إلسا تريوليه وأراغون... الحب وحده هو ما يبقى من الفراديس بعد فقدانها

الزوجان اللذان جعلا من اللغة أكمل مرايا الحب

أراغون وإلسا تريوليه
أراغون وإلسا تريوليه
TT

إلسا تريوليه وأراغون... الحب وحده هو ما يبقى من الفراديس بعد فقدانها

أراغون وإلسا تريوليه
أراغون وإلسا تريوليه

«عندما سنرقد، جنباً إلى جنب، رقدتنا الأخيرة، سيوحدنا اجتماع كتبنا في السراء والضراء في هذا المستقبل الذي كان حلمنا وشغلنا الشاغل، أنت وأنا، وبعون الموت. ربما حاول بعضهم، ونجحوا في محاولتهم للتفريق بيننا، أكثر مما فرقتنا الحرب في أثناء حياتنا. ولأن الموتى بلا دفاع، ستأتي كتبنا المتشابكة، أسود على أبيض، يداً بيد، لتقاوم من ينتزع أحدنا من الآخر».
بهذا المقطع الوجداني تستهل إلسا تريوليه، زوجة لويس أراغون، النص المؤثر الذي قدمت من خلاله الأعمال السردية الكاملة للزوجين العاشقين، بعد أن عقدا العزم على إصدار هذه الأعمال في طبعة مشتركة لكي تكون الكتابة جزءاً لا يتجزأ من سرهما المشترك، والتتويج الأسمى لعلاقة الحب التي جمعتهما معاً لعقود عدة. والواقع أن العلاقة التي جمعت بين الشاعر الفرنسي الشهير والكاتبة الروسية لا تندرج في سياق العلاقات العادية المألوفة بين الكتاب، خاصة في شقها الزوجي الذي يتحول في الأعم الأغلب إلى مسرح يومي للرتابة والتآكل والتكرار الممل، بل بدت في كثير من جوانبها بمثابة واحدة من الأساطير القليلة للوله والعشق والافتتان بالآخر. ولهذا السبب على الأرجح بدت تلك العلاقة النادرة عصية على الفهم، سواء من قبل معاصري الشاعر السوريالي على نحو عام، أو من قبل أترابه من الشعراء والفنانين الذين كانوا يقفون بمعظمهم، وبحكم نرجسيتهم الفاقعة، على الضفة «الفاسدة» من العلاقات.
قد يكون الحوار المطول الذي أجراه الناقد الفرنسي فرنسيس كريميو مع صاحب «مسافرو الإمبريال»، والذي صدر لاحقاً في كتاب مستقل بعنوان «محاورات مع أراغون»، هو أحد المصادر المهمة التي يكشف فيها هذا الأخير عن علاقته بإلسا التي لم يكسبها تقادم السنين سوى مزيد من الرسوخ والتوهج العاطفي. واللافت أن أراغون لم يكتفِ في هذا الحوار بإعلان انتمائه العميق للمرأة التي رأى فيها جوهر كينونته ومعنى وجوده، بل حرص دفعاً لأي لبس على تأكيد أن المرأة التي كرس لها قلبه وشعره وحياته هي امرأة اللحم والدم، أي إلسا تريوليه بالذات، التي لا تعني سوى نفسها، ولا تحتاج بالتالي إلى أن تكون قناعاً لفرنسا، أو رمزاً لمقاومتها الصلبة في وجه الاحتلال الألماني. صحيح أن الجمهور الواسع ليس باستطاعته تقبل مثل هذه الصورة المثالية التي يرسمها الزوج لزوجته، والتي تتحول في أوج الحرب إلى «نوع من الفضيحة»، كما يقول أراغون في رده على أحد الأسئلة، ولكنه ما يلبث أن يوضح أن مجاهرته العلنية بحبه لإلسا كان من بين أهدافها الرد على تدليس صورة المرأة في زمن الهيمنة الفاشية، والحث بالمقابل على تصحيح الخلل القائم في العلاقة بين الطرفين. على أن أراغون لا ينسب إلى نفسه مأثرة الوقوف بصلابة في وجه الاحتلال النازي لبلاده، ولا المأثرة الأخرى المتعلقة بتحويل الحياة الزوجية إلى مساحة من الحب والاحترام المتبادل والتقاسم المتساوي لأعباء الحياة. فهي من جهة أولى أصرت على رفض التخلي عنه، إثر صدور قرار من المقاومة الفرنسية -لدواعٍ أمنيةٍ- يقضي بضرورة انفصال أحدهما عن الآخر حتى نهاية الحرب، فيما تكفلت من جهة ثانية بنزع «نظارته الذكورية»، مخلصة إياه من «تعصب الرجل الذي يريد من المرأة أن تكون مجرد زوجته وظله».
