إلسا تريوليه وأراغون... الحب وحده هو ما يبقى من الفراديس بعد فقدانها

الزوجان اللذان جعلا من اللغة أكمل مرايا الحب

أراغون وإلسا تريوليه
أراغون وإلسا تريوليه
TT

إلسا تريوليه وأراغون... الحب وحده هو ما يبقى من الفراديس بعد فقدانها

أراغون وإلسا تريوليه
أراغون وإلسا تريوليه

«عندما سنرقد، جنباً إلى جنب، رقدتنا الأخيرة، سيوحدنا اجتماع كتبنا في السراء والضراء في هذا المستقبل الذي كان حلمنا وشغلنا الشاغل، أنت وأنا، وبعون الموت. ربما حاول بعضهم، ونجحوا في محاولتهم للتفريق بيننا، أكثر مما فرقتنا الحرب في أثناء حياتنا. ولأن الموتى بلا دفاع، ستأتي كتبنا المتشابكة، أسود على أبيض، يداً بيد، لتقاوم من ينتزع أحدنا من الآخر».
بهذا المقطع الوجداني تستهل إلسا تريوليه، زوجة لويس أراغون، النص المؤثر الذي قدمت من خلاله الأعمال السردية الكاملة للزوجين العاشقين، بعد أن عقدا العزم على إصدار هذه الأعمال في طبعة مشتركة لكي تكون الكتابة جزءاً لا يتجزأ من سرهما المشترك، والتتويج الأسمى لعلاقة الحب التي جمعتهما معاً لعقود عدة. والواقع أن العلاقة التي جمعت بين الشاعر الفرنسي الشهير والكاتبة الروسية لا تندرج في سياق العلاقات العادية المألوفة بين الكتاب، خاصة في شقها الزوجي الذي يتحول في الأعم الأغلب إلى مسرح يومي للرتابة والتآكل والتكرار الممل، بل بدت في كثير من جوانبها بمثابة واحدة من الأساطير القليلة للوله والعشق والافتتان بالآخر. ولهذا السبب على الأرجح بدت تلك العلاقة النادرة عصية على الفهم، سواء من قبل معاصري الشاعر السوريالي على نحو عام، أو من قبل أترابه من الشعراء والفنانين الذين كانوا يقفون بمعظمهم، وبحكم نرجسيتهم الفاقعة، على الضفة «الفاسدة» من العلاقات.
قد يكون الحوار المطول الذي أجراه الناقد الفرنسي فرنسيس كريميو مع صاحب «مسافرو الإمبريال»، والذي صدر لاحقاً في كتاب مستقل بعنوان «محاورات مع أراغون»، هو أحد المصادر المهمة التي يكشف فيها هذا الأخير عن علاقته بإلسا التي لم يكسبها تقادم السنين سوى مزيد من الرسوخ والتوهج العاطفي. واللافت أن أراغون لم يكتفِ في هذا الحوار بإعلان انتمائه العميق للمرأة التي رأى فيها جوهر كينونته ومعنى وجوده، بل حرص دفعاً لأي لبس على تأكيد أن المرأة التي كرس لها قلبه وشعره وحياته هي امرأة اللحم والدم، أي إلسا تريوليه بالذات، التي لا تعني سوى نفسها، ولا تحتاج بالتالي إلى أن تكون قناعاً لفرنسا، أو رمزاً لمقاومتها الصلبة في وجه الاحتلال الألماني. صحيح أن الجمهور الواسع ليس باستطاعته تقبل مثل هذه الصورة المثالية التي يرسمها الزوج لزوجته، والتي تتحول في أوج الحرب إلى «نوع من الفضيحة»، كما يقول أراغون في رده على أحد الأسئلة، ولكنه ما يلبث أن يوضح أن مجاهرته العلنية بحبه لإلسا كان من بين أهدافها الرد على تدليس صورة المرأة في زمن الهيمنة الفاشية، والحث بالمقابل على تصحيح الخلل القائم في العلاقة بين الطرفين. على أن أراغون لا ينسب إلى نفسه مأثرة الوقوف بصلابة في وجه الاحتلال النازي لبلاده، ولا المأثرة الأخرى المتعلقة بتحويل الحياة الزوجية إلى مساحة من الحب والاحترام المتبادل والتقاسم المتساوي لأعباء الحياة. فهي من جهة أولى أصرت على رفض التخلي عنه، إثر صدور قرار من المقاومة الفرنسية -لدواعٍ أمنيةٍ- يقضي بضرورة انفصال أحدهما عن الآخر حتى نهاية الحرب، فيما تكفلت من جهة ثانية بنزع «نظارته الذكورية»، مخلصة إياه من «تعصب الرجل الذي يريد من المرأة أن تكون مجرد زوجته وظله».
