أربعُ نساء في تاريخ الأنثروبولوجيا الثقافية

أصبحن أيقونات في الثقافة العالمية على المستويين الأكاديمي والشعبي

مارغريت ميد - إيلا ديلوريا
مارغريت ميد - إيلا ديلوريا
TT

أربعُ نساء في تاريخ الأنثروبولوجيا الثقافية

مارغريت ميد - إيلا ديلوريا
مارغريت ميد - إيلا ديلوريا

يحفلُ تاريخ الأنثروبولوجيا الثقافية (أو الاجتماعية) بكثير من التفاصيل المثيرة لكونه أكثر المباحث المعرفية اتصالاً بنشأة الثقافة بكلّ تمثلاتها الرمزية والمادية؛ لكنّ الأمر الذي أجده أكثر إثارة من سواه هو أنّ معظم البناة الأوائل (ما يسمّى بالآباء المؤسسين بلغة الأدبيات السائدة) لهذا الصرح المعرفي الشامخ كانوا من النساء اللواتي أصبحن مثاباتٍ مضيئة في الثقافة العالمية على المستويين الأكاديمي والشعبي. ثمّة 4 نساء في هذا الميدان سأتناولهنّ باختصار، وسيجد القارئ أنّهن أكاديميات أمريكيات حصرياً، ولعلّ مردّ هذه الحقيقة يعود إلى أنّ نشأة الأنثروبولوجيا الثقافية في مطالع القرن العشرين وجدت تربة صالحة لها في المؤسسة الأكاديمية الأمريكية التي لم تثقلها أعباء المواريث الكولونيالية للإمبراطوريات الأوربية، تلك الإمبراطوريات التي شرعت شمسها في الغروب وما كانت لتتناغم مع الأطروحات الثورية المستجدة التي بشّرت بها الأنثروبولوجيا الثقافية.
أولى هؤلاء الأنثروبولوجيات هي مارغريت ميد Margaret Mead. نشرت ميد كتابها الأوّل «بلوغ سنّ الرشد في ساموا Coming of Age in Samoa » عام 1928 عندما كانت لمّا تزل في الـ26. كان أحد الكتب الأكثر مبيعاً، وظلّت ميد لـ50 سنة عقب ذلك صوتاً تقدّمياً في النقاشات الوطنية التي تناولت موضوعات إشكالية شتى، ابتداءً من الجنس والمباحث الجندرية حتى السياسات النووية والبيئة وشرعنة تناول الماريغوانا (كانت تقف في صفّ الداعين لقبول هذه الشرعنة. دعونا لا ننسى كان هذا عام 1969!). اعتادت ميد كتابة عمود شهري في مطبوعة Redbook ذائعة الصيت التي كانت تقرأ من قبل الملايين، وظلّت تواظب على كتابة هذا العمود لـ16 عاماً متواصلة، كما ساهمت في تقديم المشورة لكثير من الوكالات الحكومية، وقدّمت شهادات عدّة أمام الكونغرس الأمريكي، وحاضرت في كثير من الموضوعات المختلفة أمام حضور متباين في توجهاته الثقافية حتى بلغ الأمر بمجلّة Time الأمريكية واسعة الانتشار عالمياً أن تصفها «أمّ العالم». في العام 1979 - وهو العام الذي توفّيت فيه ميد - منحها الرئيس جيمي كارتر وسام الحرية.
تعيشُ ميد في الذاكرة الجمعية باعتبارها «أيقونة» بمعنى أنّ كثرة من الناس قد يعرفون اسمها، ولن يكونوا مندهشين إذا ما رأوا وجهها على طابع بريدي (مثلما حصل مرّة)؛ لكن ليس في مقدورهم إخبارنا أي شيء حول كتاباتها ومقولاتها، ولو وجد هؤلاء الناس أنفسهم مدفوعين لقول شيء إضافي عنها فسيكتفون بالقول إنها كانت شخصية ذات أهمية استثنائية في الحركة النسوية، وهم إذ يفعلون هذا الأمر فليسوا موضع ملامة لأنهم يخلطون بين الدور المحوري الذي لعبته ميد كنموذج ريادي في حقل الأنثروبولوجيا والثقافة العامة من جهة وبين رؤاها الخاصة من جهة أخرى.