وإذا كانت إلسا تريوليه قد ظهرت بشكل أو بآخر في معظم أعمال أراغون الروائية والشعرية، فإن «مجنون إلسا» لا يشكل ذروة هذه الأعمال فحسب، بل هو يعد في رأي كثير من النقاد أحد أكثر الأعمال الإبداعية فرادةً وثراءً في القرن العشرين، ليس فقط بسبب عبقرية الفكرة المؤسسة للعمل التي اتخذت من سقوط غرناطة الذريعة الملائمة لرفع راية الحب في الأرض، في بديل نموذجي عن التعصب الديني والعرقي والقومي، بل بسبب قدرة الكاتب الهائلة على دمج التاريخ بالأدب، والفلسفة بعلم الاجتماع، والسرد النثري بألق الشعر وفتنته وكشوفه. أما الشرارة الأولى التي أطلقت العمل، فقد كانت -وفق ما يخبرنا به أراغون- إحدى الأغاني الرومانسية التي تركت في نفسه أبلغ الأثر، والتي جاء في مقدمتها: «عشية سقطت غرناطة/ قال فارسٌ لجميلته...»، الأمر الذي حول الشرارة تلك إلى حرائق غير قابلة للتوقف في أعماق الشاعر الذي كان قد سمع للتو نبأ سقوط باريس في قبضة الاجتياح النازي.
لقد بدت تلك الكلمات المترعة بالشجن والدلالات الرمزية الموجعة بمثابة وداعٍ ما للعالم، يقول أراغون في مقدمة عمله الملحمي، ثم يضيف لاحقاً: «لقد قبضت على نفسي في سرقة موصوفة لبيتٍ من أغنية: عشية سقطت غرناطة. كما كان في الأغنية عندي سر آخر، حيث أقحمتني الكلمات درباً لم يكن في بالي، وتوحدت مع ملك تلك المدينة السحرية، هذا الأبو عبد الله الذي أدري جيداً كيف تسرب إلى أحلامي». وإذ يربط أراغون بين سقوط طروادة وسقوط غرناطة، يبذل خلال الكتاب كل ما في وسعه من جهد ليدحض عن أبي عبد الله الصغير فكرة الجبن والتخاذل التي ألحقت به، والتي تضافر على صناعتها الظافرون من الفرنجة الذين راحوا يكتبون التاريخ بمنطق الغلبة، والمغلوبون من المسلمين الذين كانوا في أمس الحاجة إلى كبش فداء نموذجي يبررون من خلاله وهنهم المطرد وانقساماتهم المزمنة خلال القرون الأخيرة من الحكم العربي للأندلس، وهي الصورة المزورة التي تم تلفيقها في ليل -وفق أراغون- ومن ثم نسبتها إلى عائشة الثغري (أم أبي عبد الله) التي قيل إنها خاطبت ابنها المهزوم ببيت من الشعر هو أقرب إلى رصاصة الرحمة منه إلى أي شيء آخر:
ابكِ مثل النساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجالِ
وفي كنف ذلك الفردوس المتهاوي الذي اسمه الأندلس، ابتكر أراغون شخصية المجنون النجدي الذي كان يذرع في أواخر القرن الخامس عشر شوارع غرناطة المحفوفة بالخوف والقلق على المصير، والذي مكنته مرآته العابرة للزمن من التنبؤ بظهور إلسا المنتظرة في لحظة ما من القرن العشرين. وإذ يربط أراغون بين اسم إلسا أو «إلزا» والعزّى التي كانت تُعبد في الجاهلية، كما يربطها باسم عزة حبيبة كثيّر العذري، ينسب إلى مجنون غرناطة قوله إن المرأة ليست مستقبل الرجل فحسب، بل هي مستقبل الإنسانية جمعاء والكوكب الأرضي برمته. كما يخترع الشاعر من عندياته شخصية زيد الفتي الذي يرى في المجنون معلمه ومرشده الروحي، والذي يساعده بعد سقوط غرناطة على التواري بعيداً عن عيون العسس ومحاكم التفتيش، إضافة إلى تدوين ما أمكن من هذيانات النجدي الذي يهتف بإلساه:
أحدثك تفرين / أتبعك تطيرين
عيناك بعيدتان عن حيث إنا
قلبك أغوته كلمات أخرى
تقولين أشياء مظلمة
على عتمة الأزمنة المضيئة
كما قبل أن يتفتح الورد
تكون شجيرة الورد براعم
وحيث تحطين يزهر كل شيء
يا إلسا التحولات
لقد بدا الشرق بالنسبة لأراغون بمثابة المنجم المتنوع غير المحدود الذي يرفد حبه لإلسا بكل ما يلزمه من براهين وذرائع ووسائل إقناع. فعلى المستوى اللغوي يستوقفه، من خلال قناعه النجدي، تضمّن اللغة العربية لفعلين واضحين يدلان على الماضي والحاضر، فيما يغيب الفعل الدال على المستقبل، ليصبح هذا الأخير حالة من أحوال المضارع، تُستخلص من سياق الجملة، أو من خلال الاستعانة بحروف الاستقبال التي تصل الواقعي بالغيبي، وتجعل من إلسا وجوداً مؤجلاً، ولكنه قابل للتحقق. وعلى المستوى التاريخي يستعيد أراغون أكثر تجليات الصحراء العربية صلة بإعلاء المرأة والتتيم بها، وصولاً إلى الهذيان والجنون الكامل. وعلى مستوى الكشف التأملي والروحي، يجد أراغون في التصوف الإسلامي المشرقي ما يساعده على تجاوز الوجود المادي الظاهر للمرأة التي يحب، لتتحول بالنسبة له إلى جزء لا يتجزأ من روح الكون وحركته المتناغمة. وإذ تتوحد هذه المستويات الثلاثة في لحظة تراجيدية مفصلية من التاريخ، يواصل أراغون نداءاته اللهفى على لسان المجنون:
غرناطة تموت
وقلبي متغلغلٌ فيها
يا نخلاً شاحباً ويا تدمر الجديدة
تتراءين في المستنقع العربي
بفعل السحر الرقيق
عند آخر شموس الأمراء
أطلبكِ من المستقبل /
فعودي إلينا منه يا حبيبتي
في آخر ساعات الإسلام
لعلي على ركبتيك
يا إلسا أسْلم الروح
إلا أن كل ما تقدم لا يحجب بأي حال مشروعية الأسئلة التي يثيرها بعضهم، حول ما إذا كانت العلاقة العاطفية الفعلية بين أراغون وإلسا تريوليه مطابقة لصورتها في مرآة الأدب، أم أن ما يصح على المتخيل الإبداعي لا يصح بالضرورة على الواقع؟ ومع أننا لا نعثر في سيرة الطرفين على ما يعكس تناقضاً صارخاً بين صورتي الحياة واللغة، فإن منطق الأمور يؤكد أنه يستحيل على الواقع المتحقق أن يطابق المحلوم بتحقيقه، وإلا لفقدت الفنون بوجه عام مسوغها وجدواها. وليس بالأمر المستغرب في هذه الحالة أن تكون العلاقة بين الزوجين قد واجهت كثيراً من المزالق والمطبات، شأنها في ذلك شأن سائر العلاقات اليومية الرتيبة بين الأزواج، إلا أن ما أسهم في تذليل تلك المطبات لم يكن الحب وحده على الأرجح، بل التحلق المشترك حول الكتابة، بصفتها طريقة لقهر الزمن، وإبعاد شبح الضجر، فضلاً عن تصميم الطرفين على أن يواجها معاً الأخطار التي تتهددهما بشكل شخصي، بقدر ما تتهدد البشر بشكل عام، خاصة في أزمنة الحروب الضارية وانعدام الأمان وتقلص مساحة الحرية.
قد يكون من حق القارئ، أخيراً، أن يتساءل عن السبب الذي منع إلسا تريوليه، وهي كاتبة روائية، من جعل أراغون موضع اهتمامها، أو واحداً من أبطال أعمالها السردية، وعما إذا كان الأمر يعكس تفاوتاً في منسوب الحب بين الطرفين. والواقع أن مثل هذه الإشكالية لم تغب عن بال الناقد الفرنسي فرنسيس كريميو الذي طرح على إلسا السؤال نفسه، دون أن تتحرج في ردها عليه من القول: «ليس لدي أي سبب، ولا أعرف أي طريق أسلك لأُدخل لويس فجأة في رواياتي». ولكي تخفف من وطأة الإجابة، أو درءاً لسوء الفهم، تميز تريوليه بين الرواية والشعر الذي يملك أكثر من سواه القدرة على البوح الغنائي والعاطفي، على أن السبب الأعمق الذي يقف وراء ذلك، والذي لم تكشفه الزوجة الكاتبة، يكمن في استمراء المرأة المعشوقة لفكرة تحويلها من قبل الرجل العاشق إلى أيقونة أو معبودة أرضية، وهو ما يُسند إلى العاشق المتعبد مهمة الكلام إفصاحاً عن الوله والتتيم، فيما التزام المعشوق بالصمت هو الشرط الإلزامي لوضعه في خانة الأسطورة. ولا يجافون الحقيقة بشيء أولئك الذين يرون أن إلسا لا تدين بخلود اسمها إلى كتاباتها الروائية «المتواضعة»، بل إلى كونها حبيبة أراغون وملهمته، والمحور الأساس الذي تدور حياته من حوله، والتي يصفها في إحدى قصائده بالقول:
«إنها المرأة الخالدة التي أنجبتُها للعالم / ومنها أولد».



الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.


نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة
TT

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006) من هوامشها المتفرقة إلى مساحة جديدة مفتوحة على التخييل، حيث لا تبدو الوقائع السيرية مادةً جاهزة للسرد، بل نواةً يُعاد تشكيلها داخل نص يستعير صوت نجيب محفوظ ويعيد إنتاجه، فلا يبدو «أديب نوبل» موضوعاً للكتابة، بقدر ما يستحضر الكتاب نسخةً من حياته تتجاوز حدود الواقع الصارم وغيوم الذاكرة.

لا يُمهّد عبد الموجود للكتاب عبر مقدمة تقليدية، بل يدفع قارئه مباشرةً صوب فصول تمثّل بوابات مفتوحةً على عالم محفوظ الإنساني والأدبي والفني، في لعبة يختلط فيها الحقيقي بالمتخيّل، وهي مقاربة لا تبدو بعيدةً عن عالم محفوظ نفسه، لا سيما في «أصداء السيرة الذاتية»، حيث تتشكّل السيرة من شذرات ممزوجة بالتأمل والخيال، لا من تسلسل توثيقي نمطي.

بهذا المعنى، يبدو فعل الكتابة أقرب إلى التماهي مع وعي محفوظ نفسه؛ إذ يستعيد الكاتب هذا الالتباس الفني المُحبّب لديه بين الواقع والحلم.

«الشجرة السابعة»

يستعير عبد الموجود، عبر أكثر من 25 فصلاً، نبرة «محفوظ» ولغته التي ألفناها في أدبه، بما يضع القارئ في حالة تتلاشى فيها الحدود بين الواقعي والمتخيَّل، ففي مطلع فصول الكتاب يأخذنا إلى «الشجرة السابعة»، مستهلاً بنبرة «محفوظية»: «لو وُلدتُ في الصيف لتخيّلتُ أبي واقفاً خارج غرفة الولادة بالجبة والقفطان، لكننا في شتاء 1911. ارتدى بالطو فوق بدلته واعتمر الطربوش كمن يستعد لطارئ غير محسوب».

تتبدّى لحظات انتظار الأب لميلاد «ابنه السابع» محاطةً بنبرة شعريةٍ تلتحم فيها رؤى الأب والابن معاً: «ربما حلم لي أن أكون مهندساً أو طبيباً، كما حلم لشقيقيّ... فكّر أنني سأكون أسعد الأولاد، وأحبّهم إلى قلب فاطمة؛ فقد حملت بي وهي تغادر شبابها».

تُروى لحظة الميلاد عبر مشاهد مشحونة بالتعبير والانفعالات؛ ترقّب الأب، والقلق، وأصوات العبرات والزغاريد بعد خروج طبيب التوليد الشهير آنذاك «نجيب محفوظ» مبشّراً بوصول الابن الذي سيحمل اسمه، غير أن هذه الصورة لا تلبث أن تُعاد مساءلتها؛ إذ يقودنا الكاتب في نهاية هذا الفصل إلى سطور من «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» كما نقلها رجاء النقاش، وروايات أخرى تشكّك في نسبة اسمه إلى طبيب التوليد، فتتبدّد الرواية الشائعة، ويغدو ما بدا ثابتاً موضع شك.

هنا يضعنا النص في قلب هذا التوتر الخلّاق بين «الأصل» كما ورد في المذكرات والحوارات، و«الصورة» التي يتماهى الكاتب في رسمها استناداً إلى هذا الأصل، فلا تُلغى الصورة، بل تكتسب معناها من مجاورتها للأصل، لا من تطابقها معه. ولا يكتفي الكتاب بتقديم هذه المشاهد المتخيّلة، بل يعيد القارئ في نهاية كل فصل إلى «الأصل»؛ فقرات من مذكرات كُتبت عن محفوظ أو من حواراته، حيث تتشكّل علاقةٌ مزدوجة بين النصَّين.

وفي فصل بعنوان «الحريف قلب الأسد»، نرى محفوظ المُغرم بكرة القدم منتشياً بانتصاراته الصغيرة، ومسجّلاً «نصف دستة أهداف». يعيدنا السرد هنا إلى مساحة يتداخل فيها اللعب ببراءة الحلم، ليصبح اللعب مُعادلاً للخيال: «كنت ألعب وأكسب، ثم أعود إلى البيت لأغرق نفسي في أحلام اليقظة». ونراه أيضاً يختبر بشائر الحب الأولى، وافتتانه بفتاة «الجمالية» في طفولته، وغناءه «يمامة بيضا»، في مشاهد تفوح بالحنين، وتحمل رائحة المكان الأول.

الطفولة والخيال

تتجاور هذه اللقطات مع مراحل لاحقة من حياة نجيب محفوظ، فتتقاطع الطفولة والصبا والشباب مع زخم الأصدقاء، ومرور العمر، في حضورٍ دائم للكتابة؛ ففي فصل بعنوان «يا ولاد حارتنا توت توت»، يتقمّص الكاتب صوت محفوظ وهو في خضم الضجّة التي أثارها نشر روايته «أولاد حارتنا»؛ إذ يجد نفسه محاصراً بعبارات التشكيك والهجوم: «ها أنا في أضعف حالاتي أجد نفسي ضيفاً على طاولات التشريح أدفع عن نفسي تهمة نكراء، أقول لأحمد حمروش: هذه الرواية أقصد بها قصة البشرية... وأبعد ما يكون في ذهني أن أكتب سير الأنبياء في حارة». ويعقد الكاتب محاورات بين محفوظ وأبطاله الروائيين في أكثر لحظاته هشاشةً؛ ففي الفصل الأخير «مُت يا أخي... لماذا ترفض أن تموت؟»، الذي يتكئ على حادثة محاولة اغتياله. يتابع محفوظ مصير الشابين اللذين أُحيلا إلى المحاكمة العسكرية، في مشهد تتداخل فيه الواقعة بالهاجس: «يا ربّي، ليس بيدي ما أفعله لهما، وأشهد أنني أسامحهما. ثم رفعت أصابعي بحركة غريزية، وتحسّست الطبقة الناشفة فوق الجرح، وقلت: لقد رتقوا جرح رقبتي وتركوا التمزّق في روحي».

في هذه اللحظة لا يكتفي النص باستعادة الواقعة، بل يفتحها على أفقٍ تخييلي أرحب؛ فيظهر بطل «الحرافيش» الأشهر «عاشور الناجي»، ليُطمئن صاحبه محفوظ: «سوف تلتئم... سوف تلتئم يا حبيب القلب»، ليبلغ التداخل بين الأصل والصورة ذروته؛ إذ لا تعود الشخصية الروائية مجرد صدى لعالم محفوظ، بل تتحوّل إلى وسيطٍ يعيد إليه توازنه، وكأن الخيال، الذي صنعه يوماً في أدبه، يعود إليه دفئاً وسلواناً.

لا يقف الكتاب عند حدود السرد، بل يحتفي أيضاً بالأرشيف البصري لنجيب محفوظ، عبر عددٍ كبيرٍ من الصور تتوزّع بين فصوله، لتشكّل طبقةً موازيةً من «الصورة» لنظيرتها السردية، وتقيم حواراً بصرياً مع النص، بما يوسّع من فكرة «الأصل والصورة» إلى ما هو أبعد من الكتابة.

ويستند بناء الكتاب إلى عددٍ من المراجع التي تُمدّه بمادته الأولى؛ أي «الأصل»، مثل «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» لرجاء النقاش، و«نجيب محفوظ يتذكّر» لجمال الغيطاني، و«أنا نجيب محفوظ» لإبراهيم عبد العزيز، و«أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرمة» لمحمد شعير... وتُستدعى فقرات من هذه المراجع في نهاية كل فصل، لتُجاور الصور المتخيّلة وتدخل معها في حوارٍ حول ما كُتب من السيرة، وما تركه محفوظ في عُهدة الأثر.


الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة
TT

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين، وهم الشاعر الكاريبي ديرك والكوت، والبريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو، والشاعر البريطاني لي هاروود، والشاعر الأميركي فرانك أوهارا.

والكتاب جاء في ثلاثة فصول. ضم الفصل الأول، المعنون «إعادة بناء الهوية عبر الذاكرة وفي الذاكرة» دراسة مقارنة بين قصيدة «أوميروس» الملحمية للشاعر الكاريبي ديريك والكوت والرواية الشعرية «لارا» للكاتبة البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو.

ويرى الكاتب أنه يوجد الكثير من نقاط التقارب في سيرتي الشاعر الكاريبي ديريك والكوت والشاعرة والروائية البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو فكلاهما ذو هوية هجينة، «والكوت من سلالة عبيد»، وقد تسمم بدم جانبين من أسلافه (كان أجداده بيضاً، وجداته سوداوات)، بينما كانت إيفاريستو تعاني من عدم التوازن بين طرفي عائلتها (أمها إنجليزية، ووالدها نيجيري). وكان كل منهما يدخل نفسه كشخصية رئيسية في عمله.

لكن مقاربة إيفاريستو لثيمتي الهوية والذاكرة، كما نقرأ في هذا الفصل، تختلف إلى حد كبير عن مقاربة والكوت، فلارا، كما تقول إيفاريستو نفسها، هي رواية سيرية ذاتية - شعرية، مستمدة من حياتها، وليس بالضرورة أن تكون كما هي. وربما لهذا السبب، كما يستنتج المؤلف، تقارب إيفاريستو ثيمتي الجذور والهوية، وتربط قضايا مثل العنصرية والتمييز والآخر، من منظور شخصي محدود. إن اهتمامها بـ «استعمار الوعي والثقافة» في المجتمعات المستعمرة السابقة، ومحاولتها المصالحة عبر الذاكرة، وفي الذاكرة، مع ماضيها، ومع ذاتها، كهوية هجينة، هو مسعى لأن تعيد كليتها، و«تضع العبودية خلفها». ومن هنا، فإنها تعيد إنتاج هوية اجتماعية، وليس هوية وطنية أو تاريخية. وعلى العكس منها، يسائل والكوت التاريخ، أو، بشكل أدق الفكرة الأوروبية عن التاريخ، مازجاً الماضي بالحاضر، والثقافات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، والشخصي والعام.

أما الفصل الثاني المعنون «لي هاروود: العلاقة الدياليكية بين المكان والفضاء»، فيتناول تجربة هذا الشاعر، كنموذج لشعر الحداثة في الخمسينيات والستينيات، وتأثير الشعر الأميركي على تجربته الشعرية.

وقد امتاز شعر هاروود، (1939-2015)، ومنذ بواكيره الأولى، كما يقول السلطاني، بعلاقة ديالكتيكية بين الانفتاح والانغلاق، والحاضر والماضي، والحركة والسكون، والداخل والخارج. لكن علاقته مع المكان والفضاء، متحركة دائماً.

وقد غلب على الشاعر في هذه الفترة الاهتمام إلى درجة كبيرة بالأمكنة كجغرافيا، أكثر مما كونها أمكنة تخلية أم مجردة، على الرغم من أن هناك قصائد في هذه المرحلة كانت منفتحة على المجرد والمنظور التخيلي أو التصوري. والمقارنة بين قصائد الشاعر الأولى والمتأخرة، تتيح لنا تفحص التطور الذي حصل في علاقته بالمكان والفضاء، ارتباطاً مع تطور لغته الشعرية، خاصة في الثمانينيات فصاعداً، حين أصبحت قصائده منشغلة ذهنياً أكثر بالمكان والفضاء.

ويبحث الفصل الثالث: «فرانك أوهارا: جمالية الأشياء الصغيرة»، في تجربة أوهارا، كمثال على شعر ما بعد الحداثة في الشعر الأميركي. ويصنف النقاد الشاعر الأميركي فرانك أوهارا ضمن «مدرسة نيويورك»، وهي جماعة من الشعراء والرسامين والراقصين والموسيقيين الذي نشطوا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي بمدينة نيويورك مستلهمين أفكارهم من الدادية السريالية، في افتراق واضح عن شعراء الاعتراف المعاصرين لهم، وأبرزهم روبرت لويل (1917-1977).

لكن المؤلف يرى أن هذا التصنيف ليس دقيقاً تماماً، «فأوهارا يكاد يكون ظاهرة خاصة بحد ذاتها من ناحية أسلوبه الشعري، القريب جداً من نثر الحياة اليومي، وكأنه يسجل يومياته، بالبساطة والعفوية ذاتهما، والعبث أيضاً، بالمبنى والمعنى، الذي سيتماثل لاحقاً مع موته العبثي في، حين دهمته سيارة مسرعة في ليلة حالكة من شهر يوليو/ تموز عام 1966، وهو في الأربعين».

ويبدو أنه كلما ضمن الأشياء أكثر في قصيدته، وبقدر ما يستطيع، بدت مفتوحة على فضاء أرحب، وبالتالي كونية أكثر، وهو قد يتفرد بهذه الميزة، كما يرى السلطاني، كما أنه «يتمتع بتلك القدرة الشعرية النادرة على رفع اليومي العادي و(الأشياء المبتذلة) إلى مستوى السامي، وعلى أن يهبط بالسامي إلى مستوى اليومي والمبتذل في الوقت نفسه، خالقاً بذلك حركة جدلية يمتزج فيها الإنسان، والعالم، والأشياء، سواء أكانت سامية أم مبتذلة، معاً في نسيج القصيدة، المحدد زمنها ومكانها. ومن خلال (تأرخته) للأحداث اليومية، يكشف أوهارا، بلغة مباشرة، وغالباَ حميمة، عن وعي واضح بالطبيعة الجمالية للأشياء، أو ما يمكن أن نسميه (جمالية الأشياء الصغيرة). وبذلك خلق نمطاً جديداً في الشعر الأميركي ما بعد الحرب، رادماً الهوة في قصيدته بين الفن والحياة، مما يجعلنا، حسياً وذهنياً، منخرطين أكثر في وجودنا الإنساني».

جاء على الغلاف الأخير للكتاب:

«ما تزال ثقافة ما بعد الاستعمار ظاهرة هجينة تشتمل على علاقة جدلية بين ثقافات البلدان المستعمرة سابقاً والنظام الثقافي الغربي، الذي أنتج، بعد هيمنته المادية، ظواهر كبرى مثل الحداثة، التي تستند إلى المركزية الأوروبية، وما بعد الحداثة، التي تهدف لإعادة الاعتبار لثقافات الشعوب وتقاليدها، وتفكيك أوهام المركزية الأوروبية، وتعبيراتها الأدبية، فالحقيقة هي (نتاج بشري عام وليست نتاجاً أوروبياً).

والمهم هنا، كيف انعكست هذه الظواهر والمفاهيم التي أنتجتها، وإن بشكل غير محسوس وغير مباشر، في الأدب المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين».