البرلمان الليبي السابق يعفي رئيس حكومة طرابلس من منصبه بشكل مفاجئ

الثني يكشف عن ضغوط دولية لإعادة الإسلاميين مجددا للسلطة

البرلمان الليبي السابق يعفي رئيس حكومة طرابلس من منصبه بشكل مفاجئ
TT

البرلمان الليبي السابق يعفي رئيس حكومة طرابلس من منصبه بشكل مفاجئ

البرلمان الليبي السابق يعفي رئيس حكومة طرابلس من منصبه بشكل مفاجئ

في خطوة مفاجئة، أطاح أمس المؤتمر الوطني العام (البرلمان) السابق والمنتهية ولايته في ليبيا، برئيس ما يسمى بحكومة الإنقاذ الوطني عمر سليمان الحاسي، المحسوب على تنظيم الإخوان المسلمين، من منصبه.
وقرر البرلمان، الذي لا يحظى باعتراف المجتمع الدولي، في جلسة عقدها بمقره في العاصمة الليبية طرابلس إعفاء الحاسي من منصبه حيث صوت لصالح إقالته 74 عضوا من إجمالي الحاضرين الذين لم يتم تحديدهم.
وكان من المتوقع أن يناقش المؤتمر خلال جلسته أمس نتائج الاجتماعات التي عقدها أعضاء الفريق المفوض للحوار مع لجان المؤتمر بشأن آخر مستجدات الحوار الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بالإضافة إلى آخر الأفكار المطروحة من قبل البعثة. لكن المؤتمر الوطني قرر على ما يبدو الاستجابة للانتقادات العنيفة التي وجهتها مؤخرا ميلشيات فجر ليبيا التي تسيطر بقوة السلاح على العاصمة طرابلس منذ صيف العام الماضي ضد الحاسي وحكومته بعدما طالبت بإقالته من منصبه أو إجراء تعديل وزاري عاجل.
وقال عمر حميدان المتحدث باسم البرلمان السابق إنه تقرر إقالة الحاسي من منصبه للتصدي للانقسامات الداخلية، مضيفا في مؤتمر صحافي عقده مساء أمس «قرر المؤتمر إعفاء الحاسي من منصبه وتكليف خليفة الغويل نائبه الأول بسبب سوء الأداء والشكاوى التي تقدم بها عدد من الوزراء بالحكومة».
وأعلن تكليف الغويل بتسيير الحكومة التي قال إنها سوف تستمر كحكومة تصريف أعمال، موضحا أن قرار الإعفاء جاء نتيجة لنقاش عام تعلق بالأوضاع الحالية سواء السياسية أو الميدانية والأمنية.
وتابع «إقالة الحكومة تم بناء على قراءة تقارير من ضمنها تقرير ديوان المحاسبة وكذلك تقرير اللجان النوعية واللجان البرلمانية في المؤتمر الوطني بالإضافة إلى الطلبات المقدمة، هناك طلب مقدم من 70 عضوا من المؤتمر يطلبون فيه إعفاء الحاسي من منصبه وكذلك الطلب الذي تقدم به مجموعة تزيد على 10 من الوزراء والوكلاء من حكومة الحاسي يعلقون استقالتهم ويقولون إنهم سوف يقدمون استقالتهم ما لم يستجب إلى طلبهم بشأن إعفاء الحاسي من منصبه».
وأضاف حميدان أن «المؤتمر نظر إلى هذه التقارير وإلى هذه المسألة من هذا الإطار فقرر إعفاء الحاسي من منصبه وتكليف الغويل بعد قراءة تقارير ديوان المحاسبة واللجان النوعية والبرلمانية في المؤتمر».
وقال حميدان إنه «تقرر تكليف مكتب الرئاسة بالتشاور مع لجان المؤتمر في مدة شهر بترشيح رئيس للحكومة أو التمديد إذا لم يتفقوا على ترشيح رئيس آخر للحكومة حسب ما تقتضيه ظروف الحال».
وقال عضو آخر بالبرلمان إنه تمت إقالة رئيس الحكومة فقط، مع الإبقاء على باقي الوزراء، فيما ذكر مصدر آخر في المؤتمر أنه سيتم تسمية رئيس وزراء جديد لهذه الحكومة غير المعترف بها دوليا خلال فترة شهر.
وفى بيانات رسمية عبر مكتبها الإعلامي اتهمت ميلشيات فجر ليبيا المتشددة، حكومة الحاسي بضعف الأداء كما اتهمت بعض وزرائه بالفساد والتورط في قضايا مالية، كما اتهم ناشطون سياسيون وحقوقيون، أعضاء من حكومة الحاسي بدعم جماعات إسلامية متطرفة في درنة وبنغازي.
