أمين الاتحاد من أجل المتوسط: الاستدامة بمنطقتنا فرصة نمو وثورة مستقبلية خامسة

كامل أكد لـ «الشرق الأوسط» وعي الأعضاء بالمخاطر... وإعجاب واسع بتجارب السعودية والإمارات

السفير ناصر كامل أمين عام الاتحاد من أجل المتوسط
السفير ناصر كامل أمين عام الاتحاد من أجل المتوسط
TT

أمين الاتحاد من أجل المتوسط: الاستدامة بمنطقتنا فرصة نمو وثورة مستقبلية خامسة

السفير ناصر كامل أمين عام الاتحاد من أجل المتوسط
السفير ناصر كامل أمين عام الاتحاد من أجل المتوسط

في حدث مهم لمنطقة تحتل سُرّة العالم، اجتمع وزراء 42 دولة أعضاء في «الاتحاد من أجل المتوسط» بالقاهرة قبل أيام، في المؤتمر الوزاري الثاني للاتحاد حول البيئة والعمل المناخي؛ وذلك لإطلاق تقرير شديد الحساسية يتناول السيناريو الكابوسي حال التراخي في بذل الجهد واتخاذ القرارات الحاسمة لمواجهة التغير المناخي بشكل حاسم.
وكان لا بد لـ«الشرق الأوسط» أن تلتقي السفير ناصر كامل، الأمين العام لمنظمة «الاتحاد من أجل المتوسط»؛ وذلك لاستيضاح أحدث ما توصلت إليه الدول الأعضاء، وتقييمه مدى الالتزامات الخاصة بالإقليم، والإضاءة على بعض الخطط قريبة المدى في الاتحاد، وكذلك تأثر الإقليم بجواره القريب والبعيد، إضافة إلى التغيرات التي أسفرت عنها جائحة غيّرت كثيراً من الأوجه في ملامح العالم أجمع.
وكان الحوار التالي...