وإذا كانت إلسا تريوليه قد ظهرت بشكل أو بآخر في معظم أعمال أراغون الروائية والشعرية، فإن «مجنون إلسا» لا يشكل ذروة هذه الأعمال فحسب، بل هو يعد في رأي كثير من النقاد أحد أكثر الأعمال الإبداعية فرادةً وثراءً في القرن العشرين، ليس فقط بسبب عبقرية الفكرة المؤسسة للعمل التي اتخذت من سقوط غرناطة الذريعة الملائمة لرفع راية الحب في الأرض، في بديل نموذجي عن التعصب الديني والعرقي والقومي، بل بسبب قدرة الكاتب الهائلة على دمج التاريخ بالأدب، والفلسفة بعلم الاجتماع، والسرد النثري بألق الشعر وفتنته وكشوفه. أما الشرارة الأولى التي أطلقت العمل، فقد كانت -وفق ما يخبرنا به أراغون- إحدى الأغاني الرومانسية التي تركت في نفسه أبلغ الأثر، والتي جاء في مقدمتها: «عشية سقطت غرناطة/ قال فارسٌ لجميلته...»، الأمر الذي حول الشرارة تلك إلى حرائق غير قابلة للتوقف في أعماق الشاعر الذي كان قد سمع للتو نبأ سقوط باريس في قبضة الاجتياح النازي.
لقد بدت تلك الكلمات المترعة بالشجن والدلالات الرمزية الموجعة بمثابة وداعٍ ما للعالم، يقول أراغون في مقدمة عمله الملحمي، ثم يضيف لاحقاً: «لقد قبضت على نفسي في سرقة موصوفة لبيتٍ من أغنية: عشية سقطت غرناطة. كما كان في الأغنية عندي سر آخر، حيث أقحمتني الكلمات درباً لم يكن في بالي، وتوحدت مع ملك تلك المدينة السحرية، هذا الأبو عبد الله الذي أدري جيداً كيف تسرب إلى أحلامي». وإذ يربط أراغون بين سقوط طروادة وسقوط غرناطة، يبذل خلال الكتاب كل ما في وسعه من جهد ليدحض عن أبي عبد الله الصغير فكرة الجبن والتخاذل التي ألحقت به، والتي تضافر على صناعتها الظافرون من الفرنجة الذين راحوا يكتبون التاريخ بمنطق الغلبة، والمغلوبون من المسلمين الذين كانوا في أمس الحاجة إلى كبش فداء نموذجي يبررون من خلاله وهنهم المطرد وانقساماتهم المزمنة خلال القرون الأخيرة من الحكم العربي للأندلس، وهي الصورة المزورة التي تم تلفيقها في ليل -وفق أراغون- ومن ثم نسبتها إلى عائشة الثغري (أم أبي عبد الله) التي قيل إنها خاطبت ابنها المهزوم ببيت من الشعر هو أقرب إلى رصاصة الرحمة منه إلى أي شيء آخر:
ابكِ مثل النساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجالِ
وفي كنف ذلك الفردوس المتهاوي الذي اسمه الأندلس، ابتكر أراغون شخصية المجنون النجدي الذي كان يذرع في أواخر القرن الخامس عشر شوارع غرناطة المحفوفة بالخوف والقلق على المصير، والذي مكنته مرآته العابرة للزمن من التنبؤ بظهور إلسا المنتظرة في لحظة ما من القرن العشرين. وإذ يربط أراغون بين اسم إلسا أو «إلزا» والعزّى التي كانت تُعبد في الجاهلية، كما يربطها باسم عزة حبيبة كثيّر العذري، ينسب إلى مجنون غرناطة قوله إن المرأة ليست مستقبل الرجل فحسب، بل هي مستقبل الإنسانية جمعاء والكوكب الأرضي برمته. كما يخترع الشاعر من عندياته شخصية زيد الفتي الذي يرى في المجنون معلمه ومرشده الروحي، والذي يساعده بعد سقوط غرناطة على التواري بعيداً عن عيون العسس ومحاكم التفتيش، إضافة إلى تدوين ما أمكن من هذيانات النجدي الذي يهتف بإلساه:
أحدثك تفرين / أتبعك تطيرين
عيناك بعيدتان عن حيث إنا
قلبك أغوته كلمات أخرى
تقولين أشياء مظلمة
على عتمة الأزمنة المضيئة
كما قبل أن يتفتح الورد
تكون شجيرة الورد براعم
وحيث تحطين يزهر كل شيء
يا إلسا التحولات
