«دعاة المدنية» يعدون مواكب «ردع» في الخرطوم والولايات الخميس

اعتصامات أمام القصر الرئاسي لأنصار الجيش للتفويض وحل الحكومة

متظاهرون مؤيدون للمكون العسكري في مجلس السيادة بأحد شوارع الخرطوم لليوم الثاني أمس (أ.ف.ب)
متظاهرون مؤيدون للمكون العسكري في مجلس السيادة بأحد شوارع الخرطوم لليوم الثاني أمس (أ.ف.ب)
TT

«دعاة المدنية» يعدون مواكب «ردع» في الخرطوم والولايات الخميس

متظاهرون مؤيدون للمكون العسكري في مجلس السيادة بأحد شوارع الخرطوم لليوم الثاني أمس (أ.ف.ب)
متظاهرون مؤيدون للمكون العسكري في مجلس السيادة بأحد شوارع الخرطوم لليوم الثاني أمس (أ.ف.ب)

يشهد السودان منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة، الشهر الماضي، حالة من الشحن والتوتر «الخطيرين» عطلت دولاب الدولة، وزادت الشقة بين المكونين العسكري والمدني وأنصار الطرفين. ولم يفلح خطاب رئيس الوزراء عبد الله حمدوك الأخير في إطفاء شرارتها تماماً، وإن خفف من ضراوة اشتعالها، في وقت فشلت فيه محاولة نظمها مؤيدون للعسكر للإطاحة بالحكومة المدنية، وفي المقابل، نشط مؤيدو المدنية لتسيير مواكب مضادة للإجهاز على محاولات إجهاض الانتقال الديمقراطي.
ونظمت مجموعة من مناصري العسكريين أول من أمس موكباً للمطالبة بحل الحكومة الانتقالية، أو صدور بيان «عسكري»، على شاكلة انقلاب مدني، ثم طوروا الموكب إلى اعتصام مدعوم مستمر، ما زاد من حدة التوتر، وشكل استفزازاً كبيراً للمعسكر الداعم للمدنية وإنجاح الانتقال، فسارعوا إلى إعلان مواكب مليونية يمكن أن يطلق عليها مواكب «الردع»، الخميس المقبل.
وقال عضو لجنة الميدان شريف محمد عثمان لـ«الشرق الأوسط»، إن مواكب دعم المدنية والانتقال ستبدأ غداً بقطار من الثوار إلى مدينة ود مدني (وسط) لإقامة نشاط هناك، بعد اكتمال التجهيزات الفنية للموكب المليوني، الذي سيخرج بشعارات تندد بمحاولة الانقلاب على المدنية ودعم الانتقال، وأن دعوة المواطنين للمشاركة في الموكب ستتم عبر كل وسائل التواصل.
وتتكون المجموعة المدعومة من العسكريين في مجلس السيادة وقوات الدعم السريع، بشكل رئيسي من «حركة العدل والمساواة»، برئاسة وزير المالية جبريل إبراهيم، و«حركة تحرير السودان»، برئاسة حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، بجانب أنصار نظام الإسلاميين المطاح به، والمتضررين من الثورة الشعبية، والانتقال المدني، وتتمثل مطالبهم المعلنة حل الحكومة الانتقالية وتكوين حكومة كفاءات، بيد أن بعض قادتها، وأبرزهم التوم هجو، هتف مردداً: «لن نطلع حتى البيان يطلع»، وهي إشارة لبيان عسكري يحل الحكومة، فيما هتف آخرون بصراحة: «بيان بيان يا برهان»، وهي مطالبة صريحة بتسلم العسكر للحكم في البلاد، والإطاحة بحكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك.
وأعلن عثمان أن المواكب المساندة للمدنية ستشمل كل ولايات ومدن السودان، وأضاف: «اليوم (أمس)، سيضع اجتماع تنسيقيات (قوى إعلان الحرية والتغيير) اللمسات الأخيرة للمواكب، بعد حضور ممثليه من كل أنحاء البلاد»، وتابع: «هناك تنسيق تام مع لجان المقاومة، والكيانات المهنية ولجان التسيير، التي أعلنت حتى أمس نحو 43 منها مشاركتها في المواكب».
وقال المحلل السياسي الجميل الفاضل لـ«الشرق الأوسط» إن ما حدث نهار أول من أمس، موكب يشبه المظاهرات التي درج النظام المعزول على تصنيعها عبر التحشيد «الغوغائي» لخلق صورة ذهنية بأن هناك أعداداً كبيرة من المؤيدين الذين يتم جلبهم باحترافية ينفذها وسطاء لا يمتون لفكرة الموكب بصلة، وأضاف: «تبدى هذا واضحاً في نوعية الهتافات والشعارات التي تم تلقينها للمحتشدين».
وقدرت تقارير صحافية محلية وعالمية أعداد المشاركين في الموكب بالآلاف، بينما تمسك منظموه بأنه «موكب حاشد»، وحسب حسابات «الشرق الأوسط»، فإن عدد المشاركين كان في حدود 3 - 4 آلاف، ثم تراجع العدد عند الاعتصام إلى أقل من خمسمائة معتصم.
وأشار الفاضل إلى أن حجم الإنفاق الكبير على الموكب في شكل معدات لوجيستية وسيارات وخدمات للمتظاهرين، مقرونة بعدم الحماس اللافت لدى المشاركين يكشف أنها «مواكب مصنوعة» بكثير من المال، وأضاف: «هناك روايات مسنودة إلى من يراقبون المشهد، كشفت أساليب الترغيب التي استخدمت مع تم تجميعهم وسط الخرطوم».
