف بشكل مباشر خدمات حيوية لا يمكن استبدالها؛ كحضانات الأطفال حديثي الولادة، وغرف العناية المركزة، وجلسات غسيل الكلى المنتظمة لمئات المرضى.

وتتضاعف هذه المعاناة مع استمرار الاستهداف المباشر للمنشآت، والتي كان آخرها إطلاق مسلحي الجماعة الحوثية النار على مستشفى الثورة العام، مما أسفر عن سقوط جرحى بين المرضى والكوادر الطبية.

حضانات الأطفال حديثي الولادة والخدج في مستشفيات مدينة تعز أمام خطر التوقف التام (رويترز)

ويحذّر مسؤولو الصحة العامة من تفشٍّ خطير لوباء الكوليرا الذي بات خارج السيطرة، بعد تضاعف معدلات الإصابة 3 مرات خلال أسابيع قليلة فقط، مدفوعةً بالدمار الكامل الذي لحق بشبكات المياه والصرف الصحي وتدهور خدمات الإصحاح البيئي.

ويتلازم هذا التفشي مع أزمة سوء التغذية الحاد؛ حيث تفتقر أجساد آلاف الأطفال النازحين للمناعة الأساسية اللازمة لمقاومة البكتيريا المنقولة عبر المياه الملوثة، مما يرفع مؤشرات الوفيات بين الأطفال دون سن الخامسة إلى مستويات قياسية.

دعم شحيح

ووسط تصاعد الاحتياجات على الأرض، تواجه العمليات الإغاثية الدولية والمحلية جداراً مسدوداً بسبب ما توصف بـ«أزمة جفاف التمويل الخانقة».

وحددت منظمة الصحة العالمية، أوائل الشهر الجاري، الاحتياجات المالية لإنقاذ العمليات الصحية الأساسية في البلاد بـ31 مليون دولار بشكل عاجل وفوري، إلا أنها لم تتلقَّ من المانحين سوى 2.1 مليون دولار فقط، أي بفجوة تمويلية مرعبة تصل إلى 93 في المائة.

القصف الحوثي يتواصل على المساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)

وتُرجم هذا العجز التمويلي على الفور إلى كارثة ملموسة؛ حيث أُغلقت 15 منشأة صحية حيوية بشكل نهائي، وتم تسريح عشرات الفرق الطبية المتنقلة التي كانت تمثل شريان الحياة الوحيد للمجتمعات النائية ومخيمات النازحين في محافظات مواجهة ساخنة مثل مأرب.

وتُجمع الأوساط الإنسانية الدولية والمحلية على أن الوقت قد نفد بالفعل؛ وما لم يتدخل المجتمع الدولي فوراً للضغط نحو وقف الأعمال العدائية، وفتح ممرات إنسانية آمنة لفك الحصار الإمدادي عن تعز، وضخ سيولة مالية إسعافية عاجلة، فإن اليمن يتجه نحو أكبر انهيار طبي في تاريخه الحديث.


«محطات عائمة»... مصر مهتمة بامتلاك مفاعلات نووية روسية جديدة

أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
TT

«محطات عائمة»... مصر مهتمة بامتلاك مفاعلات نووية روسية جديدة

أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)

أبدت مصر اهتماماً بامتلاك محطات نووية جديدة تزامناً مع استمرار العمل في بناء محطة «الضبعة النووية» التي تنفذها بالتعاون مع روسيا، في ظل رغبتها بتنويع مصادر الطاقة بما يلبي احتياجاتها من الكهرباء.

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال محادثاته مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، مساء الأربعاء، إن مصر تتطلع لزيادة التنسيق بين البلدين في ما يتعلق بالوحدات الإضافية التي يمكن تركيبها في موقع «محطة الضبعة» للطاقة النووية بعد عام 2030، فضلاً عن إمكانيات التعاون في مجال «المفاعلات النووية العائمة» وتحلية مياه البحر والطباعة ثلاثية الأبعاد ودعم الصناعات المتخصصة.

وحظي التعاون بين مصر وروسيا في مجال الطاقة النووية بنقاشات واسعة على هامش زيارة الرئيس المصري إلى موسكو للمشاركة في القمة «الروسية - الأفريقية» الثالثة، والتقى، الخميس، المدير العام لـ«الوكالة الحكومية الروسية للطاقة النووية» (روساتوم) أليكسي ليخاتشوف، وشدد على أهمية مشروع «محطة الضبعة» للطاقة النووية، الذي يأتي في إطار حرص مصر على زيادة إنتاج الطاقة المتجددة لرفع مساهمتها في إجمالي مزيج الطاقة.

