تقنيات جديدة لتوصيل مليار مستخدم جديد بالإنترنت الفائق السرعة وسد الفجوة الرقمية

روبوت «يغزل» الألياف الضوئية حول الكابلات الكهربائية... وأجهزة «ذكية» تنقل بيانات الإنترنت لاسلكياً حول العوائق

أجهزة «تيراغراف» لنقل الإنترنت الفائق السرعة لاسلكياً عبر المدن  وتجاوز العوائق (موضحة باللون الأحمر) بينها بذكاء
أجهزة «تيراغراف» لنقل الإنترنت الفائق السرعة لاسلكياً عبر المدن وتجاوز العوائق (موضحة باللون الأحمر) بينها بذكاء
TT

تقنيات جديدة لتوصيل مليار مستخدم جديد بالإنترنت الفائق السرعة وسد الفجوة الرقمية

أجهزة «تيراغراف» لنقل الإنترنت الفائق السرعة لاسلكياً عبر المدن  وتجاوز العوائق (موضحة باللون الأحمر) بينها بذكاء
أجهزة «تيراغراف» لنقل الإنترنت الفائق السرعة لاسلكياً عبر المدن وتجاوز العوائق (موضحة باللون الأحمر) بينها بذكاء

قد تكون تستخدم اتصالاً سريعاً بالإنترنت في المنزل أو في بيئة العمل، ولكن أكثر من نصف سكان العالم يفتقرون إلى وصول جيد إلى الإنترنت أو هم غير متصلون بتاتاً. وفي العام 2019، كان أكثر من 70 في المائة من سكان العالم لا يزالون يعيشون في مناطق تبعد أكثر من 10 كيلومترات عن الألياف الضوئية. وليس من السهل تقديم اتصال للمستخدمين في المناطق النائية أو الباردة جداً أو الوعرة أو الصحاري، إلى جانب التكاليف المرتفعة لتمديد الألياف في المناطق الريفية منخفضة الكثافة السكانية، ونقص المواد ذات التكلفة المعقولة التي يمكنها تحمل الظروف المناخية القاسية.
مشاريع الاتصالات
وتعمل «غوغل» على تمديد كابلات ألياف ضوئية في العديد من المدن الأميركية بتكاليف اشتراك منخفضة (يمكن الحصول على سرعة 1 غيغابايت في الثانية بنحو 262 ريالاً سعودياً أو 70 دولاراً، و2 غيغابايت في الثانية بسعر 375 ريالاً أو 100 دولار). وكانت الشركة قد أطلقت مبادرة الإنترنت عبر البالونات الهوائية عالية الارتفاع «لون»، إلا أنها ألغت المشروع بعد 9 أعوام من العمل عليه.
من جهتها، تعمل «فيسبوك» على برنامج «اتصال «فيسبوك» Facebook Connectivity الرامي إلى تطوير تقنيات جديدة لتسهيل وصول المزيد من المستخدمين إلى الإنترنت عالي السرعة حول العالم. واستطاع هذا البرنامج منذ عام 2013 تقديم إنترنت سريع لأكثر من 300 مليون شخص حول العالم، ويعمل حالياً على توصيل أكثر من مليار شخص جديد بالإنترنت لسد الفجوة الرقمية وتسهيل وصولهم إلى المعلومات والخدمات بسرعة وجودة عاليين وبتكلفة معتدلة أينما كانوا، وليستفيد الجميع من الميزات الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية في عالم متصل رقمياً.
ولاحظ الفريق، أن الاقتصادات تزدهر عندما يتوافر إنترنت على نطاق واسع للأفراد والأنشطة التجارية. وفي نيجيريا، مثلاً، أسفرت زيادة الاتصال عريض النطاق عن زيادة بنسبة 7.8 في المائة في احتمالية توظيف الأشخاص في المناطق المتصلة بالكابلات المصنوعة من الألياف الضوئية.