وكشف مقرر اللجنة الوطنية الليبية لحقوق الإنسان أحمد حمزة، النقاب مؤخرا عن أن عضو المؤتمر الوطني السابق محمد أبو سدرة كان من أقرب المقربين لسالم دربي آمر كتيبة شهداء أبو سليم المتشددة دينيا بمدينة درنة، كما كان على رأس من قدم الدعم المالي والسياسي لسفيان بن قمو آمر جماعة أنصار الشريعة بمدينة درنة.
وأوضح أن خالد الشريف وكيل وزارة الدفاع الليبية إبان حكومة رئيس الوزراء الأسبق علي زيدان ووكيل وزارة الدفاع في حكومة الثني سابقا هو عضو في الجماعة الليبية المقاتلة، واتهمه بالتورط في دعم جماعة أنصار الشريعة في بنغازي ودرنة بالأموال والآليات والعتاد.
واستهجن حمزة ما اعتبرته وزارة الدفاع حينها «خطأ»، داعيا مؤسسات الدولة والثوار إلى ضرورة الالتزام بالقانون الدولي والإنساني وتجنيب المدنيين مغبة استهدافهم، وحماية المدنيين وفتح ممرات إنسانية آمنة لإدخال المساعدات الإنسانية الطارئة وإسعاف المصابين والجرحى ومساعدة الفارين من مناطق النزاع والباحثين على مخارج آمنة.
وكلف البرلمان السابق، الحاسي وهو أستاذ للعلوم السياسية في جامعة بنغازي (شرق)، برئاسة ما يسمى بحكومة الإنقاذ الوطني شهر أغسطس (آب) الماضي، علما بأنه كان قد خسر في شهر يونيو (حزيران) الماضي، أمام أحمد معيتيق في الفوز بنفس المنصب.
والحاسي من مواليد منطقة الجبل الأخضر عام 1949 وينحدر من قبيلة الحاسة المنتشرة في مدينة سوسة وشحات بشرق البلاد، حيث درس الحقوق في العاصمة طرابلس لكنه لم يتمكن من ممارسة المحاماة بعدما أدين بمعارضة نظام العقيد الراحل معمر القذافي وسجن في معتقل أبو سليم الشهير لمعارضي النظام السابق.
في المقابل، بحث أمس رئيس الحكومة الانتقالية عبد الله الثني مع رئيس الحكومة التونسية الحبيب الصيد بمقره في تونس، سبل التعاون بين البلدين الشقيقين سواء في مجال أمن الحدود أو فيما يخص أوضاع العائلات الليبية المهجرة لتونس جراء الأوضاع الأمنية المتردية غرب البلاد.
وقال بيان لحكومة الثني المعترف بها دوليا، إنه جدد خلال اللقاء دعمه للحكومة التونسية في مجال مكافحة الإرهاب وأبدى رغبته في تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي والتنموي بينها، مشيرا إلى أن الثني أعلن أن الدولة الليبية تولي أهمية كبيرة للجمهورية التونسية وأن العلاقات بين تونس وليبيا مبنية على الاحترام المتبادل.
وجاءت تصريحات الثني فيما أعلن، المكتب الإعلامي لميلشيات ما يسمى بعملية فجر ليبيا أن المعبر الحدودي رأس جدير بين ليبيا وتونس مفتوح ويعمل بصورة طبيعية جدا ولا صحة نهائيا لإغلاقه.
وشدد المكتب في تراجع لافت عن اتهاماته لتونس، بعمق العلاقات بين الشعبين الشقيقين في ليبيا وتونس. وكان نفس المكتب قد دعا وزير الخارجية في حكومة الحاسي ولجنتي الخارجية والإعلام بالبرلمان السابق، لتوجيه خطاب استنكاري لما تنتهجه بعض وسائل الإعلام في تونس، التي زعم أنها تنشر الأكاذيب وتصف فجر ليبيا وفئات من أبناء الشعب الليبي بأنهم مصدر الإرهاب وأن ليبيا باتت بقعة تأوي الإرهابيين وتصدر الإرهاب إلى تونس.
إلى ذلك، اجتمع عبد الله الثني رئيس الوزراء المعترف به دوليا، مساء أول من أمس بمقره في تونس التي يزورها حاليا، مع سفراء 23 دولة لدى ليبيا بالإضافة إلى مبعوثة الاتحاد الأوروبي. وقال الثني بحسب بيان منفصل بثته الصفحة الرسمية لحكومته على موقع «فيسبوك» إن «الشعب الليبي يوجه خطر الإرهاب الدولي المتمثل في (القاعدة) وما يسمى بتنظيم داعش وأنصار الشريعة»، معتبرا أن حل المسألة الليبية لا بد أن يكون في مسارين، السياسي المتمثل في الحوار، والعسكري المتمثل في محاربة الإرهاب ومحاربة الميليشيات المسلحة.
وأضاف «نحن كحكومة نرحب بفكرة حكومة التوافق الوطني ولكن لا بد أن تشكل الحكومة على مجموعة من الثوابت منها أن تشكل الحكومة من شخصيات غير محسوبة على أي طرف، بالإضافة لمحاربة الإرهاب في ليبيا، أن يكون مجلس النواب هو من يعتمد الحكومة، وأي حوار يتضمن هذه الثوابت سنرحب به».
وتابع «نحن نرفض ما تقوم به بعض الدول بالضغط لإعادة تولي الإسلاميين للحكم وهذا أمر مستهجن من الليبيين حكومتا وشعبا»، لافتا إلى أن «مكونات الشعب الليبي تعتقد بأن الإخوان المسلمين هم من نسيج الشعب ولكن الإخوان لا ينظرون للشعب بنفس النظرة».
ورأى الثني أن «ميلشيات فجر ليبيا أمرهم سياسي ولعل مشكلتهم ستحل بحكومة التوافق أو عبر الوسطاء»، لكنه قال في المقابل إن «ما قامت به فجر ليبيا من عمليات تخريب وحرق لمقدرات الشعب الليبي وعمليات نهب وسرقة، عندما تستقر الدولة ستتم محاسبة كل من كان سببا في هذا العمل عن طريق العدالة الليبية».
وبعدما كشف النقاب عن أن الجيش الليبي على بعد خطوة من مدينة طرابلس وهو الآن موجود في منطقة العزيزية، أكد أن «الجيش سيدخل للعاصمة ولن يتعدى على أي ممتلكات أو على المدنيين وسيحارب تلك الميليشيات التي تسيطر على العاصمة».
وشدد الثني على أن هذه الميلشيات لا يمكن لها بأي حال حكم ليبيا وأيضا لا يمكن للإسلام السياسي حكم البلاد لوحده، مشيرا إلى أن «ليبيا بعد 17 فبراير لا يمكن أن تحكم من طرف واحد».
وأعلن أن حكومته ستسعى مع الدول التي لها ثقل في مجلس الأمن كالصين وروسيا إلى تغيير نظرة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، مضيفا «سنسعى أيضا لاستصدار قرار لرفع الحظر المفروض على الجيش الليبي زورا وبهتانا وسنقوم بتسليح وبناء مؤسسة الجيش من خلال الدول الصديقة (مصر والمملكة الأردنية والمملكة العربية السعودية والمملكة المغربية والإمارات العربية المتحدة) وسنقاتل تنظيم داعش وكل الإرهاب الموجود في ليبيا».
عسكريا، قتل 4 عناصر من ميلشيات فجر ليبيا خلال اشتباكات مع قوات الجيش الليبي بالمنطقة الغربية بالبلاد. وقال عضو المجلس المحلي بمدينة الزاوية محمد الخضراوي، إن «4 عناصر من مدينة الزاوية تابعين لهذه الميلشيات لقوا حفتهم في اشتباكات مع جيش القبائل بالمنطقة الغربية»، موضحا أن طائرة حربية قصفت سيارة بمنطقة الفاسي، مما أدى إلى مقتل شخص وإصابة 5 آخرين إصابتهم بين الخفيفة والمتوسطة.
وزعمت وزارة الدفاع بحكومة الحاسي المقال من منصبه أن ما وصفته بالانتهاكات الجسيمة والعمليات الإجرامية التي يقوم بها طيران الجيش في مناطق مختلفة من ليبيا، قد أدت إلى الكثير من الأضرار في البنية التحتية، وادعت أن بعضا منها قد وقع على أحياء سكنية ومدارس أثناء فترة الدراسة.
وقالت في بيان بثته وكالة الأنباء الموالية لحكومة طرابلس إنها «وانطلاقا من اختصاصها تحتفظ لنفسها بحق الرد في المكان والزمان المحددين وتسعى إلى إيقاف نزيف الذي يسببه (الفريق خليفة) حفتر (القائد العام للجيش الليبى) وأعوانه الذين ضربوا بعرض الحائط دعوات المجتمع الدولي».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.