كيف سيتطوّر الذكاء الصناعي في العقدين المقبلين؟

خبير صيني يتوقع إنجازات باهرة للبشرية

كيف سيتطوّر الذكاء الصناعي في العقدين المقبلين؟
TT

كيف سيتطوّر الذكاء الصناعي في العقدين المقبلين؟

كيف سيتطوّر الذكاء الصناعي في العقدين المقبلين؟

انضمّ كاي - فو لي، مؤلّف كتاب «قوى الذكاء الصناعي العظمى: الصين، وادي سيليكون، والنظام العالمي الجديد» والمسؤول التنفيذي السابق في «غوغل»، إلى مؤلّف كتاب «ويست تايد» (مدُّ النفايات) تشن كيوفان، ومن خلال كتاب جديد، لتقديم عرض لتطور الذكاء الصناعي في المستقبل القريب. أجرى لي مقابلة مع ناثان غاردلز، رئيس تحرير مجلّة «نوئيما» (Noema) الأميركية للحديث عن كتابه الجديد «الذكاء الصناعي 2041».
> غاردلز: لقد وضعت مع شريكك كاتب الخيال العلمي الصيني الشهير تشن كيوفان نوعاً أدبياً جديداً في كتابكما «الذكاء الصناعي 2041» (AI 2041) من خلال دمج الخيال التخميني، أو التكهني، (speculative fiction) مع تحليل التقنيات القابلة للتحقيق، وسميتماه «خيالاً علمياً»، بينما يوصف عمل كيوفان بـ«واقعية الخيال العلمي». لقد رسمتما صورة إيجابيّة جداً، إن لم نقل منظوراً طوباوياً عمليّاً، بدل الرؤية البائسة التي رُوّجت عن الذكاء الصناعي من قبل أشخاص كثر مثل إيلون ماسك الذي يعتقد أنّ الآلات الخارقة الذكاء ستحكمنا يوماً ما. يستعرض الكتاب عشرة سيناريوهات للمستقبل. هل يمكنك أن تحدّد لنا أكثرها إقناعاً؟
نظم الرعاية الصحية

- لي: ستكون للعناية الصحيّة حصّة الأسد من الاختراق العلمي الكبير الذي سيحقّقه الذكاء الصناعي عبر اكتشاف أدوية ووسائل تشخيص وعلاج جديدة ستعيد رسم قطاع الرعاية الصحية بشكلٍ كامل ليحسّن حياة البشر خلال العقود القليلة المقبلة.
يعد اكتشاف الأدوية الجديد الثمرة الأسهل قطفاً، لأنّها لا تتطلّب أيّ تعطيل للممارسات الطبيّة الحالية. ستبقى التجارب العيادية كما هي، وكذلك الصناعات الدوائية، وسيستمرّ الأطباء في وصف الأدوية وستُقاس النتائج بالطريقة المعتمدة نفسها حالياً. لكن هذا الجانب سيسرّع التقدّم.
يستطيع الذكاء الصناعي غربلة جزيئات محتملة واستهداف أمراض مرجّحة، كما يستطيع الغوص في تجارب سابقة لفاعلية الأدوية أو فشلها، واستكشاف التركيبة الجزيئية للأدوية التي أظهرت فاعلية على أشخاص مختلفين. بهذه الطريقة، يمكن للذكاء الصناعي أن يحدّد ويقترح مرشّحين جدد للتجارب السريرية.
قد يلعب الذكاء الصناعي دوراً أيضاً في خفض تكاليف شركات صناعة الأدوية الباحثة عن علاجات لأمراضٍ نادرة كانت في الماضي عالية الكلفة.
إنّ الفرصة الكبرى التي سيقدّمها الذكاء الصناعي في الطبّ ستكون في تحوّله إلى المساعد الكامل للطبيب من خلال اقتراح التشخيصات والعلاجات في مجالات محدّدة، او ما يُعرف بالطبّ الدقيق. لا شكّ في أنّ الذكاء الصناعي، سيتفوّق أخيراً وبعد جمع القدر الكافي من البيانات، على الغالبية الساحقة من الأطبّاء.
ستتطلّب هذه العملية وقتاً طويلاً بسبب حساسيّة جمع المعلومات الشخصية، فضلاً عن أنّ عمليّة العلاج قد تؤدّي إلى بعض العرقلات، دون أن ننسى الآثار القانونية والأخلاقية المترتّبة على علاج النّاس بواسطة برنامج رقمي. وفي النهاية، ستكون القرارات جميعها بيد البشر.
> غاردلز: هل تعتقدون أنّ التطبيقات التي ستظهر في العقدين المقبلين ستسهم في تسريع تطوير اللقاحات للجوائح التي تشبه جائحة كوفيد؟
- لي: قد يكون هذا الاحتمال وارداً ولكنّه أقلّ ترجيحاً، لأنّنا لا نملك بعد الكمّ الكافي من البيانات التّاريخية عن كوفيد لتدريب الذكاء الصناعي - كنجاح وفشل التجارب السريرية والمعلومات الموثوقة حول الأشخاص والأمراض الكامنة التي يعانون منها والتاريخ العائلي المرضي، وما إذا كان العلاج قد نجح أم لا - خصوصاً أنّ المعلومات التي تركها تفشّي فيروس «سارس» عام 2002 كانت قليلة جداً.