لقد بدا الشرق بالنسبة لأراغون بمثابة المنجم المتنوع غير المحدود الذي يرفد حبه لإلسا بكل ما يلزمه من براهين وذرائع ووسائل إقناع. فعلى المستوى اللغوي يستوقفه، من خلال قناعه النجدي، تضمّن اللغة العربية لفعلين واضحين يدلان على الماضي والحاضر، فيما يغيب الفعل الدال على المستقبل، ليصبح هذا الأخير حالة من أحوال المضارع، تُستخلص من سياق الجملة، أو من خلال الاستعانة بحروف الاستقبال التي تصل الواقعي بالغيبي، وتجعل من إلسا وجوداً مؤجلاً، ولكنه قابل للتحقق. وعلى المستوى التاريخي يستعيد أراغون أكثر تجليات الصحراء العربية صلة بإعلاء المرأة والتتيم بها، وصولاً إلى الهذيان والجنون الكامل. وعلى مستوى الكشف التأملي والروحي، يجد أراغون في التصوف الإسلامي المشرقي ما يساعده على تجاوز الوجود المادي الظاهر للمرأة التي يحب، لتتحول بالنسبة له إلى جزء لا يتجزأ من روح الكون وحركته المتناغمة. وإذ تتوحد هذه المستويات الثلاثة في لحظة تراجيدية مفصلية من التاريخ، يواصل أراغون نداءاته اللهفى على لسان المجنون:
غرناطة تموت
وقلبي متغلغلٌ فيها
يا نخلاً شاحباً ويا تدمر الجديدة
تتراءين في المستنقع العربي
بفعل السحر الرقيق
عند آخر شموس الأمراء
أطلبكِ من المستقبل /
فعودي إلينا منه يا حبيبتي
في آخر ساعات الإسلام
لعلي على ركبتيك
يا إلسا أسْلم الروح
إلا أن كل ما تقدم لا يحجب بأي حال مشروعية الأسئلة التي يثيرها بعضهم، حول ما إذا كانت العلاقة العاطفية الفعلية بين أراغون وإلسا تريوليه مطابقة لصورتها في مرآة الأدب، أم أن ما يصح على المتخيل الإبداعي لا يصح بالضرورة على الواقع؟ ومع أننا لا نعثر في سيرة الطرفين على ما يعكس تناقضاً صارخاً بين صورتي الحياة واللغة، فإن منطق الأمور يؤكد أنه يستحيل على الواقع المتحقق أن يطابق المحلوم بتحقيقه، وإلا لفقدت الفنون بوجه عام مسوغها وجدواها. وليس بالأمر المستغرب في هذه الحالة أن تكون العلاقة بين الزوجين قد واجهت كثيراً من المزالق والمطبات، شأنها في ذلك شأن سائر العلاقات اليومية الرتيبة بين الأزواج، إلا أن ما أسهم في تذليل تلك المطبات لم يكن الحب وحده على الأرجح، بل التحلق المشترك حول الكتابة، بصفتها طريقة لقهر الزمن، وإبعاد شبح الضجر، فضلاً عن تصميم الطرفين على أن يواجها معاً الأخطار التي تتهددهما بشكل شخصي، بقدر ما تتهدد البشر بشكل عام، خاصة في أزمنة الحروب الضارية وانعدام الأمان وتقلص مساحة الحرية.
قد يكون من حق القارئ، أخيراً، أن يتساءل عن السبب الذي منع إلسا تريوليه، وهي كاتبة روائية، من جعل أراغون موضع اهتمامها، أو واحداً من أبطال أعمالها السردية، وعما إذا كان الأمر يعكس تفاوتاً في منسوب الحب بين الطرفين. والواقع أن مثل هذه الإشكالية لم تغب عن بال الناقد الفرنسي فرنسيس كريميو الذي طرح على إلسا السؤال نفسه، دون أن تتحرج في ردها عليه من القول: «ليس لدي أي سبب، ولا أعرف أي طريق أسلك لأُدخل لويس فجأة في رواياتي». ولكي تخفف من وطأة الإجابة، أو درءاً لسوء الفهم، تميز تريوليه بين الرواية والشعر الذي يملك أكثر من سواه القدرة على البوح الغنائي والعاطفي، على أن السبب الأعمق الذي يقف وراء ذلك، والذي لم تكشفه الزوجة الكاتبة، يكمن في استمراء المرأة المعشوقة لفكرة تحويلها من قبل الرجل العاشق إلى أيقونة أو معبودة أرضية، وهو ما يُسند إلى العاشق المتعبد مهمة الكلام إفصاحاً عن الوله والتتيم، فيما التزام المعشوق بالصمت هو الشرط الإلزامي لوضعه في خانة الأسطورة. ولا يجافون الحقيقة بشيء أولئك الذين يرون أن إلسا لا تدين بخلود اسمها إلى كتاباتها الروائية «المتواضعة»، بل إلى كونها حبيبة أراغون وملهمته، والمحور الأساس الذي تدور حياته من حوله، والتي يصفها في إحدى قصائده بالقول:
«إنها المرأة الخالدة التي أنجبتُها للعالم / ومنها أولد».



