رفعت الأسد نافس شقيقه على {القصر} وهرم في المنفى... و{سامحه الرئيس}

عبد الحليم خدام: قواته حاصرت دمشق ليقول إنه قادم للحكم... فاتخذنا إجراءات كي لا تنفجر سوريا

الرئيس حافظ الأسد وشقيقه رفعت في يناير 1984 (أ.ف.ب)
الرئيس حافظ الأسد وشقيقه رفعت في يناير 1984 (أ.ف.ب)
TT

رفعت الأسد نافس شقيقه على {القصر} وهرم في المنفى... و{سامحه الرئيس}

الرئيس حافظ الأسد وشقيقه رفعت في يناير 1984 (أ.ف.ب)
الرئيس حافظ الأسد وشقيقه رفعت في يناير 1984 (أ.ف.ب)

سوريا التي غادرها رفعت الأسد عندما كان نائباً للرئيس حافظ الأسد قبل عقود ليست ذاتها التي وجدها عندما سمح له ابن شقيقه، الرئيس بشار الأسد، بالعودة إليها «مواطناً»؛ هي بلاد تغيرت بتحالفاتها الخارجية ودورها في الإقليم، واختلفت بتركيبتها و«إقامة» خمسة جيوش فيها.
قد تكون مشاهداته الأولى مع زوجاته وأبنائه وأحفاده في اليومين الماضيين لدمشق، في شوارعها وحواجزها وبيوتها ومسؤوليها ومكان إقامته القديم - الجديد في حي المزة، أيقظت ذاكرته وذاكرة مريديه عندما كان في قوته، ولوح من إحدى تلالها بـ«انقلاب» على شقيقه، وحاصر بوابتها، في منتصف الثمانينات.
دمشق التي أصدرت قبل 21 سنة إلى النقاط الحدودية تعميماً باعتقاله، في حال عاد من المنفى، «ترفعت» واستقبلته الآن كي يتفادى تنفيذ حكم محكمة فرنسية بالسجن 5 سنوات. والأيام وحدها ستفك «شفرة» العبارة التي سطرتها صحيفة «الوطن» أول من أمس، من أن رفعت عاد «دون أي دور سياسي واجتماعي»، ومدى «صرامة» هذا «التعميم» في الشوارع بين دمشق واللاذقية.

حافظ الأسد وشقيقه رفعت وعائلتهما

- «الشقيقان»... و«الأخوان»
رفعت (84 سنة) كان منذ صغره تحت تأثير شقيقه الأكبر الأقوى الذي يكبره بسبع سنوات. وفي 1952، وبعد 5 سنوات، سار على آيديولوجية شقيقه، وانضم إلى حزب «البعث». وأيضاً سار على دربه بالانضمام إلى الخدمة الإلزامية، ثم إلى وزارة الداخلية بعد الانفصال عن مصر عام 1961.
وفي مارس (آذار) 1963، سيطرت اللجنة العسكرية لـ«البعث» الذي كان شقيقه عضواً فيه على الحكم، فالتحق رفعت بالكلية العسكرية في حمص، وخدم بعد تخرجه إلى جانب شقيقه الذي كان آنذاك قائداً لسلاح الجو.
أولى «جولاته» العسكرية كانت مع سليم حاطوم في اقتحام مقر الرئيس أمين الحافظ في فبراير (شباط) 1966 لإسقاط أول حكومة «بعثية». وفي ظل الرئيس نور الدين الأتاسي الذي خلفه لثلاث سنوات، كُلف رفعت بقيادة وحدة خاصة أنشأتها اللجنة العسكرية لـ«الدفاع عن النظام»، بإمرة وزير الدفاع محمد عمران.
يقول مؤرخون إنه في نهاية الستينات، كان هناك مستويان للصراع: بين حافظ ورفعت من جهة، وبين صلاح جديد ومدير مخابراته عبد الكريم الجندي من جهة ثانية. وبين 25 و28 فبراير (شباط) 1969، نفذ «الأخوان الأسد» حركة عسكرية في دمشق، وتوغلت الدبابات في المدينة ضد أنصار الجندي وجديد. وشكل انتحار الأول في 2 مارس (آذار) 1969 لتجنب الاعتقال انتصاراً لرفعت. وفي 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 1970، قام الأسد بـ«حركة شاملة»، واعتقل الرئيس الأتاسي وصلاح جديد، وكُلف رفعت الأسد بمسؤولية تأمين دمشق.
أصبح رفعت قائداً لـ«سرايا الدفاع»، وهي قوة نخبوية من 40 ألف جندي، كانت بمثابة «جيش مستقل» لا يرتبط بأي شكل بالجيش. وترقى رفعت إلى قيادة الحزب، ووسع نشاطاته بين الطلاب والشباب والفتيات والإعلام، كما أسس «الرابطة العليا للخريجين» لتوحيد حملة الشهادات الجامعية، لتصبح ذراعاً طلابية موازية تابعة له.
وفي عام 1979، اندلع صراع بين النظام و«الإخوان المسلمين». وفي ديسمبر (كانون الأول) 1979، قال رفعت في مؤتمر «البعث» إن الوقت قد حان لـ«الرد بقوة»، ودعا الجميع إلى تقديم الولاء المطلق. ونُقل عنه قوله: «ضحّى ستالين بعشرة ملايين شخص للحفاظ على الثورة البلشفية، وعلى سوريا أن تفعل الشيء نفسه أيضاً للحفاظ على الثورة البعثية». وهدد رفعت بـ«خوض مائة حرب، وهدم مليون حصن، والتضحية بمليون قتيل» للحفاظ على النظام - الدولة، وأُطلق العنان في قمع الانتفاضة بين 1979 و1982 التي بلغت ذروتها في قصف حماة في فبراير (شباط) 1982. وفي عام 1983، أرسل «مظلياته» إلى دمشق بأوامر لنزع الحجاب عن النساء في الشوارع؛ الأمر الذي قوبل بانتقادات حادة دفعت شقيقه إلى إدانة ذلك علناً.
\
رفعت الأسد يتحدث الى أنصاره (الشرق الأوسط)