وقال إن السلطات الأمنية والعسكرية تعاملت مع الموكب بشكل مختلف تماماً عن تعاملها مع كل المواكب السابقة، سواء أثناء الثورة أو بعد انتصارها، مع قوى الثورة أو مع غيرها، وأضاف: «أزالت المتاريس الموضوعة تقليدياً في المناطق الحساسة لفتح الطرقات أمام المشاركين، وأتاحت لهم شوارع القصر الجامعة والقيادة العامة، وهي شوارع درجت على إغلاقها لمجرد الحديث عن موكب».
واعتبر الفاضل «فتح الأبواب على مصراعيها» تعزيزاً لفكرة أن المكوّن العسكري له مصلحة في وصول هذه المواكب إلى المكان الأكثر أهمية وحساسية في البلاد - القصر الرئاسي - والتظاهر أمامه، ونصب خيام لإيواء المعتصمين في باحته مباشرة، ونصب منصات الخطابة، ما يؤكد توفير ضمانات للمتظاهرين، بعدم وضع عوائق أمامهم.
وقال الفاضل إن المجموعات التي شاركت في الموكب لا تحمل فكرة أو رؤية محددة للدفاع عنها، ويغلب عليها أنهم مواطنون غير معنيين بالنشاط السياسي، غالبهم من أطفال قصر وتلاميذ خلاوي القرآن ممن لا يدخل العمل السياسي ضمن نطاق اهتماماتهم بطبيعة السن، فضلاً عن نساء في أعمار كبيرة، بينهن مرضعات، ورجال كبار في السن، مع ضعف تمثيل ومشاركة الشباب، وأضاف: «وهذا يرجّح فرضية أن هذه المجموعات أتت لمصالح ضيقة تم تقديمها لهم».
ويرجح الفاضل أن يكون من بين المشاركين مجندون في الحركات المسلحة، أو من القوات النظامية أو أفراد الدعم السريع بثياب مدنية لدعم الموكب، وقال: «تصريحات القيادي في المجموعة التوم هجو قبل يوم من الموكب، التي قال فيها إن «من يتظاهرون عسكريون ومقاتلون» تؤكد ذلك.
ودرج المكوّن العسكري على إغلاق كل الطرق التي تؤدي للأماكن الحساسة، بمجرد سماعه بأن هناك تحركاً احتجاجياً (قيادة الجيش، القصر الرئاسي)، واستخدام القوة لمنع المحتجين من الاقتراب منها، وقد منع الخميس الماضي موكباً نظمه المحامون السودانيون لتسليم مذكرة لمجلس السيادة من الاقتراب من القصر الرئاسي، وفرض حوله سياجاً من رجال الجيش، وأغلقت الطريق المؤدي إليه، وقال الفاضل: «هذا الكيل بمكيالين يؤكد فرضية أن المجموعة هذه وصلت إلى القصر الرئاسي بتنسيق مع المكون العسكري في مجلس السيادة».
وقال الفاضل إن خطاب رئيس الوزراء عبد الله حمدوك غداة تسيير الموكب أحبط فكرة إحلال مرجعية سياسية بديلة لـ«قوى إعلان الحرية»، والتغيير بالاسم ذاته، وحليفة للعسكريين، ما أكد أن حمدوك لم يكن ضمن السيناريو الذي تم الترويج له عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فتعقدت فرص واحتمالات تحقيق الموكب لأهداف والوصول للنتيجة التي كان يرغب فيها مَن رتبوه.
وأوضح أن منصب رئيس الوزراء وصلاحياته بصفته المسؤول الأعلى في الدولة، وفقاً للوثيقة الدستورية، حال دون تنفيذ المخطط الذي كان يرتب له المكون العسكري في مجلس السيادة ذات الطابع التشريفي الرمزي، وقال: «أي إجراء يتجاوز رئيس الوزراء يعني العودة لنقطة البدء، 17 أغسطس (آب) 2019، قبيل توقيع الوثيقة الدستورية».
ورأى الفاضل أن أي إجراء منفرد من رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان يعيد البلاد لمرحلة ما قبل التوافق السياسي، ويلغي المشروعية التي منحها له، ونقلته من انقلاب عسكري إلى حكومة ثورة، وما قد ينتج عنه من مواقف محلية وإقليمية ودولية.
وتابع: «أي إجراء منفرد لرئيس مجلس السيادة استجابة لضغوط مجموعة الميثاق الوطني، سيعود لتصنيف الوضع السياسي في البلاد بأنه انقلاب عسكري».
وقطع بأن البلاد والجنرالات لا تحتمل تبعات انقلاب عسكري في هذا التوقيت الحرج، خصوصاً أن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن قد أعلن صراحة تأييد حكومته لخريطة طريق رئيس الوزراء، واعتبارها مخرجاً من الأزمة يجب الالتزام به، وبيان السفارة الأميركية في الخرطوم، الذي أوضحت فيه بلا مواربة التزام واشنطن بدعم القوى المؤيدة للانتقال المدني الديمقراطي.
ولمح الفاضل إلى وجود تباينات داخل المكون العسكري في مجلس السيادة حول الأزمة، بقوله: «لا أعتقد أن جنرالات مجلس السيادة على قلب رجل واحد تجاه هذه الأزمة، ما يحد من قدرة من صنعوا الحراك للانتقال به إلى منتهاه المقرر له وفقاً لهذه المعطيات جميعها».



