موسكو أمام اختبار النفوذ في منطقة جنوب القوقاز

الكرملين يسعى إلى المحافظة على توازن المصالح بين «شريكين متعبين»

موسكو أمام اختبار النفوذ في منطقة جنوب القوقاز
TT

موسكو أمام اختبار النفوذ في منطقة جنوب القوقاز

موسكو أمام اختبار النفوذ في منطقة جنوب القوقاز

مع حلول الذكرى الأولى للحرب الأرمينية - الآذرية، التي أسفرت عن تبدل واسع في ملامح الجغرافيا السياسية وتوزيع النفوذ في منطقة جنوب القوقاز، بدا أن الكرملين يقف أمام تحدٍ جديد، مع تفاقم التوتر بين إيران وأذربيجان، واتساع المخاوف من تصعيد يؤدي إلى زعزعة الأوضاع في المنطقة من جديد.
الكرملين يراقب اليوم بحذر تزايد الشكاوى الإيرانية من «مؤامرة» آذرية - إسرائيلية مزعومة تستهدف طهران. في حين يقول خبراء مقرّبون من مراكز صنع القرار في روسيا إن الأسباب الحقيقية للتوتر تكمن في إدراك الإيرانيين أن التسوية التي فرضت العام الماضي، بضغط واسع من جانب موسكو، لم تأخذ في الاعتبار مصالح طهران التي تراجع نفوذها كثيراً في جنوب القوقاز.
ومع سعي موسكو لمنع انزلاق الأوضاع مجدداً في المنطقة، والمحافظة على توازن المصالح بين الأطراف المختلفة، وخصوصاً إيران التي يصفها محللون بأنها «شريك متعب» للكرملين، تقف تركيا «الشريك الآخر المتعب» على أهبة الاستعداد للدفاع عن حليفها الآذري... وعن مكتسبات جيوسياسية كبرى حققتها حرب العام الماضي.
ظهرت محاولات موسكو للإمساك بالعصا من الوسط وإبداء أكبر قدر ممكن من المرونة، خلال مناقشات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مع نظيره الإيراني حسين أمير عبد اللهيان الأسبوع الماضي.
وأكد عميد الدبلوماسية الروسية أنه بغضّ النظر عن حجم التحديات المتراكمة على طريق السلام في منطقة جنوب القوقاز، فإن موسكو «لن تسمح بأن يهتز الوضع وينعكس سلبياً» على أي طرف، بما في ذلك على «الأصدقاء - الشركاء» الإيرانيين.
أما عبد اللهيان، الذي وصل إلى روسيا في أول زيارة له لروسيا وزيراً للخارجية الإيرانية، فقد ركز اهتمامه على الوضع في هذه المنطقة الحدودية، خلافاً لتوقعات سابقة بأن الزيارة هدفها الرئيس «ضبط الساعات مجدداً بين موسكو وطهران بعد تغيير القيادة في إيران».
لقد هاجم الوزير الإيراني أذربيجان بقوة. وكرّر الاتهامات الموجهة لباكو، ولوّح بأن بلاده لن تتسامح مع «تغيير جيوسياسي للخريطة في القوقاز»، قائلاً إن «طهران لديها مخاوف جدية بشأن وجود الإرهابيين والصهاينة في هذه المنطقة».
في المقابل، سعى لافروف إلى تقديم رؤية توافقية، مشدداً على أن لدى أذربيجان مخاوف أيضاً بشأن سلوك إيران. وأشار مرة أخرى إلى الحاجة، بعد تسوية ناغورنو قره باغ، إلى تعزيز التفاعل بين بلدان المنطقة، مع احترام الاتفاقات التي أفضت إليها جهود الوساطة الروسية العام الماضي، بما في ذلك على صعيد فتح الممرات أمام وسائل المواصلات وخطوط النقل الاقتصادي التجاري.
هكذا وضع لافروف يده مباشرة على المشكلة الأساسية التي أدت إلى اندلاع الأزمة الأخيرة. إذ أسفر النجاح العسكري لأذربيجان عن استعادتها السيطرة على مناطق واسعة، تقع في جزء كبير منها على طول الحدود مع إيران. وهكذا وجدت إيران نفسها مرة واحدة أمام واقع جيوسياسي جديد، بعد عقدين كاملين من تعاملها مع أرمينيا على طول الحدود.

