«فيسبوك» تحذف نحو 1000 حساب معادٍ للحكومة السودانية

تحاكي وسائل إعلام إخبارية وتقدم تغطية مشوهة للأحداث وتروج لعودة النظام السابق

رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك (رويترز)
رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك (رويترز)
TT

«فيسبوك» تحذف نحو 1000 حساب معادٍ للحكومة السودانية

رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك (رويترز)
رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك (رويترز)

قالت شركة «فيسبوك» إنها أغلقت شبكتين كبيرتين تستهدفان مستخدمين لمنصتها في السودان في الأشهر القليلة الماضية، كما حذفت ما يقرب من 1000 حساب في وقت سابق هذ الشهر، حسب وكالة «رويترز».
وتأتي الخطوة فيما يخوض المدنيون والعسكريون نزاعاً حول مستقبل البلاد. وتصاعدت المعركة بينهما من أجل كسب الرأي العام، الأيام الأخيرة، حيث يدور معظمها على شبكة الإنترنت.
وذكرت «فيسبوك» أن إحدى الشبكتين اللتين حذفتهما، وتضمّان حسابات مزيفة، كانت مرتبطة بقوات الدعم السريع، بينما كانت الأخرى تشمل أشخاصاً قال باحثون استعانت بهم الحكومة المدنية إنهم من مؤيدي الرئيس المخلوع عمر البشير ويحرضون على استيلاء الجيش على السلطة.
وفي وقت سابق هذا الشهر، قالت شركة «فيسبوك» إنها أغلقت شبكة تضم ما يقرب من 1000 حساب وصفحة، ولديها 1.1 مليون متابع ويديرها أشخاص ذكرت الشركة أنهم على صلة بقوات الدعم السريع. ولم يردّ ممثلون عن قوات الدعم السريع على طلبات للتعليق، حسب «رويترز». ولم يكن لدى الحكومة أي تعقيب أيضاً. وقال ديفيد أغرانوفيتش مدير مواجهة التهديدات في «فيسبوك»، لـ«رويترز» إن تحقيقاً داخلياً للشركة أسفر عن رصد الشبكة. وقالت «فيسبوك» أيضاً إنها أزالت شبكة ثانية في يونيو (حزيران) بعد تلقيها معلومات من شركة «فالنت بروجيكتس» وهي شركة أبحاث مستقلة كلّفتها وزارة الإعلام السودانية بالنظر في نشاط مرتبط بموالين للبشير.
وأشارت «فيسبوك» إلى أن الشبكة كانت تضم أكثر من 100 حساب وصفحة ولديها أكثر من 1.8 مليون متابع. ولم يتم الإبلاغ سابقاً عن جهود الحكومة السودانية لمحاربة مَن تصفهم بالموالين للنظام السابق الذين يعملون على تقويض المرحلة الانتقالية. وقالت الوزارة في بيان لـ«رويترز» إن «بقايا نظام البشير يعملون بصورة ممنهجة على تشويه صورة الحكومة» في إشارة إلى منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي التابعة للشبكة حددتها «فالنت».
ووفقاً لما قالته «فيسبوك» وبعض الباحثين المستقلين كانت منشورات الشبكتين تحاكي وسائل الإعلام الإخبارية لكنهما قدمتا تغطية مشوهة للأحداث السياسية.
ويعتمد السودانيون الذين بوسعهم الدخول على شبكة الإنترنت، وهم نحو 30% من السكان البالغ عددهم 45 مليون نسمة، بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على الأخبار.
ووصلت الشراكة العسكرية - المدنية التي حلّت عام 2019 محل البشير المسجون الآن، إلى مرحلة حرجة في الأسابيع الماضية في أعقاب ما وصفتها السلطات بمحاولة انقلابية فاشلة.
واتهم مسؤولون مدنيون كلاً من الموالين للبشير والجيش بإثارة الاضطرابات، بما في ذلك في شرق البلاد حيث يمنع محتجون قبليون حركة الشحن في بورتسودان، مما أدى إلى تفاقم نقص السلع والبضائع الناجم عن أزمة اقتصادية متجذرة. وينفي قادة عسكريون هذه الاتهامات ويقولون إنهم ملتزمون بالانتقال إلى الديمقراطية.
وقالت «فالنت بروجكتس» إن الشبكة التي حددتها كانت أكبر بثلاث مرات من تقييم «فيسبوك»، وجذبت ما يربو على ستة ملايين متابع وكانت مستمرة في النمو.
وذكر ممثلون عن «فالنت بروجكتس» أن الشبكة كانت نشطة حتى هذا الأسبوع وكانت تحرض على تحرك عسكري مع تجمع المحتجين في وسط الخرطوم، وكذلك الشهر الماضي بعد المحاولة الانقلابية.
وقال آمل خان، مؤسس ومدير «فالنت بروجكتس»: «يبدو أنهم كانوا يحاولون إعطاء انطباع بوجود مساندة شعبية لمثل هذه الخطوة». وعند سؤاله عن اختلاف التقييمات قال أغرانوفيتش المسؤول بـ«فيسبوك»، إن الشركة واثقة من أنها أغلقت الشبكة بالكامل وإن الحسابات الأخرى التي حددتها «فالنت» ليست على صلة بها. وأضاف أن «فيسبوك» ستواصل مراقبة أي إحياء للشبكة.
ويقول بعض منشورات الشبكة إن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، ليس مسلماً (شيوعياً) وإن موظفيه يحصلون على رواتبهم بالدولار، وهي تهمة نفوها. ويروّج مشاركون في الشبكة لعودة البشير المسجون بتهمة الفساد واتهامات أخرى والمطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بشأن ارتكاب فظائع في صراع دارفور.
وقال زهير الشمالي، رئيس الأبحاث في «فالنت بروجكتس»، إن الشبكة ضخّمت من شأن الدعوات إلى العصيان المدني في الشرق.
وأكدت الشركة البحثية أن الشبكة شجّعت على الاحتجاجات قبل 30 يونيو، ذكرى الانقلاب الذي استولى فيه البشير على السلطة عام 1989.
وقال خان، مستشهداً بحركة تدعى «أختونا» وتعني (ابتعدوا عن الطريق) باللهجة المحلية: «اعتقد الناس في السودان أنه ستكون هناك مظاهرة حاشدة لأنهم رأوا الكثير من النشاط» على الإنترنت. لكن شارك نحو 3500 شخص في النهاية.
واتصلت «رويترز» بثلاثة مسؤولين عن إدارة صفحات تركتها «فيسبوك» دون أن تغلقها ونفوا أن يكونوا جزءاً من شبكة. وقال أحدهم والذي طلب عدم نشر اسمه: «الأجسام الحاكمة الآن تصنف كل منتقد لسياستها القمعية وسوء إدارتها الاقتصادية والسياسية أنه له علاقة» بالنظام السابق، وقالت وزارة الإعلام إنها لم تتخذ أي إجراءات قانونية بحق الصفحات أو المسؤولين عنها. وقالت: «الحكومة السودانية ملتزمة بحماية حرية التعبير».
ووفقاً لباحثين في مرصد «ستانفورد للإنترنت» ومختبر أبحاث الطب الشرعي الرقمي التابع للمجلس الأطلسي، فقد أعلنت «فيسبوك» سابقاً عن عمليتين في ديسمبر (كانون الأول) 2020 ومايو (أيار) 2021 لحذف حسابات تدعم قوات الدعم السريع.
وقالت «فيسبوك» إنها وجدت في الشبكتين روابط مع وكالة أبحاث الإنترنت الروسية، وهي مجموعة منحلة رسمياً متهمة بالتدخل في الانتخابات الأميركية عام 2016. ورفضت آنا بوجاتشيفا، التي اتهمتها الولايات المتحدة بتنفيذ عمليات وكالة أبحاث الإنترنت الروسية للتدخل في الانتخابات والعمليات السياسية، الإجابة عن أسئلة حول الوكالة عند الاتصال بها عبر الهاتف. ويقول أغرانوفيتش إنه ليس هناك ما يشير لوجود صلات خارجية للشبكة المستهدفة مؤخراً المرتبطة بقوات الدعم السريع، ويبدو أنها جزء من اتجاه متزايد لعمليات تأثير محلية.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.