الحوثيون يعمّقون انهيار الصحة باختطاف الأطباء وحرمان المرضى

يمنيات يحملن أطفالهن بأحد مشافي صنعاء التي تعاني شحاً في الأدوية (إ.ب.أ)
يمنيات يحملن أطفالهن بأحد مشافي صنعاء التي تعاني شحاً في الأدوية (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يعمّقون انهيار الصحة باختطاف الأطباء وحرمان المرضى

يمنيات يحملن أطفالهن بأحد مشافي صنعاء التي تعاني شحاً في الأدوية (إ.ب.أ)
يمنيات يحملن أطفالهن بأحد مشافي صنعاء التي تعاني شحاً في الأدوية (إ.ب.أ)

يتواصل تدهور القطاع الصحي في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مع تصاعد الانتهاكات بحق الكوادر الطبية وتفاقم الأزمات التي تطال المرضى والخدمات الأساسية، في مشهد يعكس حجم الضغوط التي يواجهها المدنيون بعد أكثر من عقد من الحرب.

ففي وقت تتزايد فيه حملات اعتقال الأطباء والعاملين الصحيين، تتسع معاناة آلاف المرضى نتيجة انقطاع الأدوية الأساسية، بالتزامن مع أزمات بيئية وصحية تهدد بانتشار الأوبئة في العاصمة صنعاء.

وتكشف ثلاث أزمات متزامنة في صنعاء وإب عن صورة أكثر قتامة للقطاع الصحي؛ إذ تتهم مصادر طبية وحقوقية الجماعة الحوثية بمواصلة استهداف الكوادر الطبية عبر الاعتقالات التعسفية، في وقت يشكو فيه مرضى الأمراض المزمنة من انعدام الأدوية المنقذة للحياة، بينما يواجه آلاف السكان مخاطر صحية متزايدة بسبب طفح مياه الصرف الصحي وتلوث مصادر المياه.

