تقنيات جديدة لتوصيل مليار مستخدم جديد بالإنترنت الفائق السرعة وسد الفجوة الرقمية

روبوت «يغزل» الألياف الضوئية حول الكابلات الكهربائية... وأجهزة «ذكية» تنقل بيانات الإنترنت لاسلكياً حول العوائق

أجهزة «تيراغراف» لنقل الإنترنت الفائق السرعة لاسلكياً عبر المدن  وتجاوز العوائق (موضحة باللون الأحمر) بينها بذكاء
أجهزة «تيراغراف» لنقل الإنترنت الفائق السرعة لاسلكياً عبر المدن وتجاوز العوائق (موضحة باللون الأحمر) بينها بذكاء
TT

تقنيات جديدة لتوصيل مليار مستخدم جديد بالإنترنت الفائق السرعة وسد الفجوة الرقمية

أجهزة «تيراغراف» لنقل الإنترنت الفائق السرعة لاسلكياً عبر المدن  وتجاوز العوائق (موضحة باللون الأحمر) بينها بذكاء
أجهزة «تيراغراف» لنقل الإنترنت الفائق السرعة لاسلكياً عبر المدن وتجاوز العوائق (موضحة باللون الأحمر) بينها بذكاء

قد تكون تستخدم اتصالاً سريعاً بالإنترنت في المنزل أو في بيئة العمل، ولكن أكثر من نصف سكان العالم يفتقرون إلى وصول جيد إلى الإنترنت أو هم غير متصلون بتاتاً. وفي العام 2019، كان أكثر من 70 في المائة من سكان العالم لا يزالون يعيشون في مناطق تبعد أكثر من 10 كيلومترات عن الألياف الضوئية. وليس من السهل تقديم اتصال للمستخدمين في المناطق النائية أو الباردة جداً أو الوعرة أو الصحاري، إلى جانب التكاليف المرتفعة لتمديد الألياف في المناطق الريفية منخفضة الكثافة السكانية، ونقص المواد ذات التكلفة المعقولة التي يمكنها تحمل الظروف المناخية القاسية.
مشاريع الاتصالات
وتعمل «غوغل» على تمديد كابلات ألياف ضوئية في العديد من المدن الأميركية بتكاليف اشتراك منخفضة (يمكن الحصول على سرعة 1 غيغابايت في الثانية بنحو 262 ريالاً سعودياً أو 70 دولاراً، و2 غيغابايت في الثانية بسعر 375 ريالاً أو 100 دولار). وكانت الشركة قد أطلقت مبادرة الإنترنت عبر البالونات الهوائية عالية الارتفاع «لون»، إلا أنها ألغت المشروع بعد 9 أعوام من العمل عليه.
من جهتها، تعمل «فيسبوك» على برنامج «اتصال «فيسبوك» Facebook Connectivity الرامي إلى تطوير تقنيات جديدة لتسهيل وصول المزيد من المستخدمين إلى الإنترنت عالي السرعة حول العالم. واستطاع هذا البرنامج منذ عام 2013 تقديم إنترنت سريع لأكثر من 300 مليون شخص حول العالم، ويعمل حالياً على توصيل أكثر من مليار شخص جديد بالإنترنت لسد الفجوة الرقمية وتسهيل وصولهم إلى المعلومات والخدمات بسرعة وجودة عاليين وبتكلفة معتدلة أينما كانوا، وليستفيد الجميع من الميزات الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية في عالم متصل رقمياً.
ولاحظ الفريق، أن الاقتصادات تزدهر عندما يتوافر إنترنت على نطاق واسع للأفراد والأنشطة التجارية. وفي نيجيريا، مثلاً، أسفرت زيادة الاتصال عريض النطاق عن زيادة بنسبة 7.8 في المائة في احتمالية توظيف الأشخاص في المناطق المتصلة بالكابلات المصنوعة من الألياف الضوئية.