التحقت ميد بكلية برنارد عام 1920 لدراسة اللغة الإنكليزية كتخصص رئيسي، ثم عملت على دراسة علم النفس كفرع دراسي رئيسي بالإضافة إلى اللغة الإنكليزية، وفي الوقت ذاته حضرت درساً أكاديمياً يتناول مقدّمة إلى الأنثروبولوجيا في سنتها الدراسية الأخيرة. التحقت ميد عقب ذلك ببرنامج دراسات عليا في جامعة كولومبيا، وقد اختارت العمل الحقلي في جزيرة ساموا لدراسة مرحلة البلوغ فيها بتشجيع حثيث من أستاذها فرانز بواس الذي كتب مقدّمة للكتاب الذي نشرته ميد عن الموضوع (كتاب «بلوغ سن الرشد في ساموا» المشار إليه أعلاه)، وقد أطلق هذا الكتاب بداياتها المهنية في هذا الحقل البحثي.
الأيقونة الأنثروبولوجية الثانية هي إيلّا ديلوريا Ella Deloria. ولِدت ديلوريا في محميّة بولاية داكوتا الجنوبية، وهي تنتمي لعائلة سيوكس Sioux ذائعة الصيت. كان والدها قساً يتبع الكنيسة الأسقفية، ووالدتها ابنة ضابط في الجيش الأمريكي ذي رتبة كبيرة. التحقت ديلوريا بكلية المعلّمين Teachers College ذائعة الصيت والتابعة لجامعة كولومبيا، وتخرّجت منها عام 1915، وفي سنتها الأخيرة بهذه الكلية تلقّت استدعاءً من أستاذها فرانز بواس (الأب المؤسس للأنثروبولوجيا الثقافية) يطلب فيه منها الانضمام إلى مشروع طويل الأمد يعدُّ له ويسعى فيه لتسجيل كلّ اللغات البدائية الشائعة في أمريكا.
لم تكن ديلوريا طالبة رسمية لبواس في يوم من الأيام؛ لكنها مع هذا عملت مساعدة له وحضرت بعضاً من محاضراته (في كلية كولومبيا التي صارت جامعة فيما بعدُ)، وقد وظّفها بواس لتدقيق المعلومات الأولى التي جمعها اللغويون وعلماء الأجناس الأوائل الذين درسوا جماعة الهنود في السهول الأمريكية. لم يكن بواس مندهشاً إذ وجد أنّ معظم المعلومات التي جمعها هؤلاء اللغويون والأنثروبولوجيون كانت عديمة الفائدة. حصل عام 1941، وهي السنة التي سبقت وفاة بواس، أن نشر بواس بالاشتراك مع ديلوريا كتاباً بعنوان «قواعد داكوتا Dakota Grammar » الذي كان واحداً من أعمال قليلة ارتضى بواس طيلة حياته المهنية بالاشتراك بها مع أحد سواه.
الأنثروبولوجية الثالثة في قائمة الأسماء الأيقونية هي روث بندكت Ruth Benedict. كانت روث بندكت بين كلّ النساء اللواتي عملن برفقة بواس هي الأكثر صلة مهنية معه. حصلت بندكت على شهادة البكالوريوس، ثمّ أبدت ولعاً مميزاً بعلم الأنثروبولوجيا عندما تلقّت محاضرات بشأنه في المدرسة الجديدة التي أسسها بواس في كلية كولومبيا. التحقت بندكت ببرنامج الدراسات العليا في كولومبيا عام 1921، وبعد حصولها على شهادتها العليا أصبحت «القائدة لجيش بواس في قسم الأنثروبولوجيا في كولومبيا»، كما يقول زملاؤها الأنثروبولوجيون، وقد سعى بواس من جانبه لضمان حصولها على وظيفة أكاديمية ثابتة في كولومبيا، ونجح في مسعاه هذا. ارتقت بندكت في موقعها الأكاديمي حتى نالت مرتبة أستاذ مساعد آخر الأمر في كولومبيا عام 1931.