ويرى مراقبون أن هذه التطورات لا تعكس فقط تراجع الخدمات الطبية، بل تنذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في مناطق سيطرة الجماعة، مع استمرار هجرة الكفاءات الصحية وتراجع قدرة المرافق الطبية على تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.

اختطاف الأطباء

تشهد العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحافظة إب تصاعداً ملحوظاً في حملات استهداف الأطباء والعاملين في القطاع الصحي، وسط اتهامات للجماعة الحوثية بمواصلة سياسة الاعتقال والإخفاء القسري بحق الكوادر الطبية.

وقالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن مسلحين حوثيين نفذوا خلال الفترة الأخيرة عمليات دهم لمنازل ومقار عمل عدد من الأطباء والعاملين الصحيين في صنعاء وإب، قبل اقتيادهم إلى جهات مجهولة دون إبلاغ أسرهم بأماكن احتجازهم أو أسباب اعتقالهم.

القطاع الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين يزداد انهياراً بعد تراجع التمويل الأممي (الأمم المتحدة)

وكان آخر تلك الحوادث إعادة اعتقال طبيب العظام والمفاصل ماجد الخزان في صنعاء، إثر شكوى تقدم بها مسؤولون فيما يسمى «الجمعيات الطبية» التي يديرها القيادي الحوثي مجاهد معصار، رئيس ما يعرف بـ«المجلس الطبي الأعلى»؛ الأمر الذي تسبب في تعطيل عدد من العمليات الجراحية المقررة لمرضاه.

وأكد الطبيب الخزان، في تسجيل مرئي، أنه لا يعرف أسباب احتجازه، عادَّاً أن دفاعه عن المرضى وحقوق المواطنين كان سبباً في استهدافه.

وأفاد مقربون منه بأنه يعاني حالة صحية تستدعي متابعة منتظمة بعد خضوعه سابقاً لقسطرة قلبية، محذرين من تعرض حياته للخطر أثناء الاحتجاز، ومحمّلين الجماعة المسؤولية الكاملة عن سلامته.

وسبق ذلك بأيام اعتقال استشاري العظام لبيب باعباد في مدينة إب عقب افتتاحه مركزاً طبياً خاصاً، حيث داهم مسلحون حوثيون المركز واقتادوه إلى جهة مجهولة بناءً على بلاغ من مسؤول حوثي يدير مستشفى «أطباء المنار»، الذي استولت عليه الجماعة قبل سنوات.

مستشفى أطباء المنار الأهلي الخاضع لإدارة الحارس القضائي الحوثي في إب (الشرق الأوسط)

كما لا يزال الطبيب مصطفى باشا، رئيس قسم الأشعة التشخيصية في مستشفى العدين الحكومي، محتجزاً منذ أسابيع بعد مطالبته بصرف مستحقاته المالية، في حين تستمر الجماعة منذ نحو عامين في احتجاز الطبيب علي المضواحي، رغم المناشدات المتكررة للإفراج عنه.

ويؤكد عاملون في القطاع الصحي أن هذه الانتهاكات تدفع مزيداً من الكفاءات الطبية إلى مغادرة مناطق سيطرة الحوثيين أو التوقف عن ممارسة المهنة، في وقت يعاني فيه النظام الصحي أصلاً نقصاً حاداً في الكوادر والإمكانات.

تهديد حياة المرضى

بالتوازي مع استهداف الكوادر الطبية، يواجه آلاف المرضى في محافظة إب أزمة حادة نتيجة انقطاع أدوية السكري، وفي مقدمتها الإنسولين، منذ نحو ثلاثة أشهر.

وأكدت مصادر صحية أن أكثر من خمسة آلاف مريض حُرموا من العلاج المجاني الذي يعتمدون عليه بصورة أساسية، بعد نفاد المخزون الدوائي وغياب أي حلول لإعادة توفيره.

وأوضحت المصادر أن الأزمة تفاقمت خلال الأسابيع الأخيرة مع تعثر وصول الإمدادات الطبية، محذرة من أن استمرار الوضع يهدد حياة المرضى ويضاعف احتمالات تعرضهم لمضاعفات خطيرة قد تصل إلى الوفاة.