«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب
TT

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

على غرار «موت المؤلف» للناقد الفرنسي رولان بارت، أطلق الشاعر عمر شهريار على كتابه الصادر أخيراً اسم «موت المثقف»، وهو رسالة علمية يناقش فيها حضور المثقف ودوره عبر تمثيلات الإنتلجنسيا في السرد الروائي، متخذاً من إبداع الروائي المصري الراحل علاء الديب نموذجاً للرصد والتحليل والتطبيق، وفي ظلال رؤية نقدية كاشفة لطبيعة المثقف ووقوعه في حبال التناقض، ما بين أقصى المع والضد. لكن لماذا موت المثقف، وهو أمر يفضي إلى العدم، وليس انتحاره، باعتباره موقفاً رافضاً للحياة وعبثيتها؟ هل أحكمت دوائر الاغتراب والاستلاب على روحه وجسده فأصبح غريباً عن ذاته وواقعه وأحلامه في عالم تتعدد فيه المفاهيم والرؤى، وتتشابه النصوص وطرائق النسج، ويحتار الإنسان ثقافياً ومعرفياً في البحث عن بوصله توصله للحقيقة؟!

صدر الكتاب عن «بيت الحكمة» بالقاهرة، ويقع في 258 صفحة من القطع التوسط، ويستهله شهريار بمقدمة، يؤكد فيها أن المثقف شخصية إشكالية بطبيعتها، لافتاً إلى أن المثقف العربي بشكل عام، والمصري بشكل خاص، قد مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين، زادت من همومه وإحساسه بالاغتراب وعدم التآلف مع كل المحيطين به، كما تعمق إحساسه بعدم قدرته على الاندماج مع المجتمع. ثم يناقش دور ومفهوم المثقف، في اللغة والثقافة، وفي أفكار وآراء كثير من الباحثين والمفكرين العرب والأجانب، مثل إدوارد سعيد، وبرهان غليون، ومحمد عابد الجابري، وعلى شريعتي، وغرامشي، ويرى أنهم جميعاً ينطلقون «تقريباً من الربط بين المثقف ودوره، وليس بما يمتلكه من معرفة، ومن ثم فإن المثقف يأخذ جدارته ووجوده من دوره النقدي المناوئ لكل ما هو تقليدي ومستقر». السؤال الذي يطرح نفسه هنا من باب التعليق على هذه الآراء: أَليس امتلاك المعرفة من أهم الأدوار والأسلحة التي تعزز دور المثقف، في مواجهة العسف والقمع والنفي؟! ثم إن المثقف لا يرتقي بأفكار الطبقة التي صعد إليها بحسب غرامشي، أياً كانت هويتها، وإنما يرتقي ويصعد بأفكاره هو، بما يحلم به، وما يريده لواقعه والعالم من حوله أن يكون. الثقافة ليست مرمية على قارعة الطريق، إنما هي علم ومعرفة وبناء، تصعد وترتقي بتراكم الخبرات والتجارب وتعدد زوايا النظر والرؤية.

ومن باب رصد أفعال الشخصية ومدى تفاعلاتها بأفكارها وعواطفها وواقعها سياسياً واجتماعياً، يدلف شهريار إلى صورة المثقف في إبداع علاء الديب، ويرى أن المثقف في أعماله الروائية ينتمي للطبقة المتوسطة بكل شرائحها، التي عصفت بأحلامها تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عنيفة، شهدها الواقع المصري على مدار نحو نصف قرن، منذ حقبة الخمسينات، مروراً بهزيمة 67، مثل: منير عبد الحميد فكار في رواية «أطفال بلا دموع »، لافتاً إلى أن المثقف في ظل هذه الحقبة الممتدة حتى الثمانينات يظل حاضراً بوعيه وقدرته قادراً على رؤية المجتمع الذي يكتسحه الطوفان، لكنه غير قادر على الفعل، ما يضاعف من إحساسه بالعجز والهزيمة.

المثقف العربي بشكل عام والمصري بشكل خاص، مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين

يعاين المؤلف ردود فعل هذا العجز، من داخل طبيعة المثقف نفسه ليضعنا أمام أنماط متنوعة من النكوص تؤطر شخصيته، فهناك المثقف المنسحب، مثل: عبد الخالق المسيري بطل رواية «زهرة الليمون »، وهناك «المثقف الخائن» الذي يخون أفكاره وينفر من طبقته، ويتحين الفرصة للحاق بالطبقة الأعلى، وهناك «المثقف المستَلب» الذي يواجه إحساساً بالعجز والاغتراب عن الواقع ما يدفعه إلى الرضوخ والتعايش معه كأمر واقع، فوعيه يظل دائماً مستلباً بقوة اللامبالاة واللاشعور، مثل شخصية الدكتورة سناء فراج بطلة رواية «قمر على المستنقع» فهي تحكي الرواية كمونولوج طويل عن مشاعرها وانكسارها، وإحساسها الممض بالهزيمة. وهناك «المثقف المسخ» الذي يمثله ناصر منير فكار بطل وسارد رواية «عيون البنفسج»، فهو شخصية مشوهة شديدة التناقض، وبرغم كونه شاعراً ومثقفاً لا يستطيع أن يتجاوز تناقضاته، بدءاً من علاقته بزوجته المستَلبة وبالواقع والوطن، وهناك «المثقف المقاوم» الذي يحوّل ضعفه وانهزامه إلى قوة يواجه بها ما حوله من قبح وفوضى وعشوائية، ثم «المثقف المتمرد فردياً»، مثل فتحي بطل رواية «القاهرة»، فهو غير قادر على التواؤم مع ما يحيط به من أوضاع اجتماعية والتعايش معها، فظل في حالة اغتراب تام عن كل المحيطين به. ثم «المثقف المبعد» كما في شخصية أمين الألفي بطل رواية «أيام وردية» المؤمن بعدالة القضية الفلسطينية إلى حد القلق والأرق، وأخيراً «المثقف المهاجر» سواء من هاجر إلى الخليج المتباهي بأمواله والمنشغل بها دائماً، على عكس المهاجر إلى الغرب، الذي يجد نفسه أمام نموذج مجتمع حر، متقدم علمياً وإنسانياً.

ويرصد الكتاب في فصله الثالث علاقة المثقف والجماعة، عبر دوائر عدة، لافتاً إلى أنه لا يمكن فهم المثقف بمعزل عن هذه الدوائر، وفي مقدمتها طبقته، أو جماعة المثقفين التي ينتمي إليها، فهي تؤثر من بعيد أو قريب في موقفه ورؤيته لذاته وللعالم، ويرى أن هذا يتجلى ويتعمق في روايات علاء الديب، سواء في الحدث أو في بناء الشخصيات، وطرائق توظيف المكان والزمان، فالمثقف، في الغالب الأعم، يعاني حالة من عدم التآلف مع الجماعة، ومع الأمكنة والزمن، ثم إن ما يشهده العالم من تحولات يبدو أعنف وأكبر من قدرته على التكيف أو التعايش. ومن ثم يتكشف عبر هذه الروايات الانفصال والقطيعة بين أبطالها المثقفين وكل شخوص الرواية.

لكن هل للمثقف أمكنة تخصّه، وكيف يتم التعامل معها روائياً؟ في الفصل الرابع «أمكنة المثقف» يركز الكتاب على فاعلية المكان في السرد وتحريكه، وتهيئته للشخوص لتلعب أدوارها، بل تولد من رحمه أحياناً، لافتاً إلى أهمية المكان، ليس كخلفية للحدث، إنما كعنصر حكائي قائم بذاته، تربطه وشائج قوية بالزمن الروائي، وبقية العناصر الأخرى المكونة للفعل الروائي.

ويؤكد شهريار على ضرورة دراسة التشكيل الجمالي للمكان في روايات علاء الديب، لفهم شخصية المثقف التي تحتل مكانة مركزية، وكذلك معرفة مدى تناغم هذه الأمكنة مع التكوين النفسي لهذه الشخصية. فالمكان يعتبر تجسيداً مادياً للشخصية التي تسكنه. ويتطرق إلى الطبيعة المادية للأمكنة، وما تتميز به، وتتشابه من خلاله، فهناك المكان المقفل مثل البيت، والمفتوح كالشوارع والميادين، والمكان المؤقت كالمقاهي والبارات، والمكان الملاذ والأثر، والمكان المأمول والمستعاد وغيرها، مؤكداً أن الأماكن في أعمال علاء الديب واقعية، ولها وجود حقيقي عاينه المثقف، ورآه وعاش فيه يوماً ما، لكنها تتجاوز هذا الوجود الفيزيقي، إلى وجود ذهني، وظلت تسكنه أكثر مما يسكنها، فبخلاف بيت الطفولة ثمة أمكنة كثيرة في روايات الديب، يستعيدها أبطالها كذكرى بعيدة تركت آثاراً فيهم، كما تركوا آثارهم فيها، وعادة ما يكون هذا المكان مرتبطاً بالبحر وبالطبيعة، وأيضاً بحبّ قديم لم يزل يعيش عليه البطل. يقول على لسان البطل مستعيداً جماليات المكان والمشهد في رواية «زهرة الليمون»: «الماء أزرق والرمال بيضاء، أقدامه العارية، وأقدامها تتلاقيان في ماء دافئ، وجسدها القوي الحر المليء بالأسرار يبعث فيه نشوة وهدوءاً».


