التعامل برقّة ولين مع اللاعبين أحد مشكلات سولسكاير في مانشستر يونايتد

فيرغسون المعلّم العظيم لتلميذه النرويجي كان بارعاً في اتباع سياسة العصا والجزرة أو الترهيب والترغيب

TT

التعامل برقّة ولين مع اللاعبين أحد مشكلات سولسكاير في مانشستر يونايتد

يمكن وصف المدير الفني لمانشستر يونايتد أولي غونار سولسكاير بأنه ذلك «السيد اللطيف» الذي يقف بأناقة بجوار خط التماس، لكن هذا السلوك الهادئ للغاية يؤدي إلى نتائج عكسية، فلا يمكنك مثلاً أن تتذكر أي موقف لسولسكاير وهو يوبخ فيه أحد لاعبيه بسبب عدم قيامه بواجبه أو ارتكابه خطأ خلال إحدى المباريات. لكن ما أهمية ذلك؟ الإجابة بسيطة للغاية؛ وهي أن هذا السلوك يجعل اللاعبين - حتى من دون وعي - يتعاملون مع الأمور باستخفاف بعض الشيء، أو لا ينفذون التعليمات بالشكل المطلوب، لأنهم يعرفون في قرارة أنفسهم أنه لن يلومهم أحد. لكن من الضروري أن يقوم أي مدير فني بإلقاء محاضرة قوية بين شوطي المباراة أو أن يتحدث بقوة ليثير الحماس والغضب في نفوس لاعبيه، وإلا سيتراجع الأداء.
لقد كان المعلم العظيم لسولسكاير، وهو السير أليكس فيرغسون، بارعاً جداً في اتباع سياسة العصا والجزرة، أو الترهيب والترغيب، لمساعدة لاعبيه في تقديم أفضل ما لديهم داخل الملعب، ولوضع اللاعبين المغرورين تحت السيطرة، للدرجة التي جعلته يُلقب بـ«مجفف الشعر» بسبب تعنيفه الشديد للاعبين في حال الخسارة أو ارتكاب أخطاء داخل الملعب. لقد كان المدير الفني الاسكوتلندي يعرف جيداً أنه إذا لم يتبع تلك الطريقة في التعامل مع لاعبيه وقت الحاجة فإنه قد يفقد السيطرة على الأمور: أولاً من اللاعبين، ثم من أعضاء مجلس الإدارة الذين سيبدأون في التفكير فيما إذا كان هو الرجل المناسب لهذا المنصب أم لا.
ويعد هذا الأمر مهماً للغاية بالنسبة لسولسكاير في الوقت الحالي، لأن مانشستر يونايتد قبل فترة التوقف الدولي قدم مستويات سيئة للغاية وخسر ثلاثاً من مبارياته الست السابقة؛ أمام يانغ بويز السويسري في دوري أبطال أوروبا، ثم أمام وستهام وأستون فيلا، كما تعادل مع إيفرتون، قبل أن يخسر مباراته الأخيرة أمام ليستر سيتي بأربعة أهداف مقابل هدفين.
وحمّل سولسكاير نفسه مسؤولية الأداء المتواضع أمام ليستر سيتي والبقاء دون فوز للمباراة الثالثة على التوالي في الدوري الإنجليزي. وكانت هذه أول خسارة ليونايتد خارج أرضه في الدوري بعد 29 مباراة متتالية، لتحوم الشكوك حول إمكانية المنافسة على لقب الدوري لأول مرة منذ 2013 عندما توج آنذاك مع المدرب المخضرم فيرغسون. وقال سولسكاير بعد مباراة ليستر: «عندما تنظر إلى المباراة، استقبلنا الأهداف الأربعة بشكل سيئ. بالنظر إلى طريقة لعبنا، فنحن لا نستحق مواصلة الحفاظ على السجل الخالي من الهزيمة خارج الأرض». وأضاف: «أنا أختار التشكيلة. هاري مغواير لم يكن يعاني من أي آثار للإصابة، وأنا أتحمل المسؤولية في حال أن الاختيار لم ينجح. من المحتمل أكون قد اتخذت بعض القرارات الخاطئة». وتابع: «في الفترة الأخيرة مستوانا ليس جيداً، وفقدنا كثيراً جداً من النقاط، وهذا الشيء يجب أن نحاول إصلاحه. ربما ينبغي علينا إجراء تغييرات، فهل نحتاج إلى مزيد من اللاعبين؟ ماذا نحتاج؟». وكان مغواير، الذي تعرض لإصابة في الساق خلال الخسارة أمام أستون فيلا الشهر الماضي، مرشحاً للغياب عن مواجهة ليستر، لكنه عاد إلى التشكيلة الأساسية وظهر بشكل متواضع ضد فريقه السابق.
ولم يظهر كريستيانو رونالدو بشكل جيد أيضاً وافتقر للمسة الحاسمة، كما أخفق جادون سانشو المنضم في صفقة ضخمة هذا الموسم في ترك بصمة، وخرج في الشوط الثاني واشترك ماركوس راشفورد بدلاً منه. ويعتقد سولسكاير أن صاحب الأرض استحق بالفعل الفوز. وقال المدرب النرويجي: «لن أتقدم بأي أعذار للفريق الذي أشركته. هم لاعبون من الطراز الرفيع ونحن لم نلعب بالشكل المطلوب. لم يكن الأداء جيداً ومن المحبط استقبال هدفين من ركلتين ثابتتين».
وفي مباراة إيفرتون، سجل أندروس تاونسند هدف التعادل بعد أخطاء دفاعية فادحة من كل من فريد ولوك شو وفيكتور ليندلوف وآرون وان بيساكا. ورغم ذلك، التقطت عدسات التلفزيون سولسكاير وهو يبتسم قرب نهاية هذه المباراة التي كانت نتيجتها سيئة، والتي جاءت أيضاً بعد الخسارة أمام أستون فيلا على ملعب «أولد ترافورد» بهدف دون رد، وهي النتائج التي ستؤثر كثيراً في قدرة الفريق على المنافسة على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز، إذا كان يسعى حقاً لذلك!
وبعد ذلك، وجه سولسكاير الانتقادات للاعبيه، عندما قال إن مانشستر يونايتد كانت لديه «أعداد كافية» من اللاعبين (شو وليندلوف ووان بيساكا وفريد) لإيقاف تاونسند، معترفاً بأن فريقه افتقر أيضاً إلى الشراسة الهجومية. لقد كان المدير الفني النرويجي محقاً تماماً في ذلك، لكن لماذا لم يُظهر سولسكاير قلقه وانزعاجه خلال المباراة لكي يبعث برسالة واضحة للاعبيه بأنه لا يمكن القيام بهذا وأنهم المسؤولون عن هذا الهدف؟ لكن في هذه المباراة - كما الحال في جميع المباريات الأخرى - يظل سولسكاير جالساً في مقعده ولا يظهر أي رد فعل لبث الحماس في نفوس لاعبيه.
هذا لا يعني أنه لا يهتم بما يحدث داخل الملعب، لكنه يظل هادئاً طوال المباراة، ويجب أن يعرف أن أفضل المديرين الفنيين هم الذين يعرفون كيف يتعاملون مع كل موقف على حدة وقت حدوثه ولا يكون رد فعلهم ثابتاً في جميع المواقف. ومع ذلك، لا يبدو سولسكاير مرتاحاً في الملعب، ولا يبدو قادراً على توجيه لاعبيه وقت اللزوم، على غرار ما يقوم به المدير الفني لليفربول، يورغن كلوب، أو المدير الفني لمانشستر سيتي، جوسيب غوارديولا، على سبيل المثال.
ويعود السبب في ذلك إلى الطبيعة الشخصية للمدير الفني النرويجي، حيث تعتمد طريقته في التعامل مع لاعبيه على فكرة أنه من الممكن تحقيق أقصى استفادة ممكنة من إمكانات اللاعبين إذا لعبوا بأريحية وبعيداً عن الضغوط. لقد أتت هذه الطريقة بثمارها مع كثير من لاعبي مانشستر يونايتد (بالإضافة إلى أولئك الذين لعبوا في السابق تحت قيادة سولسكاير في مولده النرويجي وكارديف سيتي)، وكانت النتيجة الطبيعية هي أن هؤلاء اللاعبين يحبون سولسكاير ويريدون القيام بأي شيء من أجله.
لكن المستويات والنتائج الأخيرة لمانشستر يونايتد تشير بوضوح إلى أن سولسكاير يجب أن يكون أكثر شراسة في التعامل مع لاعبيه. وهناك مثال آخر على ذلك في المباراة التي فاز فيها مانشستر يونايتد على فياريال على ملعب «أولد ترافورد»، قبل ثلاثة أيام من مواجهة إيفرتون، عندما تلاعب لاعب فياريال، أرنو دانغوما، بديوغو دالوت خلال الشوط الأول للمباراة.
لقد كان من الواضح للجميع أنه يجب استبدال دالوت بين شوطي المباراة بعد هذا الأداء الكارثي، لكن سولسكاير فاجأ الجميع بإشراك دالوت في الشوط الثاني، قبل أن يتلاعب به دانغوما مرة أخرى ويصنع هدفاً لباكو ألكاسير. إن عدم اتخاذ سولسكاير قراراً بإخراج دالوت من الملعب وتركه بهذا المستوى السيئ طوال المباراة، لا يقل سلبية عن إحجامه عن تعنيف لاعبيه في حال ارتكابهم أي أخطاء، وهي الأمور التي من المؤكد أن لاعبي الفريق يلاحظونها ويفهمونها جيداً.
من المؤكد أن سولسكاير شخص ماهر وذكي، وأن فيرغسون اختاره من بين عدد كبير من اللاعبين المميزين الذين تولى تدريبهم ورأى أنه الشخص القادر على قيادة نادٍ عملاق بحجم مانشستر يونايتد. لكن يبدو أنه يفتقد عنصراً حيوياً من شخصية المدير الفني الاسكوتلندي العظيم، وهي أن يتعامل مع اللاعبين بشراسة وقت اللزوم وأن ينفجر في وجوههم في بعض الأوقات حتى يقدمون الأداء المطلوب. وإذا كان سولسكاير قادراً حقاً على القيام بذلك، فربما يفعل ذلك في المنزل أو داخل غرفة خلع الملابس ولا نعلم نحن شيئاً عن ذلك! إننا لا نطالب سولسكاير بأن يغضب دائماً وأن يعامل لاعبيه بعصبية مفرطة، لكننا نطالبه بأن يقف في المنطقة الفنية ويوجه لاعبيه، كما يفعل كلوب وغوارديولا، لأن ذلك جزء أساسي من أسلحة أي مدير فني ناجح.
من المؤكد أن جميع مشاكل مانشستر يونايتد لن تحل إذا استمع سولسكاير إلى هذه النصيحة وقام بذلك، لكن بعد الخسارة أمام ليستر سيتي سيلعب الفريق مواجهات من العيار الثقيل على مدار ثلاثة أسابيع أمام أتالانتا وليفربول وتوتنهام وأتالانتا مرة أخرى ومانشستر سيتي. قد يفكر سولسكاير في هذا الأمر في مرحلة ما، لكن يتعين عليه أن يعرف أنه إذا لم يغير من طريقة إدارته للمباريات بمرور الوقت فإننا قد لا نرى هذا «السيد اللطيف» على رأس القيادة الفنية للشياطين الحمر قريباً!


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.