- حافة الخطر
وعندما مرض حافظ الأسد، في نوفمبر (تشرين الثاني) 1983، بدا الأمر كأن لحظة رفعت المنتظرة قد حانت، وبدأ في العمل بصفته «وريثاً شرعياً»، فرأى أنه الخليفة الوحيد، وبدأ في حشد تأييد جنرالاته، ما أثار استياءً شديداً لدى الرئيس.
وحسب أوراق نائب الرئيس عبد الحليم خدام، التي اطلعت عليها {الشرق الأوسط}, في مارس (آذار) عام 1978، فإنه اجتمع بالأسد، وسط حملة شديدة على رفعت بين أوساط السوريين، وخلال «حديثنا عن الوضع، قلت له: الحملة كبيرة على رفعت، وهذه الحملة تضعف النظام، لذلك لا بد من معالجة وضع رفعت، فأجابني: رفعت مخرز في عيون الرجعية، فأجبته: سنرى في المستقبل سيكون مخرزاً في قلب من».
وبالفعل، كان رفعت يتدخل بشؤون الدولة، ويعطي توجيهات لرئيس الوزراء محمد علي حلبي الذي لم يكن يتجرأ على ردعه. ويضيف: «كان توجه الرئيس إلى توريث شقيقه، غير أن رفعت ارتكب خطيئة كبيرة عندما حاول الانقلاب على شقيقه خلال مرضه في نوفمبر (تشرين الثاني) 1983».
وخلال لقاء خدام بالأسد في منزله لمناقشة المشاركة في مؤتمر القمة في عمان نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 1980، قال الأسد: «أفكر في تعيين نائب للرئيس من أجل الاستمرارية، إذ إنه لا يعرف الإنسان متى يأتي الأجل».
وقدّر خدام (أبو جمال)، الذي كان وزيراً للخارجية وقتذاك، أنه يقصد رفعت بـ«الاستمرارية». غير أن محاولة رفعت الاستيلاء على السلطة خلال مرض أخيه «أسقطته من القائمة»، حيث يروي خدام أنه في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1983، مرض الرئيس، و«جاءني مساء ذلك اليوم قائد الحرس الجمهوري عدنان مخلوف، وأبلغني أن الرئيس يريدني وهو في المستشفى. اعتقدت أنه تعرض لمحاولة اغتيال، فسألته: هل أصيب بالرصاص أو بقنبلة، فأجابني: أصابته أزمة قلبية، فذهبت فوراً إلى المستشفى، ودخلت غرفة الإنعاش، وكانت زوجته حاضرة. وسألته عن أزمته القلبية، فأجابني: تعبنا يا أبا جمال».
وفي اليوم التالي، كان من المفروض أن يزور سوريا الرئيس اللبناني أمين الجميل، فـطلب الأسد من خدام تأجيل الزيارة لـ«انشغاله في أمور داخلية». وعندما خرج من غرفة العناية المشددة، اتصل خدام برئيس الأركان في الجيش العماد حكمت الشهابي، وطلب منه المجيء إلى المستشفى، و«اتفقنا على اتخاذ إجراءات بمنع أي محاولة لتفجير الوضع في سوريا لأني كنت أخشى من رفعت».
يقول خدام: «في هذه الأثناء، دخل علينا رفعت، وكنت أتحدث بالهاتف مع سفيرنا في لندن الذي طلبت منه إرسال طبيب قلب فوراً، على أن يكون من أكفأ الأطباء، كما اتصلت بسفيرنا في واشنطن، وطلبت منه الطلب نفسه. وبعدما أنهيت كلامي، قال رفعت: «لماذا إحضار الأطباء من الخارج، هناك أطباء في سوريا؟ هل من الضرورة كلما مرض أي شخص أن نأتي بأطباء من الخارج؟، فأجبته: أخوك اسمه حافظ الأسد، وليس حافظ خدام، ومسؤوليتي أن أوفر كل الظروف لشفائه، لأني أعرف الفوضى التي ستنشأ (في حال غيابه)».
ويضيف أنه وقتذاك «جاءني السفير الأميركي، وأبلغني أن مبعوثاً أميركياً قادم إلى دمشق للاجتماع برفعت الأسد، فأجبته: لن نسمح له بالمجيء؛ في سوريا دولة، وإذا كانت الولايات المتحدة تريد أن تتصل، يتم الاتصال مع الدولة التي أمثلها أنا بصفتي وزيراً للخارجية».
وبالفعل، في اليوم التالي، قامت كتائب من «سرايا الدفاع» بجولة في شوارع دمشق، كأن رفعت أراد أن يقول للناس: «أنا قادم»؛ يضيف خدام: «اجتمعنا في الأركان، أنا والعماد حكمت الشهابي و(وزير الدفاع) العماد مصطفى طلاس، واتفقنا على استدعاء فرقتين من خارج دمشق طوقتا دمشق، وتوترت الأجواء، لكن عندما عرف رفعت بالإجراءات، كما عرف بعض الضباط الكبار الذين بايعوا رفعت أن الرئيس حافظ تجاوز الخطر، تخلوا عنه، وأصبح معزولاً».

حافظ الأسد ووزير الدفاع مصطفى طلاس ورفعت الأسد (الشرق الأوسط)

- دبابة على الكتف
في تلك المرحلة، عقدت القيادة القطرية اجتماعاً، وفوجئ الجميع بأعداد كبيرة من «سرايا الدفاع» في الساحة الداخلية للقيادة، ثم جاء رفعت وطلب الحديث، فأعطاه الأمين القطري المساعد محمد زهير مشارقة الدور، فقال: «على القيادة الآن أن تطرد من الحزب كلاً من علي دوبا (مدير المخابرات العسكرية) وإبراهيم صافي (قائد القوات السورية في لبنان) وعلي حيدر (قائد الوحدات الخاصة) ومحمد خولي (مدير المخابرات الجوية) لأنهم يشتمونني؛ أنا شقيق الرئيس، ويجب أن أعامل كالرئيس. وإذا لم تتخذوا القرار، فإن قواتي ستنزل فوراً لتحتل دمشق».
تردد بعض أعضاء القيادة، وأخذ العماد مصطفى يخاطب رفعت ويقول له: «هؤلاء إخوانك، والمشكلة لها حل؛ تجتمعوا معاً». وهنا تدخل خدام، وخاطب رفعت: «تريد أن تعمل انقلاباً؟ تفضل. إذا كان كل ضابط لديه دبابات وعسكر يريد أن يركب على أكتافنا، فهذا الأمر خطير، والدبابات الموجودة عندك وتهدد بها ليست ملكاً لأبيك، تفضل تحرك». فازداد وجه رفعت غضباً، وقال: «أنا لم أقل هذا الكلام»، فأجبته: «الحديث مسجل».
وبعد الاجتماع، اتصل خدام هاتفياً بالرئيس، وأبلغه بما جرى، فقال: «سأدقق مع زهير مشارقة» الذي كان أميناً قطرياً مساعداً للحزب، وأضاف: «بعد دقائق، اتصل بي، وقال: زهير أعطاني صورة أخرى، وإن رفعت لم يتحدث بشيء يسيء أو يهدد»، فقلت له: «اسأل وزير الدفاع ورئيس الأركان؛ زهير من موالي رفعت. وبالفعل، بعد نحو ربع ساعة، اتصل بي، وقال لي: كلامك كله صحيح، وزهير إنسان لا يفهم وجبان وقد كذب علي».

الرئيس حافظ الأسد وشقيقه رفعت في يناير 1984 (أ.ف.ب)

- «أنا النظام»
وفي فبراير (شباط) 1984، بدأ حافظ الأسد بالرد، فأمر بالقبض على أحد أتباع رفعت، وهو مساعده الأمني العقيد سليم بركات، وبعث برسالة إلى رفعت عبر أخيه الآخر جميل، يقول فيها: «أنا أخوك الأكبر الذي عليك حق طاعته، ولا تنسَ أنني أنا الذي صنعتك».
وفي مارس (آذار) 1984، عين حافظ الأسد رفعت نائباً لرئيس الجمهورية، من دون أي مهام رسمية. وفي واقع الأمر، لم تكن هذه ترقية، وإنما كان يهدف إلى كبح صلاحيات رفعت عبر منصب سياسي بحت، حتى يكون تحت عين الرئيس طوال الوقت. وقد أُحيلت مهامه الأمنية، بصفته قائداً لـ«سرايا الدفاع»، إلى العقيد محمد غانم.
ويروي خدام أن الأسد «دعا القيادة القطرية إلى اجتماع في مطلع مارس (آذار) 1984، وأبلغ القيادة بأنه قرر تعيين 3 نواب للرئيس، وسيصدر القرار لأنه من صلاحياته، وليس من صلاحيات القيادة القطرية، وأعلن أسماء الذين سيعينهم نواباً له على النحو التالي: رفعت الأسد، وزهير مشارقة، وعبد الحليم خدام. فقلت له فوراً: لا أريد أن أكون نائباً للرئيس، ولا في أي موقع حكومي أو حزبي».
ويضيف: «أنهى الاجتماع، ودعاني إلى مكتبه، وسألني: لماذا اعترضت؟ فأجبته: كيف تضع رفعت وزهير أمامي؟ رفعت كان يجب أن يكون في السجن، وليس نائباً أولاً للرئيس، وزهير عندما كنت قيادياً في حزب البعث كان في الصف الخامس الابتدائي؛ لقد عملت كل جهدي لخدمة بلادي، ولن أمارس أي عمل في الدولة أو في الحزب، فأجاب: تعالَ وتولى منصب الأمين القطري، وهو الأمين القطري المساعد، فأجبته: لم يعد في ذهني أي عمل، وودعته وذهبت إلى المنزل».
ويستطرد: «وبعد نحو ساعة، تحدث معي، وطلب مني أن أعود، فعدت إليه، حيث استقبلني ضاحكاً بعبارة: أنت عنيد، وأبلغني أنه أصدر مرسوماً بوضعي أولاً، ورفعت ثانياً، وزهير ثالثاً. فسألته: ماذا سيعمل نائب الرئيس؟، فأجابني: ستكون مسؤولاً عن السياسة الخارجية، وبالفعل أصدر المرسوم، وقبلت».
وفي 30 مارس (آذار) 1984، رد رفعت على هذه الخطوة، وأمر جنوده بالدخول إلى دمشق، مع أوامر واضحة بالاستيلاء على السلطة، وقد تمركزوا في نقاط استراتيجية في جميع أنحاء دمشق ومحيطها، وهي نقاط يسهل منها قصف المدينة. وقد واجهت قوات رفعت الأنصار الموالين للرئيس، وهم رجال مثل علي حيدر من القوات الخاصة، وعدنان مخلوف من الحرس الجمهوري.
وكتب باتريك سيل، مؤلف سيرة الأسد، بعنوان: «الأسد: النضال من أجل الشرق الأوسط»: «لو أن الجانبين وجها ضربات في العاصمة، لكان الدمار عظيماً جداً، ولشوهت صورة النظام على نحو لا يمكن إصلاحه، هذا إذا نجت دمشق على الإطلاق». وأضاف: «لقد ترك (حافظ) الحبل لرفعت بما يكفي لشنق نفسه».
كان حافظ يرتدي البزة العسكرية الكاملة، يرافقه نجله الأكبر باسل الذي سيصبح اليد اليمنى لوالده إلى حين وفاته بحادث سيارة بداية 1994. وقد قاد سيارته من دون حراس في العاصمة لمواجهة رفعت في مقر قيادته العسكرية. ويروى وزير الدفاع مصطفى طلاس، في منشور «ثلاثة أشهر هزت سوريا»: «اتصل العميد عدنان مخلوف قائد الحرس الجمهوري، وقال إن السيد الرئيس قد توجه بمفرده إلى مقر شقيقه رفعت الأسد (في ضواحي المزة)، وأعطاه (أي عدنان مخلوف) التوجيه التالي: إذا لم أعد بعد ساعة من الآن، قل للعماد طلاس أن ينفذ الخطة (بمواجهة قوات رفعت)».
«هل تريد إسقاط النظام؟» سأله حافظ، واستطرد: «ها أنا ذا؛ أنا النظام!». تجادلا، ثم عرض الرئيس على شقيقه مخرجاً، متعهداً باحترام كرامته ودعم مصالحه، والخروج الآمن إلى منفى يختاره، ولن يُقبض عليه.
وفي أواخر أبريل (نيسان) من عام 1984 «بدأ العميد رفعت يشعر بأن ميزان القوى قد مال لصالح شقيقه الرئيس لدرجة لم تعد تسمح له بالحركة إطلاقاً، فاتصل بشقيقه جميل الأسد، ليمهد له المصالحة مع أخيه، وأنه جاهز لأي عمل يرتئيه. وكان الرئيس الأسد ينتظر بفارغ الصبر انهيار رفعت ورضوخه للسلطة، وقد نجح في لعبة عض الأصابع. ومن هذا المنطلق، أعلم شقيقه جميل بالموافقة على طلب قائد سرايا الدفاع... وبدأت المفاوضات الصعبة».
وتم الاتفاق على أن تعود «سرايا الدفاع» لتوضع بتصرف هيئة العمليات في القوات المسلحة، وأن يبقى العميد رفعت نائباً لرئيس الجمهورية مسؤولاً (نظرياً) عن شؤون الأمن. كما تم الاتفاق على أن يسافر معه إلى موسكو ضباط كبار.
وفي 28 مايو (أيار) 1984، توجهت طائرة إلى موسكو مليئة بأكبر ضباطه (بمن فيهم رفعت) لفترة تهدئة، ثم تم استدعاؤهم واحداً تلو الآخر إلى سوريا، وترك رفعت وحيداً في المنفى.


رفعت الأسد في اجتماع حزبي في دمشق (الشرق الأوسط)

- «أخي لا يحبني»
وقبل مغادرته سوريا، نظم رفعت مأدبة كبيرة لأصدقائه، وقال: «يبدو أن أخي لم يعد يحبني؛ عندما يراني يعبس، لكني لست عميلاً أميركياً، ولم أتآمر ضد بلدي... لو كنت أحمق، لدمرت المدينة بأكملها، لكني أحب هذا المكان. رجالي هنا منذ ثمانية عشر عاماً، والناس معتادون علينا؛ إنهم يحبوننا، والآن يريد هؤلاء المغاوير طردنا».

حافظ الأسد ونجله باسل وشقيقه رفعت (الشرق الأوسط)

وقد عاد رفعت إلى سوريا عام 1992، بناء على رغبة والدته التي توفيت في ذلك العام. وفي عام 1994، عزى شقيقه حافظ عندما توفي نجله باسل، لكنه سُرح في وقت لاحق من العام نفسه من منصبه في الجيش، واستمر في شغل منصب نائب الرئيس، قبل أن يعفى لاحقاً.
وفي عام 1999، شارك أنصاره في معركة بالأسلحة النارية ضد القوات الحكومية في اللاذقية. وقد أنشأ محطة فضائية في لندن، في سبتمبر (أيلول) 1997، كما أسس حزبه الخاص في أوروبا، برئاسة نجله سومر الأسد، داعياً إلى التغيير السياسي، الأمر الذي قوبل بنقد من معارضين وموالين.
وعندما توفي الرئيس حافظ، في 10 يونيو (حزيران) 2000، أصدر بياناً حداداً عليه، وادعى أنه الوريث للرئاسة، غير أن نداءاته لم تلقَ آذاناً صاغية، وأمر نائب الرئيس خدام باعتقال رفعت، إذا حاول حضور جنازة الرئيس في 13 يونيو (حزيران).

رفعت الأسد ونجله دريد في دمشق بعد عودته إليها يوم الخميس (فيسبوك)

وبعد اندلاع الاحتجاجات في ربيع 2011، اتخذ رفعت موقفاً ضد النظام، وتولى ابنه رئبال نشاطات سياسية علنية، لكن حضوره تراجع، إلى أن ظهر رفعت في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في القنصلية في باريس لانتخاب الرئيس، ثم بعث برقية تهنئة للأسد بـ«إعادة انتخابكم»... إلى أن عاد يوم الخميس.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.