> دول البحر المتوسط إحدى أكثر المناطق المهددة نتيجة الاحترار، وفي الوقت ذاته هي إحدى المناطق المسؤولة على التلوث. ماذا يمكن أن تفعل المنطقة، سواء على مستوى تقليص الخطر الذاتي أو الضغط على الآخرين لإنقاذ نفسها والعالم؟
- أولاً، هذا التقرير مبني على فرضية عدم اتخاذ الدول الإجراءات اللازمة في مجال التكيف البيئي، ويظهر السيناريو الأسوأ. ويشير إلى عدد من الآثار السلبية على غرار ارتفاع منسوب المياه أو ارتفاع درجات الحرارة بنسبة 20 في المائة أسرع من المتوسط العالمي، والتي تؤثر على منطقة البحر المتوسط بشكل أكبر من غيرها. وهي الأولى من حيث الكثافة السكانية بـ500 مليون نسمة تقطنها.
كل هذه المؤشرات مبنية على فرضية عدم انخراط دولنا في شمال وجنوب المتوسط في اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمواجهة التغير المناخي... وفي تقديري، فإن المنطقة بمجملها منخرطة بشكل جدي في التعاطي مع، أولاً الالتزامات الوطنية وفق الاتفاقية الإطارية لتغير المناخ (اتفاقية باريس)، ومنخرطة إقليمياً. وهي على وعي وإدراك بحجم التحدي وحجم الخطر الذي تواجهه نتيجة لظاهرة التغير المناخي، ومن ثم الإجراءات متخذة بالفعل، وأرى تسارعاً في مدى تبني دول المنطقة جنوباً وشمالاً لهذه الإجراءات، حيث يوجد تعهد أوروبي صريح بما يسمى بالحياد الكربوني عام 2030 وصفر انبعاثات بحلول 2050. وهذا أمر جذري؛ لأن دول المنطقة هي الأكثر إنتاجاً لثاني أكسيد الكربون، وبالتالي الأكثر مساهمة في ظاهرة الاحتباس الحراري عالمياً وإقليمياً. ودول جنوب وشرق المتوسط أيضاً مدركة تماماً ومندمجة في تنفيذ التزاماتها.
> هل من مؤشرات على مثل هذا الوعي؟
- من بين الأدلة على هذا الإدراك والوعي، أن دول المنطقة هي الأعلى عالمياً في استيعاب التمويل المخصص لهذه الأنشطة ذات الأثر البيئي الإيجابي والخاصة بتقليص الانبعاثات والطاقة المتجددة. وهذا هو التقرير الأول من نوعه الذي يتعامل مع قضية التغير المناخي من منظور إقليمي، حيث إن التقارير السابقة تعاملت مع القضية من منظور دولي أو منظور وطني فقط.
> الدراسة الجديدة هي الأكبر من نوعها كما هو واضح... لكن هل هناك تحركاً من الاتحاد من أجل المتوسط بخطط مغرية (لا فقط تحذيرية) وذات منافع اقتصادية مباشرة لزيادة الحماس تجاه التعاون؟
- أولاً، الاستدامة اليوم أصبحت أحد المصادر الرئيسية للنمو الاقتصادي على صعيد الدول. وتشير إحدى الدراسات إلى أن التمويل الذي أصبح يخصص للصناعات المرتبطة بالاستدامة يصل إلى 30 تريليون دولار على الصعيد الدولي (ليس فقط الأنشطة الموجهة لمواجهة التغير المناخي، بل للأنشطة المستجدة غير الملوثة للبيئة، مثل إنتاج السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، والمباني قليلة الانبعاثات).
ونحن ننظر اليوم لدخول عناصر الاستدامة في الدوائر الاقتصادية الدولية أو الإقليمية باعتباره محفزاً للنمو. والخطاب السياسي لعدد من دول العالم أصبح شديد الوضوح في هذا الصدد. مثلاً، الرئيس الأميركي جو بايدن يقول صراحة أنا أرغب في زيادة معدل النمو الأميركي بالاستثمار في هذا الاتجاه. وبالتالي، أصبح عنصر الاستدامة وتفعيله في الأنشطة الاقتصادية كافة اليوم جاذباً لرؤوس الأموال في مجالات الاستثمار البيئي؛ وذلك لكون عائده الاقتصادي ذا جدوى ومربحاً، ولم يعد مجرد تمويل حكومي أو من مؤسسات تمويل دولية فقط. ولذلك أصبحنا اليوم نتكلم عن الاقتصاد الأخضر والاقتصاد الأزرق والتنمية المستدامة. وكونها تنمية؛ فبالتأكيد لها مردود إيجابي على الاقتصادات. وهذا أصبح واضحاً في حجم الاستثمار الخاص والصناديق الاستثمارية التي أصبح بعضها اليوم مخصصاً فقط - أو جانباً معتبراً من استثماراتها - لهذه القطاعات... وأنا في تقديري أن الاستدامة قد تعد «الثورة الصناعية الخامسة»؛ إذا جاز القول.
> ماذا عن ضريبة التحول من الاقتصاد التقليدي إلى الاقتصاد المستدام؟
- اتفاقية باريس ومؤسسات التمويل الدولية تخصص حجم تمويل للتعاطي مع بعض الأنشطة التي قد تحتاج إلى استثمارات من أجل التكيف مع المعايير البيئية الجديدة. والدورة الاقتصادية الطبيعية للمجتمع البشري دائماً يكون بها صناعات أكثر رواجاً وأخرى أقل رواجاً وفقاً للتطور التكنولوجي.
> هل هذا يعني أن هناك عوامل تحفيزية تتبنونها في الاتحاد؟
- الاتحاد من خلال الخطة الأولى التي اعتمدت في 2014 والاجتماع الأول لوزراء البيئة، أقرّ بما يسمى بـ«أفق 2030»، والذي ضخ 1.3 مليار يورو أسهمت في 84 مشروعاً في إطار إقليمي يضم دولتين أو أكثر من دول الاتحاد من أجل المتوسط. وهذا ليس مبلغاً كبيرا بالتأكيد؛ لكنها مشروعات بمثابة نماذج يحتذى بها وربطت التعاون الإقليمي بمشروعات حقيقية تسهم في مكافحة التلوث. وبالتالي، فإن الاتحاد كإطار مؤسسي لإدارة العلاقات الإقليمية بين جنوب وشرق وشمال المتوسط وضع مثالاً واضحاً فيما يتصل بالبعد العملي الفعلي للتعاون.
ومن بين أدوارنا الحاسمة، الإسهام في إنشاء أول صندوق للاستثمار البيئي الخاص بدعم من الصندوق العالمي للاستثمار المناخي، وبقيمة 750 مليون يورو؛ وذلك للاستثمار في مشروعات صغيرة ومتوسطة تهدف للربح وتخدم البيئة في الدول الأعضاء. وأيضاً الرقم ليس كبيراً، لكنه يهدف لخلق نماذج جادة تُحتذى.