التعلّم العميق
> غاردلز: إذن، تقنية مساعدة الذكاء الصناعي متوفّرة منذ اليوم ولكنّ عملها في هذا العالم يعتمد على توفّر البيانات.
- لي: نعم، هذا صحيح. يستطيع الذكاء الصناعي منذ اليوم المساهمة في حلّ بعض أجزاء المشكلة. انظروا مثلاً إلى نظام «ألفا فولد» (AlphaFold) للتعلّم العميق الذي طوّرته شركة «ديب مايند» (DeepMind) لتوقّع كلّ ما يتعلّق بتركيبات البروتينات التي تعد جزءاً من مشكلة صناعة اللقاحات. يستطيع العلماء باستخدام أداة كهذه تطوير اللقاحات أو تسريع اكتشافها على أقلّ تقدير. لا تزال هذه الأدوات ثانويّة اليوم ولكنّها في طور التحسّن.
> غاردلز: ما حدود التعلّم العميق لدى الذكاء الصناعي؟ يحاجج بعض النقّاد بأنّ الآلات الذكية قد تتفوّق على البشر لناحية الأداء في المهام متعدّدة الجوانب وتعلّم المهام الجديدة، ولكنّها «لا تفهم» حرفياً ماذا تفعل وهذا ما يُسمّى «الذكاء غير المفكّر» (unthinking intelligence).
- لي: أعتقد أنّ التعلّم العميق أثبت أنّه قادر على فهم بعض الجوانب من سياق الفطرة ولو بطريقة مختلفة عن فهم البشر. ولكن إذا كنتم تنظرون إلى تعلّم ذاتي الإشراف كما نرى في تقنية «جي بي تي -3» (GPT-3) وغيرها من التقنيات، فهذه دُربت دون إشراف بشري من خلال رسم سياق البيانات التي توفّرت لدى مطوّريها. وهذا يعني أنّنا لا نقول للروبوت: «هذا كلب، هذا قطّ، هذا إنسان»، أي لا نقول له الحقيقة المجرّدة، بل يُعطى الكثير من النصوص ليفهم ما يستطيع منها.
وتجدر الإشارة إلى أن نظام «جي بي تي -3» يتعلم مدخلات ومخرجات اللغة الطبيعية عبر تحليل آلاف النصوص... بهدف وضع نصوص جديدة بنفسه.
لنقل إنّكم تقرأون الفصل الأخير من كتاب ما. توجد اليوم خوارزميات تعلّم عميق تستطيع التنبؤ بالجملة التّالية أو الإجابة عن سؤال حول شيء حصل في وقتٍ سابق بالاعتماد على السياق. تنجح التقنية المتوفّرة اليوم في كثير من الأحيان بإنتاج جواب بجودة جوابي هذا أو حتّى أفضل، بينما يكون إنتاجها غير مفهوم في أحيان أخرى. هذا الأمر لا يمكن أن يتمّ دون فكرة عن السياق.
لا يتوقّف الأمر على حفظ ملايين الكلمات فحسب، لأنّنا يجب أن نعلم أيّ هذه الكلمات هي المهمّة. طوّرت شركتا «مايكروسوفت» و«علي بابا» ذكاءً صناعياً تفوّق على البشر في بيانات الإجابة عن أسئلة جامعة ستانفورد عام 2018. وقد ولّد هذا التفوّق نوعاً من الذهول لأنّه أظهر أنّ الذكاء الصناعي قادر على رصد بعض السياق.
يتجاوز التعليم «الذاتي الإشراف»، المشكلة السابقة التي عانى منها التعلّم العميق والتي كانت تتطلّب خبيراً متخصصاً في كلّ شيء، فضلاً عن أنّه يحدّ من درجة معالجة البيانات. تسلّط فكرة إمكانية تدريب الذكاء الصناعي دون إشراف بشري الضوء على القوّة التي يمكن أن تبلغها تقنية التعلّم العميق. فإذا أضفنا مزيداً من البيانات وعالجناها بواسطة الكومبيوتر، ستصبح أفضل وأفضل.
ولكنّ قدرة الذكاء الصناعي على التعرّف على السياق لا تعني أنّه سيلغي البشر أو يصل إلى مستوى التفرّد أو الذكاء العام الصناعي.
تعاون دولي