السيسي خلال لقائه المدير العام لشركة «روساتوم» (الرئاسة المصرية)

وتعد محطات الطاقة النووية العائمة، مفاعلات نووية مدمجة الحجم، تُثبَّت على سفن أو منصات بحرية مصممة خصيصاً لهذا الغرض، وتستخدم في توليد الكهرباء، وإنتاج المياه المحلاة، وتتمتع بمعدلات أخطار محدودة داخل المياه الإقليمية، بحسب أستاذ هندسة البترول والطاقة في «الجامعة الأميركية» بالقاهرة، الدكتور جمال القليوبي، الذي أضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتجاه لمزيد من محطات الطاقة النووية «يرجع إلى توجه القيادة السياسية للدولة للبحث عن مزيد من مزيج الطاقة إلى جانب الوقود الأحفوري والطاقة المتجددة وطاقة الهيدروجين، ومشروعات محاكاة السدود عبر مشروع (جبل الطور) و(جبل عتاقة) في جنوب سيناء، لتوليد الطاقة الكهرومائية في مصر».

ويضم «مفاعل الضبعة النووي» أربع وحدات نووية من طراز VVER - 1200، بقدرة 1.200 ميغاواط لكل وحدة، وبإجمالي قدرة مركبة تبلغ 4800 ميغاواط، بما يسهم في دعم مزيج الطاقة المصري وتعزيز أمن واستدامة إمدادات الكهرباء. وبحسب القليوبي، فإن مصر اتفقت مع روسيا على زيادة وحدة خامسة ليصل مقدار الطاقة الكهربائية المولدة إلى 6000 ميغاوات.

وأعلن رئيس «روساتوم» ليخاتشوف، أن مصر قدمت مقترحات بشأن عدة مواقع محتملة لإقامة محطات نووية عائمة على أراضيها، مشيراً في تصريحات لصحيفة «إزفيستيا» الروسية، إلى أن المباحثات «لم تصل بعد إلى مرحلة تقديم عروض تجارية نهائية»، لكنه أعرب عن أمله «في أن تسهم لقاءاته مع المسؤولين المصريين، في دفع هذه المشروعات قُدماً».

محادثات مصرية- روسية تستهدف توسيع التعاون في مجال الطاقة النووية (مجلس الوزراء المصري)

ويؤكد القليوبي أن «روسيا شريك قديم - حديث لمصر في مجالات الطاقة النووية، وأن أول مفاعل مصري في إنشاص، كان بخبرات روسية، كما أن موسكو على المستوى السياسي قدمت دعماً للقاهرة في كثير من الأزمات التي مرت بها، خاصة في ثورة 30 يونيو (حزيران)، إلى جانب التعاون الغذائي المتزايد، عبر صفقات القمح والغاز المسال والتكنولوجيا العسكرية لدعم الجيش المصري».

وقال الخبير في الشأن الروسي، نبيل رشوان، «إن التعاون بين مصر وروسيا في المجال النووي يمضي بشكل مستقر، ولا يوجد ما يعرقل العمل في محطة الضبعة النووية أو في مشروعات نووية جديدة رغم الأحاديث عن وجود معوقات نتيجة العقوبات على موسكو»، مشيراً إلى أن مصر «اختارت روسيا رغم وجود عروض من دول مثل كوريا الجنوبية وكندا وفرنسا، اعتماداً على سداد القروض التي تحصل عليها من روسيا لبناء المحطة النووية من خلال عوائد بيع الطاقة الكهربائية».

وكان الرئيس السيسي قد شدد خلال لقائه مع نظيره الروسي على ضرورة «انتظام التدفقات المالية المخصصة للمشروع دون تأخير»، مع التشديد على «عدم اعتماد أي تعديلات جديدة على الجدول الزمني، إلا بعد تقديم المبررات الفنية والتعاقدية المؤيدة لها والموافقة عليها».

وأوضح رشوان في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن العقوبات التي تعرضت لها روسيا «لم تؤثر حتى الآن على معدلات إنجاز المشروع، وأن توقعات تهدئة الحرب بين روسيا وأوكرانيا، أو الذهاب باتجاه إنهاء الصراع، من الممكن أن تصب في صالح إنهاء المشروع في توقتيه، وهو ما تعول عليه القاهرة، خاصة بعد أن أبدت رغبتها في مزيد من التعاون في الطاقة النووية مع روسيا».

جانب من أعمال محطة «الضبعة النووية» في مصر (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

وتمضي مصر وروسيا نحو استكمال المشروع، حيث من المتوقع أن يبدأ تشغيل مرحلته الأولى في منتصف عام 2028، حسب ما أعلن عنه وزير الكهرباء المصري محمود عصمت في وقت سابق.

وبحث لقاء عقده وزير الكهرباء المصري محمود عصمت مع المدير العام لـ«روساتوم»، سبل «دعم وتعزيز الشراكة والتعاون في مجالات الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية والمفاعلات الصغيرة والمفاعلات العائمة لتوليد الكهرباء، وكذلك المفاعلات البحثية، وتعظيم العوائد من البنية التحتية في منطقة الضبعة، وإقامة مشروع متكامل لتحلية مياه البحر بالتعاون مع شركة البنية التحتية التابعة لمؤسسة (روساتوم)»، بحسب بيان صادر عن وزارة الكهرباء المصرية، الخميس.