والآن بنك الإنشاء والتعمير الأوروبي وبنك الاستثمار الأوروبي يفكران في إنشاء صندوق متخصص للمنطقة في المجالات البيئية المرتبطة بالبحر المتوسط.
> كيف يمكن أن تقدر حجم هذا التحول والاستفادة بالمنطقة؟
- دراسات التمويل المناخي، التي تعتمد على مشروعات تساعد على مواجهة التغير المناخي، تشير إلى أن إحدى أكثر المناطق استفادة من هذه التوجهات هي منطقة شمال أفريقيا وشرق المتوسط. وأكثر 3 دول استفادت من هذا النمط التمويلي هي مصر والمغرب وتركيا، ما يشير إلى أن هذه الدول منخرطة جداً ولديها خطط وتصورات جادة لوضع مشروعات قابلة للتنفيذ، وبالتالي فالمنطقة تحصل على حصة أكبر من حصة أميركا اللاتينية على سبيل المثال.
> هل غيَّرت الجائحة من أولوياتكم في الاتحاد؟
- بالفعل، الصحة أصبحت على رأس الاهتمامات. والصحة مرتبطة أيضاً بالمناخ والتلوث، وبالتالي عندما اعتمدنا البرنامج الأورومتوسطي للبحث العلمي، بميزانية تصل إلى نحو 170 مليون يورو، كانت الأولوية لتغير المناخ والصحة.
كما ركزنا على مسألة «إعادة البناء والتعافي بعد كورونا»، والتي تعتمد الأن على أسس أكثر استدامة وليس وفقاً للقواعد القديمة التي تستهدف النمو فقط دون معايير مستدامة.
أيضاً، فكرة المساواة المجتمعية؛ لأن «كورونا» أحد أبرز ما أظهرته وبشكل صادم هو حجم التفاوت بين دولنا وداخل دولنا، وبالتالي أفكار المساواة والتضامن والشمول الاجتماعي أصبحت أولويات.
وقد رأينا جميعاً حجم أزمة اللقاحات، والتفاوت غير المبرر في تخزين اللقاحات في شمال المتوسط، بينما دول الجنوب غير قادرة على توفير الحد الأدنى منها لحماية الفئات الأكثر تعرضاً للمضاعفات الخطيرة. وبعد تعالي الأصوات عالمياً ظهر ما يسمى بـ«دبلوماسية اللقاحات» وبدء تخلي عدد من دول الشمال عن جزء من المخزون الهائل لديها لصالح الجنوب.
وجزء من يقين الاتحاد هو أن هناك قضايا لا تعرف الحدود، مثل المناخ والبيئة والصحة... ووجود تفاوت كبير في هذه القضايا يخلق أوضاعاً جيوسياسية غير مريحة؛ لأن الهجرة ترتبط بها جنباً إلى جنب مع التوظيف ومعدلات النمو. فإذا نظرنا إلى أكثر الدول تصديراً للهجرة والطاردة للسكان سنجد أنها دول الساحل جنوب الصحراء نتيجة لأسباب مناخية.
> هل هناك جديد يخص التعاون مع منطقة الخليج العربي؟
- الخليج منطقة مهمة جداً، أولاً، هناك اتصال مؤسسي مع مجلس التعاون الخليجي، فهو منطقة جوار مباشر ذات أولوية لمنطقة البحر المتوسط. وأيضاً هناك عدد من مشروعات الاتحاد من أجل المتوسط تنخرط فيها مؤسسات خليجية، فمثلاً بنك التمويل الإسلامي منخرط بفاعلية - إلى جانب جهات أخرى دولية - في أحد أهم المشروعات المتوسطية وهو إنشاء محطة تحلية مياه البحر في غزة وهي قضية وجودية. وكذلك صندوق التنمية الكويتي مثلاً.
> كيف ترون إذن تبني السعودية والإمارات على وجه الخصوص مشروعات بيئية ضخمة والتحول في مجال الطاقة؟
- ننظر بإعجاب شديد للتجربة؛ لأن أكبر منتجي الطاقة الأحفورية ينخرطون في الطاقة الجديدة، وخطة التنمية الشاملة «رؤية 2030» التي تبناها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بما تحمله من بعد بيئي واضح جداً وإدراك بأن العالم في سبيله إلى التحول.
والإمارات كذلك كانت سابقة حين سعت لإنشاء منظمة الطاقة الجديدة والمتجددة (ايرينا) واستضافتها مدينة أبوظبي، ثم إعلانها الأخير الالتزام بهدف الوصول إلى صفر انبعاثات بحلول عام 2050، مع استثمار نحو 165 مليار دولار في مجال الطاقة النظيفة بحلول ذلك الوقت.
وكل هذا يؤشر إلى أن هناك رهاناً من المنطقة والعالم على الاستدامة، وعلى الرفاه والنمو مع توفير حياة رغدة للأجيال المقبلة.
> نظراً لأهمية الولايات المتحدة كلاعب عالمي، فإن توجهاتها وإشاراتها تهم الجميع. وتصلنا أحياناً رسائل مختلطة من الإدارة الأميركية حول المناخ... فكيف تقيّم الأمر من وجهة نظرك؟
- لا أرى بشكل شخصي تعارضاً في موقف الإدارة الأميركية الجديدة فيما يخص ملف التغير المناخي والبيئة، فهناك أهداف بيئية واضحة بعيدة المدى؛ خاصة حين ننظر إلى خطط التنمية والبنية التحتية المقترحة حاليا، ولا يعارض ذلك بعض «القرارات اليومية» قصيرة المدى المرتبطة بإمدادات الطاقة وخلافه؛ مما يعطي أملاً كبيراً في نجاح قمة الأرض (كوب 26) المقبلة في غلاسكو، وأن تصل إلى قرارات حقيقية وعملية فيما يتصل بالالتزام الأطراف بالاتفاقية الإطارية.
> خلال عام الجائحة... هل هناك نموذج اقتصادي مشرق خطف عينك على أي مستوى؟
- الأرقام تتحدث عن نفسها. وإحدى الدول القليلة التي نجحت خلال أزمة «كوفيد - 19» في تحقيق نمو إيجابي وبنسبة معتبرة هي مصر. وهذا مؤشر على أن مصر انتهجت سياسة متوازنة ورشيدة، سواء بتحفيز الحفاظ على معدلات جيدة للنشاط الاقتصادي مع اتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على السكان.
ولو تناولنا المنطقة في المجمل، فسنجد أنها من بين الأقل عالمياً من حيث تراجع نسب النمو خلال الأزمة. وجزء من هذا النمو والنجاح مرتبط أيضاً بإدارة الملف البيئي والمشروعات الصديقة للبيئة.