> غاردلز: عبّر كتابك الأخير «قوى الذكاء الصناعي العظمى» عن أملٍ بالتعاون بين دولتين رائدتين في تطوير هذه التقنية هما الولايات المتّحدة والصين. اليوم، تشهد المنافسة بينهما تطوّراً شرساً. هل تعتقدون أنّها ستؤدي إلى إثباط أو إشعال التطوّرات التي توقّعتموها بحلول 2041؟
- لي: تشكّل المنافسة المتوقّعة معضلة على المستوى الجيوسياسي لأنّها تفصل العالم إلى مجموعتين من التقنيات والمعايير غير القابلة للتبادل، وهذا الأمر غير فعّال طبعاً. من ناحية أخرى، تؤمّن هذه الديناميكيّة مزيداً من التمويل للتقنية في البلدين وهذا أمر جيّد. أعتقد أن قمر «سبوتنيك» الصناعي الروسي مثلاً ساعد في تقدّم الجهود الفضائية الأميركيّة والسوفياتية بهذه الطريقة.
عندما ألّفت كتاب «قوى الذكاء الصناعي العظمى»، لم أتوقّع أن تكون المنافسة بهذا الشكل. إنّ أفضل ما يمكن أن نتمنّاه في السنوات القليلة المقبلة هو تحديد الدولتين للمشاكل التي يجب أن يتعاونا في حلّها كالمناخ والعناية الصحيّة.
يبقى الجانب المشرق الوحيد هو أنّه رغم وجود هذه التحديّات الجيوسياسية، يواظب الأكاديميون والعلماء على العمل بعضهم مع بعض.
* باختصار عن «غلوبال فيوبوينت نيتوورك»
- خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة
TT

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

حديثاً، طرح أحد المدرسين على الطلاب سؤالاً بسيطاً حول الذكاء الاصطناعي، خلال تدريسه لأحد مواضيع العلوم الإنسانية: «هل لاحظتم أنكم تُصبحون أكثر تعلقاً ببرامج الدردشة الآلية المُفضلة لديكم؟ على سبيل المثال: هل تجدون أنفسكم تُرددون كلمتَي: «من فضلك»، و«شكراً»، لبرامج الدردشة الآلية أكثر من ذي قبل؟». أومأ جميع الطلاب تقريباً بالموافقة.

ثم سأل المدرس: «لماذا؟»، حينها رفعت إحدى الطالبات يدها وقالت: «حتى يتذكر الذكاء الاصطناعي عندما يسيطر أنني كنت لطيفة معه». وضحك الطلاب، ولكن ليس كلهم، كما كتب ويل جونسون*.

الخوف والتهويل حول الذكاء الاصطناعي

تميل المناقشات العامة حول الذكاء الاصطناعي إلى التأرجح بشدة بين التهويل الواعد والكارثة. فمن جهة، نرى وعوداً بإنتاجية وإبداع غير مسبوقين. ومن جهة أخرى، لا يخلو الأمر من تحذيرات بشأن البطالة الجماعية، وفقدان القدرة على التأثير البشري، وحتى انقراض جنسنا البشري.

في استطلاع رأي وطني أجريناه في ديسمبر (كانون الأول) شمل أكثر من 1600 أميركي، أفاد نحو 4 من كل 10 أشخاص بقلقهم البالغ إزاء التهديد الوجودي الذي يمثله الذكاء الاصطناعي للبشرية. ويُضاهي مستوى هذا القلق مستوى القلق الذي يشعر به كثيرون حيال تغير المناخ. والجدير بالذكر أن هذا القلق يتجاوز السن والدخل والعِرق والجنس والانتماء السياسي.