عندما تقاعد بواس من عمله الأكاديمي كانت بندكت العضو الأكثر شهرة بين الأعضاء الأكاديميين لقسم الأنثروبولوجيا في جامعة كولومبيا. كتاب بندكت الموسوم أنماط الثقافة Patterns of Culture (وهو دراسة أنثروبولوجية لـ3 جماعات بشرية مختلفة) كان قد نُشِر عام 1934 وأصبح واحداً من أكثر كتب الأنثروبولوجيا الأكاديمية مبيعاً حتى يومنا هذا؛ لكن برغم هذه السمعة الواسعة التي حازتها بندكت فقد ارتأت جامعة كولومبيا توظيف رجل (هو رالف لنتون Ralph Linton) ليشغل مرتبة الأستاذية الشاغرة، وهو شخصية علمية ناقدة لأعمال بندكت، ولم يحصل أن التقى الاثنان (بندكت ولنتون) في نقطة توفيقية وسطية بينهما حتى نهاية مهنتهما الأكاديمية.
نشرت بندكت عام 1946 كتابها الثاني الذي نال – كما كتابها الأوّل – شهرة عجيبة بين أوسع الحلقات الشعبية. كان عنوان الكتاب «زهرة الأقحوان والسيف The Chrysanthemum and the Sword »، وهو دراسة عن ثقافة اليابان. غادر لنتون جامعة كولومبيا تلك السنة، حينئذ رُقّيت بندكت لمرتبة الأستاذية الكاملة آخر الأمر عام 1948، وماتت عقب ذلك بشهرين متأثرة بنوبة قلبية مفاجئة وهي في الـ61.
الاسم الرابع في هذه القائمة هو زورا نيل هرستون Zora Neale Hurston. التحقت هرستون بكلية برنارد عام 1925 عندما كانت في الـ34 (لا أحد يعرف العمر الحقيقي لهرستون؛ إذ لطالما كذبت بشأن ذلك!)، وبعد تخرجها من الدراسة الأولية التحقت ببرنامج لدراسة الدكتوراه، وقضت فيه سنتين متتاليتين قبل أن تترك الدراسة فيه؛ لكنّها، وبتأثير مباشر من بواس، راحت بعد ذلك تجمع التفاصيل الخاصة بالفلكلور الأفريقي – الأمريكي السائد في منطقة وسط فلوريدا حيث نشأت هناك. نشرت هرستون نتائج عملها عام 1935 في كتاب بعنوان «بغالٌ وحمير Mules and Men» مع مقدّمة له كتبها بواس؛ لكنّ الأهمية الحقيقية لهذا العمل تكمن في أنّه وفّر لها المادة الضرورية للتمثيل المدهش لطريقة الكلام الإفريقية – الأمريكية في روايتها الوحيدة «كانت عيونهم ترقبُ الرب Their Eyes Were Watching God » نُشِرت هذه الرواية عام 1937؛ لكنها اختفت شيئاً فشيئاً من المشهد الروائي الأمريكي والعالمي، ثمّ حدث أن «أعيد اكتشاف» هذه الرواية في سبعينات القرن العشرين، وهي اليوم نصٌّ أساسي في المقررات الدراسية الخاصة بالأدب الإنكليزي.
كانت هرستون عنصراً فاعلاً في حركة نهضة هارلم Harlem Ranaissance التي سعت لإحياء ثقافة الأمريكيين السود في حقول الموسيقى والفن والرقص والموضة والأدب والمسرح والسياسة في عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، بعد أن جعلت حيّ هارلم النيويوركي قاعدة لانطلاقتها، كما كانت هرستون باحثة كوسموبوليتانية (عالمية) كتبت روايتها «كانت عيونهم ترقبُ الرب» لأنها أرادت أن تقدّم للقرّاء الأمريكيين الشماليين طريقة في الحياة قلّما مرّت أطيافها بالعقلية الأمريكية الشمالية التي تصوّرت أنّ الأمريكيين الأفارقة يعيشون بسعادة في الجنوب الأمريكي، رغم عدم وجود أي صلة ثقافية لهم بالبيض هناك.



حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل
TT

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات تدعو للتأمل.

هذا ما تؤكده الفنانة التشكيلية والباحثة سماء يحيى في كتابها «العروسة في الفن والحياة»، الصادر أخيراً عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» ضمن سلسلة «آفاق الفن التشكيلي»، لافتة إلى أن الدُمى كانت توضع في حقب زمنية سابقة في قبور الأطفال الصغار، وكأنها تبعد عنهم الوحشة، وهو ما يعكس قوة حضورها في الثقافة الشعبية.

تشير المؤلفة إلى أن «العروسة» هي تشكيل نحتي يُصنع على هيئة إنسان أو حيوان بحجم صغير وخامات مختلفة لأغراض اللعب أو لأغراض تزينيية وطقسية وفنية، وتعد واحدة من أقدم التشكيلات النحتية التي صنعها الإنسان، ويعود تاريخها في رأي بعض الباحثين إلى ما قبل ظهور الحضارة.

ومن الواضح أن افتتان الإنسان الأول بالجسد وخيالاته الأولى في التجسيد جعله يحاول تقريب صور الطبيعة لكي تشبه شكله وأشكال مخلوقات أخرى مألوفة لديه ليخلق في مخيلته اعتقاداً بأنه يستطيع أن يقترب منها أو يقوم بطقس ليتقي شرها، فكانت هناك عرائس لموسم الحصاد في بداية عصر الزراعة والأمطار وأخرى لجلب الرزق والصيد في المجتمعات الرعوية، كذلك عرائس منحوتة كتمائم وآلهة صُنعت من القش والعظم وعرائس لأغراض الخصوبة والإنجاب.

نجد أيضاً أن الإنسان الأول صنع تشكيلات من خامات البيئة المحلية مثل الطين والبوص والأخشاب في محاولة لتجسيد الآباء الراحلين الأعزاء على نحو يجعله قادراً على أن يتواصل معهم ويحدثهم بما يجول في خاطره. حتى في الطقوس السحرية والإيذاء، كانت صناعة دمية على شكل العدو أمراً شائعاً في عصور ما قبل التاريخ، حيث تخلق الدمى نوعاً من التواصل الحسي والحركي مع البيئة وتفتح المجال للخيال ونمو العقل لدى الأطفال، فالظروف البيئية في العصر الحجري على سبيل المثال كانت من العوامل المهمة التي قامت حولها طائفة من العقائد والطقوس القديمة.

حرف وصناعات

تلفت سماء إلى أنه ترتب على ذلك قيام مجموعة من الحرف والصناعات والفنون لنجد أن الطقوس الدينية أو السحرية اتخذت من تلك الحرف وسيلة لحفظ هذا التراث الإنساني من الضياع، بل ربما كانت ضماناً لارتقاء تلك الحرف والصناعات.

عُثر على العديد من نماذج الدمى في العصور الأولى المبكرة للحضارة المصرية القديمة، لا سيما في كل من «نقادة» و«البداري»، كما وُجدت بأحجام وخامات وأشكال منوعة في سيبيريا ووسط آسيا والبلطيق، وابتُكرت في أشكال مختلفة بملابس أو من دون، وألبست حلياً تشبه تلك التي يستخدمها أهل المنطقة ولُوّنت في بعض الأحيان مثل الدمى السومرية الملونة، كما وُجدت منها نماذج فرعونية مكسوة بالذهب والمطعمة بالملابس.

ومع هذا التاريخ العظيم الثري من استخدام العرائس والدمى في التعبير الفني والثقافي والمجتمعي في مصر، فإن المؤلفة تلاحظ أن النظر إلى «العروسة» كعنصر مهم من الممكن الاستفادة منه في الفن التشكيلي المصري الحديث بكل مجالاته، وهذا لم يلق العناية الكافية من الفنانين التشكيليين المصريين المعاصرين.

وبينما اقتصرت أغلبية الأعمال التشكيلية المعاصرة في مصر على «تيمة عروس المولد» في أعمال نحتية وتصويرية، لم يهتم إلا قليلون باستخدام مفاهيم وتشكيلات أخرى لدمى مصرية لها خصوصية متفردة واستلهامها في تطوير أساليب وأعمال فنية ذات فرادة، وفي الوقت نفسه يقبل على مشاهدتها الجمهور العادي لأنها ليست غريبة على ثقافته وذائقته، وإن كان هذا لا ينفي قيام بعض التشكيليين بمحاولات رائدة في هذا السياق مثل جمال السجيني، وعبد الغني الشال، وممدوح عمار، ومصطفى الرزاز، وفرغلي عبد الحفيظ، ورمزي مصطفى، وعصمت داوستاشي، وحلمي التوني.

أشهر النماذج

تعد «دمية فرن الخبز» أشهر عروس في منازل المصريين الذين كانوا حتى وقت قريب يصنعون الخبز في منازلهم، من وجه بحري حتى أقاصي الصعيد، وهى تُصنع من قطعة صغيرة من العجين، وتخلطها الأمهات والجدات بالسمن وبعض السكر، ثم يشكلها الأطفال على هيئة دمى بدائية قريبة الشبه جداً بتلك التي شُكلّت في عصور فرعونية قديمة تعود إلى ما قبل الأسرات.