مرضى يتجمعون في مكان ضيق داخل مستشفى بمدينة الحديدة (رويترز)

واتهمت المصادر قيادات حوثية بالتسبب في تعطيل وصول الأدوية إلى مستحقيها، داعية إلى تحقيق مستقل يكشف أسباب الأزمة ويضمن وصول العلاج بعيداً عن أي تدخلات.

ويقول أحد المرضى في مدينة إب إنه اضطر إلى شراء الإنسولين من الصيدليات التجارية بأسعار تفوق قدرته المالية، في حين يقضي أحياناً أياماً من دون جرعات منتظمة بسبب عدم توفر الدواء.

أما والدة طفل مصاب بالسكري في مديرية العدين، فتؤكد أنها اضطرت إلى الاستدانة مراراً لتأمين العلاج، مشيرة إلى أن استمرار الانقطاع يعرض حياة ابنها للخطر، بينما بدأ مرضى آخرون في تقليل الجرعات المتاحة لديهم لتوفيرها لأطول فترة ممكنة، رغم ما يحمله ذلك من مضاعفات صحية خطيرة.

ويحذّر مختصون من أن استمرار انقطاع أدوية الأمراض المزمنة لا يهدد المرضى فحسب، بل يرفع معدلات المضاعفات والوفيات، ويضاعف الضغط على المستشفيات التي تعاني أصلاً ضعف الإمكانات.

مشكلة بيئية

في العاصمة المختطفة صنعاء، يواجه آلاف السكان في حي السنينة أزمة بيئية وصحية متفاقمة بعد استمرار طفح مياه الصرف الصحي في الشوارع والحارات لأكثر من أسبوعين، وسط غياب أي تدخل لمعالجة المشكلة.

ويؤكد سكان أن المياه الراكدة تسببت في انتشار الروائح الكريهة والحشرات وإعاقة حركة المواطنين، كما ألحقت أضراراً بالمنازل والمحال التجارية، وأثارت مخاوف من تلوث مياه الشرب.

وقال عدد من الأهالي إنهم لاحظوا تغير لون المياه الواصلة إلى منازلهم وانبعاث روائح منها؛ ما دفعهم إلى التوقف عن استخدامها للشرب والطهي والاعتماد على شراء مياه صالحة للاستهلاك، وهو ما زاد من الأعباء المعيشية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

حي في صنعاء تغمره المياه الملوثة بسبب انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

ويحذّر مختصون في الصحة العامة من أن استمرار تجمع المياه العادمة يوفر بيئة مناسبة لانتشار الأمراض المنقولة بالمياه، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة، إلى جانب الأمراض الجلدية والتنفسية.

وأكد مصدر طبي في أحد المراكز الصحية بالحي أن المرفق شهد خلال الأيام الأخيرة زيادة ملحوظة في أعداد المصابين بالإسهالات المائية والأمراض الجلدية والحميات، إضافة إلى حالات يشتبه بإصابتها بالكوليرا والتيفوئيد والملاريا، مرجعاً ذلك إلى التلوث البيئي الناتج من طفح مياه الصرف الصحي.

ويتهم سكان الحي سلطات الجماعة الحوثية بالتقاعس عن معالجة الأزمة، رغم استمرارها لأكثر من أسبوعين، ويقولون إن الجماعة تواصل تحصيل الرسوم والجبايات تحت مسميات «النظافة» و«تحسين المدينة» و«الصرف الصحي»، دون أن ينعكس ذلك على مستوى الخدمات الأساسية.


عدن تستعيد ذاكرتها الثقافية بمبادرات أهلية

متحف الموروث الشعبي بعدن يواصل أداء رسالته في حفظ التراث اليمني (إعلام محلي)
متحف الموروث الشعبي بعدن يواصل أداء رسالته في حفظ التراث اليمني (إعلام محلي)
TT

عدن تستعيد ذاكرتها الثقافية بمبادرات أهلية

متحف الموروث الشعبي بعدن يواصل أداء رسالته في حفظ التراث اليمني (إعلام محلي)
متحف الموروث الشعبي بعدن يواصل أداء رسالته في حفظ التراث اليمني (إعلام محلي)

تُواصل مدينة عدن؛ حيث العاصمة اليمنية المؤقتة، والتي تعرضت مؤسساتها الثقافية لأضرار واسعة خلال سنوات الحرب، جهودها لاستعادة ذاكرتها الثقافية، عبر مبادرات أهلية يقودها ناشطون ومؤسسات مجتمع مدني؛ في محاولة للحفاظ على التراث اليمني وحمايته من الاندثار، بالتوازي مع مساعٍ لإحياء المؤسسات الثقافية واستعادة دورها في الحياة العامة.