السياحة السعودية: نهضة اقتصادية مذهلة تقودها «رؤية 2030» من العراقة إلى الريادة

قوارب تعبر بين أشجار المورينغا في جزيرة فرسان في جازان جنوب السعودية (وزارة السياحة)
قوارب تعبر بين أشجار المورينغا في جزيرة فرسان في جازان جنوب السعودية (وزارة السياحة)
TT

السياحة السعودية: نهضة اقتصادية مذهلة تقودها «رؤية 2030» من العراقة إلى الريادة

قوارب تعبر بين أشجار المورينغا في جزيرة فرسان في جازان جنوب السعودية (وزارة السياحة)
قوارب تعبر بين أشجار المورينغا في جزيرة فرسان في جازان جنوب السعودية (وزارة السياحة)

لم تكن السياحة في السعودية يوماً مجرد نشاط عابر، بل هي امتداد لثقافة ضاربة في القدم، حيث كانت أرضها ملتقى لطرق التجارة التاريخية ومقراً لأطهر البقاع. ومع انطلاق «رؤية 2030»، انتقل هذا الإرث من حيز استقبال الحجاج والمعتمرين إلى فضاء سياحي رحب وشامل، مستفيداً من موقع استراتيجي وتنوع طبيعي وثراء ثقافي جعل المملكة اليوم واحدة من أكثر الوجهات جذباً للعالم.

هندسة المنظومة

بدأ بناء القطاع السياحي الحديث من خلال إصلاحات هيكلية جذرية هدفت إلى إيجاد بيئة عمل متكاملة. فقد أسست المملكة وزارة السياحة لتنظيم القطاع، والهيئة السعودية للسياحة لبناء الهوية التسويقية «روح السعودية»، وصندوق التنمية السياحي الذي تولى مهمة استقطاب الاستثمارات وتعزيز القدرات التمويلية للمشاريع الكبرى. وتكاملت هذه الجهود مع كيانات متخصصة مثل «الهيئة السعودية للبحر الأحمر» لتطوير السياحة الساحلية، و«البرنامج الوطني للربط الجوي» الذي عمل على ربط المدن السعودية بالعالم لضمان تدفق السائحين بانسيابية عالية.

تمكين الوصول وابتكار التجربة الرقمية

تُمثِّل التأشيرة السياحية الإلكترونية حجر الزاوية في هذا الانفتاح، حيث توسَّعت لتشمل مواطني 66 دولة، مما سهل دخول ملايين السياح. وبالتوازي مع ذلك، صدر نظام السياحة الجديد ليدعم المستثمرين عبر تسهيل التراخيص، ويدعم الكفاءات الوطنية عبر برامج مثل «رواد السياحة».

ولم تكتفِ المملكة بالجانب التنظيمي، بل أطلقت حلولاً ذكية مثل المرشدة السياحية الافتراضية «سارة»، مما يعكس التزام الدولة بتقديم تجربة سياحية رقمية متطورة تتماشى مع تطلعات الجيل الجديد من المسافرين.

عائلة تزور حي طريف التاريخي في الدرعية (وزراة السايحة)

طموحات تتخطى الأرقام

لقد أثبتت الأرقام نجاعة هذا التحول؛ فبعد أن كان المستهدف هو 100 مليون سائح بحلول 2030، تم تحقيق هذا الرقم قبل موعده بخمس سنوات، ليُرفع سقف الطموح إلى 150 مليون سائح. وفي عام 2025، سجَّلت المملكة قفزة تاريخية بوصول عدد السياح (محليين ووافدين) إلى 123 مليوناً، من بينهم 29.3 مليون سائح من الخارج، مما وضعها ضمن أهم 15 دولة سياحية عالمياً، مع إنفاق سياحي إجمالي تجاوز 304 مليارات ريال (80 مليار دولار). هذا النمو لم يكن مجرد أرقام، بل ترجم إلى تقدم المملكة 11 مرتبة في تصنيف السياح الدوليين لتستقر في المرتبة 14 عالمياً، مما جعلها ضمن أهم 15 وجهة سياحية على خريطة العالم.

سيَّاح في رحلة «هايكنغ» في سودة عسير جنوب السعودية (وزارة السياحة)

سياحة الأعمال والرياضة

أصبحت المملكة اليوم الحاضنة الكبرى لأحداث لا يمكن تفويتها؛ فمن سياحة الأعمال والمؤتمرات التي استضافت منتدى «فورتشن» العالمي ومعرض الدفاع ومؤتمر «ليب»، إلى السياحة الرياضية التي شهدت استضافة «رالي داكار» و«فورمولا 1» وبطولات التنس العالمية (ماسترز 1000). وتتوج هذه الرحلة بالفوز التاريخي باستضافة «إكسبو 2030» في الرياض، والترقب العالمي لاستضافة «كأس العالم 2034»، وهي أحداث ستدفع بالقطاع السياحي إلى آفاق غير مسبوقة من النمو والتمكين للمجتمعات المحلية.

استشراف المستقبل

مع افتتاح وجهات أيقونية مثل «العلا» و«الدرعية» و«نيوم» ومشروع «البحر الأحمر» وأولى رحلات «أرويا كروز»، تتهيأ المملكة لمرحلة جديدة تتجاوز فيها السياحة كونها قطاعاً اقتصادياً لتصبح جسراً ثقافياً عالمياً. إن هذا التطور يضمن تمكين المواطن السعودي وتوليد فرص عمل مستدامة، مما يحوِّل المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية استغلال المقومات التاريخية لبناء اقتصاد سياحي حديث وقوي ينافس أعرق الوجهات العالمية.


تداولات متباينة في سوق الأسهم السعودية... و«بترورابغ» يقفز 10 %

مستثمران يتابعان شاشة التداول في السوق المالية السعودية (رويترز)
مستثمران يتابعان شاشة التداول في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

تداولات متباينة في سوق الأسهم السعودية... و«بترورابغ» يقفز 10 %

مستثمران يتابعان شاشة التداول في السوق المالية السعودية (رويترز)
مستثمران يتابعان شاشة التداول في السوق المالية السعودية (رويترز)

تراجع مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي) بشكل طفيف، في مستهل تداولات أولى جلسات الأسبوع، بنسبة 0.04 في المائة، ليستقر عند 11105.6 نقطة، في ظل سيولة بلغت 1.4 مليار ريال (373 مليون دولار).

وضغط سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، على أداء السوق بتراجعه 0.3 في المائة إلى 27.14 ريال، فيما انخفض سهم «أديس» بنسبة 1.2 في المائة ليصل إلى 18.34 ريال.