تخرج «عروسة الخبيز» وقد نضجت بنار الفرن فيفرح بها الصغار ويلهون بها قبل أن يأكلوها في طقس بسيط يحمل معاني البهجة والاحتفال، وربما كان متوارثاً من أعياد ومناسبات سحيقة لا يُعرف عنها شيء الآن.

أما ثاني الدمى المهمة في الحياة الاجتماعية المصرية فهي «عروس القمح»، أو باللهجة الشعبية «عروس الغلة»، التي تُصنع من سنابل القمح الخضراء المضفرة في تركيبة تشبه علامة «العنخ» أو «مفتاح الحياة» المصري القديم، التي تعلّق على أبواب المنازل وفوق النوافذ للاحتفال وجلباً للخير.

وكانت الدمية تُقدم ومعها وعاء من القمح كقربان للإلهة «رنتوتت» في مصر القديمة كنوع من الشكر لها على بركة الحصاد، وهى الآن تُصنّع وتباع في أعياد «شم النسيم» ويطلق عليها «مشط الفريك» وتعلق على الشرفات والعتبات.

وتذكر سماء أنه من أشهر الدمى الشعبية في هذا السياق «خيال المآتة» وهي تشكيل يوضع في الحقول الزراعية لتخويف الطيور يتكون من خشبتين متصالبتين، ويصنع لهما رأس من القماش أو يلبس قبعة من القش، وقديماً كان يُصنع لها رأس مخيف من الطين ويطلق عليه لقب «أبو خف».

أيضاً توجد دمية الحسد الورقية الشهيرة التي تُقص من ورقة على شكل إنساني، ثم تخرم بالإبرة الغشيمة التي ليس لها عين ثقباً باسم كل من تحوم حوله الشكوك في أنه حاسد أو يحمل شراً، ثم تُحرق في موقد صغير مع بخور الحسد ولبان وشبّة، ثم يخطو المحسود فوق الموقد سبع مرات ويقال إنه تظهر في رماد الدمية وجوه الحساد.

وهناك كذلك «عروسة الخماسين» المصنوعة من القش وورق الشجر، التي يصنعها الأطفال أيام رياح الخماسين في أرياف الدلتا ويُلبسونها جلباباً قديماً مثل «خيال المآتة»، ثم يزفونها ليلاً على عرصة فرن حديدية بمركب في النهر، ومع مطلع الفجر يأخذونها للشاطئ ويشعلون فيها النار ثم يقفزون في الماء وهم يغنون: «عروسة الخماسين... سنة بيضة على الفلاحين».


الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري
TT

الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والحاصلة على جائزة الدولة التقديرية العام الماضي. ويسعى الكتاب لمقاربة صورة الشخصية القبطية على مدار عقود طويلة، ولدى أجيال مختلفة من الأدباء، ويتَّخذ من ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 مرحلةً مفصليةً في تحولات تمثيل هذه الشخصية في الأعمال الروائية.

يبدأ الكتاب بمقدِّمة مقتضبة كتبها الروائي المصري نعيم صبري، ثم مقدمة المؤلفة التي تشرح فيها تاريخ اهتمامها بالموضوع، بدءاً من دراسة مطولة نشرتها في إحدى المجلات في عام 1999، ثم عودتها مؤخراً لهذه الدراسة وتحويلها إلى كتاب، ومحاولتها رصد وتحليل معظم الأعمال الروائية التي تقدم الشخصية القبطية عقب 2011، وما حدث في تقديمها من اختلاف بين روايات القرن الماضي وروايات ما بعد الثورة.

يتكوَّن الكتاب من 3 فصول رئيسية، الأول نظري بعنوان «الشخصية القبطية بين تاريخين»، تشير فيه إلى أنَّ هناك اهتماماً كبيراً منذ يناير 2011 بالكتابة عن الأقباط، وأن أبرز أهداف هذا الاهتمام هو محاولة النفاذ إلى داخل المجتمع القبطي، وجعل الأقباط يعبِّرون عن أنفسهم، بدلاً من الكتابة عنهم وعن مجتمعهم من خارجهم. وكذلك إعادة قراءة تاريخ بعض الشخصيات القبطية الأكثر خلافية، فضلاً عن توثيق وإضاءة المساحات غير المعروفة في حياة الأقباط.