وتبرز هذه الجهود في وقتٍ لا تزال فيه متاحف ومرافق ثقافية حكومية خارج الخدمة نتيجة الأضرار التي لحقتها، خلال اجتياح جماعة «الحوثي» المدينة، بينما يعتمد عدد من المشروعات الثقافية على التمويل الذاتي والمبادرات الفردية لمواصلة نشاطها، وسط دعوات لتوفير دعم رسمي يضمن استدامتها.

في هذا الإطار، زارت مديرة مكتب الثقافة في عدن، سميرة المشجري، متحف الموروث الشعبي اليمني في مديرية التواهي، الذي أسسته وتديره الشخصية الاجتماعية والثقافية نجلاء شمسان، ويضم آلاف المقتنيات التي تُوثق تنوع الحضارة اليمنية والموروث الشعبي بمختلف المحافظات.

وأشادت المشجري بما يحتويه المتحف من مقتنيات تراثية، وبالجهود التي بُذلت في جمعها وصيانتها، رغم محدودية الإمكانات وغياب الدعم الحكومي والمؤسساتي، وعدَّت أن استمرار هذا المشروع يمثل نموذجاً للمبادرات المدنية التي حافظت على جزء من الذاكرة الثقافية في ظل ظروف الحرب.

فنانون وناشطون يناقشون سبل استعادة المؤسسات الثقافية وحماية ذاكرة عدن (إعلام محلي)

وقالت إن جولتها بأقسام المتحف أظهرت حجم العمل المنظم الذي أُنجز لحفظ المقتنيات وصوْنها، مؤكدة التزام مكتب الثقافة بإيصال رسالة المتحف إلى الجهات المعنية والعمل على حشد الدعم اللازم لاستمراره وتطويره.

كما ناقش الجانبان آليات التعاون بين مكتب الثقافة وإدارة المتحف لتطوير برامج توثيق التراث الشعبي، والحفاظ على مقتنياته، والتواصل مع قيادة السلطة المحلية في عدن لتوفير دعم يضمن استمرار المشروع، خصوصاً أنه يوثّق الموروث الشعبي لمختلف المحافظات اليمنية، في وقت توقفت فيه أنشطة عدد من المتاحف الحكومية بسبب الحرب.

شراكة مع المجتمع المدني

امتدت جولة المشجري إلى مؤسسة «عدن أجين» للثقافة في مديرية خور مكسر، حيث اطلعت على برامج المؤسسة ومشروعاتها الهادفة إلى تنمية الإبداع لدى الشباب والحفاظ على التراث العمراني والثقافي للمدينة.

وأكدت أهمية تعزيز الشراكة بين مكتب الثقافة والمؤسسات المدنية، مُشيدة بالدور الذي تؤديه المبادرات الشبابية في حماية الهوية الثقافية وصون المواقع التاريخية والحِرف التقليدية.

مؤسسات مدنية تلعب دوراً فاعلاً في الحفاظ على الطراز العمراني والحِرف اليدوية بعدن (إعلام محلي)

وبحث اللقاء تنفيذ برامج مشتركة تستهدف الحفاظ على الأزياء الشعبية، والحِرف اليدوية، والطراز المعماري التاريخي، إلى جانب تنمية المواهب الفنية والإبداعية لدى الشباب، والتنسيق مع السلطة المحلية لتوفير الدعم اللازم لهذه المبادرات.

كما تفقدت المشجري أقسام المؤسسة، واطلعت على نماذج من المشغولات التراثية والملابس التقليدية والتحف والحِرف اليدوية التي ينتجها مُنتسبوها، مُعربة عن إعجابها بمستوى الأعمال المعروضة، ومؤكدة استعداد مكتب الثقافة لدعم المشروعات التي تسهم في حماية التراث والهوية الثقافية لعدن.

حماية ذاكرة المدينة

بالتوازي مع هذه المبادرات، واصل الصالون الثقافي الذي أسسته فرقة خليج عدن الفنية مناقشة سُبل استعادة دور المؤسسات الثقافية، في جلسةٍ حملت عنوان «من يحفظ ذاكرة عدن الثقافية؟».