بداية الأزمة

بدأ التوتر بين إيران وأذربيجان، الذي لم يهدأ منذ عدة أسابيع، بعد احتجاز شاحنات إيرانية وسائقيها من قبل الشرطة الآذرية على طريق جوروس كافان، الذي يربط بين أرمينيا وإيران. وبعد ذلك، بدأت التصريحات ضد أذربيجان تنطلق من إيران. وإضافة إلى ذلك، أجرى كلا البلدين تدريبات عسكرية على الحدود.
ولم تلبث الأزمة أن اتسعت، بعد تبادل الاتهامات ودخول تركيا على خط الدعم لأذربيجان، ما أدى إلى تحوّل في المواجهة، عبّر عنه أوزكان ألاش، رئيس جمعية تنمية التجارة مع إيران، عندما قال إن تركيا أغلقت جميع نقاط التفتيش الخاصة بها أمام الشاحنات الإيرانية، رداً على حظر مرور الشاحنات التركية إلى إيران.
بالإضافة إلى ذلك، قال حسين علياء، ممثل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في «الحرس الثوري»، إن لدى إيران «قوة عسكرية كبيرة» ولن تسمح لإسرائيل بالاستقرار على الحدود الشمالية الغربية لإيران بعد هزيمة الولايات المتحدة في المنطقة. وبجانب ذلك، اعترف ممثل خامنئي علانية بأن طهران تعارض إطلاق ممر زنجيزور، لأنه «سيلحق ضرراً اقتصادياً بإيران، على وجه التحديد»، مضيفاً: «سيتلقون رداً قاسياً وساحقاً».

تطورات داخل إيران

يربط الخبراء الأزمة المتفاقمة بعدد من التطورات داخل إيران وفي المنطقة. ووفقاً لإيرينا فيدوروفا، الخبيرة في مركز الشرق الأوسط التابع لمعهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم الروسية، فإن وصول الرئيس الجديد إبراهيم رئيسي إلى منصبه في إيران حمل انقلاباً على نهج سلفه حسن روحاني، الذي تميز بآراء متسامحة إلى حد ما، وأراد تحسين العلاقات مع الغرب. وتوضح فيدوروفا أن «إبراهيم رئيسي صاحب عقلية محافظة إلى حد ما. ووصوله في المقام الأول يصبّ في مصلحة (الحرس الثوري) الإسلامي. وبشكل عام، ستتسم سياسة إيران برمّتها مع وصول رئيسي بتعزيز الجناح المحافظ وسياسة أكثر صرامة، خاصة في المنطقة، وفيما يتعلق بالدول المحيطة بإيران».
السبب الثاني وفقاً للخبيرة الروسية ينطلق من استياء طهران المتزايد بسبب الوضع الذي تطور بعد حرب قره باغ الثانية، وخصوصاً تعزيز مواقف أذربيجان وتركيا. واليوم ترى إيران أن الضغط على أذربيجان يمكن أن يسفر عن توافق يحفظ مصلحتها مع الجانب التركي، ولذلك جاءت دعوة رئيسي أخيراً إلى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لزيارة إيران.
وبالإضافة إلى ما تقدم، يرتبط قلق طهران بالفعل - وفق الخبيرة - بتزايد نفوذ إسرائيل في جنوب القوقاز. وعموماً، يرى الخبراء الروس أنه بعد حرب قره باغ الثانية، بات من الصعب أكثر، مراعاة مصالح جميع الأطراف في المنطقة. ومن الواضح أن إيران - المعنية بتعزيز نفوذها هناك - تراجعت كثيراً لأسباب موضوعية.
وفي خريف العام الماضي، عندما كانت الحرب مستعرة بين أذربيجان وأرمينيا، حاولت إيران بنشاط كبير طرح مقترحات وساطة. إلا أن إيران تفتقر إلى النفوذ لأسباب واضحة، بسبب وجود روسيا وتركيا هنا. والآن، مع تغيّر الوضع في المنطقة، بعدما تغيرت خطوط الحدود، وما عاد هناك جزء من الأرض ترتبط من خلاله إيران وأرمينيا لوجستياً تحت تقاسم الطرفين، بدأت إيران تشعر بالقلق.
وأما حيال ما يتعلق بـ«المؤامرة الصهيونية» التي تتحدث عنها إيران، فهناك بالفعل أسباب للخشية من أن تغدو أذربيجان منصة انطلاق لهجوم من قبل إسرائيل. وهذا، على خلفية تعزيز التعاون العسكري بين تل أبيب وباكو في السنوات الأخيرة. لكن أذربيجان أكدت مراراً أنها لن توفر أراضيها للعمليات العسكرية لدولة أخرى، وبالأخص، في ظل الوضع الحالي لمحاولات استعادة السلام في المنطقة.

تصعيد للاستهلاك المحلي

لا يُخفي خبراء روس أن جزءاً مهماً من التصعيد الخطابي الإعلامي الإيراني له أسباب داخلية بحتة. ولقد كتب معلق في صحيفة فيدرالية روسية أن «الجميع يفهم جيداً أن لا أحد يحتاج إلى نزاع. لن تكون إيران ببساطة قادرة على التعامل مع صراع مرهق».
هذا الأمر لا ينطبق على إيران وحدها، بل ينسحب على كل الأطراف في المنطقة، لأنه «لا توجد دولة من الدول التي تشارك بشكل أو بآخر في هذه الأحداث، مهتمة في نهاية المطاف بالتفاقم، بل أكثر من ذلك في نوع من العمل العسكري. إذ تتمركز القوات الإيرانية الآن في سوريا ولبنان، وهي الآن بحالة صعبة للغاية... وتركيا منشغلة أيضاً بملفاتها،... ولا تحتاج أذربيجان وأرمينيا لاختبار عسكري جديد في المنطقة».

صيغة 3+3

بدأت المحاولات الروسية للمحافظة على التوازن بين مصالح الأطراف المختلفة من خلال المبادرة التي أطلقها الوزير الروسي لافروف للحوار بين أطراف المنطقة والفاعلين الخارجيين المؤثرين فيها. إذ أعلن لافروف أن بلاده تجري مناقشات مع الأطراف المختلفة لوضع آلية للحوار بصيغة 3+3. والمقصود هنا الدول الثلاث في منطقة جنوب القوقاز، أذربيجان وأرمينيا وجورجيا، والدول الثلاث المؤثرة... روسيا وتركيا وإيران.
هذا التوازن الذي تعمل موسكو على بنائه يواجه بصعوبات جدية، بينها الموقف الجورجي الذي يرفض أي مبادرات تأتي من جانب موسكو، ويفضل إشراك أطراف غربية في أي حوارات. وهذا الأمر أشار إليه لافروف بوضوح عندما أعرب عن أمله في أن «تضع جورجيا في المقدمة مصالح بلدان المنطقة وهدف استقرارها وأمنها».
لكن ثمة صعوبات أخرى هنا، لأن أي حوارات - وفقاً لخبراء - لن تحاول الاقتراب من المساحة الممنوعة. والمقصود هنا السياسة الداخلية لكل طرف. بعبارة أخرى، لن يكون بمقدور الأطراف مناقشة حجم وأبعاد التعاون العسكري بين تركيا وأذربيجان ومدى تأثيره على الوضع الجيوسياسي، ناهيك من مناقشة حجم وطبيعة التعاون العسكري بين باكو وتل أبيب.
أيضاً، لن تغير أي مباحثات بهذه الصياغة من الواقع الجيوسياسي الجديد وتوزيع النفوذ في المنطقة بعد حرب العام الماضي. والقصد أنه يمكن للأطراف مناقشة تحاشي الانزلاق نحو مواجهة، أو تدابير لضمان فتح الطرق الدولية وممرات عبور البضائع... وليس أكثر من ذلك.

تصاعد المواجهة الخفية
بين تركيا وإيران
من جهته، يرى ديمتري سولونيكوف، مدير معهد تنمية الدولة المعاصرة الروسي، إن التوتر يسير في الواقع على طول «خطوط الصدع» الأخرى. وعلى غرار إيران، وجدت كل من تركيا وإيران وإسرائيل وأذربيجان نفسها أمام واقع مقلق.
ويُبرز الخبير عدداً من العناصر التي تدعم «سيناريو» تصاعد المواجهة، وبينها أن إيران باتت على وشك الحصول على أسلحة نووية، و«لم يتبقَ سوى بضعة أشهر. ولا يسع هذا إلا أن يقلق الولايات المتحدة وإسرائيل. وهما مستعدتان للجوء إلى أي تصرف، بما في ذلك العمل العسكري، لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية. وفي المقابل، من المعروف أن أذربيجان تتعاون بشكل وثيق مع إسرائيل. وفي هذا الصدد، بدأت إيران تقلق بشدة من هذا الأمر».
العنصر الثاني، وفقاً للخبير الروسي، الذي أسفر عن السلوك الإيراني الجديد هو «نشاط تركيا، التي تروج لمصالحها في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى. وفي نهاية المطاف، تعتبر إيران هذه المناطق جزءاً من نطاقها الحيوي... وهنا تتزايد المنافسة بين تركيا وإيران بشكل ملحوظ، والتوتر يتزايد. إن الطموحات الإيرانية تجعل نفسها محسوسة طوال الوقت. وأذربيجان تصبح رهينة الوضع».
وهنا، يرفض الخبير فكرة أن تغيير القيادة الإيرانية ترك أثره على التطورات الجارية، لجهة قناعته بأن «هناك آية الله (خامنئي) الذي يحدد الخط السياسي الكامل للبلاد. ولو لم يكن هناك تصريح بأن إيران على وشك صنع قنبلة ذرية، ولو لم يكن هناك بيان حول استعدادها لوقف تطوير البرنامج النووي الإيراني للوسائل العسكرية، لما حدثت هذه المواجهة بين أذربيجان وإيران الآن».
في مقابل ذلك، يرى أندريه مانويلو، الأستاذ في جامعة موسكو الحكومية، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعمل كـ«حَكَم» في منطقة القوقاز، ويبحث عن طريقة لتعزيز مصالح روسيا في المنطقة. وحسب رأيه، لا تنوي موسكو الانحياز لأي طرف. ثم يقول: «تركيا قوية بالفعل في منطقة القوقاز كلاعب إقليمي كامل... وتواصل زيادة نفوذها. لذلك، يتعين على بوتين المناورة بين أرمينيا وأذربيجان وتركيا من أجل الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع القوى في المنطقة، ومنع اندلاع الصراع مرة أخرى».

العلاقات العسكرية بين إسرائيل وأذربيجان
> تطور التعاون العسكري الفني بين إسرائيل وأذربيجان بنجاح كبير منذ عام 2004. عندما وُقع عقد لتوريد أسلحة إسرائيلية منتجة في تركيا إلى أذربيجان.
وفي سبتمبر (أيلول) 2008، وقّعت إسرائيل وأذربيجان اتفاقية فازت بموجبها شركة إسرائيلية بعقد لتزويد الجيش الأذربيجاني بقذائف الهاون والذخيرة، كما نص عقد آخر على شراء أذربيجان أجهزة اتصالات إسرائيلية، وتقنيات التوجيه وأنظمة المراقبة.
وفي العام التالي 2009. فتحت شركة صناعات الدفاع الإسرائيلية «البيت سيستم» مكتباً تمثيلياً لها في أذربيجان، وبدأت وزارة الدفاع الآذرية في إنتاج طرازات من تقنيات عسكري إسرائيلية.
ثم شهد العام 2012 دفعة مهمة في التعاون، عندما اشترت أذربيجان طائرات من دون طيار وأنظمة دفاع جوي من إسرائيل بقيمة 1.6 مليار دولار أميركي.
وخلال السنوات اللاحقة، واصل الطرفان تعزيز التعاون العسكري. وأجرى وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان عام 2018 زيارة إلى أذربيجان، أسفرت عن توقيع رزمة من الوثائق، تلتها في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه زيارة للنائب الأول لوزير الدفاع الأذربيجاني نجم الدين صادقوف إلى إسرائيل، تجول خلالها في وحدات مختلفة من الجيش الإسرائيلي، وناقش تعزيز العلاقات العسكرية، فضلاً عن الصفقات الأمنية بين البلدين. وحالياً، وفقاً لمعطيات إسرائيلية آذرية متطابقة، فإن أذربيجان وإسرائيل تتفاوضان لتوقيع عقد لشراء أسلحة متطورة بقيمة ملياري دولار إضافية من شركات دفاع إسرائيلية. وأشار تقرير نشرته وسائل إعلام، إلى أن تكثيف التعاون العسكري التقني بين الطرفين «تأثر خلال الفترة الماضية بتطورات الوضع في منطقة الحدود الأرمينية الأذربيجانية، التي قد تتطور إلى حرب جديدة، فضلاً عن رغبة سابقة للطرفين بتعزيز التعاون الأذربيجاني الإسرائيلي بعد انتصار باكو في قره باغ».
تعليقاً على العلاقات العسكرية والتقنية الوثيقة بين إسرائيل وأذربيجان، قال الخبير في مجال القانون الدولي والعلاقات الدولية ميخائيل فينكل، إن الكلام عن صفقات كبرى جارٍ إعدادها هو «كلام جاد»، والمفاوضات جارية بين أذربيجان وإسرائيل بشأن شراء شحنة كبيرة جداً من الأسلحة.
علاوة على ذلك، فإن المعدات التي يجري الحديث بشأنها ليست تقليدية، وليست تلك التي اشتريت بالفعل في عقود سابقة. وقد تسربت المعلومات حول هذا الأمر إلى صحف إسرائيلية من مصادر قريبة من الصفقة. ويرجع ذلك أساساً إلى تفاقم الوضع في منطقة الحدود. والواقع أنه لا تشير المصادر لدى الطرفين بشكل دقيق إلى نوعية التقنيات العسكرية الجاري الكلام بشأنها، لكن خبراء عسكريين في موسكو يعتقدون أنه يدور عن طرازات مختلفة من الأسلحة الإسرائيلية، تتعلق بالدرجة الأولى بالدفاع الجوي. ويمكن أيضاً أن تكون على طاولة البحث طائرات من دون طيار وأنواع مختلفة من القذائف والألغام. وعليه، فإن المهمة هي إنشاء نوع من «القبة الحديدية» على الحدود، وبالتالي حماية أرواح العسكريين والمدنيين الآذريين.
اللافت هنا وفقاً للخبير نفسه، هو وجه الشبه في منطقة الحدود الآذرية مع حدود إسرائيل وقطاع غزة وإسرائيل ولبنان وإسرائيل وسوريا. وهو يضيف: «كما تعلمون، بالإضافة إلى نظام القبة الحديدية، لدى إسرائيل أيضاً أنظمة أخرى قادرة على إسقاط الصواريخ والقذائف الأصغر. ويرجّح أن العقد مع أذربيجان يشمل هذا النوع من الأسلحة».
في المقابل، نقلت وسائل إعلام عن الكاتب والإعلامي الإسرائيلي بيتر لوكيمسون قوله؛ إن تعاون أذربيجان مع إسرائيل في المجال العسكري ومجالات أخرى لا يعتمد على ما يحدث اليوم في المنطقة الحدودية. كما أشار لوكيمسون إلى أن التركيز ينصب الآن على «التعاون الاستراتيجي طويل الأمد، لأنه من الواضح لي شخصياً أن التفوق العسكري المتعدد لأذربيجان فقط يمكن أن يصبح رادعاً لحرب جديدة بين البلدين».



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».