«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ
TT

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

يحيلنا الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في روايته الجديدة «عين الهراتي» إلى فضاء سردي مشتبك مع بؤر التاريخ المنسي، من خلال توظيف التاريخ مع حفريات الذاكرة الشعبيّة، ومن منظور وذاكرة تعدّدت فيهما مستويات السرد التي ارتكزت على تعدّد الرواة، ودفق الحكايات، والبؤر الثانويّة التي تنافذت وتضافرت مع الحكاية الإطارية، والمضمون المركزي الذي تصدّى لقصّة بناء سفينة القصب (دجلة) وتهيئتها إلى «الطيران»، ومن ثم تعرّضها للحرق على سواحل جيبوتي عام 1978، وما بين أيام البناء، وتحقيق كل المستلزمات من قبل عالم الأعراق والحضارات القديمة (تور هيرالد) وبمساعدة (الشيخ مسعد)، إلى اشتباكه مع العشائر والعمّال في منطقة القرنة.

تبدأ أحداث الرواية من سعي الشخصية المحورية (أحمد فؤاد فتاح) لنيل شهادة الدكتوراه حول هذه السفينة الفضائية العجائبيّة وكشف أسرارها وعلاقتها بأساليب الإبحار في الحضارات الرافدينية، وما دار حولها من حكايات ومرويّات وشخصيّات، وقد كلّفه أستاذه (أكرم مصطفى الشاوي) أستاذ الحضارات القديمة بقسم الأنثروبولوجيا المستحدث في الجامعة فضلاً، عن وصيّة الأب وتمنيّاته الشخصيّة في البحث عن الآثار والعلوم الإنسانية. وبذلك تبدأ مسيرة الرحلة المضنية والغامضة والعصيّة من قبل طالب الدكتوراه لسبر أغوار التاريخ والحوادث، والتقاط كلّ ما من شأنه أن يعمّق دراسته لنيل الشهادة. واقتضى منه الأمر القيام برحلة شائكة إلى مدينة البصرة للبحث عن شخصية الدكتور (عبد الغني مجيد) الذي يوجد في مقهى بمنطقة العشار: «هذا الرجل كان ظلاًّ لهيرالد وهو الكنز المدفون وعارفاً بأدق الأسرار، والكثير مما خُفي عن السفينة ورحلتها، والرجل كان محكوماً بالإعدام، والغريب في قصته أنّه خرج من السجن بعد سقوط النظام، وقبيل لحظة التنفيذ في أبريل (نيسان) 2003 ينجو من الموت بأعجوبة. ويحاول الدارس إقامة علاقة معه لفكّ أسرار هذه الرحلة» (الرواية: 28).

وقبل الخوض في البؤر والأبعاد والتقنيات والظواهر الفنيّة، يتوجّب التوقف عند دلالة العنوان «عين الهراتي»، وما ينطوي عليه من إشارات ودلالات، فهو عنوان متعدّد الدلالات ومفتوح على التأويل والإحالة، وقد وردت معانٍ مختلفة له في الرواية.

و«الهراتي» هو نوع من الديكة القوية، وثاقبة البصر يتم استخدامها في حلبات الصراع أو النزالات بين الديكة، بمراهنات اشتهرت بها أجواء المقاهي والأماكن الخاصة بهذا النوع الذي يعتمد على المقامرة والرهان، وما يحدث فيها من تنافس على الفوز وربح المال. و(زعبول الهراتي) هو الديك الذي كان يراهن به (سمير القاص) أو (صاحب الهراتي)، وهو مفتاح خزانة الأسرار لأنّه الأقرب إلى شخصيّة (عبد الغني)، ولا يمكن الوصول إليه إلّا من خلاله، فيما الديك الهراتي يمكن أن يرمز إلى فكرة المغامرة أو المقامرة التي قام بها عالم الأعراق النرويجي (تور هيرالد) في أجواء مشحونة وعوالم غائرة بشعبيتها وخرافاتها وأساطيرها، إذ تتفشّى التقاليد العشائرية الحاكمة والخرافة التي تحكم السلوكات والسحر والصراعات الاجتماعية.

وعلى وفق هذه الملامح فإنّ الرواية تمثّل نمطاً من السرد القائم على البحث والتحرّي، وسبر أغوار الألغاز والطلاسم والأسرار، وهي ثيمة شاعت في مثل هذا النوع من الروايات، وأصبحت ثيمة كونيّة كما حصل في رواية «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو، والبحث عن أسرار الكهنة والدير والتحقيق في الجرائم التي ارتكبت فيه، ونجدها في رواية «الخيميائي» لكويلو، وعربياً نجدها في «الطريق» لنجيب محفوظ، و«المخاض» لغائب طعمة فرمان، إذ يبحث البطل في هذه الرواية عن أهله وتاريخه بعد ردح من الغربة.

ورواية البحث والتحرّي وكشف الأسرار تحقّق نوعاً من التشويق والإثارة، وتتّخذ من المهمّة طابعاً بوليسياً، وبؤرة للكشف عن المخفي، والمسكوت عنه والمدهش، ممّا ينتج طاقة لجذب استقطاب المتلقّي، وإسهامه ذهنياً في التشبّع، ومتعة الكشف عمّا خُفي من التاريخ. وهذه المعطيات تحمل كثيراً من المحمولات الجمالية والفكريّة والإحالات والإشارات المتعدّدة، أي توظيف الشكل البوليسي وشكل السرد القائم على التحرّي، وجعله فضاءً ومساحة يمرّر بها الكاتب كثيراً ممّا يرمي إليه من أفكار ورؤى، وكشف وإحالات، وبما يعزّز المعنى الكلي للعمل الروائي المؤطّر بهذا الشكل من البناء الفني القادر على التعبير عن التناقضات والثنائيات المتضادة. وذلك ما نجده قد تجلّى في رواية «عين الهراتي» من مفارقة الصدام بين «الخرافة والعلم» في مجتمع القرنة العشائري والشعبي، بين عالم الأعراق «تور هيرالد» وبين الصراع الاجتماعي القائم بين الشخصيّات داخل هذا المجتمع، وانتشار الحسد والسحر والانتقام الغريزي، وبين مهمة السفينة التي تسعى للبرهنة على التواصل بين الحضارات عبر التاريخ، والغوص في تاريخ الحضارات القديمة، وربطها بمنجزات العصر، واختيار علومها ومنجزاتها. ونلحظ من الخصائص الفنية في الرواية، ارتكازها على السرد الذاتي بصيغة ضمير المتكلّم، على لسان الشخصيّة (أحمد فؤاد فتاح) ووصف كلّ تفاصيل رحلة الاستكشاف في مجاهيل وحوادث قديمة وملتبسة.

وبحسب تصنيف «جيرالد جينيت» فإنّ بطل الرواية ينتمي إلى النمط المتماثل حكائياً أي السارد المشارك «الضمني» في أحداث ووقائع الرواية، غير أن لعبة السرد تنقلب فجأة حيث يتحوّل (أحمد فؤاد) إلى مرويّ له، من قبل سارد أو راوٍ جديد هو (سمير القاص) الذي يروي ويسرد الأحداث ويتعمق في سيرة (عبد الغني) وإيداعه في السجن والاعتقال بسبب رسالة وصلته من زوجة (تور هيرالد) تبلّغه بموت الأخير، ممّا جعل السلطات تتهمّه بالتجسس، ويحكم عليه بالإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد) الشخصيّة الدينية، وبإشراف الضابط المكلف بالإعدام (عبد المجيد مري).

يجسد (سمير القاص) نمطاً من الحكّاء الماهر المخاتل، وهو رمز للحقيقة المخاتلة وهشاشة المرويات، ويمكن الاستدلال على توصيف السرد داخل الرواية بأنه سرد يرتكز على استلهام تقنيّة النسق الكرنفالي، وذلك لميل الرواية إلى استثمار المفارقة الحادّة والدالة، بدءاً من التناقض بين المجتمع في القرنة، وبين شخصيّة القادم من النرويج، وتصادم البيئتين، والرواية تتعمّق في توليد سلسلة من المفارقات التي تتضمّن البعد الساخر عبر المفارقة، وقد تصل بحمولتها أحياناً إلى الكوميديا أو التهكم المرّ، لا سيما قصّة الحب والعشق بين الفتاة الريفية (غالية) وعشقها للعالم أو صانع السفينة (هيرالد) النرويجي، ومن ثم المرويات المتناقضة حول انتحارها حرقاً، أو أنّها وقعت ضحية «القيل والقال»، والمفارقة أنّ (أحمد فؤاد) يهدي جهده العلمي إلى روح (غالية)، وهي رمز الحقيقة التي يغتالها التناقض، أو يعبث بها الرواة الحّكاءون المهرة، فالإهداء يقول: «إلى روح (غالية) أنثى هذه الأطروحة، البنت التي ظلمها (القيل والقال)، أرفع لروحها الطاهرة أسمى آيات التقدير والتبجيل يوم ضاع دمها بين القبائل المتشاطئة ما بين نهري دجلة والفرات في مدينة القرنة، عند نقطة التقائهما، إذ حدث ما لا يصدّقه العقل، حتّى غدت البنت كبش فداء هذا العالم، لولاها لما توَصّلتُ إلى اكتشافات مهمّة حول سفينة بُنيت من قصب، وأبحرت على نحو من (عفو الخاطر) حتى أصبح للسفينة المعنى الجديد من أصل هذه الدراسة» (الرواية:7).

وتتولد أنساق المفارقة الكرنفالية أيضاً بإطلاق سراح (عبد الغني) من حبل المشنقة والإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد)، وتلك هي مفارقة كرنفالية سوداء أخرى، عكست ذروة من الحدث الدرامي بين قرار الإعدام الذي أُلغي بسبب سقوط النظام، والهروب الفوضوي، وهو ما يرويه الضابط (عبد المجيد مرّي) حين اقتاد من تقرّر تنفيذ الإعدام بحقّهم إلى منطقة بعيدة على أطراف الفلّوجة لتنفيذ هذه المهمّة، ولعلّ المفارقة الكرنفالية والسخرية المرّة تكشف عنها «الرسائل» التي كانت السبب في اعتقالهم ومن ثمّ قرار الإعدام بحقّهم، وهذا يحيلنا إلى أنّ الرواية استثمرت ووظّفت جانباً من تقنية أو أسلوب (السرد الرسائلي)، وتجلَّت الرسائل التي أدت إلى الهاوية والإعدام على أنّها محركّات مركزيّة، وبؤرة دراميّة لصنع الحدث الفادح.


حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض
TT

حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض

عادت العاصمة البريطانية لندن لتكون بوصلة النشر العالمي مع انطلاق دورة عام 2026 من معرض لندن الدولي للكتاب (LBF) في مركز «أولمبيا» العريق. هذا العام، لم يعد المعرض مجرد منصة لبيع وشراء حقوق النشر، بل هو مختبر حي لمناقشة مستقبل الكتاب في عصر الذكاء الاصطناعي، ونافذة تطل منها الثقافات العالمية على بعضها البعض، وهو أيضاً ليس مجرد تجمع للناشرين، بل هو «غرفة عمليات» كبرى تقودها أضخم دور النشر في العالم.

وشهد المعرض هذا العام حضوراً لافتاً لمجموعات مثل (بلومزبري/ Bloomsbury) التي يقودها نايجل نيوتن، وبونيير بوكس، وغيرهما، بالإضافة إلى كبار النشر الأكاديمي والتعليمي مثل ويلي، ومطبعة جامعة برنستون. لا تكتفي هذه المؤسسات بعرض نماذج من إصداراتها فقط، بل تستخدم المعرض كمنصة لإعلان الاندماجات الكبرى، وتوقيع عقود عابرة للقارات، وتحديد «الترند» القادم في عالم القراءة، سواء كان ذلك في أدب الناشئين أو كتب تطوير الذات التي تعتمد على البيانات.

من الورق إلى الخوارزميات

يعمل المعرض كمحرك أساسي لتطوير صناعة الكتاب من خلال مسارات رئيسية هي:

> ثورة الذكاء الاصطناعي والتخصيص، إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للكتابة، بل تحول في دورة 2026 إلى محرك لاكتشاف الكتب. وكالة «بوك ديسكفري»، مثلاً، ناقشت في جلسات المعرض كيف يمكن للخوارزميات مساعدة القراء في العثور على كتبهم المفضلة بعيداً عن تحيزات وإغراءات «الأكثر مبيعاً»، مما يمنح الكتاب المستقلين فرصة أكبر للوصول لقرائهم.

> استدامة سلاسل التوريد: في ظل الأزمات اللوجيستية العالمية والتوترات الإقليمية، ركز المعرض على تقنيات «الطباعة عند الطلب» (POD) والطباعة المحلية لتقليل التلوث الكربوني واحتراق الوقود الناتج عن الشحن الدولي، وهو ما يغير جذرياً نموذج العمل التقليدي الذي يعتمد على المخازن الضخمة.

> سوق الحقوق المتقاطعة (Cross-Format Rights): تطورت صناعة الكتب لتصبح صناعة محتوى، وليست صناعة ورق؛ حيث تم في المعرض التفاوض على تحويل الكتاب إلى بودكاست، أو مسلسل لمنصات البث الرقمي، أو حتى تجربة تفاعلية في «الميتافيرس»، مما يطيل عمر العمل الأدبي ويزيد من عوائده الاقتصادية.

> معايير الوصول العالمية (Accessibility): مع دخول قوانين تداول المطبوعات الأوروبية حيز التنفيذ، تحول المعرض إلى ورشة عمل كبرى لضمان أن تكون الكتب الإلكترونية (EPUB3) والصوتية متاحة للجميع، بما في ذلك لذوي الاحتياجات الخاصة، مما يوسع قاعدة القراء عالمياً.

المشاركة العربية

شهد هذا العام حضوراً عربياً استثنائياً تميز بالانتقال من «العرض» إلى «التفاعل المباشر» مع سوق النشر العالمي، مما يشير أن الأدب العربي لم يعد معزولاً، بل أصبح شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل المعرفة. والنجاح الحقيقي للمشاركة العربية هذا العام يتجسد في تلك الجسور التي بُنيت بين الناشر العربي والوكيل الأدبي العالمي، مما يَعِد بوصول الصناعة الإبداعية العربية إلى أرفف المكتبات في كل مكان.

وشاركت المملكة العربية السعودية بقوة عبر هيئة الأدب والنشر والترجمة. وركز الجناح السعودي على بناء شراكات دولية لترجمة الأدب السعودي إلى لغات العالم.

كما شاركت جهات كبرى مثل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية ودارة الملك عبد العزيز، مما عكس تنوع المشهد الثقافي السعودي ضمن «رؤية 2030».