إلسا تريوليه وأراغون... الحب وحده هو ما يبقى من الفراديس بعد فقدانها

الزوجان اللذان جعلا من اللغة أكمل مرايا الحب

أراغون وإلسا تريوليه
أراغون وإلسا تريوليه
TT

إلسا تريوليه وأراغون... الحب وحده هو ما يبقى من الفراديس بعد فقدانها

أراغون وإلسا تريوليه
أراغون وإلسا تريوليه

«عندما سنرقد، جنباً إلى جنب، رقدتنا الأخيرة، سيوحدنا اجتماع كتبنا في السراء والضراء في هذا المستقبل الذي كان حلمنا وشغلنا الشاغل، أنت وأنا، وبعون الموت. ربما حاول بعضهم، ونجحوا في محاولتهم للتفريق بيننا، أكثر مما فرقتنا الحرب في أثناء حياتنا. ولأن الموتى بلا دفاع، ستأتي كتبنا المتشابكة، أسود على أبيض، يداً بيد، لتقاوم من ينتزع أحدنا من الآخر».
بهذا المقطع الوجداني تستهل إلسا تريوليه، زوجة لويس أراغون، النص المؤثر الذي قدمت من خلاله الأعمال السردية الكاملة للزوجين العاشقين، بعد أن عقدا العزم على إصدار هذه الأعمال في طبعة مشتركة لكي تكون الكتابة جزءاً لا يتجزأ من سرهما المشترك، والتتويج الأسمى لعلاقة الحب التي جمعتهما معاً لعقود عدة. والواقع أن العلاقة التي جمعت بين الشاعر الفرنسي الشهير والكاتبة الروسية لا تندرج في سياق العلاقات العادية المألوفة بين الكتاب، خاصة في شقها الزوجي الذي يتحول في الأعم الأغلب إلى مسرح يومي للرتابة والتآكل والتكرار الممل، بل بدت في كثير من جوانبها بمثابة واحدة من الأساطير القليلة للوله والعشق والافتتان بالآخر. ولهذا السبب على الأرجح بدت تلك العلاقة النادرة عصية على الفهم، سواء من قبل معاصري الشاعر السوريالي على نحو عام، أو من قبل أترابه من الشعراء والفنانين الذين كانوا يقفون بمعظمهم، وبحكم نرجسيتهم الفاقعة، على الضفة «الفاسدة» من العلاقات.
قد يكون الحوار المطول الذي أجراه الناقد الفرنسي فرنسيس كريميو مع صاحب «مسافرو الإمبريال»، والذي صدر لاحقاً في كتاب مستقل بعنوان «محاورات مع أراغون»، هو أحد المصادر المهمة التي يكشف فيها هذا الأخير عن علاقته بإلسا التي لم يكسبها تقادم السنين سوى مزيد من الرسوخ والتوهج العاطفي. واللافت أن أراغون لم يكتفِ في هذا الحوار بإعلان انتمائه العميق للمرأة التي رأى فيها جوهر كينونته ومعنى وجوده، بل حرص دفعاً لأي لبس على تأكيد أن المرأة التي كرس لها قلبه وشعره وحياته هي امرأة اللحم والدم، أي إلسا تريوليه بالذات، التي لا تعني سوى نفسها، ولا تحتاج بالتالي إلى أن تكون قناعاً لفرنسا، أو رمزاً لمقاومتها الصلبة في وجه الاحتلال الألماني. صحيح أن الجمهور الواسع ليس باستطاعته تقبل مثل هذه الصورة المثالية التي يرسمها الزوج لزوجته، والتي تتحول في أوج الحرب إلى «نوع من الفضيحة»، كما يقول أراغون في رده على أحد الأسئلة، ولكنه ما يلبث أن يوضح أن مجاهرته العلنية بحبه لإلسا كان من بين أهدافها الرد على تدليس صورة المرأة في زمن الهيمنة الفاشية، والحث بالمقابل على تصحيح الخلل القائم في العلاقة بين الطرفين. على أن أراغون لا ينسب إلى نفسه مأثرة الوقوف بصلابة في وجه الاحتلال النازي لبلاده، ولا المأثرة الأخرى المتعلقة بتحويل الحياة الزوجية إلى مساحة من الحب والاحترام المتبادل والتقاسم المتساوي لأعباء الحياة. فهي من جهة أولى أصرت على رفض التخلي عنه، إثر صدور قرار من المقاومة الفرنسية -لدواعٍ أمنيةٍ- يقضي بضرورة انفصال أحدهما عن الآخر حتى نهاية الحرب، فيما تكفلت من جهة ثانية بنزع «نظارته الذكورية»، مخلصة إياه من «تعصب الرجل الذي يريد من المرأة أن تكون مجرد زوجته وظله».