وتحدثت «الشرق الأوسط» مع فريق العمل المتخصص بالتقنيات والبنية التحتية السلكية واللاسلكية، ونذكر ملخص المقابلة التي أجريت خلال أقل من 24 ساعة من انقطاع خدمات «فيسبوك» لساعات عدة مساء 4 أكتوبر (تشرين الأول)، واعتذر الفريق عن المشكلة التقنية التي حدثت بسبب خطأ في عملية تعديل إعدادات الموجهات الرئيسية التي تدل الأجهزة الخادمة العالمية إلى عناوين أجهزة «فيسبوك»، مؤكدين أن الانقطاع المذكور غير مرتبط بعمليات فريق «اتصال فيسبوك»، حيث يعمل الفريق على تقديم تطويرات لاتصال المستخدمين بالإنترنت عن طريق البحر والبر والجو.
كابلات الاتصالات البحرية
وبالنسبة إلى تحسين سعة الإنترنت على مستوى العالم عبر البحر، فيعتمد الإنترنت العالمي على ركيزة أساسية، هي كابلات تمر تحت سطح البحر تربط بين القارات. وفي الوقت الحالي، تقتصر سعة الكابلات التي تمر تحت سطح البحر على كمية الكهرباء التي يمكن توصيلها من الشاطئ إلى سلسلة من أجهزة تكرار الإشارة (لتقوية الإشارة على امتداد الكابل) التي يتم وضعها كل 80 كيلومتراً تقريباً على امتداد الكابل. ولو نظرنا إلى كابل طويل، مثل ذلك الذي عبر المحيط الأطلسي ويمتد من أوروبا إلى الولايات المتحدة بطول يزيد على 7 آلاف كيلومتر، فإن حصول أجهزة تكرار الإشارة على الكهرباء من الشاطئ يمثل تحدياً كبيراً. وللتغلب على هذا التحدي؛ يطور المهندسون حالياً عوامات يمكنها توليد الطاقة لأجهزة تكرار الإشارة مباشرة من وسط المحيط، وذلك باستخدام مجموعة من محولات طاقة الأمواج والألواح الشمسية.
وحتى وقت قريب، كانت الكابلات التي تمر عبر المحيطات تتكون من زوجين إلى 8 أزواج من الألياف فقط. ولكن الفريق استطاع الآن تطوير هذا الأمر وأطلق أول نظام كابلات يمر عبر المحيط الأطلسي يتكون من 24 زوجاً من الألياف بسعة نصف بيتابايت لكل ثانية؛ أي نصف مليون غيغابايت في كل ثانية. ولتوضيح الأمر، تزيد سعة هذه الكابلات بمقدار 200 ضعف عن سعة كابلات الاتصالات التي تمر عبر المحيط الأطلسي التي تم إطلاقها قبل نحو 20 عاماً فقط.
واستخدام مجموعة من محولات طاقة الأمواج والألواح الشمسية هو أمر بالغ الأهمية لتعزيز الابتكارات التقنية؛ وذلك لنقل سعة الكابلات قريباً من نصف بيتابايت في الثانية إلى 5 بيتابايت في الثانية، أي 10 أضعاف السعة، وبالتالي ضرورة وجود طاقة ثابتة لجميع أجهزة تكرار الإشارة.
روبوتات للكابلات البرية
الخطوة التالية بعد وصول الكابلات إلى الشاطئ هي توصيل النطاق الترددي للمجتمعات. إلا أن السبل الحالية لمد الألياف يعيبها كثافة العمالة وارتفاع التكلفة. ونتيجة لذلك؛ كان تثبيت الألياف هو العائق أمام تمديد المزيد منها وتقديم وصول غير مقيد إلى الإنترنت للجميع بغض النظر عن مستوى الدخل. ولتصور حجم التكاليف، فإن كل خصلة من الألياف تكلف بضع سنتات لكل متر، بينما تكلف عملية التمديد ما بين عشرات إلى مئات الدولارات لكل متر. ويعود السبب في ارتفاع تكلفة تمديد الألياف إلى أجور العمال وتكلفة العتاد والمواد الأولية اللازمة لحفر الأرض وتمديد الألياف وردمها بشكل صحيح، وعبر آلاف الكيلومترات بين المدن أو المناطق النائية.
