كيف سيقود فوميو كيشيدا اليابان حتى انتخابات الشهر المقبل؟

«شهر العسل» قد يكون قصيراً

كيف سيقود فوميو كيشيدا اليابان حتى انتخابات الشهر المقبل؟
TT

كيف سيقود فوميو كيشيدا اليابان حتى انتخابات الشهر المقبل؟

كيف سيقود فوميو كيشيدا اليابان حتى انتخابات الشهر المقبل؟

خلال أيام من انتخاب فوميو كيشيدا، زعيماً جديداً للحزب الديمقراطي الحر الحاكم في اليابان، حصل الزعيم الجديد على تثبيت البرلمان، وشكل من ثم الحكومة الجديدة لليابان، التي عرفت ثلاثة رؤساء وزارة خلال أكثر بقليل من سنة واحدة. كيشيدا (64 سنة) خلف يوشيهيدي سوغا (72 سنة) الذي انسحب في سبتمبر (أيلول) الفائت وسط موجة غضب شعبي من طريقة استجابة حكومته لجائحة «كوفيد - 19»، وإصراره على المضي قدماً في تنظيم أولمبياد طوكيو 2020.
ولحسن حظ كيشيدا، لم يثبت سوغا، الذي يعد الذراع اليمنى لرئيس الوزراء الأسبق شينزو آبي لفترة طويلة، كفاءة تذكر في تولي رئاسة الحكومة. وكان سوغا قد خلف آبي في المنصب خلال سبتمبر 2019 على أثر استقالة الأخير لأسباب صحية بعدما دخل التاريخ كصاحب أطول فترة رئاسة في اليابان. وفي التنافس لخلافة آبي تغلب سوغا على منافسين هما كيشيدا، وشيغيرو إيشيبا.
شهدت شعبية الرئيس الياباني السابق يوشيهيدي سوغا، تراجعاً كبيراً، إذ بلغت أكثر بقليل من 30 في المائة، بعدما كانت تفوق 70 في المائة عند توليه المنصب. وأدى هذا الواقع إلى تزايد قلق قادة الحزب الديمقراطي الحر (المحافظ) الحاكم من احتمال تعرض حزبهم لنكسة انتخابية موجعة خلال الانتخابات العامة الوشيكة.
المعروف أن الحزب الديمقراطي الحر هيمن على سياسة اليابان غالبية فترات العقود السبعة الماضية. وبفضل هيمنته على البرلمان، غدا رئيسه مطمئناً إلى شبه حتمية توليه رئاسة الحكومة. وفي ضوء اهتزاز وضع سوغا، استشعر فوميو كيشيدا أن فرصته حانت، فأعلن ترشحه لقيادة الحزب، وساعد في تسريع عملية تقاعد سوغا.
المفارقة، أن كيشيدا، وزير الخارجية والدفاع السابق، وكما سبقت الإشارة، وجد نفسه على الجانب الآخر من المعادلة السياسية، عندما ترشح ليحل محل الزعيم ورئيس الوزراء الأسبق شينزو آبي، بعد ترك الأخير منصبه. إلا أن كيشيدا خسر معركته في حينه بسهولة أمام يوشيهيدي شوغا، الذراع اليمنى لآبي، الذي تولى المنصب الأعلى. ولكن خروج سوغا اليوم بعدما أمضى أقل من سنة في السلطة شبح العودة إلى خلافة «الباب الدوار» للقادة اليابانيين، حيث يخدم كل منهم لمدة سنة واحدة ليترك حلفاءه على غير هدى سياسياً.