وإذا كانت إلسا تريوليه قد ظهرت بشكل أو بآخر في معظم أعمال أراغون الروائية والشعرية، فإن «مجنون إلسا» لا يشكل ذروة هذه الأعمال فحسب، بل هو يعد في رأي كثير من النقاد أحد أكثر الأعمال الإبداعية فرادةً وثراءً في القرن العشرين، ليس فقط بسبب عبقرية الفكرة المؤسسة للعمل التي اتخذت من سقوط غرناطة الذريعة الملائمة لرفع راية الحب في الأرض، في بديل نموذجي عن التعصب الديني والعرقي والقومي، بل بسبب قدرة الكاتب الهائلة على دمج التاريخ بالأدب، والفلسفة بعلم الاجتماع، والسرد النثري بألق الشعر وفتنته وكشوفه. أما الشرارة الأولى التي أطلقت العمل، فقد كانت -وفق ما يخبرنا به أراغون- إحدى الأغاني الرومانسية التي تركت في نفسه أبلغ الأثر، والتي جاء في مقدمتها: «عشية سقطت غرناطة/ قال فارسٌ لجميلته...»، الأمر الذي حول الشرارة تلك إلى حرائق غير قابلة للتوقف في أعماق الشاعر الذي كان قد سمع للتو نبأ سقوط باريس في قبضة الاجتياح النازي.
لقد بدت تلك الكلمات المترعة بالشجن والدلالات الرمزية الموجعة بمثابة وداعٍ ما للعالم، يقول أراغون في مقدمة عمله الملحمي، ثم يضيف لاحقاً: «لقد قبضت على نفسي في سرقة موصوفة لبيتٍ من أغنية: عشية سقطت غرناطة. كما كان في الأغنية عندي سر آخر، حيث أقحمتني الكلمات درباً لم يكن في بالي، وتوحدت مع ملك تلك المدينة السحرية، هذا الأبو عبد الله الذي أدري جيداً كيف تسرب إلى أحلامي». وإذ يربط أراغون بين سقوط طروادة وسقوط غرناطة، يبذل خلال الكتاب كل ما في وسعه من جهد ليدحض عن أبي عبد الله الصغير فكرة الجبن والتخاذل التي ألحقت به، والتي تضافر على صناعتها الظافرون من الفرنجة الذين راحوا يكتبون التاريخ بمنطق الغلبة، والمغلوبون من المسلمين الذين كانوا في أمس الحاجة إلى كبش فداء نموذجي يبررون من خلاله وهنهم المطرد وانقساماتهم المزمنة خلال القرون الأخيرة من الحكم العربي للأندلس، وهي الصورة المزورة التي تم تلفيقها في ليل -وفق أراغون- ومن ثم نسبتها إلى عائشة الثغري (أم أبي عبد الله) التي قيل إنها خاطبت ابنها المهزوم ببيت من الشعر هو أقرب إلى رصاصة الرحمة منه إلى أي شيء آخر:
ابكِ مثل النساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجالِ
وفي كنف ذلك الفردوس المتهاوي الذي اسمه الأندلس، ابتكر أراغون شخصية المجنون النجدي الذي كان يذرع في أواخر القرن الخامس عشر شوارع غرناطة المحفوفة بالخوف والقلق على المصير، والذي مكنته مرآته العابرة للزمن من التنبؤ بظهور إلسا المنتظرة في لحظة ما من القرن العشرين. وإذ يربط أراغون بين اسم إلسا أو «إلزا» والعزّى التي كانت تُعبد في الجاهلية، كما يربطها باسم عزة حبيبة كثيّر العذري، ينسب إلى مجنون غرناطة قوله إن المرأة ليست مستقبل الرجل فحسب، بل هي مستقبل الإنسانية جمعاء والكوكب الأرضي برمته. كما يخترع الشاعر من عندياته شخصية زيد الفتي الذي يرى في المجنون معلمه ومرشده الروحي، والذي يساعده بعد سقوط غرناطة على التواري بعيداً عن عيون العسس ومحاكم التفتيش، إضافة إلى تدوين ما أمكن من هذيانات النجدي الذي يهتف بإلساه:
أحدثك تفرين / أتبعك تطيرين
عيناك بعيدتان عن حيث إنا
قلبك أغوته كلمات أخرى
تقولين أشياء مظلمة
على عتمة الأزمنة المضيئة
كما قبل أن يتفتح الورد
تكون شجيرة الورد براعم
وحيث تحطين يزهر كل شيء
يا إلسا التحولات