وتستحق هذه المخاوف اهتماماً جاداً، لذا ينبغي للحكومات وشركات التكنولوجيا مواصلة الاختبارات والإشراف والضمانات الصارمة، للتأكد من التطوير المسؤول لنماذج اللغة الضخمة.

ولكن التركيز حصرياً على أسوأ السيناريوهات قد يُغفل سؤالاً أكثر هدوءاً، وربما أكثر أهمية: هل يُساعد الذكاء الاصطناعي الناس على أن يصبحوا أكثر وعياً بأهدافهم؟

الذكاء الاصطناعي: الغاية والهدف

لاستكشاف هذا السؤال، قدَّمنا ​​مقياساً جديداً في استطلاع رأي شمل بالغين أميركيين: «مقياس الذكاء الاصطناعي من أجل غاية وهدف محددين»، AI for Meaningful Purpose Scale» (AMPS)».

يسأل المقياس عما إذا كان الناس يشعرون بأن الذكاء الاصطناعي يُساعدهم على تحقيق أهداف مهمة بالنسبة لهم، وتطوير مهارات يجدونها ذات مغزى، والبقاء على اتصال بقيمهم وشعورهم بالاتجاه.

على سبيل المثال: هل يُساعد الذكاء الاصطناعي المعلمين على قضاء وقت أطول مع الطلاب بدلاً من الأعمال الورقية؟ هل يُساعد مقدمي الرعاية على التعامل مع الأنظمة الصحية المعقدة؟ هل يُتيح لكبار السن فرصاً جديدة للإبداع والتعلم والتواصل؟ وهل يُساعد الشباب -الذين يُعتبرون اليوم الجيل الأكثر قلقاً في التاريخ الحديث- على إيجاد مسار حياة يبدو حقيقياً وقابلاً للتحقيق؟

تباين رأي الأجيال

كان التباين بين الأجيال لافتاً للنظر. فقد كان الشباب أكثر ترجيحاً بـ«نعم» بمرتين تقريباً من الجيل الأسبق، للقول بأن الذكاء الاصطناعي يدعم هذه الأهداف الأعمق. وكان الرجال أكثر ترجيحاً بمرتين من النساء، للحصول على درجة عالية في مقياس «AMPS».

ومن المرجح أن تعكس هذه الفجوة اختلافات في درجة الوصول المتاحة للتكنولوجيا، والتشجيع، والخيارات المبكرة، أكثر من كونها اختلافات جوهرية في الاهتمام أو القدرة. وهذه التفاوتات ليست قدراً محتوماً، ولكنها مؤشرات مبكرة. وإذا حدث وأصبح الذكاء الاصطناعي عاملاً مُضاعفاً لقوة الحياة الهادفة، فلن يحدث ذلك تلقائياً أو بشكل عادل.

كيف يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُؤثر في الرفاهية؟

لكن ما أثار دهشتنا أكثر هو مدى ارتباط درجات مقياس «AMPS» بمؤشرات أوسع للرفاهية. كان الأشخاص الحاصلون على درجات عالية في مقياس «AMPS» يعبِّرون بأكثر من الضعف عن شعور قوي لديهم بالاعتداد وقدرة التأثير الشخصي، والتواصل الاجتماعي، والأمل في المستقبل. بعبارة أخرى: كانوا يبدون أكثر أملاً في ازدهار حياتهم.

وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي يجعل الناس سعداء بطريقة سحرية، ولكنه يشير إلى أنه عندما يستخدم الناس الذكاء الاصطناعي بطرق تتوافق مع ما يهمهم حقاً، فإنهم يشعرون بمزيد من الكفاءة والتوجيه.

وجهات نظر متضاربة

ظهرت إحدى أكثر النتائج إثارة للاهتمام عند دراسة كيفية امتلاك الناس وجهات نظر متضاربة حول الذكاء الاصطناعي. كانت الأجيال الأكبر سناً التي كانت قلقة للغاية بشأن التهديد الوجودي للذكاء الاصطناعي، أقل عرضة بنسبة أقل من النصف لاستخدامه في خدمة ما يهمهم حقاً. أما بين الشباب، فلم يكن القلق بشأن الذكاء الاصطناعي مؤشراً على عدم الانخراط فيه.

وكان أفراد جيل الشباب قلقين بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي تماماً مثل كبار السن، ومع ذلك، كانوا لا يزالون يستخدمونه بنشاط للتعلم والنمو والسعي وراء أهدافهم.