ويمكن الاستفادة من البنية التحتية الموجودة مسبقاً لمد الألياف، مثل خطوط الكهرباء متوسطة الجهد، وهي الأسلاك المألوفة أعلى عمود الكهرباء في العديد من المدن والمناطق حول العالم، والتي تمر في كل شارع تقريباً، دون الحاجة إلى تكبد نفقات حفر الخنادق لوضع الألياف تحت الأرض. وطور الفريق روبوتاً اسمه «بومبيكس» Bombyx (كلمة لاتينية تعني «دودة القز») لمد الألياف الضوئية عبر الأسلاك الكهربائية. ويشابه عمل الروبوت دودة القز، بحيث يخرج منه سلك الألياف الضوئية بشكل حلزوني يلتف حول السلك الكهربائي. ويستطيع الروبوت التنقل عبر الأسلاك والعمدان الكهربائية بسهولة بسبب انخفاض وزنه وقدرته على التنقل من عمود إلى آخر آليا، وهو يستطيع تحمل الظروف الجوية الصعبة والعمل عبر المسار المحدد المسار له.
ومن التحديات التي واجهت الفريق تصميم كابلات الألياف، حيث إنه عندما يتم التفاف الألياف حول خط الكهرباء، فإن وزن الألياف والروبوت سيكون كبيراً على الكابلات الكهربائية التي تتعرض لعوامل التمدد والتقلص والرياح. كما أن كابلات الكهرباء متوسطة الجهد تصبح ساخنة.
ولمواجهة تحديات التصميم هذه، تم استخدام نوع من الألياف يسمى «كيفلر المُضفَّر» لتقوية الكابل، مع الحرص على بقائه صغيراً ومرناً. ولعلاج مشكلة الحجم والوزن، تم خفض عدد الألياف من 96 قطعة ألياف إلى 24 داخل الكابل الواحد. وبفضل التقنيات الحديثة، يمكن لقطعة الألياف الواحدة أن تخدم ما يصل إلى ألف منزل. وتم تطوير غلاف للألياف لتتمكن من تحمل درجات الحرارة المرتفعة الموجودة في خطوط الكهرباء أو في حال حدوث شرارة كهربائية في الجهد العالي. النتيجة النهائية هي قدرة كل روبوت على تمديد أكثر من كيلومتر من الألياف والتغلب على عشرات العوائق من تلقاء نفسه في نحو 90 دقيقة فقط.
توصيل الألياف هوائياً
التقنية الثالثة هي «تيراغراف» Terragraph، وتهدف إلى توصيل الإنترنت فائق السرعة من الألياف الضوئية إلى المنازل دون الحاجة إلى حفر الطرقات ومد الكابلات لكل منزل أو نشاط تجاري، وبالتالي توفير التكلفة على المستخدم. ويمكن القيام بذلك باستخدام هذه التقنية التي تعتمد على أجهزة إرسال لاسلكية موجودة على مثبتات الطرق والأسطح لإنشاء شبكة موزعة من الاتصال عالي السرعة يمكن الاعتماد عليه دون أي انقطاع. ويتم تثبيت هذا الأجهزة على أعمدة الإنارة وإشارات المرور لنقل الإشارة بين الألياف الضوئية والمنازل والمتاجر المختلفة حول المدينة بشكل يشابه استخدام الموجهات المنزلية لتقوية إشارة «واي فاي» اللاسلكية، ولكن بتقنيات أكثر تقدماً بأشواط. وستوصل هذه الأجهزة الإنترنت لاسلكياً إلى سطح المبنى، ليتم نقل الإشارة عبر موجهات «راوتر» محلية لكل شقة عبر كابلات الشبكات القياسية، أو عبر شبكات «واي فاي» محلية.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأجهزة تعلم أماكن تواجد الأجهزة الأخرى وتقوم بتعديل زوايا إرسال الإشارة إلى الأجهزة الأخرى في حال وجود عوائق جديدة أمامها (مثل سقالة لصيانة مبنى ما، أو تشييد بناء جديد بين جهازين على خط واحد) دون أي تدخل بشري. وتبلغ سرعة التحميل Download عبر هذه الشبكات 1 غيغابايت في الثانية (نحو 128 ميغابايت في الثانية، ذلك أن الغيغابايت يعادل 1024 ميغابايت، والميغابايت الواحد يعادل 8 ميغابايت).
الجدير ذكره، أن الفريق يشارك هذه التقنية مجاناً مع الشركات المصنعة للمعدات التي تستخدمها في أجهزتها، وشحنت أكثر من 30 ألف وحدة إلى أكثر من 100 مزود لخدمة الإنترنت فائق السرعة حول العالم.


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي وواقع البيانات... هل تواكب البنية التحتية هذا التسارع؟

خاص النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)

الذكاء الاصطناعي وواقع البيانات... هل تواكب البنية التحتية هذا التسارع؟

يفرض تسارع الذكاء الاصطناعي ضغطاً على البنية التحتية، حيث يصبح تخزين البيانات وكفاءته واستدامته عاملاً حاسماً في القدرة على التوسع.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)

«غوغل» تتيح نقل سجل المحادثات والتفضيلات إلى «جيميناي»

«غوغل» تطلق استيراد الذاكرة في «جيميناي»، لنقل السياق والتفضيلات بين تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز تجربة شخصية مستمرة للمستخدمين.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يمكن للحوسبة الكمومية فك أعقد تشفير للبيانات في ثوان، ويسعى "كروم" لتغيير جذري ضد ذلك

كيف تعيد «غوغل» و«ميتا» صياغة مستقبلنا الرقمي؟

في وقت يتسارع فيه الزمن التقني نحو آفاق غير مسبوقة، لم تعد كبرى شركات التقنية تكتفي بتقديم خدمات تقليدية، بل باتت تخوض صراعاً مزدوجاً: الأول «دفاعي»

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا  زر "تثبيت النتيجة المباشر" في الجزيرة الديناميكية لتطبيق غوغل على هاتف "آيفون 17 برو ماكس"

دليلك لمتابعة المباريات الرياضية على الأجهزة الجوالة

لطالما جذبت بطولات كرة السلة الجامعية وبداية موسم البيسبول، عشاق الرياضة إلى شاشات التلفاز في هذا الوقت من العام.

جيه دي بيرسدورفر ( نيويورك)
تكنولوجيا نظام متطور للإضاءة الخارجية

نظام متطور للإضاءة الخارجية

ختر لوناً، أي لون، أو ألواناً متعددة أو أنماطاً وتأثيرات متعددة، ومن ثم ستحصل على مظهر جديد تماماً لأنظمة الإضاءة الخارجية «إنبرايتن - Enbrighten»

غريغ إيلمان (واشنطن)

الذكاء الاصطناعي وواقع البيانات... هل تواكب البنية التحتية هذا التسارع؟

النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)
النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)
TT

الذكاء الاصطناعي وواقع البيانات... هل تواكب البنية التحتية هذا التسارع؟

النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)
النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)

مع تسارع الذكاء الاصطناعي في توليد البيانات واستخدامها، يؤدي تزايد أهمية البنية التحتية إلى تحول أقل وضوحاً، لكنه أكثر عمقاً. فبينما يتركّز جزء كبير من النقاش العام حول الذكاء الاصطناعي على قوة الحوسبة وأداء النماذج، يشير قادة الصناعة بشكل متزايد إلى كيفية تخزين البيانات والوصول إليها وتوسيعها على نطاق واسع.

في إحاطة إعلامية خاصة حضرتها «الشرق الأوسط»، قدّم مسؤولون في شركة «سي غيت تكنولوجي» (Seagate Technology) هذا التحول بوصفه تغيراً هيكلياً، لا مجرد تحديث تقني. فالتحدي لم يعد يقتصر على إنتاج البيانات أو معالجتها، بل بات يتمحور حول القدرة على الحفاظ عليها وتوسيعها بكفاءة واستدامة وعلى نحو يمكن التنبؤ به. يقول ديف موسلي، الرئيس التنفيذي للشركة إن «ما نعلنه اليوم ليس مجرد إنجاز على مستوى المنتج، بل يعكس كيف يجب أن تتطور البنية التحتية لمواكبة التسارع غير المسبوق في نمو البيانات عالمياً».

ديف موسلي الرئيس التنفيذي لشركة «سي غيت تكنولوجي»

يصعب المبالغة في حجم هذا النمو. فحسب موسلي، انتقل حجم البيانات العالمية من نحو زيتابايت واحد في عام 2005 إلى أكثر من 70 زيتابايت في عام 2020، مع توقع إضافة مئات الزيتابايت في السنوات المقبلة. ورغم أن الذكاء الاصطناعي يعدّ محركاً رئيسياً لهذا التوسع، فإنه ليس العامل الوحيد؛ إذ تسهم خدمات الحوسبة السحابية والفيديو والأتمتة والمتطلبات التنظيمية في تشكيل منظومة بيانات أكثر تعقيداً واتساعاً.

هذا التداخل يعيد صياغة طريقة تقييم البنية التحتية. ويضيف موسلي أن «القصة لم تعد تتعلق بتقنية واحدة، بل بالبنية التحتية وتخصيص رأس المال». بمعنى آخر، لم يعد السؤال هو ما إذا كان بالإمكان إنتاج البيانات أو معالجتها، بل ما إذا كانت الأنظمة الداعمة قادرة على التوسع بكفاءة لمواكبة هذا النمو.

ما بعد الحوسبة

أحد أبرز الاستنتاجات هو أن مسار الذكاء الاصطناعي لا يمكن فهمه من خلال الحوسبة وحدها. فرغم أهمية المعالجات والمسرّعات، فإنها تعتمد بشكل أساسي على توفر البيانات.

ويشير موسلي إلى أنه «عندما يتحدث الناس عن بنية الذكاء الاصطناعي، يركّزون على الحوسبة التي لا يمكن أن تعمل دون بيانات. ماذا يحدث عندما تنفد البيانات من منصات الحوسبة؟ هذه مشكلة».

هذا الطرح يعيد وضع التخزين في قلب أنظمة الذكاء الاصطناعي. فالبيانات لا يكفي أن تكون موجودة، بل يجب الاحتفاظ بها وحمايتها وإمكانية استرجاعها على نطاق واسع. وفي بيئات الحوسبة فائقة الحجم، حيث تُتخذ القرارات على مدى خمس أو سبع أو حتى عشر سنوات، تتحول هذه المتطلبات معادلةً اقتصادية بقدر ما هي تقنية.

تكلفة التخزين لكل تيرابايت واستهلاك الطاقة وكثافة السعة لكل رفّ، كلها أصبحت عوامل حاسمة. وكما أفاد موسلي: «الذكاء الاصطناعي لا يتوسع بالحوسبة فقط، بل يعتمد على اقتصاديات مستدامة، والتخزين هو ما يحدد هذه الاقتصاديات».

الذكاء الاصطناعي لا يستهلك البيانات فقط... بل يضاعفها عبر النسخ وإعادة التدريب والاستخدام المستمر (غيتي)

من النمو إلى التراكم

جزء من هذا التحول يرتبط بطبيعة البيانات نفسها. فالذكاء الاصطناعي لا يستهلك البيانات فحسب، بل يضاعفها. ويصرح بي إس تيه، الرئيس التجاري للشركة بأن «الذكاء الاصطناعي لا يستهلك البيانات فقط، بل يراكمها». عملياً، يعني ذلك أن البيانات تُنسخ وتُوزَّع وتُحفظ ويُعاد استخدامها لتدريب النماذج وإعادة تدريبها. ونتيجة لذلك؛ لم يعد نمو البيانات خطياً، بل أصبح متسارعاً ومتراكماً.

ويظهر هذا الواقع في توسّع مراكز البيانات عالمياً. فهناك اليوم أكثر من 11 ألف مركز بيانات، مع توقع ارتفاع العدد إلى نحو 15 ألفاً خلال السنوات المقبلة. لكن الأهم هو حجم هذه المراكز. فما كان يُعدّ مركزاً ضخماً سابقاً بقدرة 10 ميغاواط تحل محله اليوم مراكز «عملاقة» تصل إلى 100 أو حتى 300 ميغاواط.

ويذكر تيه أنه «لا يكاد يمر يوم دون الإعلان عن بناء مركز بيانات جديد في مكان ما من العالم». لكن التحول الحقيقي لا يكمن في العدد فقط، بل في الحجم والضغط المتزايد على البنية التحتية.

التوسع دون اضطراب

مع هذا النمو، لا يتمثل التحدي في زيادة السعة فقط، بل في تحقيق ذلك دون إحداث اضطراب. فمشغلو البنية التحتية الضخمة لا يمكنهم تحمل تغييرات جذرية متكررة. ويلفت موسلي إلى أن بعض العملاء يتخذون قرارات تمتد لخمس أو سبع أو حتى عشر سنوات، ويحتاجون إلى ثقة بأن كثافة التخزين ستستمر في التوسع دون تغييرات معمارية معطِّلة.هذا التركيز على القابلية للتنبؤ أصبح بحد ذاته ميزة أساسية. فالتطور يجب أن يكون تدريجياً ومستمراً، لا أن يفرض إعادة تصميم مكلفة في كل مرحلة.

من جانبه، يوضح جون موريس، المدير التقني، أن التقنيات التقليدية لزيادة الكثافة وصلت إلى حدودها ويتابع: «تقنية التسجيل المغناطيسي التقليدية اقتربت من حدودها، ونحتاج إلى ابتكارات جديدة لدفع الجيل القادم من التخزين».

ولهذا؛ طوّرت الشركة تقنية التسجيل المغناطيسي بمساعدة الحرارة (HAMR)، التي تستخدم تسخيناً دقيقاً بالليزر لزيادة كثافة البيانات دون تغيير الحجم الفيزيائي للأقراص. ويشرح موريس بأن «الزيادة في السعة تتحقق من خلال الفيزياء الأساسية للتسجيل؛ ما يتيح اقتصاديات أفضل من حيث التكلفة لكل تيرابايت والاستثمار المطلوب». الأهم أن هذه التقنية لم تعد في مرحلة التجارب، بل انتقلت إلى بيئات الإنتاج الفعلية، حيث تم اعتمادها من قِبل عملاء في قطاع الحوسبة السحابية واسعة النطاق.

من الابتكار إلى الإنتاج الصناعي

تحويل الابتكار منتجاً فعلياً يتطلب أكثر من اختراق تقني، بل يحتاج إلى قدرة على التصنيع على نطاق واسع بدقة عالية. وحول ذلك يقول موريس إن «نقل هذه التقنية من البحث إلى الإنتاج تطلب تطوير تقنيات جديدة بالكامل»، مشيراً إلى التقدم في المواد والفوتونيات وعمليات التصنيع الدقيقة. وهذا ما يتيح التوسع التدريجي دون انقطاع. فكل جيل جديد يبني على السابق؛ ما يسمح بزيادة السعة دون الحاجة إلى إعادة تصميم الأنظمة بالكامل.

التحدي الأساسي لم يعد سرعة النماذج... بل قدرة البنية التحتية على التوسع بشكل مستدام وموثوق (غيتي)

اقتصاديات الحجم

على مستوى البنية التحتية الضخمة، حتى التحسينات الصغيرة تُحدِث فرقاً كبيراً. ويفسر موسلي بأنه في بيئة تخزين بحجم إكسابايت واحد، يمكن تحقيق تحسن في كفاءة الطاقة بنحو 47 في المائة مقارنة بالأنظمة السابقة، مع تقليل عدد الأقراص من نحو 50 ألفاً إلى نحو 22 ألفاً؛ ما يؤدي إلى تقليل المساحة والتبريد والتعقيد التشغيلي.

هذه ليست تحسينات هامشية، بل تغييرات تؤثر مباشرة على التكلفة والبنية.

وأشار تيه إلى أن الاستدامة أصبحت عاملاً مؤثراً في قرارات الشراء، قائلاً: «لم تعد الاستدامة مسألة ثانوية»، في إشارة إلى أهمية استهلاك الطاقة والبصمة الكربونية. كما أن نظرة المؤسسات إلى البيانات تغيّرت، حيث إنه «في السابق كانت البيانات تُعدّ تكلفة، أما اليوم فهي أصل استراتيجي يتراكم بمرور الوقت».

السؤال الحاسم

تشير هذه التطورات إلى تحول أوسع في تصميم بنية الذكاء الاصطناعي. فالتخزين الذي كان في الخلفية، أصبح اليوم في صميم التخطيط. في السابق، كانت الأولوية للحوسبة والذاكرة والشبكات. أما اليوم، فأصبح التخزين عاملاً حاسماً في قدرة الأنظمة على التوسع. وكما وصفه تيه: «كان التخزين مثل الهواء أو الماء أساسي، لكنه غير مرئي... إلى أن يغيب». اليوم، لم يعد كذلك، بل أصبح محورياً في بناء القدرات الرقمية.

بالنسبة لقيادة الشركة، يتجاوز هذا التحول حدود التقنية ليطرح سؤالاً أساسياً حول مستقبل الذكاء الاصطناعي. وباعتقاد موسلي أن «السؤال الأهم لهذا العقد ليس مدى سرعة تدريب النماذج، بل مدى قدرة البنية التحتية للبيانات على التوسع بشكل مستدام».

هذا الطرح يعيد توجيه النقاش، حيث إن مستقبل الذكاء الاصطناعي قد لا يعتمد فقط على تطور النماذج، بل على القدرة على إدارة البيانات على نطاق غير مسبوق بكفاءة واستقرار ودون انقطاع. وبهذا المعنى، قد لا يُقاس تقدم الذكاء الاصطناعي بذكائه فقط، بل بالبنية التحتية التي تجعله ممكناً.


«غوغل» تتيح نقل سجل المحادثات والتفضيلات إلى «جيميناي»

تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)
تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)
TT

«غوغل» تتيح نقل سجل المحادثات والتفضيلات إلى «جيميناي»

تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)
تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)

تسعى «غوغل» إلى معالجة إحدى أبرز العقبات في عالم تطبيقات الذكاء الاصطناعي للمستهلكين، وهي «مشكلة البدء من الصفر». فمع تنقُّل المستخدمين بين أكثر من مساعد ذكي، يجد كثيرون أنفسهم مضطرين لإعادة إدخال تفضيلاتهم، وشرح سياقهم الشخصي مراراً، وإعادة بناء سجل محادثاتهم من جديد. ومن خلال مجموعة ميزات جديدة في تطبيق «جيميناي»، تحاول الشركة تقليل هذا الاحتكاك عبر تمكين المستخدم من نقل «ذاكرته الرقمية» بين المنصات.

تعتمد عملية الاستيراد على توليد ملخص من التطبيق الآخر ثم إدخاله إلى «جيميناي»، ليتم تحليله وحفظه (غوغل)

استمرارية التجربة الرقمية

في تحديث بدأ طرحه في العالم العربي، تقدم «غوغل» ميزة «استيراد الذاكرة» (Memory Import) التي تتيح نقل عناصر أساسية من السياق الشخصي -مثل الاهتمامات والعلاقات والتفضيلات- من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى مباشرة إلى «جيميناي».

الفكرة بسيطة، وهي أنه بدلاً من تدريب مساعد جديد من الصفر، يمكن للمستخدم أن ينقل معه طبقة جاهزة من الفهم تعكس طريقة تفاعله السابقة.

ورغم التعقيد التقني الكامن وراء هذه العملية، فإن تنفيذها جاء بشكل مبسَّط. من خلال إعدادات «جيميناي»، يمكن اختيار خيار الاستيراد؛ حيث يتم توليد «طلب» (Prompt) جاهز، ثم يقوم المستخدم بنسخ هذا الطلب إلى تطبيق ذكاء اصطناعي آخر، والذي بدوره يُنتج ملخصاً لتفضيلات المستخدم وسياقه. بعد ذلك، يتم لصق هذا الملخص داخل «جيميناي» الذي يقوم بتحليله وتخزينه ضمن ملف المستخدم. ومن ثمَّ، يصبح «جيميناي» قادراً على استخدام هذه البيانات لتخصيص ردوده، وكأنه يواصل رحلة المستخدم الرقمية بدلاً من البدء من جديد.

تمكِّن الميزة المستخدمين من تجنُّب البدء من الصفر عبر نقل فهم مسبق لطبيعة تفاعلاتهم واهتماماتهم (غيتي)

«الذكاء الشخصي»

تندرج هذه الخطوة ضمن توجه أوسع لدى «غوغل»، نحو ما تسميه «الذكاء الشخصي» (Personal Intelligence)، وهو نموذج يسعى إلى تقديم مساعد ذكي أكثر وعياً بالسياق. فبدلاً من التعامل مع كل طلب بشكل منفصل، يهدف «جيميناي» إلى تقديم إجابات مبنيَّة على فهم أعمق لتاريخ المستخدم وعاداته واهتماماته.

ولا يقتصر الأمر على استيراد الذاكرة فقط. فمع موافقة المستخدم، يمكن لـ«جيميناي» الاستفادة من بيانات عبر منظومة «غوغل» الأوسع، بما في ذلك «جيميل» و«صور غوغل» وسجل البحث، إضافة إلى المحادثات السابقة داخل التطبيق نفسه. وهذا يتيح مستوى أكثر تطوراً من التفاعل؛ حيث لا تعتمد الإجابة فقط على السؤال الحالي؛ بل على صورة أوسع تتشكل مع الوقت حول المستخدم.

تشتت سجل المحادثات

كما تعالج «غوغل» مشكلة أخرى برزت مع انتشار استخدام أدوات ذكاء اصطناعي متعددة، وهي تشتت سجل المحادثات؛ إذ بات بإمكان المستخدمين الآن تحميل أرشيف محادثاتهم من منصات أخرى بصيغة ملف مضغوط (ZIP) واستيراده إلى «جيميناي». وبذلك يمكنهم البحث داخل محادثاتهم السابقة، واستكمالها دون فقدان السياق.

تعكس هذه الميزة تحولاً مهماً في طريقة النظر إلى المساعدات الذكية. فهي لم تعد مجرد أدوات منفصلة؛ بل بدأت تأخذ شكل «رفيق رقمي» طويل الأمد؛ حيث تلعب الاستمرارية وتراكم السياق دوراً محورياً في قيمتها. وفي هذا الإطار، لا يُنظر إلى سجل المحادثات كأرشيف فقط؛ بل كجزء من «ذكاء» النظام نفسه.

بالنسبة للمستخدم، تكمن الفائدة المباشرة في الكفاءة. فالمهام التي كانت تتطلب شرحاً متكرراً، مثل التخطيط للسفر، أو إدارة المشاريع، أو تطوير أفكار إبداعية، يمكن الآن استئنافها بسهولة من حيث توقفت. أما بالنسبة لـ«غوغل»، فالدلالة الاستراتيجية واضحة، فتقليل تكلفة الانتقال بين المنصات يجعل من الأسهل على المستخدم اعتماد «جيميناي» مساعداً أساسياً، حتى لو كانت تجربته السابقة في مكان آخر.

يمكن لـ«جيميناي» الاستفادة من بيانات خدمات «غوغل» مثل «جيميل» و«صور غوغل» وسجل البحث لتحسين الاستجابات (غوغل)

الخصوصية والمنافسة الجديدة

في المقابل، تظل مسألة الخصوصية والتحكم في البيانات حاضرة. تؤكد «غوغل» أن هذه الميزات تعمل بموافقة المستخدم؛ خصوصاً عند الربط مع خدمات مثل «جيميل» و«صور غوغل». كما أن عملية الاستيراد نفسها تتطلب خطوات واضحة من المستخدم. ومع ذلك، فإن تعمُّق تكامل الذكاء الاصطناعي مع البيانات الشخصية سيبقى موضع نقاش مستمر.

يأتي إطلاق هذه الميزات أولاً عبر «الويب» في العالم العربي، على أن تصل إلى الأجهزة المحمولة خلال الأيام المقبلة، ما يعكس توجهاً نحو تقديم حلول مخصَّصة للأسواق الإقليمية؛ خصوصاً فيما يتعلق باللغة والسياق الثقافي.

بصورة أوسع، يشير هذا التحديث إلى تحول في طبيعة المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي. فلم يعد التميز يقتصر على قوة النماذج أو عدد الميزات؛ بل بات يرتبط بمدى قدرة المساعد على فهم المستخدم والاستمرار معه عبر الزمن. وفي هذا السياق، تصبح «الذاكرة» عاملاً حاسماً.

فمن خلال تمكين المستخدمين من نقل سياقهم معهم، لا تضيف «غوغل» مجرد ميزة جديدة؛ بل تعيد تعريف نقطة البداية في التفاعل، لتتحول من صفحة بيضاء إلى محادثة مستمرة.


«إنستغرام» يختبر نسخة مدفوعة بمزايا إضافية

شعار تطبيق «إنستغرام» (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «إنستغرام» (أ.ف.ب)
TT

«إنستغرام» يختبر نسخة مدفوعة بمزايا إضافية

شعار تطبيق «إنستغرام» (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «إنستغرام» (أ.ف.ب)

بدأ تطبيق «إنستغرام» اختبار نسخة جديدة للاشتراك المدفوع في العديد من الدول، مع مزايا إضافية تركز بشكل رئيسي على خاصية «ستوريز»، وفق ما قالت ناطقة باسم الشركة الأم «ميتا» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين، مؤكدة معلومات أوردها موقع «تِك كرانش».

كذلك، سيحصل المستخدمون الذين يدفعون على مزيد من التحكم في الحسابات المسموح لها بمشاهدة الصور أو مقاطع الفيديو التي يشاركونها في منشورات «ستوريز» التي عادة ما تختفي بعد 24 ساعة على الشبكة الاجتماعية.

وقالت الناطقة باسم الشركة إنه يتم اختبار هذه النسخة في «عدد قليل من البلدان»، دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وبحسب «تِك كرانش» تشمل هذه البلدان اليابان والمكسيك والفلبين حيث تبلغ أسعار الاشتراك نحو دولارين شهرياً.

وأطلقت «ميتا» إصدارات مدفوعة خالية من الإعلانات من «فيسبوك» و«إنستغرام» في بريطانيا العام الماضي للامتثال للتشريعات في البلاد.

وتعرض منصتا «سناب تشات» و«إكس» نسخة مميزة مدفوعة منذ سنوات.