لقد بدا الشرق بالنسبة لأراغون بمثابة المنجم المتنوع غير المحدود الذي يرفد حبه لإلسا بكل ما يلزمه من براهين وذرائع ووسائل إقناع. فعلى المستوى اللغوي يستوقفه، من خلال قناعه النجدي، تضمّن اللغة العربية لفعلين واضحين يدلان على الماضي والحاضر، فيما يغيب الفعل الدال على المستقبل، ليصبح هذا الأخير حالة من أحوال المضارع، تُستخلص من سياق الجملة، أو من خلال الاستعانة بحروف الاستقبال التي تصل الواقعي بالغيبي، وتجعل من إلسا وجوداً مؤجلاً، ولكنه قابل للتحقق. وعلى المستوى التاريخي يستعيد أراغون أكثر تجليات الصحراء العربية صلة بإعلاء المرأة والتتيم بها، وصولاً إلى الهذيان والجنون الكامل. وعلى مستوى الكشف التأملي والروحي، يجد أراغون في التصوف الإسلامي المشرقي ما يساعده على تجاوز الوجود المادي الظاهر للمرأة التي يحب، لتتحول بالنسبة له إلى جزء لا يتجزأ من روح الكون وحركته المتناغمة. وإذ تتوحد هذه المستويات الثلاثة في لحظة تراجيدية مفصلية من التاريخ، يواصل أراغون نداءاته اللهفى على لسان المجنون:
غرناطة تموت
وقلبي متغلغلٌ فيها
يا نخلاً شاحباً ويا تدمر الجديدة
تتراءين في المستنقع العربي
بفعل السحر الرقيق
عند آخر شموس الأمراء
أطلبكِ من المستقبل /
فعودي إلينا منه يا حبيبتي
في آخر ساعات الإسلام
لعلي على ركبتيك
يا إلسا أسْلم الروح
إلا أن كل ما تقدم لا يحجب بأي حال مشروعية الأسئلة التي يثيرها بعضهم، حول ما إذا كانت العلاقة العاطفية الفعلية بين أراغون وإلسا تريوليه مطابقة لصورتها في مرآة الأدب، أم أن ما يصح على المتخيل الإبداعي لا يصح بالضرورة على الواقع؟ ومع أننا لا نعثر في سيرة الطرفين على ما يعكس تناقضاً صارخاً بين صورتي الحياة واللغة، فإن منطق الأمور يؤكد أنه يستحيل على الواقع المتحقق أن يطابق المحلوم بتحقيقه، وإلا لفقدت الفنون بوجه عام مسوغها وجدواها. وليس بالأمر المستغرب في هذه الحالة أن تكون العلاقة بين الزوجين قد واجهت كثيراً من المزالق والمطبات، شأنها في ذلك شأن سائر العلاقات اليومية الرتيبة بين الأزواج، إلا أن ما أسهم في تذليل تلك المطبات لم يكن الحب وحده على الأرجح، بل التحلق المشترك حول الكتابة، بصفتها طريقة لقهر الزمن، وإبعاد شبح الضجر، فضلاً عن تصميم الطرفين على أن يواجها معاً الأخطار التي تتهددهما بشكل شخصي، بقدر ما تتهدد البشر بشكل عام، خاصة في أزمنة الحروب الضارية وانعدام الأمان وتقلص مساحة الحرية.
قد يكون من حق القارئ، أخيراً، أن يتساءل عن السبب الذي منع إلسا تريوليه، وهي كاتبة روائية، من جعل أراغون موضع اهتمامها، أو واحداً من أبطال أعمالها السردية، وعما إذا كان الأمر يعكس تفاوتاً في منسوب الحب بين الطرفين. والواقع أن مثل هذه الإشكالية لم تغب عن بال الناقد الفرنسي فرنسيس كريميو الذي طرح على إلسا السؤال نفسه، دون أن تتحرج في ردها عليه من القول: «ليس لدي أي سبب، ولا أعرف أي طريق أسلك لأُدخل لويس فجأة في رواياتي». ولكي تخفف من وطأة الإجابة، أو درءاً لسوء الفهم، تميز تريوليه بين الرواية والشعر الذي يملك أكثر من سواه القدرة على البوح الغنائي والعاطفي، على أن السبب الأعمق الذي يقف وراء ذلك، والذي لم تكشفه الزوجة الكاتبة، يكمن في استمراء المرأة المعشوقة لفكرة تحويلها من قبل الرجل العاشق إلى أيقونة أو معبودة أرضية، وهو ما يُسند إلى العاشق المتعبد مهمة الكلام إفصاحاً عن الوله والتتيم، فيما التزام المعشوق بالصمت هو الشرط الإلزامي لوضعه في خانة الأسطورة. ولا يجافون الحقيقة بشيء أولئك الذين يرون أن إلسا لا تدين بخلود اسمها إلى كتاباتها الروائية «المتواضعة»، بل إلى كونها حبيبة أراغون وملهمته، والمحور الأساس الذي تدور حياته من حوله، والتي يصفها في إحدى قصائده بالقول:
«إنها المرأة الخالدة التي أنجبتُها للعالم / ومنها أولد».



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended