محاورة تشكيلية مصرية حول «ثنائية الإنسان والمكان»

محاورة تشكيلية مصرية حول «ثنائية الإنسان والمكان»

معرض لإبراهيم فيليب ومريام واصف يضم 162 لوحة
الأربعاء - 7 شهر ربيع الأول 1443 هـ - 13 أكتوبر 2021 مـ رقم العدد [ 15660]

يتسلل المكان إلى وجدان الإنسان محدثاً آثاراً عميقة تلامس الذات، وتشكل جزءاً حميمياً من كيانه، وكثيراً ما ألهمت هذه المتلازمة الفنانين عبر تجارب إبداعية ثرية من أحدثها معرض تشكيلي للفنانين المصريين إبراهيم فيليب ومريام واصف، المقام حتى 15 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي بعنوان «ثنائية الإنسان والمكان» بغاليري «ضي... أتيليه العرب للثقافة والفنون» بالقاهرة.

وترجع فكرة المعرض للناقد التشكيلي هشام قنديل رئيس مجلس إدارة الأتيليه الذي رصد تجربتين مستقلتين للفنانين يجمع بينهما رابط قوي، فبعدما لاحظ احتفاء إبراهيم فيليب بالإنسان، اكتشف أن مريام واصف تهتم بالمكان، فقرر أن يجمعهما في معرض واحد يمثل محاورة تشكيلية بينهما، يقول قنديل لـ«الشرق الأوسط»: «لا يوجد ترابط في هذه الحياة أكثر من ثنائية الإنسان والمكان، حيث تنشأ بينهما دوماً علاقة حيوية تسهم في تأسيس أحد أهم الجوانب الروحية الخفية للإنسان وهي الذاكرة، فيما يكون للإنسان بلمساته ومواقفه المختلفة بالغ التأثير على المكان».

وعبر 47 لوحة تشارك بها مريام واصف في المعرض، يعيش المتلقي مع ذكريات الفنانة المولعة بتجسيد المكان، فبعد أن قدمت لنا في معارضها السابقة منطقتي «وسط البلد» و«مصر الجديدة» نجدها في هذا المعرض تنتقل بنا إلى مدن مصرية ساحلية على غرار الإسكندرية ومرسى مطروح لنعيش من جديد ذكرياتها في تلك المدن، وإن كانت هذه المرة مع البحر والتقائه مع السماء والإنشاءات المطلة عليه، مثل «كوبري المنتزه» و«كوبري ستانلي» في الإسكندرية.

وتقول واصف لـ«الشرق الأوسط»: «المكان مُلهم بالنسبة لي، ويشكل جزءاً أصيلاً من أعمالي، حتى أنه يمثل في كل لوحة ذكرى مختلفة عن الأخرى، فهو ليس مجرد شيء صامت إنما هو مليء بالمشاعر والأحاسيس، فمنطقة وسط البلد بالقاهرة، على سبيل المثال تعد قطعة من التاريخ والأحداث المهمة التي مر بها الوطن، كما أن مبانيها ذات الطراز الأوروبي بكل جمالها وعراقتها ما هي إلا محفز على الإبداع، بينما تمثل منطقة مصر الجديدة بشوارعها وأشجارها ومبانيها ذات الطراز الفاطمي صفحات لا تُنسى من طفولتي، حين كنت أتجول فيها مع أسرتي، ولذلك شغلت هذه الأماكن وغيرها فضاءات لوحاتي».

وتبرز لوحات واصف بهذا المعرض انتماءها للمدرسة التأثيرية بوضوح، فقد ساعدها خروجها من المرسم إلى الطبيعة لتجسد أجواء مصر والبحر الممتد والسماء بألوانها المتغيرة وطاقة الشمس بها على الاحتفاء بالإضاءة والظل إلى جانب الثراء اللوني والمساحات اللامحدودة من الفراغ.

وتكمل أعمال الفنان إبراهيم فيليب التي يبلغ عددها نحو 115 لوحة هذه الثنائية التشكيلية، حيث يظهر جلياً انشغال الفنان إبراهيم فيليب بالإنسان، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «أهتم للغاية بحكاية الإنسان بكل تفاصيلها وزخمها، فأنا أسكن بشارع (الحكمة) القابع في منطقة شعبية معروفة بسكانها الطيبين بمدينة طنطا، (وسط الدلتا)».

كان نتيجة ذلك أن الفنان قدم لنا لقطات مختلفة لسكان المدينة في لوحاتٍ فنية تعج بالشخوص والتفاصيل والموتيقات التي تشعرك أنك واحد وسط هذا المشهد الصاخب المليء بالحركة والصوت، يتابع قائلاً: «لا شك أن الفنانين من مختلف المدارس يوجهون اهتماماً خاصاً للإنسان، حتى في التجريدية التي يقدمون فيها علاقات لونية تتحول إلى علاقات درامية على المسطح فإن المتلقي حين يدقق النظر سيعثر على الإنسان داخل اللوحة، وذلك في صورة المشاعر والرؤى التي تجسد الفنان نفسه، وفي لوحاتي أعرض مشاهد يومية للسوق، لكن بطريقتي الفنية الخاصة، حيث أبتعد عن التجريد والمفاهيمية، وأرسم كمصري حتى النخاع معتمداً على التعبيرية».

تسلط اللوحات الضوء على البسطاء والمهمشين في المجتمع، لا سيما النساء في الأحياء الشعبية: «قلما أرسم الرجل، لأن المرأة تتصدر من جهة فئة المهمشين، ومن جهة أخرى هي الأكثر تأثيراً في المجتمع»، فتطالعنا في الأعمال بائعات الفاكهة بنظرات من الفرحة والأمل في بداية اليوم، لكن قد نصطدم بالحزن والإنهاك اللذين يكسيان وجوههن في نهاية اليوم حيث غروب الشمس في الخلفية في دلالة لحالة الكساد والفشل في البيع، كما يصورهن وهن يتناولن طعامهن على قارعة الطريق، ونشاهد الأمهات وهن ينشرن الغسيل في بيوتهن مع بناتهن أو هن يتسامرن وتملأ الابتسامة وجوههن في بيوتهن المتواضعة».

من خلال أعمال فيليب بالمعرض نستعيد أعمال معروفة عديدة تؤكد احتفاء الفن التشكيلي العالمي بالإنسان البسيط العادي منها لوحة «زوجات عمال الفحم» لفنسنت فان جوخ، ولوحة «الكناس» للفنان هوفيفيان والتي تصور رجلاً يرتدي رداء أصفر يحمل بين يديه مكنسة ينظف بها الأزقة، وهناك أيضا تجسيد مؤثر لـ«الطباخين» في رائعة بيتر برويجل «وليمة»، كما برع الفنان الفرنسي هنري لوتريك في تجسيد آلام وأوجاع راقصات الحانات، فيما يمكن تفسيره بأن تحرر الفنان التشكيلي من سلطة الطبقة البرجوازية قد ساهم في توسعه في تعبيره عن الإنسان، ومن ناحية أخرى لا يمكن إغفال أن تحرر الفن التشكيلي أيضا من مذهب الواقعية المفرطة قد ساعد على براعته في التعبير عن واقعه مانحاً للإنسان العادي والطبقات الاجتماعية الهامشية قيمة كبيرة فيه».

ولعب الفنان بالألوان ما بين الساخنة والباردة بدرجاتهما معتمداً عليها كحلول لونية ذات دلالات موحية، كالتعبير عن حميمية المشاعر أو حالة الكساد في السوق، كما اهتم بخلق مساحات من الظل والظلام في الأعمال، رافضاً أن تكون السيادة للضوء تأكيداً لمفهوم الإنسان المهمش الذي يحتفي به.


مصر Art

اختيارات المحرر

فيديو