من نابليون إلى السيسي... 20 شخصية تختصر تاريخ مصر الحديث

من نابليون إلى السيسي... 20 شخصية تختصر تاريخ مصر الحديث

رؤية جديدة لتاريخ المنطقة العربية بأكملها
الخميس - 15 شهر ربيع الأول 1443 هـ - 21 أكتوبر 2021 مـ رقم العدد [ 15668]

متعة حقيقية هي قراءة كتاب «وجوه مصر الحديثة»، للروائي الصحافي الفرنسي - المصري روبير سوليه. فعلى الرغم من أن تاريخ مصر كتب فيه الكثير، فإن هذا الكتاب يأخذ على عاتقه أن يقدم رؤية، لا أن يسرد أحداثاً، وأن يعيد الحياة إلى مائتي سنة من التاريخ العربي الحديث، بدل أن يقدمه بحيادية باردة. سوليه بأسلوبه الروائي السلس العذب، ومن ثم مترجم النص عن الفرنسية أدونيس سالم، نجح في إيصال مؤلفٍ مغرٍ، يبدأ به القارئ، ولا يستسلم حتى يأتي على صفحاته الثلاثمائة.

بدءاً من نابليون بونابرت إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، يكتب سوليه تاريخ مصر من خلال حياة 20 شخصية كان لكل منها الدور المفتاح. الكاتب وفق فعلاً في غربلة الأسماء، وفي الكتابة عنها بتسلسل زمني يجعل حياة واحدها كأنه يكمل الآخر. والطريف أنه لم يميز بين سياسي وأديب ومطربة وقائد عسكري، فكل لعب الدور الذي أثر في رأيه في صناعة الأحداث. لهذا تم اختيار: محمد علي، ورفاعة الطهطاوي، وأحمد عرابي، واللورد كرومر، وسعد زغلول، وهدى شعراوي، وحسن البنا، وطه حسين، وجمال عبد الناصر، وأم كلثوم، وأنور السادات، ونجيب محفوظ، وآخرين غيرهم. أنسنة التاريخ وكتابته من باب شخصياته منحه مسحة تشويقية، وإن صعّب مهمة الكاتب الذي تحمّل عبء البحث عن الجوانب التفصيلية لكل شخصية لمنحها قوامها الأدبي وحرارة الحياة. وكلما تقدمت في صفحات الكتاب، اتضح لك كم أن تاريخ مصر صاخب هائج، وكم من الجنسيات والشعوب مرّت، حكمت وحاربت، هزمت وانتصرت، وكيف أن وصول جمال عبد الناصر إلى سدة الحكم لم يكن مجرد انقلاب ضباط شبان على الملكية، واستبدال جمهورية بها، وإنما وصول مصري إلى حكم مصر للمرة الأولى بعد غياب تاريخي طال أمده. فلم يكد نابليون بونابرت يقضي على حكم المماليك، حتى جاء محمد علي الألباني الأصل الطامح إلى إقامة إمبراطوريته، وتبعته سلالته التي بقيت تتولى السلطة حتى سقوط الملك فاروق. هذه الفترة المتقلبة، من بلوغ نابليون شواطئ الإسكندرية حتى الإطاحة بآخر سلالة محمد علي، تخللها استعمار ومعاناة، وتحكم من الإنجليز والفرنسيين والأتراك، وتسلط من الشركس. بمعنى آخر، فإن عبد الناصر مثّل بالنسبة للمصريين تحقيق حلم طال انتظاره فهو «من أصول مصرية، وابن الشعب»، كما أنه عربي، لذلك كان الأجدر بأن يحمل الحلم القومي، كما لم يفعل أحد من قبل.

في مطلع الكتاب، نلتقي بنابليون أو «السلطان الكبير»، كما سماه المصريون، الذي لم يصمد في مصر أكثر من 36 شهراً، وهرب مهزوماً بعد أن انكسر في عكا، وضاع حلمه الإمبراطوري بسبب تحالف بريطاني - عثماني. فقد كان هدفه النهائي الوصول إلى الهند، ورأى في الإسكندر قدوته، وانتهى حزيناً خائباً، فهو الذي كتب: «في مصر، وجدتني متحرراً من عوائق حضارة مزعجة. كنت أحلم بأشياء كثيرة، وأجد الوسيلة لتطبيق كل ما حلمت به. كنت أؤسس لديانة جديدة، وأرى نفسي في الطريق إلى آسيا ممتطياً فيلاً، وعلى رأسي عمامة، وبيدي قرآن جديد ألفته كما أشاء. كنت سأجمع في مشاريعي تجارب العالمين، وأستفيد من دروس التواريخ، وأهاجم القوة الإنجليزية في الهند، ثم أعود لأنسج بواسطة هذا الغزو علاقاتي مع أوروبا العجوز. الفترة التي أمضيتها في مصر كانت أجمل فترة في حياتي لأنها كانت الأكثر مثالية».

الفترة النابليونية على قصرها مهدت لتولي محمد علي، مؤسس مصر الحديثة، مقاليد الحكم، وفتحت الباب أمامه لإرسال بعثته العلمية الأولى إلى باريس، حيث أوفد 44 شاباً، على رأسهم الإمام الأزهري اليانع، رفاعة الطهطاوي. وهو الذي سيبزّ كل من ابتعث معهم، سواء في إجادة الفرنسية، أو كتابة مشاهدته، عملاً بنصيحة أستاذه حسن العطار الذي كان هو نفسه قد تتلمذ على يد علماء بونابرت في مصر. وبعودة الطهطاوي، سيصبح كتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» الأول من نوعه عن الحياة في أوروبا، ويتحول إلى مرجع. كما سيفتتح مدرسة الألسن، ويطلق الترجمة، ويكون وراء كثير من المؤسسات الثقافية التي ستلعب أدواراً محورية، ويعين وزيراً للتعليم العام، ويطلق عصر النهضة الفكرية في العالم العربي.

ثم نصل إلى الخديوي إسماعيل الذي كان له فضل أحياء عمل كان قد بدأ قبل توليه الحكم بأربع سنوات ثم توقف، وهو وصل البحر الأحمر بالبحر الأبيض بواسطة قناة بطول 160 كيلومتراً. كان ذاك عام 1854، حيث الحلم بقناة السويس قد بدأ، والمخاوف تصاعدت، فلا الباب العالي يوافق خشية أن تنال مصر استقلالية أكبر، ولا إنجلترا خشية أن يدعّم المشروع النفوذ الفرنسي في المنطقة. أهدر إسماعيل كثيراً من الاستثمارات في مشاريع لم تثمر، وأورث خليفته بلداً مفلساً يقبع تحت رحمة دولتين دائنتين، هما فرنسا وبريطانيا، فرضتا سيطرة تشبه الاستعمار، ما سيحرّض على انبجاس حركة وطنية.

ويبين سوليه كيف أن ثورة أحمد عرابي هي حركة كفاح عسكريين مصريين هضمت حقوقهم لصالح الأتراك والألبان والأكراد من زملائهم. فقد انتظر عرابي عقدين ليصبح عقيداً، وهذه أعلى رتبة يستطع «ضابط فلاح» بلوغها. عرابي الذي جابه الإنجليز بجسارة، ودفع أثماناً غالية، منها تخوينه، لم يعد إليه الاعتبار بصفته بطلاً وطنياً إلا بعد نصف قرن من قبل عبد الناصر.

وكما لعب عرابي دوراً في بلورة الهوية المصرية، تمكن محمد عبدة، صاحب كتاب «التوحيد» الذي عين مفتياً للديار المصرية، من تدعيم فكرة أن النهضة لا تأتي إلا متسقة مع الإسلام الذي يحتاج إلى تحديث. وعلى الرغم من المعارضة، تمكن من فتح الباب أمام ظهور مصلحين ومثقفين وسياسيين، مثل لطفي السيد وسعد زغلول، وعلى يديه تتلمذ قاسم أمين.

ظهور سعد زغلول (أبو الأمة) هو امتداد لما سبق، فهو أحد طلاب جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، معه اشترك في ثورة عرابي، وسجن بتهمة «المشاركة في جمعية سرية». وعلى الرغم من أنه فلاح مصري تمكن من السفر إلى فرنسا، ونيل إجازة في الحقوق، وأصبح وزيراً للتعليم، ومن ثم وزيراً للعدل. وانتظر حتى عام 1919، وانتهاء الحرب الأولى، ليلقي خطابه الحماسي الشهير الذي يطالب فيه بالاستقلال، ويرحل بسببه مع ثلاثة من رفاقه إلى مالطا، وتبدأ معارك حزب الوفد من أجل حرية مصر، سواء كان على رأس الحكومة أو خارجها. ويصف البراون فيرمن فان دان بوش الحقوقي البلجيكي زغلول بأنه «رجل إرادة وعناد، يثير العواصف ويجد الارتياح فيها كأنه في وسطه الطبيعي». ومع ظهور القومية العربية، تجاوزت أهمية زغلول مصر، لينظر إليه على أنه «زعيم الشرق كله».

من الصعب لمقالة أن تعكس روح الكتاب، المبنية أهميته على تفاصيله، والإيحاءات الذكية التي يستخدمها سوليه لمساعدة القارئ على ربط الأحداث والخروج باستنتاجات. فحين نصل إلى الصفحات المخصصة للملك فؤاد الأول (1917-1936)، نقرأ وصفاً مذهلاً لأحوال مصر بعد تفكك السلطنة العثمانية، فالقاهرة تحولت إلى باريس الصغرى، بترفها وبذخها ومقاهيها وأماكن اللهو. يقول الكتاب: «لم يسبق لمصر وأوروبا أن تقاربتا على هذا النحو قط». كانت عيون فؤاد الأول شاخصة نحو أوروبا. وفي هذا البلد الذي كانت تحتله بريطانيا منذ عام 1882، كل العقود كانت توقع بالفرنسية، وكثير من المراسلات الإدارية الرئيسية أيضاً، وحتى نقاشات مجلس الوزراء. كثيرة الشخصيات التي وقعت تحت التأثير الفرنسي. هدى شعراوي، ذات الجرأة الاستثنائية، كانت على تواصل مع كاتبات فرنسيات في معركتها، وتدعى إلى مؤتمرات نسوية في باريس، وتقضي عطلاتها في أوروبا. كما أنها أسست مجلة فرنسية شهرية في مصر، اسمها «المصريات»، استمر صدورها 15 سنة باللغة الفرنسية، فقد كانت مهتمة بإطلاع الرأي العام الغربي على حال المرأة والمجتمع في مصر. شعراوي لم تقف لا مبالية أمام خطر زحف اليهود على فلسطين، وعبرت عن رفضها الشديد، وخشيتها من أن يحل هؤلاء مكان الفلسطينيين، وأدانت الممارسات البريطانية والصهيونية.

وفي موازاة الشخصيات الوطنية التي طالبت بالاستقلال، ومالت للاستفادة من الغرب، ظهر حسن البنا الرافض لهذا التوجه، وأسس مع ستة من رفاقه عام 1928 تنظيم «الإخوان المسلمين»، وافتتح مدرسة وجامعاً في الإسماعيلية. ومن قرية إلى أخرى، انتقل الرجل، وزاد أتباعه بسرعة. وهو التنظيم السياسي المصري الأول الذي لم ينبثق من البرجوازية، وإلى هذا يعزو الكاتب سبب نجاحه. رفض البنا بشدة علمنة المجتمع المصري، ورأى أن «كل قطعة أرض خفقت فوقها راية الإسلام هي بالنسبة إلى كل مسلم وطن يجب المحافظة عليه، وأن يعمل ويجاهد من أجله»، مطالباً بإعادة نظام الخلافة.

الحديث عن ظهور المتناقضات والتيارات يقتضي الكلام عن طه حسين الذي أبصر بعيني زوجته الفرنسية سوزان، وأقر التعليم المجاني، وأسس لفكر نقدي، وحثّ على رؤية البعد المتوسطي لمصر، فاستحق تكريماً من أندريه جيد وجان كوكتو. ثم نمر على حكم الملك فاروق الذي انتزع منه العرش عام 1952، لينتهي بذلك حكم سلالة محمد علي، ويبدأ عهد جديد مع جمال بعد الناصر.

صوت أم كلثوم لم يكن بعيداً عن السياسة، فهي «صوت كل العرب»، والمواكبة بأغنياتها لكل حدث. كانت فاتحة أغنياتها الوطنية حين توفي سعد زغلول، ورثته بأغنية مطلعها «إن يغب عن مصر سعد، ينضب الماء ويبقى بعده النبت الكريم». يومها، بكى الجمهور، ومزقت السيدة منديلها.

بالطبع، لا ينتهي الكتاب دون المرور بسنوات أنور السادات السابح عكس التيار مع معاهدة «كامب ديفيد»، المتجه صوب أميركا، الراغب في «محو كل آثار الناصرية»؛ إنه «الرجل الذي جمع المتناقضات. أراد أن يحكم باسم العلم والإيمان، بطل حرب وسلام، مسلم متشدد وداعية حداثة وتنور». بطبيعة الحال، عصر السادات يستدعي صفحات عن نجيب محفوظ الأديب الذي لم تخلُ مواقفه السياسية من إثارة للجدل.

الصفحات الأخيرة المخصصة لحسني مبارك والرئيس السيسي لا تحمل للمتابع الدهشة أو الجديد، فهي إعادة سرد لأحداث عايشها وعاصرها، لكن قراءة مائتي سنة من حياة مصر على طريقة سوليه تفتح الأعين بالتأكيد على رؤية جديدة لتاريخ المنطقة العربية بأكملها.


كتب

اختيارات المحرر

فيديو