ماذا يمثل كيشيدا؟
أفتاب سيث، سفير الهند السابق لدى اليابان، يرى أن «اختيار فوميو كيشيدا رئيساً جديداً لوزراء اليابان، من منظور خطاب حملته الانتخابية، يمكن للوهلة الأولى أن يمثل نقطة تحول في السياسة اليابانية بعد الحرب. إلا أنه سيحتاج إلى كسب ثقة الجمهور ليثبت أنه ليس مجرد شخص من داخل مطابخ الحزب. وإذا ما بدأت التحديات في الظهور... يمكن أن نرى تراجعاً سريعاً في معدلات تأييده، لأنه بدأ من نقطة دعم متواضعة نسبياً».
كيشيدا أعلن تشكيلة حكومته الجديدة في 4 أكتوبر (تشرين الأول)، بصفته الزعيم الجديد للحزب الديمقراطي الحر. وألزم نفسه بسياسة «أكثر حرصاً وتسامحاً»، في مؤشر إلى جاهزيته للابتعاد عن أسلوب قيادة رئيس الوزراء الأسبق اللامع شينزو آبي شينزو (2012 - 2020)، الذي يُنتقد أحياناً لقلة تسامحه مع المعارضة ولسطوته المفرطة.
والحقيقة، أنه لن يكون لدى كيشيدا الكثير من الوقت للاستمتاع بانتصاره وزعامته للبلاد، وذلك لأنه سيواجه قريباً اختباراً كبيراً هو الانتخابات العامة. ذلك أنه مع انتهاء الفترة الحالية لأعضاء مجلس النواب (الداييت) في 21 أكتوبر الحالي، سيتعين التصويت في هذه الانتخابات على مستوى البلاد بحلول 28 نوفمبر. وبالتالي، ستقرر النتيجة ما إذا كان وزير الخارجية السابق سيحكم بتفويض قوي، أم سيخاطر بفترة قصيرة مثل سلفه سوغا.
المهمة العاجلة بالنسبة لكيشيدا كانت إطلاق حكومته بمعدلات تأييد قوية وإبقائها عالية. وحسب رئيس الوزراء الجديد، في أول خطاب له بعد لحظات من تعيينه زعيماً للحزب، «نحن نحتاج إلى أن نظهر للناس أن الحزب الديمقراطي الحر قد ولد من جديد».

من هو كيشيدا؟
وُلد فوميو كيشيدا، الذي يعرف بالاعتدال والميل إلى التوافق، في العاصمة اليابانية طوكيو قبل 63 سنة لعائلة سياسية من مدينة هيروشيما (جنوب اليابان). إذ كان والده وجده نائبين في البرلمان. ولقد أمضى جزءاً من طفولته في الولايات المتحدة عندما عين والده في الولايات المتحدة عضواً في بعثة وزارة التجارة، وهناك التحق الابن بمدرسة ابتدائية في مدينة نيويورك.
بعد التخرج من جامعة واسيدا المرموقة في طوكيو، أمضى كيشيدا فترة قصيرة في العمل المصرفي. وعام 1988 تزوج، ومن ثم أنجب ثلاثة أبناء. ولاحقاً انتخب عضواً في مجلس النواب خلال عام 1993 عن الحزب الديمقراطي الحر، ممثلاً لإحدى دوائر هيروشيما.
تولى فوميو كيشيدا مناصب مختلفة في حكومتي رئيسي الوزراء شينزو آبي وياسو فوكودا من 2007 – 2008، وعين وزيراً للخارجية بين 2012 - 2017 بعدما استعاد آبي رئاسة الوزراء في أعقاب الانتخابات العامة 2012، ليغدو بذلك أطول وزير للشؤون الخارجية خدمة في التاريخ الياباني.
أيضاً شغل كيشيدا منصب مسؤول السياسة في الحزب الديمقراطي الحر قبل تولي وزارة الخارجية بين عامي 2012 و2017. وكان خلال هذه الفترة مسؤولاً عن التفاوض على الصفقات مع روسيا وكوريا الجنوبية. ولطالما أيد كيشيدا حظر الأسلحة النووية، واصفاً إياه بأنه «إنجاز حياته»، بل وساعد في إحضار الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، إلى مدينته هيروشيما في زيارة تاريخية عام 2016 بصفته أحد نوابها البرلمانيين.

العلاقة مع هيروشيما
نظراً لأن عائلة كيشيدا من هيروشيما، فإنها كانت تعود إلى هناك كل صيف. وللعلم، لقي العديد من أقارب رئيس الوزراء الجديد حتفهم في القصف الذري الأميركي عام 1945، ونشأ فوميو الفتي على سماع قصص من الناجين من القنبلة الذرية.
أما على الصعيد السياسي، ولكون كيشيدا من الجناح الأكثر تقدمية وليبرالية في الحزب الديمقراطي الحر، فإنه يرى قدوته ومثاله الأعلى في كبار الساسة اليابانيين هاياتو إيكيدا (رئيس الوزراء من 1960 إلى 1964) وكيئيتشي ميازاوا (رئيس الوزراء من 1991 إلى 1993)... وهما أيضاً من محافظة هيروشيما. وبالتالي، فالعلاقات السياسية والشخصية للرجال الثلاثة تبدو كلها مرتبطة بالمدينة ذات الماضي الفريد الذي ارتبط بالنكبة الذرية. وهو ما قد يفسر ميل أبرز ساسة هيروشيما إلى رفض النهج الأكثر تعصباً وتشدداً ومحافظة لكبار الشخصيات الأخرى في الحزب.
استقال فوميو كيشيدا من حكومة آبي عام 2017 من أجل ترؤس مجلس أبحاث السياسة التابع للحزب الديمقراطي الحر. ووفق عارفيه، فإنه مستمع جيد ويتمتع بمزايا التواضع واللياقة والحماس للعمل الجماعي (ما يفسر شغفه برياضة البيسبول). غير أن منتقديه يرونه لطيفاً أكثر مما ينبغي وقليل الحزم ويفتقر إلى «الكاريزما». ويرى هؤلاء أن تردد كيشيدا قد يتركه عرضة لتأثير زعماء أجنحة الحزب، لا سيما أفراد جماعة آبي القومية المتشددة. وقد يؤدي هذا الأمر إلى الدفع لتغيير دستور اليابان كي يسمح بسياسة دفاع أكثر عدوانية، ومن ثم تأخير المزيد من الإصلاحات للمساواة بين الجنسين، التي من شأنها أن تتعارض مع غالبية الرأي العام.

مكانته السياسية
من ناحية ثانية، يعرف كثيرون أن كيشيدا سياسي ليبرالي معتدل، ومن المتوقع أن يقود حزبه المحافظ إلى اليسار قليلاً. ولكن اعتداله وسع قاعدة مؤيديه - يساراً ويميناً - خلال تصويت قيادة الحزب على منصب الزعامة، وبالتالي رئاسة الحكومة. إذ تغلب كيشيدا على المرشح البارز تارو كونو، الذي تصدر التصويت في الجولة الأولى. وكونو هو ابن يوهاي كونو زعيم الحزب الأسبق - وأحد زعيمين فقط للحزب لم يتوليا رئاسة الحكومة، أما الثاني فهو ساداكازو تانيغاكي - . وما يذكر أن تارو كونو هو الوزير المحبوب والصريح المسؤول عن إطلاق لقاح فيروس «كوفيد – 19» في اليابان.
ولكن، في الجولة الثانية من التصويت، ألقى أنصار الوزيرة والمرشحة اليمينية ساناي تاكايتشي، بدعمٍ من آبي وراء الكواليس، بثقلهم وراء كيشيدا فضمنوا انتخابه. وهذا ما تشدد عليه شيلا سميث، خبيرة الشؤون اليابانية في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، لافتة إلى شعبية كونو التي قد لا تناسب آبي. وبالفعل، وفق البروفسور كويتشي ناكانو، من جامعة صوفيا في طوكيو، فإن آبي، الذي استقال العام الماضي، حريص على الاحتفاظ بنفوذه السياسي.