وتحدثت «الشرق الأوسط» مع فريق العمل المتخصص بالتقنيات والبنية التحتية السلكية واللاسلكية، ونذكر ملخص المقابلة التي أجريت خلال أقل من 24 ساعة من انقطاع خدمات «فيسبوك» لساعات عدة مساء 4 أكتوبر (تشرين الأول)، واعتذر الفريق عن المشكلة التقنية التي حدثت بسبب خطأ في عملية تعديل إعدادات الموجهات الرئيسية التي تدل الأجهزة الخادمة العالمية إلى عناوين أجهزة «فيسبوك»، مؤكدين أن الانقطاع المذكور غير مرتبط بعمليات فريق «اتصال فيسبوك»، حيث يعمل الفريق على تقديم تطويرات لاتصال المستخدمين بالإنترنت عن طريق البحر والبر والجو.
كابلات الاتصالات البحرية
وبالنسبة إلى تحسين سعة الإنترنت على مستوى العالم عبر البحر، فيعتمد الإنترنت العالمي على ركيزة أساسية، هي كابلات تمر تحت سطح البحر تربط بين القارات. وفي الوقت الحالي، تقتصر سعة الكابلات التي تمر تحت سطح البحر على كمية الكهرباء التي يمكن توصيلها من الشاطئ إلى سلسلة من أجهزة تكرار الإشارة (لتقوية الإشارة على امتداد الكابل) التي يتم وضعها كل 80 كيلومتراً تقريباً على امتداد الكابل. ولو نظرنا إلى كابل طويل، مثل ذلك الذي عبر المحيط الأطلسي ويمتد من أوروبا إلى الولايات المتحدة بطول يزيد على 7 آلاف كيلومتر، فإن حصول أجهزة تكرار الإشارة على الكهرباء من الشاطئ يمثل تحدياً كبيراً. وللتغلب على هذا التحدي؛ يطور المهندسون حالياً عوامات يمكنها توليد الطاقة لأجهزة تكرار الإشارة مباشرة من وسط المحيط، وذلك باستخدام مجموعة من محولات طاقة الأمواج والألواح الشمسية.
وحتى وقت قريب، كانت الكابلات التي تمر عبر المحيطات تتكون من زوجين إلى 8 أزواج من الألياف فقط. ولكن الفريق استطاع الآن تطوير هذا الأمر وأطلق أول نظام كابلات يمر عبر المحيط الأطلسي يتكون من 24 زوجاً من الألياف بسعة نصف بيتابايت لكل ثانية؛ أي نصف مليون غيغابايت في كل ثانية. ولتوضيح الأمر، تزيد سعة هذه الكابلات بمقدار 200 ضعف عن سعة كابلات الاتصالات التي تمر عبر المحيط الأطلسي التي تم إطلاقها قبل نحو 20 عاماً فقط.
واستخدام مجموعة من محولات طاقة الأمواج والألواح الشمسية هو أمر بالغ الأهمية لتعزيز الابتكارات التقنية؛ وذلك لنقل سعة الكابلات قريباً من نصف بيتابايت في الثانية إلى 5 بيتابايت في الثانية، أي 10 أضعاف السعة، وبالتالي ضرورة وجود طاقة ثابتة لجميع أجهزة تكرار الإشارة.
روبوتات للكابلات البرية
الخطوة التالية بعد وصول الكابلات إلى الشاطئ هي توصيل النطاق الترددي للمجتمعات. إلا أن السبل الحالية لمد الألياف يعيبها كثافة العمالة وارتفاع التكلفة. ونتيجة لذلك؛ كان تثبيت الألياف هو العائق أمام تمديد المزيد منها وتقديم وصول غير مقيد إلى الإنترنت للجميع بغض النظر عن مستوى الدخل. ولتصور حجم التكاليف، فإن كل خصلة من الألياف تكلف بضع سنتات لكل متر، بينما تكلف عملية التمديد ما بين عشرات إلى مئات الدولارات لكل متر. ويعود السبب في ارتفاع تكلفة تمديد الألياف إلى أجور العمال وتكلفة العتاد والمواد الأولية اللازمة لحفر الأرض وتمديد الألياف وردمها بشكل صحيح، وعبر آلاف الكيلومترات بين المدن أو المناطق النائية.
ويمكن الاستفادة من البنية التحتية الموجودة مسبقاً لمد الألياف، مثل خطوط الكهرباء متوسطة الجهد، وهي الأسلاك المألوفة أعلى عمود الكهرباء في العديد من المدن والمناطق حول العالم، والتي تمر في كل شارع تقريباً، دون الحاجة إلى تكبد نفقات حفر الخنادق لوضع الألياف تحت الأرض. وطور الفريق روبوتاً اسمه «بومبيكس» Bombyx (كلمة لاتينية تعني «دودة القز») لمد الألياف الضوئية عبر الأسلاك الكهربائية. ويشابه عمل الروبوت دودة القز، بحيث يخرج منه سلك الألياف الضوئية بشكل حلزوني يلتف حول السلك الكهربائي. ويستطيع الروبوت التنقل عبر الأسلاك والعمدان الكهربائية بسهولة بسبب انخفاض وزنه وقدرته على التنقل من عمود إلى آخر آليا، وهو يستطيع تحمل الظروف الجوية الصعبة والعمل عبر المسار المحدد المسار له.
ومن التحديات التي واجهت الفريق تصميم كابلات الألياف، حيث إنه عندما يتم التفاف الألياف حول خط الكهرباء، فإن وزن الألياف والروبوت سيكون كبيراً على الكابلات الكهربائية التي تتعرض لعوامل التمدد والتقلص والرياح. كما أن كابلات الكهرباء متوسطة الجهد تصبح ساخنة.
ولمواجهة تحديات التصميم هذه، تم استخدام نوع من الألياف يسمى «كيفلر المُضفَّر» لتقوية الكابل، مع الحرص على بقائه صغيراً ومرناً. ولعلاج مشكلة الحجم والوزن، تم خفض عدد الألياف من 96 قطعة ألياف إلى 24 داخل الكابل الواحد. وبفضل التقنيات الحديثة، يمكن لقطعة الألياف الواحدة أن تخدم ما يصل إلى ألف منزل. وتم تطوير غلاف للألياف لتتمكن من تحمل درجات الحرارة المرتفعة الموجودة في خطوط الكهرباء أو في حال حدوث شرارة كهربائية في الجهد العالي. النتيجة النهائية هي قدرة كل روبوت على تمديد أكثر من كيلومتر من الألياف والتغلب على عشرات العوائق من تلقاء نفسه في نحو 90 دقيقة فقط.
توصيل الألياف هوائياً
التقنية الثالثة هي «تيراغراف» Terragraph، وتهدف إلى توصيل الإنترنت فائق السرعة من الألياف الضوئية إلى المنازل دون الحاجة إلى حفر الطرقات ومد الكابلات لكل منزل أو نشاط تجاري، وبالتالي توفير التكلفة على المستخدم. ويمكن القيام بذلك باستخدام هذه التقنية التي تعتمد على أجهزة إرسال لاسلكية موجودة على مثبتات الطرق والأسطح لإنشاء شبكة موزعة من الاتصال عالي السرعة يمكن الاعتماد عليه دون أي انقطاع. ويتم تثبيت هذا الأجهزة على أعمدة الإنارة وإشارات المرور لنقل الإشارة بين الألياف الضوئية والمنازل والمتاجر المختلفة حول المدينة بشكل يشابه استخدام الموجهات المنزلية لتقوية إشارة «واي فاي» اللاسلكية، ولكن بتقنيات أكثر تقدماً بأشواط. وستوصل هذه الأجهزة الإنترنت لاسلكياً إلى سطح المبنى، ليتم نقل الإشارة عبر موجهات «راوتر» محلية لكل شقة عبر كابلات الشبكات القياسية، أو عبر شبكات «واي فاي» محلية.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأجهزة تعلم أماكن تواجد الأجهزة الأخرى وتقوم بتعديل زوايا إرسال الإشارة إلى الأجهزة الأخرى في حال وجود عوائق جديدة أمامها (مثل سقالة لصيانة مبنى ما، أو تشييد بناء جديد بين جهازين على خط واحد) دون أي تدخل بشري. وتبلغ سرعة التحميل Download عبر هذه الشبكات 1 غيغابايت في الثانية (نحو 128 ميغابايت في الثانية، ذلك أن الغيغابايت يعادل 1024 ميغابايت، والميغابايت الواحد يعادل 8 ميغابايت).
الجدير ذكره، أن الفريق يشارك هذه التقنية مجاناً مع الشركات المصنعة للمعدات التي تستخدمها في أجهزتها، وشحنت أكثر من 30 ألف وحدة إلى أكثر من 100 مزود لخدمة الإنترنت فائق السرعة حول العالم.


مقالات ذات صلة

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

خاص التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

تقول «غوغل كلاود» إن هدوء الهجمات لا يلغي الخطر، وإن المرونة السيبرانية تبدأ من الثغرات والاستعداد المبكر قبل التصعيد.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
خاص تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)

خاص من لاس فيغاس... «غوغل كلاود نيكست 2026» يرسم المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي

تقدم «غوغل كلاود» في «نيكست 2026» الذكاء الاصطناعي كاختبار لجاهزية المؤسسات في البنية والبيانات والحوكمة والأمن والتشغيل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
الاقتصاد جانب من ملتقى «حكومة الرقمية 2025» (الهيئة)

الحكومة السعودية تواصل تقدمها في استخدام التقنيات الناشئة لتتجاوز 76 %

أعلنت هيئة الحكومة الرقمية السعودية تقرير «مؤشر جاهزية تبنّي التقنيات الناشئة»، الذي يؤكد التطور المتسارع في جاهزية الجهات الحكومية لتبنّي التقنيات الناشئة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا يرى معظم الطلاب أن التقنيات المتطورة والذكاء الاصطناعي يقدمان دعماً حقيقياً للإبداع وتدوين الملاحظات والتلخيص وتوليد الأفكار (شاترستوك)

دراسة من «لينوفو»: 98 % من طلاب الجيل زد يستخدمون الذكاء الاصطناعي مسانداً يومياً

دراسة «لينوفو» تكشف اعتماد طلاب الجيل زد على الأجهزة اللوحية، والذكاء الاصطناعي للدراسة، والإبداع، والتنظيم اليومي مع أولوية للأمان، والاستدامة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
خاص مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)

خاص مراكز البيانات المدارية... هل تخفف اختناق الذكاء الاصطناعي أم تبقى حلاً متخصصاً؟

تبرز مراكز البيانات المدارية كخيار ناشئ لتخفيف اختناقات طاقة الذكاء الاصطناعي، لكنها تبدو أقرب إلى حل متخصص، لا بديل شامل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
TT

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

في «غوغل كلاود نكست 2026» في لاس فيغاس، لم يكن حديث ساندرا جويس، نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intelligence)، مجرد إضافة تقنية ضمن زخم الذكاء الاصطناعي الذي طغى على المؤتمر، بل قدّم قراءة أكثر هدوءاً وانضباطاً لمشهد التهديدات السيبرانية في لحظة إقليمية ودولية حساسة.

وخلال الجلسة، سألت «الشرق الأوسط» عمّا إذا كانت التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين قد انعكست على نمط الهجمات السيبرانية، وما إذا كانت «غوغل كلاود» قد رصدت تحولاً موازياً في مستوى النشاط أو طبيعته. غير أن رد ساندرا جويس جاء على خلاف ما قد يتوقعه كثيرون قائلة إن فريقها «لم يرَ في الواقع ارتفاعاً كبيراً في النشاط السيبراني» خلال تلك الفترة، مضيفة أن ما جرى، باستثناء بعض الوقائع التي ظهرت علناً، لم يصل إلى مستوى تصعيد واسع، بل إنهم «شهدوا هدوءاً، ثم عادت المستويات تقريباً إلى ما كانت عليه سابقاً»، بخلاف ما حدث مع بداية التوترات بين روسيا وأوكرانيا.

وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من أنها تبتعد عن المبالغة، وتقدم صورة أكثر توازناً؛ فالتوترات الجيوسياسية لا تنعكس بالضرورة، وبصورة فورية، في موجة سيبرانية واسعة ومرئية. لكن ذلك، في حديث ساندرا جويس، لا يعني أن الخطر تراجع أو أن البيئة أصبحت أكثر أماناً.

ساندرا جويس نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intellegence) (غوغل)

استعداد قبل الانفجار

وعندما سُئلت عن تفسير هذا الهدوء النسبي، لم تربطه ساندرا جويس بضعف في قدرات الجهات المهاجمة أو بانحسار التهديد، بل أشارت إلى احتمالات أكثر تعقيداً؛ إذ ربما تكون هذه القدرات موزعة بشكل لامركزي، بحيث لا يؤدي استهداف موقع معين إلى تعطيلها، وربما لم يصدر القرار باستخدامها على نطاق أوسع، وربما كانت هناك اعتبارات ردع قائمة.

وفي المقابل، شرحت كيف تتعامل «غوغل كلاود» مع مثل هذه اللحظات عبر ما وصفته بآلية التعامل مع «الأحداث الكبرى»، حيث يجري العمل السريع بهدف التحرك قبل اتساع الأثر، من خلال توفير مؤشرات مبكرة عمّا قد يحدث، ثم التمييز بعد ذلك بين الضجيج والحقيقة، وبين التصورات والوقائع، حتى تتمكن المؤسسات من اتخاذ قرارات عملية تستند إلى سياق واضح. وبذلك، لا يعود دور استخبارات التهديدات مقتصراً على الإبلاغ عمّا حدث، بل يمتد إلى مساعدة المؤسسات على معرفة ما ينبغي فعله بعد ذلك.

«غوغل كلاود»: أول اختبار حقيقي لمرونة المؤسسات اليوم يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية لا من الشعارات العامة حول الصمود (شاترستوك)

اختبار المرونة الحقيقي

وفي محور آخر، انتقل النقاش مع «الشرق الأوسط» إلى معنى «المرونة» أو «الصمود» داخل المؤسسات، ليس فقط من زاوية حماية المعلومات، بل أيضاً من زاوية الحفاظ على استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة. وجاء جواب جويس مباشراً، مشيرة إلى أن أول ما تنظر إليه اليوم، بخلاف ما كانت قد تقوله قبل ثلاث سنوات، هو برامج إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية؛ لأن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت تمنح المهاجمين سرعة ونطاقاً وقدرة على إحداث أثر واسع «بشكل لم نره من قبل».

وتنقل هذه النقطة النقاش من المفهوم العام للمرونة إلى مستوى أكثر دقة وواقعية. فساندرا جويس لا تتحدث عن الصمود بوصفه مجرد خطة استجابة أو قدرة على استعادة الأنظمة بعد الهجوم، بل بوصفه قدرة استباقية على سد الثغرات قبل أن تتحول إلى منفذ لهجمات أسرع وأكثر تعقيداً. ووفق شرحها، فإن المؤسسات في 2026 تحتاج إلى التفكير في أدوات ذكاء اصطناعي تمتلك «السرعة والحجم والقدرة المتقدمة»، ويمكن أن تتجه إلى أي ثغرة في الشبكة، حتى تلك التي قد تكون المؤسسة قد صنّفتها سابقاً على أنها ثانوية أو منخفضة الأولوية. والأسوأ من ذلك، كما أوضحت، أن هذه الأدوات لا تكتفي باستغلال ثغرة واحدة، بل يمكن أن تربط بين نقاط ضعف مختلفة لتكوين مسار اختراق جديد وأكثر فاعلية.

«رذاذ قبل العاصفة»

وعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت ترى بالفعل تصاعداً واسعاً في الهجمات التي تستخدم قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة، لم تقل إن هذه الموجة بلغت ذروتها، لكنها وصفت ما نراه اليوم بأنه أشبه «برذاذ يسبق العاصفة». وقالت بوضوح إن الاعتقاد بأن هذا الوضع سيبقى هادئاً سيكون افتراضاً خاطئاً، لأن المؤشرات تتزايد، والقدرات تتطور، ونقطة التحول تقترب.

وهنا تكمن المفارقة الأهم في حديثها؛ حيث إن العالم لم يدخل بعد مرحلة انفجار شامل في هذا النوع من الهجمات، لكنه يقترب منها بما يكفي لكي يصبح التأجيل خطأ مكلفاً. ومن هذا المنطلق، بدا حديثها أقرب إلى دعوة للاستعداد المبكر منه إلى تحذير من واقع وقع بالكامل.

المرونة السيبرانية في 2026 لم تعد تعني حماية البيانات فقط بل حماية استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة أيضاً (شاترستوك)

من الرصد إلى الفعل

وفي جزء آخر من الجلسة، شرحت ساندرا جويس أن فريقها لا يقتصر دوره على مراقبة التهديدات وبناء صورة عامة عنها، بل يضم أيضاً، منذ العام الماضي، وحدة تعطيل تقود عمليات تستند إلى الاستخبارات. ووفق شرحها، تراوحت هذه العمليات بين إسقاط شبكات وكلاء سكنية بالتعاون مع الفريق القانوني، وتعطيل شبكات تجسس. والمعنى هنا أن قيمة استخبارات التهديدات لم تعد تقف عند حدود الفهم والتحليل، بل باتت تشمل استخدام هذه المعرفة نفسها لتقليص قدرة الخصوم على العمل قبل أن يتحول الخطر إلى حادث واسع.

وفي الوقت نفسه، حرصت جويس على عدم المبالغة في تصوير المشهد، مشيرة إلى أن كثيراً من الاختراقات التي لا تزال الفرق تتعامل معها اليوم تعتمد على أساليب تقليدية معروفة. لكنها حذرت من أن ذلك لا ينبغي أن يبعث على الاطمئنان، لأن ما تراه فرقها هو تسارع الابتكار لدى جهات التهديد، بما يعني أن نقطة التحول تقترب. ووصفت هذا الوضع بأنه «فرصة للتحرك الآن»، لا سبباً لتأجيل الاستعداد.

وهذه ملاحظة مهمة، لأنها تعني أن التهديد لا يكمن فقط في ظهور أدوات جديدة، بل في كيفية تطوير الأساليب القائمة ورفع كفاءتها وتوسيع أثرها. لذلك، فإن الاعتماد على أن المهاجمين سيظلون يستخدمون الأدوات والأساليب نفسها سيكون رهاناً خاطئاً.

تقول «غوغل كلاود» إن هذا الهدوء النسبي لا يعني تراجع الخطر لأن جهات التهديد قد تكون تعمل بقدرات موزعة أو تنتظر ظروفاً مختلفة للتصعيد (رويترز)

اتساع رقعة الاستهداف

كشفت الجلسة أيضاً عن أثر آخر للذكاء الاصطناعي في المشهد الأمني، وهو اتساع نطاق الاستهداف جغرافياً. فعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت الحواجز اللغوية التي كانت تحدّ سابقاً من استهداف بعض الأسواق قد تراجعت، أجابت بأن ذلك يحدث بالفعل، مشيرة إلى زيادة واضحة في استهداف أسواق غير ناطقة بالإنجليزية، وذكرت على وجه الخصوص ألمانيا التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة، ليس فقط على مستوى الشركات الكبرى، بل أيضاً في قلب ما يشكل العمود الفقري للاقتصاد الألماني. وتحمل هذه الإشارة دلالة أوسع؛ الذكاء الاصطناعي لا يوسّع فقط قدرة المهاجمين على تطوير الأدوات، بل يوسّع أيضاً نطاق الأسواق والقطاعات التي يمكن استهدافها بكفاءة أكبر.

حاولت ساندرا جويس، خلال الجلسة، ترسيخ فكرة أن المرونة لم تعد كلمة مطمئنة في عروض الشركات، بل أصبحت اختباراً يومياً يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات، ويمر عبر فهم التهديدات قبل انفجارها، وينتهي بقدرة المؤسسة على التمييز بين الضجيج والحقيقة، والتصرف بسرعة وثقة. وربما كانت الرسالة الأهم التي خرجت من الجلسة هي أنه في 2026، لا يكفي أن تقول المؤسسة إنها «مرنة»؛ عليها أن تثبت أنها قادرة على إغلاق الفجوات قبل أن تتحول، بسرعة الذكاء الاصطناعي نفسه، إلى نقطة انهيار.


زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
TT

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

تتصاعد وتيرة التحولات داخل كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مع احتدام المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يدفع هذه الشركات إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية والمالية بشكل جذري. وتبرز شركة «ميتا» في مقدمة هذا التوجه، إذ تسعى إلى موازنة استثماراتها الضخمة في التقنيات المستقبلية عبر إجراءات تقشفية تشمل تقليص عدد الموظفين.

وتعمل «ميتا»، المملوكة لمارك زوكربيرغ، على خفض آلاف الوظائف بهدف «تعويض» التكاليف الباهظة لاستثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، التي بلغت مليارات الدولارات، حسب ما أوردته صحيفة «التليغراف».

وكانت الشركة، المالكة لمنصات «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام»، قد أعلنت يوم الخميس عن خطط لخفض نحو 10 في المائة من قوتها العاملة، في خطوة تهدف إلى تمويل توسعها الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى تسريح نحو 8 آلاف موظف خلال الشهر المقبل، إضافة إلى إلغاء خطط سابقة لتوظيف ما يقارب 6 آلاف موظف جديد.

وفي مذكرة داخلية وُزّعت على موظفي الشركة واطلعت عليها وكالة «بلومبيرغ»، أوضح مسؤولون تنفيذيون أن هذه الإجراءات تأتي «في إطار الجهود المستمرة لإدارة الشركة بكفاءة أعلى، وتعويض تكاليف الاستثمارات الأخرى التي نقوم بها».

وفي الوقت ذاته، حذّرت «ميتا» مستثمريها من أن إنفاقها قد يصل إلى 169 مليار دولار (125 مليار جنيه استرليني) خلال العام الجاري، في إطار سعيها للحاق بمنافسيها، مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل»، ضمن سباق محتدم في مجال الذكاء الاصطناعي داخل وادي السيليكون.

وتنفق الشركة مبالغ ضخمة على تطوير مراكز البيانات وتعزيز البنية التحتية اللازمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، كما عرض زوكربيرغ حوافز مالية كبيرة لاستقطاب الكفاءات، شملت مكافآت توقيع تصل إلى 100 مليون دولار، إلى جانب عقود متعددة السنوات قد تبلغ قيمتها نحو مليار دولار.

وتأتي هذه الخطط بعد سلسلة من عمليات التسريح الجزئية التي نفذتها «ميتا» خلال الأشهر الماضية، شملت قطاعات مختلفة، من بينها قسم مختبرات الواقع الافتراضي، حيث تم الاستغناء عن نحو 10 في المائة من الموظفين، أي ما يعادل نحو 700 عامل. ويُنظر إلى هذه الخطوات على أنها انعكاس لتراجع الرهان السابق لزوكربيرغ على «الميتافيرس» بوصفه مستقبل الشركة.

ويرى محللون أن موجة التسريحات قد لا تتوقف عند هذا الحد، إذ قد تلجأ «ميتا» إلى تقليص المزيد من الوظائف لاحقاً خلال العام، في ظل التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لأتمتة العديد من المهام التي يؤديها الموظفون حالياً.


أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي، وذلك في مذكرة تهدد بتوتر العلاقات قبل قمة مرتقبة بين الزعيمين الأميركي والصيني الشهر المقبل.

وكتب مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض، في مذكرة جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان لصحيفة «فاينانشال تايمز» ‌السبق في ‌نشرها: «لدى الحكومة الأميركية معلومات تشير إلى ‌أن جهات أجنبية، تتمركز أساساً في الصين، منخرطة في حملات متعمدة وعلى نطاق صناعي لاستخلاص قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة».

وأضاف: «من خلال الاستفادة من عشرات الآلاف من الحسابات الوكيلة لتفادي الرصد، واستخدام تقنيات كسر الحماية لكشف معلومات مملوكة، تقوم هذه الحملات المنسقة باستخراج القدرات بشكل منهجي من نماذج الذكاء الاصطناعي ‌الأميركية، مستغلة الخبرة ‌والابتكار الأميركيين».

وقالت السفارة الصينية في واشنطن، وفقاً لوكالة «رويترز»، إنها تعارض «الادعاءات ‌التي لا أساس لها»، مضيفة أن بكين «تولي أهمية ‌كبيرة لحماية حقوق الملكية الفكرية».

والمذكرة، التي صدرت قبل أسابيع فقط من الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين، تنذر ‌بزيادة التوتر في حرب تكنولوجية ممتدة بين القوتين العظميين المتنافستين، التي هدأت حدتها بفعل انفراجة تحققت أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وتثير المذكرة تساؤلات أيضاً بشأن ما إذا كانت واشنطن ستسمح بشحن رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة التابعة لشركة «إنفيديا» إلى الصين. وأعطت إدارة ترمب الضوء الأخضر لهذه المبيعات في يناير (كانون الثاني)، مع فرض شروط. لكن وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك أشار، أمس الأربعاء، إلى أنه لم تجرِ أي شحنات حتى الآن.

وتقول المذكرة، الموجهة إلى الوكالات الحكومية، إن الإدارة «ستبحث مجموعة من الإجراءات لمساءلة الجهات الأجنبية» التي تقف وراء هذه الحملات.