الفصل الثاني بعنوان «الشخصية القبطية في الأدب المصري قبل ثورة يناير 2011»، وتتوقَّف فيه عند عدد كبير من الروايات، ومنها روايات لنجيب محفوظ ويحيى حقي، ويوسف إدريس، وإدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد، وبهاء طاهر، وسلوى بكر، ونعيم صبري، ونبيل نعوم، وغيرهم. وتخلص من خلال دراسات هذه الروايات إلى 17 نقطة تلخص خصائص تقديم الشخصية، ومنها خلو تلك الأعمال من خصائص شكلية ينفرد بها الأقباط، كما تخلو من صفات ذاتية تلازمهم، كما كانت الشخصية القبطية تتخلل مختلف أنحاء الوطن وسائر الأعمال والمهن، كما تتخلل رقائق النسيج الاجتماعي المصري في الواقع، وتتضافر مع خيوطه في جديلة واحدة.

النقطة الأخيرة، ضمن النقاط الـ17، تتصل بالبُعدَين الوطني والقومي للشخصية القبطية، وموقف الأقباط من العروبة. وتشير المؤلفة إلى أنَّ «الأقباط ليست لهم مشكلة مع العروبة، بل يجدون أنفسهم في إطارها، ولا يحسنون التعبير عن ذواتهم إلا بلسانها». وتشير إلى مواقف الأقباط الواضحة «من القضايا القومية عموماً، ومن القضية القومية المركزية، أو الصراع العربي - الإسرائيلي خصوصاً، وكيف تفاعلت الشخصيات القبطية بكل عمق مع تطورات هذا الصراع».

الفصل الثالث «الشخصية القبطية في الأدب المصري بعد ثورة 2011»، قراءة في 28 رواية قدَّمت هذه الشخصية عقب الثورة. وتُخصِّص الكاتبة مقالاً منفرداً عن كل رواية، وتخلص من هذه القراءات إلى ظهور نزعة واضحة للتمرُّد على السلطة الأبوية للكنيسة بعد الثورة، رغم أنَّ نوازع هذا التمرد على السلطة البطريركية كانت موجودة قبل هذا التاريخ، لكن الفرق في المساحة التي أخذت تتمدَّد فيها روح التمرُّد بعد الثورة.


هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
TT

هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس

ليس مؤلماً في موت الفلاسفة أن أجسادهم ترحل؛ بل أن أفكارهم تُستدعى في لحظة الوداع لتُحاكم على ضوء العالم الذي خلَّفوه وراءهم. هكذا يغادر عالمنا يورغن هابرماس، آخر حرّاس الحداثة الكبار، في وقت يبدو فيه العقل الذي دافع عنه طويلاً عاجزاً عن تسمية المذبحة في غزة، والحوار الذي بشّر به ضيقاً عن احتواء صراخ الضحايا. فماذا يبقى من «العقلانية التواصلية» حين تتكلم القنابل، ويختار المفكّر أن يختار ذاكرة أوروبا على كونية الإنسان؟

مات الفيلسوف الألماني في اللحظة التي كان فيها إرثه أحوج ما يكون إلى محكمة، لا إلى تأبين. فالرجل الذي أمضى عمره يدافع عن المجال العام، وعن حق البشر في بلوغ الحقيقة عبر الحوار الحر، انتهى في لحظة غزة إلى لغة تضيق بالحقيقة، وتضع للضحايا سقفاً أخلاقياً لا يجوز لهم تجاوزه. لذلك يأتي رحيله بوصفه لحظة كاشفة لمصير تقليد فلسفي كامل: تقليدٍ أراد إنقاذ الحداثة، ثم وجد نفسه عاجزاً عن إنقاذ إنسانها المستعمَر من العمى الأوروبي القديم.

توفي هابرماس -حسبما أعلن ناشره- السبت الماضي، 14 مارس (آذار) 2026، مخلِّفاً وراءه إرثاً فكرياً ضخماً هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية الغربيّة أكثر من ستة عقود، أهّله ليكون الوريث الأبرز لمدرسة فرانكفورت النقدية، والشخصية التي حاولت ترميم مشروع التنوير الأوروبي، وإعادة الثقة في العقلانية بعد الفظائع التي شهدها القرن العشرين.

وُلد عام 1929 في مدينة دوسلدورف، وعاش طفولته في ظل صعود النازية، وهي التجربة التي شكّلت وعيه السياسي المبكر. وقد عانى من تشوه خلقي في الحنك (الشفة الأرنبية)، ما سبب له صعوبات في النطق، ربطها متابعوه باهتمامه العميق لاحقاً بمفهوم «التواصل» واللغة. تلقى تعليمه في جامعات بون وغوتينغن وزيوريخ، وعمل مساعداً للفيلسوف تيودور أدورنو في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت.

تمثل أعمال هابرماس -وخصوصاً «نظرية الفعل التواصلي» و«التحول البنيوي للمجال العام»- محاولات جادة لصياغة ديمقراطية تقوم على مبدأ الحوار الحر، فطرح فكرة أن المجتمعات الحديثة تعاني من «استعمار العالم المعيش» أي تغلغل منطق الربح المادي والآليات الإدارية الجافة إلى تفاصيل حياتنا اليومية وقيمنا الأخلاقية؛ فيتم تنحية «الحوار»، وإبراز «المال» و«السلطة» كوسائل وحيدة للتنظيم. وبدلاً من أن يتفاهم البشر حول غاياتهم المشتركة، تُحيلهم البيروقراطية إلى مجرد «زبائن»، وتُحوّلهم الرأسمالية إلى «مستهلكين»، ما يؤدي إلى تآكل الروابط الاجتماعية وفقدان المعنى. ونظّر بأن الخلاص يكمن في استعادة الإنسان لقدرته على التفاهم العقلاني، وبناء سد منيع من «الديمقراطية التداولية» يحمي المساحات الإنسانية من طغيان الأنظمة البيروقراطية والرأسمالية.

ارتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مدرسة فرانكفورت، ولكنه قدم قراءة نقدية وتعديلية واسعة للماركسية التقليدية. فبينما ركّز ماركس على «العمل» و«قوى الإنتاج» كمحرك للتاريخ، رأى هابرماس أن ذلك يغفل جانباً حيوياً هو «التفاعل اللغوي» أو «التواصل»، وزعم أن التحرر الإنساني لا يتحقق فقط عبر تغيير علاقات الملكية أو السيطرة على الطبيعة؛ بل عبر تحرير اللغة من الزيف والإكراه. وقد خلص إلى أن «دولة الرفاهية» في الغرب استطاعت امتصاص حدة الصراع الطبقي الماركسي التقليدي، ما يوجب نقل المعركة إلى «المجال العام» لضمان شرعية ديمقراطية حقيقية. في هذا السياق، كان يسمي نفسه «ماركسياً» من حيث الالتزام بالتحرر ونقد الرأسمالية المتأخرة، ولكنه يرفض الحتمية الاقتصادية، ويفضل عليها ما أطلق عليها وصف «العقلانية التواصلية».

تمحورت فلسفته حول مفهوم «العقلانية التواصلية» هذا، مفرقاً بين نوعين من العقلانية: «العقلانية الأداتية» التي تهتم بالوسائل لتحقيق الأهداف والسيطرة، و«العقلانية التواصلية» التي تهدف إلى الوصول إلى تفاهم مشترك. ويُنسب إليه ابتكار مفهوم «المجال العام»، أي تلك الفضاءات التي يلتقي فيها الأفراد كمواطنين لمناقشة القضايا العامة بحرية، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية تعتمد على جودة هذا النقاش وقدرة «الحجة الأفضل» على الإقناع دون استخدام القوة. كما طوّر «أخلاقيات الخطاب»، وهي القواعد التي تجعل الحوار عادلاً، مثل حق الجميع في المشاركة، وصدق المتحدثين، وخلو النقاش من الضغوط الخارجية.

مثلت علاقته بالفلاسفة المعاصرين صراعاً بين «بقاء الحداثة» و«ما بعد الحداثة». في مواجهة ميشيل فوكو، انتقد هابرماس اختزال كل شيء في «علاقات القوة»، وأصر على وجود معايير عقلانية كونية يمكن الاحتكام إليها، متهماً الفيلسوف الفرنسي الراحل بأنه يقدم تشريحاً للسلطة يفتقر إلى معيار أخلاقي للتغيير.

أما في سجاله مع جاك دريدا، فقد انتقد «التفكيك» الذي قد يؤدي إلى العدمية، مفضلاً بناء جسور التفاهم. وبالنسبة لجان فرنسوا ليوتار، رفض هابرماس فكرة «نهاية السرديات الكبرى»، معتبراً الحداثة «مشروعاً لم يكتمل» يحتاج إلى مواصلة العمل بدلاً من التخلي عنه. وفي مقارنته مع حنا أرنت، يتفق معها لناحية أهمية الفعل السياسي في الفضاء العام، ولكنه يضيف إليها شروطاً تداولية وقانونية أكثر صرامة.

يأتي غيابه في وقت يشهد فيه إرثه الفكري هزة عنيفة بسبب مواقفه السياسية الأخيرة تجاه الحرب في غزة؛ إذ كان قد أصدر بياناً بعنوان «مبادئ التضامن» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، دافع فيه عن رد الفعل العسكري الإسرائيلي، وصوره «مبرراً من حيث المبدأ». هذا الموقف أثار موجة عارمة من النقد؛ حيث رأى كثيرون في هذا البيان «احتراقاً» لكامل مشروعه الفلسفي.

يجد النقاد -ومن بينهم أساتذة من المدرسة النقدية نفسها- أن هابرماس خان أهم مبادئه في هذا الموقف. فالفيلسوف الذي قضى حياته يبشر بـ«الكونية» الإنسانية، سقط في فخ «الخصوصية» الألمانية، بعد أن ربط التضامن مع الدولة العبرية بالهوية الديمقراطية الألمانية، وضرورة التكفير عن «الهولوكوست»، ما اعتبره بعض المفكرين نوعاً من عمى «المركزية الأوروبية» التي ترى ضحايا «الهولوكوست» وتعمى عن ضحايا الاستعمار والاحتلال.

وبينما طالب في كتبه بفتح المجال العام لكل الأصوات، يرى منتقدوه أنه ساهم في إغلاق هذا المجال في ألمانيا. فالبيان الذي أصدره حاول وضع حدود لما يجوز قوله، معتبراً أن توجيه تهمة الإبادة الجماعية لإسرائيل يمثل «انزلاقاً في المعايير»، في تناقض تام مع فكرته عن «الحوار غير المشروط»؛ إذ وضع قيوداً مسبقة على البحث عن الحقيقة؛ خصوصاً مع تحرك القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية للنظر في هذه التهم بجدية.

تجلّت في موقفه أزمة فلسفية تتعلق بتعريف «الآخر»، واتهمه باحثون بأنه يميز بين «الآخر الأقرب» (الأوروبي أو الذي يشبهه) وبين «الآخر الأقصى» (الفلسطيني أو غير الأوروبي). إن تواصلية هابرماس التي يفترض أن تكون عالمية، بدت في لحظة غزة وكأنها حوار حصري بين الأوروبيين حول مآسيهم الخاصة، مع تجاهل تام للمعاناة الفلسطينية والظلم التاريخي الواقع عليهم.

أدى هذا الموقف إلى شعور تلاميذه في العالم العربي والجنوب العالمي بالخذلان. فإذا كان الفيلسوف الذي يُنظر إليه كحارس للقيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية يعجز عن مد هذه القيم لتشمل شعباً يرزح تحت القصف والحصار، فإن مصداقية «الكونية الأوروبية» برمتها تصبح محل شك. ووصف البعض هذا التحول بأنه «إفلاس أخلاقي» للفلسفة الغربية؛ حيث يتم التضحية بالعقل النقدي لصالح الحسابات السياسية وسياقات «الشعور بالذنب» المحلية.

يمضي يورغن هابرماس تاركاً خلفه مفارقة كبرى؛ فبينما تظل أدواته التحليلية عن المجال العام والفعل التواصلي ضرورية لفهم أعطاب المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، فإن تطبيقه الشخصي لهذه الأدوات في لحظة الحقيقة التاريخية كشف عن فجوة عميقة بين النظرية والممارسة. وسيبقى في ذاكرة الفكر بوصفه الفيلسوف الذي حاول بناء عالم من الحوار، ولكنه تعثر في فهم لغة الألم خارج حدود قارته، فاحترقت فلسفته في أتون غزة قبل أن يوارى الثرى.