ماذا عن الانتخابات المقبلة؟
قد يعني انتقاد طريقة تعامل حكومة سوغا مع «كوفيد – 19» أن الحزب الديمقراطي الحر قد يفقد مقاعد في مجلس النواب في هذه الانتخابات. ونشير هنا إلى أنها، بطريقتها الخاصة، تتمتع اليابان بنظام سياسي مستقر نسبياً. ومن بين رؤساء الوزراء الثلاثين الذين خدموا في مناصبهم منذ تبنت اليابان دستورها بعد الحرب العالمية الثانية عام 1947، كان 23 (حوالي 80 في المائة) رئيساً من أعضاء هذا الحزب (المكون أصلاً من الحزبين الديمقراطي والحر). وفي المقابل، يضم النظام السياسي في اليابان، أحزاباً أصغر، مع تغيير عدد منافسي الحزب الكبير بإعادة تغيير انتماءاتهم السياسية باستمرار. ومن خلال مقارنة تقريبية، من بين 14 رئيساً للولايات المتحدة خدموا خلال الفترة نفسها، تنقسم الهوية الحزبية للرؤساء الأميركيين بين الحزبين الديمقراطي أو الجمهوري بنسبة 50 - 50 في المائة.
وكانت الفترتان الوحيدتان خلال السنوات الـ70 الماضية اللتان فقد فيهما الحزب الديمقراطي الحر السيطرة على رئاسة الحكومة، قد أعقبتا صدمات اقتصادية كبيرة. إذ جاءت الخسارة الأولى بعد انفجار فقاعة الأصول اليابانية عام 1991، مؤذنة بنهاية حقبة النمو الاقتصادي المرتفع في اليابان. وجاءت الثانية إثر الأزمة المالية العالمية عام 2008.
السياسات والتحديات
أما على صعيد التحديات التي تواجه اليابان، وبالتالي حكومة كيشيدا، فأبرزها: وجود أكبر عدد من السكان المعمرين في العالم، والتراجع السريع للمواليد، والدين العام الهائل، والكوارث الطبيعية المدمرة بشكل متزايد، التي يغذيها تغير المناخ. وكل هذه تحديات عميقة الجذور فشل الحزب الحاكم في معالجتها.
وفي هذا السياق ذاته، قال تسونيو واتانابي، الزميل البارز في «مؤسسة ساساكاوا للسلام» في طوكيو لصحيفة «جابان تايمز»، إن «سكان اليابان يشيخون ويتقلصون. لقد كافحت البلاد لعقود من انخفاض الأجور والأسعار والدين الحكومي الهائل. ومن المتوقع أن يلتزم كيشيدا في الغالب بسياسات شينزو آبي الاقتصادية. فديون اليابان المتراكمة آخذة في الازدياد، والفجوة بين الأغنياء والفقراء آخذة في الاتساع». وأردف: «لا أعتقد أنه حتى العبقري يمكنه معالجة ذلك. تهدف سياسة كيشيدا الاقتصادية، التي تعكس نهج (هاياتو) إيكيدا المميز المتمثل في مضاعفة الدخل في الستينيات، إلى تعزيز مصالح الطبقة الوسطى في اليابان، وتعويض التفاوت المتزايد في الثروة والدخل الذي أفسد البلاد على مدار السنوات الثلاثين الماضية».
وبطموح ظاهر، ألزم كيشيدا نفسه بتعزيز «شكل جديد من الرأسمالية» يشمل كلاً من النمو وإعادة التوزيع، مع التركيز على تعزيز المساواة وتحسين الرفاهية الاجتماعية، مع تنشيط الديمقراطية في الداخل والخارج من خلال تعزيز «الثقة والتراحم»، والتعاون الوثيق مع شركاء الأمان الرئيسيين، مثل الولايات المتحدة. وخلال حملته القيادية، تعهد كيشيدا بإنفاق عشرات التريليونات من الين لتحفيز الاقتصاد وإعطاء الأولوية لذوي الدخل المنخفض والمناطق الإقليمية المتعثرة وصناعة السياحة. ومن شأن هذا أن يأخذ اليابان إلى أبعد من سياسات آبي الاقتصادية الليبرالية الجديدة التي يطلق عليها «آبي نوميكس»، والتي أدت إلى تفاقم عدم المساواة في الدخل في المجتمع.

لماذا يواصل رؤساء الوزراء اليابانيون تقديم استقالاتهم؟
> النظريات حول كثرة استقالات شاغلي رئاسة الحكومة في اليابان لا حصر لها، ولكن معظمها يعتمد على الصور النمطية المتكررة والمبسطة حول مفهوم الشرف، وحفظ ماء الوجه، والاحترام.
الأستاذ الهندي راغو راجان، وهو من راصدي النظام السياسي الياباني، يقول إن «الثقافة السياسية اليابانية تتأثر إلى حد كبير بالمساءلة الشعبية الوجودية، حيث يشعر كبار السياسيين غالباً بأنهم مضطرون إلى الاستقالة إذا انقلب الرأي العام ضدهم. وتقوم وسائل الإعلام المحلية في اليابان بإجراء استطلاعات الرأي بانتظام بين القراء، مما قد يساهم في زيادة الوعي بمدى شعبية حزب سياسي أو شخصية».
ويعزو البعض ذلك إلى حقيقة أن الاستقرار المطلق يكمن في الإمبراطور، بينما إقالة أو استقالة رئيس الوزراء ليست أكثر صدمة من تغيير مدرب فريق البيسبول. في حين يشير آخرون إلى نظام التعليم بعد الحرب، إذ يتقاضى رؤساء الوزراء رواتب منخفضة نسبياً، ولديهم سلطة قليلة حتى داخل مجلس الوزراء، ثم إن مددهم محدودة. ومهما كان الأمر، يمكن لليابان أن تتعامل مع شخص يمكنه البقاء لعام واحد، بمعنى أنها ترحب بجميع المتقدمين.
وبغض النظر عن الدافع الشخصي وراء قرارات هؤلاء الرجال (كبار السياسيين اليابانيين هم دائماً من الرجال)، فقد كان تأثير ذلك هو تأسيس نوع جذري مباشر من الديمقراطية. وكلما تكرر هذا السلوك وبات متوقعاً، افترض الناخبون والسياسيون، على حد سواء، أن هذه هي الطريقة التي يعمل بها النظام الياباني.

لا تغيرات مرتقبة في السياسة الخارجية
> بصفته عضواً في مجموعة الضغط القومية «نيبون كايجي»، قال فوميو كيشيدا إنه «سيفكر» في زيارة ضريح ياسوكوني المثير للجدل والمخصص لقتلى اليابان في الحرب، رغم أن هذا قد يثير غضب الصين وكوريا الجنوبية المجاورتين. ولكن كوزير خارجية سابق، قد يكون من الأسهل على كيشيدا إدارة حقيبته الدولية. ويتوقع معظم المحللين أنه سيحافظ على علاقة قوية مع الولايات المتحدة، وسيواصل البناء على تحالفات مع أستراليا والهند لتأسيس «حصن» بمواجهة الصين.
ووفق براهما تشيلاني، عالم الجغرافيا الاستراتيجية الهندي، «في الشؤون الخارجية، من غير المرجح أن يتغير شيء يذكر. ومن المرجح أن يواصل كيشيدا الترويج الياباني للغواصات الرباعية - المجموعة الأمنية المكونة من اليابان والولايات المتحدة وأستراليا والهند - وقد يتبنى اقتراح كونو لتطوير غواصات تعمل بالطاقة النووية، وهو ما يواجه ضغوطاً عسكرية متزايدة من الصين وكوريا الشمالية». ويضيف: «قد تسعى اليابان أيضاً إلى الانضمام إلى تحالف (العيون الخمس) لتبادل المعلومات، وهو اقتراح آخر من اقتراحات كونو. وسيواصل كيشيدا تعزيز قوات الدفاع الذاتي اليابانية - بما في ذلك تطوير صواريخ بعيدة المدى - لردع الغارات الصينية في بحر الصين الشرقي. كما أنه يدعم طلب تايوان للانضمام إلى (الاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ) - وهي اتفاقية تجارية رئيسية تسعى الصين أيضاً للانضمام إليها. ومع ذلك، يعتبر كيشيدا الحفاظ على علاقات مستقرة مع بكين أولوية، حيث تظل الصين أكبر شريك تجاري لليابان».
وحقاً، للتأكيد على مؤهلاته الإصلاحية، جلب كيشيدا سياسيين جدداً أصغر سناً إلى الحكومة. لم يكن لدى 13 من أعضاء الهيئة المكونة من 20 شخصاً خبرة سابقة كوزراء في مجلس الوزراء، والعديد منهم خدم ثلاث فترات فقط كممثلين للحزب الديمقراطي الحر في البرلمان. وهذا خروج ملحوظ عن الاتفاقية التي تم فيها انتخاب المعينين عادة ما لا يقل عن خمس مرات. كمرشح لمنصب رئيس الحزب الليبرالي الديمقراطي، قام كيشيدا بتكريس أوراق اعتماده التقدمية، داعياً إلى فرض قيود صارمة على فترة ولاية مسؤولي الحزب، ولمح إلى استعداده لمعالجة قضية الفساد المالي التي قوضت ثقة الجمهور في إدارتي سوغا وآبي.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.