وركز المشاركون على أهمية حماية الأرشيف الثقافي، والمسرح، والتلفزيون، والوثائق التاريخية، بوصفها مكونات أساسية لذاكرة المدينة، مُحذرين من أن فقدانها سيؤدي إلى ضياع أجزاء مهمة من تاريخ عدن الثقافي.

سيدة أعمال تولت جمع مقتنيات الموروث الشعبي في عدن وإنشاء متحف بجهود ذاتية (إعلام محلي)

وأكد المشاركون أن المدن تفقد جانباً من هويتها عندما تفقد ذاكرتها، مشيرين إلى أن إغلاق المسارح، وضياع الأرشيف، واختفاء الصور والوثائق التاريخية، تعني اختفاء كثير من الحكايات التي صنعت ملامح المدينة عبر عقود.

وشدد فنانون ومسرحيون ومهتمون بالشأن الثقافي على أن المؤسسات الثقافية لا تمثل مجرد مبانٍ، بل تُشكل أوعية تحفظ ذاكرة المجتمع وإبداعه، مؤكدين أن حماية الوثائق والصور القديمة وتذاكر العروض المسرحية والمقتنيات النادرة تمثل مسؤولية جماعية؛ لأن فقدانها لا يمكن تعويضه، ولأن الحفاظ عليها يُعد جزءاً من حماية هوية عدن في مرحلة ما بعد الحرب.

Your Premium trial has ended


العثور على جثة بحار هندي فُقد بعد هجوم على سفينته قبالة عُمان

سفن شحن ترسو بالقرب من مضيق هرمز (أ.ف.ب)
سفن شحن ترسو بالقرب من مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

العثور على جثة بحار هندي فُقد بعد هجوم على سفينته قبالة عُمان

سفن شحن ترسو بالقرب من مضيق هرمز (أ.ف.ب)
سفن شحن ترسو بالقرب من مضيق هرمز (أ.ف.ب)

عُثر على جثة بحار هندي فُقد بعد تعرض سفينته لهجوم قبالة سواحل سلطنة عُمان في خضم التصعيد الأخير بين طهران وواشنطن في الشرق الأوسط، وفق ما أعلن مسؤول في نقابة البحارة الهنود اليوم الأربعاء.

وكان هيرامب كارماكار، المهندس البحري البالغ 30 عاماً من مدينة بونا في غرب الهند، مفقوداً منذ هجوم استهدف الأحد السفينة «جي إف إس غالاكسي» التي ترفع العلم القبرصي.

وقال مانوج ياداف من نقابة البحارة الهنود لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «تلقيت اتصالاً مساء الثلاثاء من الشركة المالكة للسفينة، تُبلغني فيه بالعثور على جثة هيرامب كارماكار من جانب خفر السواحل العُمانيين»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأضاف: «جاء ذلك بعد نحو 60 ساعة من تلقينا أول نبأ عن فقدانه».

وجرى إنقاذ باقي أفراد الطاقم البالغ عددهم 23 فرداً، بينهم 10 هنود، الأحد.

وذكرت القيادة المركزية الأميركية أن السفينة تعطلت بسبب حريق وأضرار لحقت بغرفة محركاتها، متهمةً طهران بالهجوم عليها.

تُعدّ الهند من أكبر الدول المُساهمة بالبحارة في قطاع النقل البحري التجاري على مستوى العالم، إذ بلغ عدد بحارتها العاملين أكثر من 320 ألفاً في عام 2025، وفق مسؤولين في القطاع.

ووصفت وزارة الخارجية الهندية الثلاثاء الهجمات على السفن التجارية في المنطقة بأنها «مقلقة للغاية»، داعية إلى «وضع حد لاستهداف السفن التجارية، والبنية التحتية المدنية في المنطقة».

وجاء الهجوم في وقت أعلنت طهران إغلاق مضيق هرمز، وأطلقت صواريخ وطائرات مُسيّرة على جيرانها في الخليج رداً على الضربات الأميركية.

ويُعدّ مضيق هرمز، وهو ممر ملاحي حيوي كان يمر عبره نحو خُمس نفط العالم قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط)، نقطة خلاف رئيسة بين الولايات المتحدة وإيران.