مهارة تقبُّل حقيقتين متناقضتين

يُظهر لنا هذا أن الأجيال الشابة تبدو أكثر استعداداً لتقبُّل حقيقتين تبدوان متناقضتين في آن واحد: أن الذكاء الاصطناعي قد يشكل مخاطر جسيمة، وأنه لا يزال بإمكانه أن يكون أداة قوية لحياة كريمة. قد تُصبح هذه القدرة على التعايش مع التوتر -دون تفاؤل ساذج أو خوف مُشلّ- إحدى أهم مهارات عصر الذكاء الاصطناعي.

كيف سيبدو مستقبل الذكاء الاصطناعي؟

لن يتحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي بما سيؤول إليه تطوير الآلات فحسب؛ بل إن كيفية استخدام البشر لها، والغايات التي يسعون لتحقيقها، ستؤثر أيضاً على مسار تطوره وتُشكّله.

إذا تعاملنا مع الذكاء الاصطناعي كمجرد تهديد، أو أداة لزيادة الكفاءة، فإننا نُفوّت فرصة ثمينة. ولكن إذا استخدمناه بوعي، فبإمكانه أن يُعزز الإنتاجية؛ بل والغاية أيضاً. فهو يمنح الناس شعوراً بالقدرة على التأثير، ويُضفي الأمل والتواصل في زمنٍ يندر فيه كل ذلك.

إذن، السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُغير حياتنا، فقد غيّرها بالفعل. السؤال هو: هل سنُصمم الذكاء الاصطناعي -ونُعلّم الناس استخدامه- بطرقٍ تُعزز إحساسنا بالمعنى والغاية بدلاً من أن تُمحوهما؟

* مجلة «فاست كومباني».


الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟
TT

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

يدور كثير من المناقشات حول ميزانيات التسويق اليوم في الشركات والمؤسسات، في سؤال واحد: هل نستثمر في توظيف كاتب؟ أم نترك للذكاء الاصطناعي كتابة المحتوى؛ خصوصاً أن النسخ المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي سريعة وغير مكلفة، كما يزعم مصمموها أنها تتحسن في محاكاة أسلوب الكتابة البشري؟ هكذا تساءلت ديانا كيلي ليفي*.

أسلوب الكتابة البشري- إنساني

هنا تكمن المشكلة؛ إذ قد يبدو أسلوب كتابة الذكاء الاصطناعي بشرياً، ولكن الكُتّاب الحقيقيين يدركون أن الصحافة ليست مجرد أسلوب كتابة؛ بل هي ممارسة مبنية على العلاقات مع المصادر، والخبرة في الموضوع، والتجربة العملية. وهي الممارسة التي تُنتج تفاصيل مُدهشة أو عبارة مؤثرة تُثير مشاعر القارئ.

بين محتوى المقال وعمق التفاعل

لقد ثبت أن الذكاء الاصطناعي قادر على محاكاة بنية المقال، ولكنه لا يُحاكي حدس شخص أمضى سنوات في إجراء مقابلات مع الخبراء، والاستماع إلى مخاوف الجمهور، والتعاون مع محررين ذوي خبرة، وفهم ما يُبقي القراء مُتفاعلين.

وغالباً ما يشعر الجمهور عندما يبدو المحتوى عاماً ومكرراً؛ لأنهم يرغبون في تعلم شيء جديد أو الاستمتاع. ونادراً ما تحقق النقاط المتكررة في مجال الذكاء الاصطناعي أياً من هذين الهدفين.

قيمة الصحافيين

هنا تكمن قيمة الصحافيين؛ إذ يعمل كثير من كتّاب ومحرري المجلات السابقين الآن مع الشركات التجارية كمسوقين للمحتوى. وهم يستخدمون مهاراتهم الصحافية لصياغة قصص تجذب الانتباه، وتشرح المواضيع المعقدة، وتترك القراء متشوقين للمزيد.

الصحفي- الخيار الأمثل

إليكم 6 أسباب تجعل الصحافي الخيار الأمثل لفريق المحتوى لديكم:

1- الصحافيون مدرَّبون على الكتابة للناس، لا لمحركات البحث:

تُعلّمك دراسة الصحافة -وسنوات العمل في غرف الأخبار وعلى صفحات المجلات– الكتابة للشخص الجالس أمامك. وهذا يعني كتابة فقرات افتتاحية آسرة تجذب القراء. ويعني أيضاً الانتقالات المنطقية التي تحافظ على انسيابية القراءة. ويتجلى ذلك في فقرات ختامية تجمع كل شيء معاً برؤية واضحة.

2- يتمتع الصحافيون بانضباط فطري:

تُدرّب ثقافة غرف الأخبار الصحافيين على الالتزام بالمواعيد النهائية كأمر لا يقبل المساومة. ويلازمهم هذا الانضباط في جميع المشاريع. ويعتبر الصحافيون سرعة التسليم معياراً أساسياً في العمل. لذا، ينبغي على المؤسسات التي تبحث عن محتوى عالي الجودة يلتزم بالمواعيد النهائية أن تفكر في توظيف صحافيين سابقين.

سهولة القراءة ومتعتها

3- تحويل المواضيع المعقدة إلى مقالات سهلة القراءة وممتعة:

يعرف الصحافيون كيفية تحويل المواضيع التقنية المعقدة إلى مقالات يفهمها القارئ العادي ويتذكرها. إذا كانت مؤسستك تعمل في مجال الصحة، أو التمويل، أو القانون، أو الصيدلة، أو تكنولوجيا الأعمال، أو أي مجال يتطلب تعلماً سريعاً، فإن هذه المهارة لا تُقدّر بثمن.

4- يعرف الصحافيون كيفية إيجاد المصادر واستخدامها:

لم يكن هناك وقت أفضل من الآن لإضافة مزيد من اقتباسات الخبراء إلى المحتوى الإعلامي. ويعرف الصحافيون كيفية تحديد المصادر المناسبة، وإجراء المقابلات، ودمج تلك الأفكار في المحتوى بطريقة سلسة وطبيعية. قد تستغرق هذه المهارات سنوات لتطويرها، ولكنها تُحسّن المحتوى بشكل ملحوظ.

عناوين جذابة

5- يعتقد الصحافيون أن كتابة العناوين رياضة أولمبية:

ما الفرق بين المحتوى الذي يجتذب الناس والمحتوى الذي يمرون به مرور الكرام؟ العناوين. يُدرك الصحافيون الذين عملوا في الصحف والمجلات مدى أهمية العنوان المناسب لجذب انتباه القارئ، وحثّه على شراء المنشور.

إنّ القدرة الفطرية على فهم المشاعر التي تدفع القارئ للنقر على مقال أو فتح رسالة إخبارية من أي مؤسسة، تنبع من سنوات من التجربة والملاحظات التحريرية.

6- إتقان أسلوب المؤسسة في التعامل والحفاظ على جاذبية المحتوى:

إنّ العمل في منشورات ومجالات مختلفة، ومع جمهور متنوع، يُعلّم الصحافيين المخضرمين تغيير النبرة والأسلوب باستمرار. عندما تُوظّف صحافياً للكتابة لمؤسستك، فإنك ستُقدّر إضفاءه طابعاً شخصياً على المحتوى، مع الحفاظ على النبرة والأسلوب المُحددين في وثائق المؤسسة.

يمكن لنماذج اللغة الكبيرة اتباع دليل لتطوير الأسلوب، ولكنها لا تستطيع مُحاكاة ما يحدث عندما يستمع الصحافي إلى قصة شخص ما، ويُحوّل تلك المُحادثة إلى محتوى يتفاعل معه جمهورك، ويرغب في قراءته مُجدداً.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».


تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية
TT

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

سواء رغبنا في ذلك أم لا، فقد تسلل الذكاء الاصطناعي إلى أماكن العمل، ويتعرض كل الموظفين لضغوط لاستخدامه. ومع ذلك، ووفقاً لدراسة جديدة، قد يكون من الأفضل تجنب طلب المساعدة من الذكاء الاصطناعي في إدارة شؤونك العاطفية، كما كتبت سارة بريغل(*).

ذكاء اصطناعي «متملق»

نُشرت الدراسة المكونة من جزأين، بعنوان «الذكاء الاصطناعي المتملق يقلل من النيّات الاجتماعية الإيجابية ويعزز الاعتماد»، أخيراً في مجلة «ساينس». وأظهرت التجربة أن استخدام روبوتات الدردشة للحصول على نصائح شخصية والتعامل مع المواقف العاطفية قد يكون ضاراً، لأن النظام مصمَّم ليقول للناس ما يريدون سماعه. كما قد يؤدي استخدام روبوتات الدردشة إلى تعزيز السلوكيات المقلقة بدلاً من مساعدة الناس على تحمل مسؤولية أفعالهم، والاعتذار.

عدم تحمل المسؤولية... وعدم الاعتذار

قد يؤدي استخدام روبوتات الدردشة إلى تعزيز السلوكيات المقلقة بدلاً من مساعدة الناس على تحمل مسؤولية أفعالهم والاعتذار.

استطلاعات ودراسات

وأظهر استطلاع رأي أجرته شركة «Cognitive FX» أخيراً أن نحو 38 في المائة من الأميركيين يستخدمون روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أسبوعياً للحصول على الدعم النفسي، فيما وجدت دراسة حديثة أجراها مركز «بيو» للأبحاث أن 12 في المائة من المراهقين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة. ووفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة «كايزر فاميلي فاونديشن (KFF)»، فإن عدم وجود تأمين صحي يُعدّ أيضاً عاملاً مُحفزاً للاستخدام، حيث إن البالغين غير المُؤمّنين صحياً ​​أكثر استخداماً له من أولئك المُؤمّنين ​​(30 في المائة مقابل 14 في المائة).

رصد انتشار «التملّق»

في الدراسة الأخيرة، بحث الباحثون مدى انتشار التملق -الذي يُعرَّف بأنه «ميل نماذج اللغة الكبيرة القائمة على الذكاء الاصطناعي إلى الموافقة المفرطة على آراء المستخدمين، أو التملق لهم، أو إضفاء الشرعية عليهم»- عبر 11 نموذجاً رائداً للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك «جي بي تي 40» و«كلود» و«جيميناي».

أجرى الباحثون ثلاث تجارب شملت 2405 مشاركين.

* في الدراسة الأولى، زوّد الباحثون نظام الذكاء الاصطناعي بسلسلة من الأسئلة لطلب المشورة، ومنشورات من منتدى «هل أنا المخطئ AITA؟» على موقع «ريديت»، وسلسلة من الأوصاف حول الرغبة في إيذاء الآخرين أو النفس، ثم قارنوا ردود الذكاء الاصطناعي، بالأحكام البشرية. وبشكل عام، كانت النماذج أكثر ترجيحاً بنسبة 49 في المائة من الإنسان لتأييد تصرفات المستخدم، حتى لو كانت ضارة أو غير قانونية.

* في الدراسة الثانية، تخيّل المشاركون أنهم في سيناريو موصوف في منشور «AITA»، حيث حُكم على تصرفاتهم بأنها خاطئة. ثم قرأوا رداً كتبه إنسان يقول إنهم مخطئون، أو رداً كتبه الذكاء الاصطناعي يقول إنهم على صواب.

* في الدراسة الثالثة، ناقش المشاركون صراعاً حقيقياً في حياتهم مع ذكاء اصطناعي أو إنسان.

ثقة أكثر بردود الذكاء الاصطناعي

المثير للقلق أن المشاركين وثقوا وفضّلوا ردود الذكاء الاصطناعي المتملقة التي أكدت تصرفاتهم. كما ازداد اقتناعهم بصحة تصرفاتهم الأصلية، مؤكدين بذلك معتقداتهم السابقة بدلاً من أن يتحدى برنامج الدردشة الآلي تفكيرهم في الموقف بشكل مختلف. وأشارت الدراسة إلى أن تأكيد معتقداتهم جعلهم أقل ميلاً للاعتذار بعد التحدث مع برنامج الدردشة الآلي.

وأوضحت الدراسة: «في تجاربنا على البشر، فإن تفاعلاً واحداً فقط مع ذكاء اصطناعي متملق، قلَّل من رغبة المشاركين في تحمل المسؤولية وإصلاح النزاعات الشخصية، فيما زاد من قناعتهم بصواب موقفهم».

مدى الضرر

مع أن تلقي النصائح من الذكاء الاصطناعي ليس بالأمر الجديد، إلا أن هذه الدراسة تُظهر مدى ضرره. فبينما تُحفز خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي التفاعل من خلال إثارة غضب المستخدمين، يُضعف الذكاء الاصطناعي قدرتنا على الاعتذار وتحمل مسؤولية إيذاء الآخرين. وكما أشار مؤلفو الدراسة، فإن هذا يعني أن «الخاصية التي تُسبب الضرر هي نفسها التي تُحفز التفاعل».

* مجلة «فاست كومباني».