في المقابل، سجل سهم شركة «رابغ للتكرير والبتروكيماويات (بترورابغ)» ارتفاعاً بلغ 10 في المائة، وصل بسعره إلى 12.65 ريال، وهو الأعلى منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وذلك بعد إعلان الشركة النتائج المالية للربع الأول.

كما حقق سهما «البحري» و«سابك» مكاسب لافتة بنسبة 3.4 و2.3 في المائة لتصل أسعارهما إلى 34.44 و58.6 ريال على التوالي.

وعلى صعيد القطاع المصرفي، سجل سهم مصرف «الراجحي» ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.3 في المائة إلى 68.9 ريال، بينما تراجع سهم «الأهلي» بنسبة 0.15 في المائة ليستقر عند 39.72 ريال.


البنوك السعودية تحقق أرباحاً فصلية غير مسبوقة بـ6.4 مليار دولار مدعومة بـ«رؤية 2030»

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)
TT

البنوك السعودية تحقق أرباحاً فصلية غير مسبوقة بـ6.4 مليار دولار مدعومة بـ«رؤية 2030»

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)

أكد القطاع المصرفي السعودي مكانته بوصفه عموداً فقرياً للاقتصاد الوطني، مُسجِّلاً فصلاً تاريخياً جديداً غير مسبوق مع انطلاقة عام 2026. وللمرة الأولى في تاريخها، نجحت البنوك الـ10 المدرجة في اقتناص صافي أرباح بلغ 6.4 مليار دولار (23.95 مليار ريال) خلال الرُّبع الأول فقط، محققةً نمواً سنوياً بنسبة 7.6 في المائة، لتبرهن المصارف المحلية على قدرة فائقة في تحويل الزخم الاقتصادي الذي تولده «رؤية 2030» إلى مكاسب مالية مستدامة.

لم يكن هذا الأداء القياسي وليد الصدفة، بل جاء مدفوعاً بأداء استثنائي للمصارف الكبرى وهي: «البنك الأهلي السعودي»، ومصرف «الراجحي»، و«بنك الرياض»، و«البنك السعودي الأول»، و«البنك السعودي الفرنسي»، و«البنك العربي الوطني»، ومصرف «الإنماء»، و«بنك البلاد»، و«البنك السعودي للاستثمار»، و«بنك الجزيرة».

وقد تربع مصرف «الراجحي» على قمة الهرم الربحي بنمو قفز إلى 14.3 في المائة، مُحقِّقاً 6.75 مليار ريال. وهو ربح أرجعه المصرف إلى ارتفاع صافي الدخل من التمويل والاستثمار بنسبة 18.4 في المائة، وارتفاع إجمالي العوائد على التمويل والاستثمار، وإجمالي دخل العمليات بنسبة 14.4 في المائة، وارتفاع رسوم الخدمات المصرفية وتحويل العملات الأجنبية، وقابل ذلك انخفاض في مصروف الاستهلاك.

وفي المركز الثاني، جاء «البنك الأهلي السعودي» بصافي ربح بلغ 6.42 مليار ريال بنسبة نمو بلغت 6.66 في المائة. وأوضح البنك أن نمو صافي أرباحه يعود إلى ارتفاع الدخل من التمويل والاستثمارات بنسبة 3.1 في المائة ليصل إلى 14.8 مليار ريال؛ نتيجة ارتفاع الدخل من محفظة التمويل بنسبة 4.4 في المائة، وارتفاع دخل العمليات التشغيلية، وانخفاض مصاريف العمليات التشغيلية؛ نتيجة انخفاض في إيجارات ومصاريف المباني وصافي مخصص الانخفاض لخسائر الائتمان المتوقعة بالصافي.

أما «بنك الرياض»، فقد حافظ على مركزه الثالث بأرباح ناهزت 2.61 مليار ريال، وبنسبة نمو بلغت 5.1 في المائة. وردَّ البنك ذلك إلى ارتفاع دخل العمليات؛ نتيجة زيادة دخل المتاجرة، وصافي دخل العمولات الخاصة وانخفاض في خسائر بيع استثمارات مقتناه لغير أغراض المتاجرة، قابلها انخفاض في صافي دخل الأتعاب والعمولات، وإيرادات العمليات الأخرى، ودخل توزيعات الأرباح، وصافي دخل تحويل العملات الأجنبية، وقابل ذلك انخفاض مصاريف العمليات؛ نتيجة انخفاض صافي مخصص الانخفاض في خسائر الائتمان والأصول المالية الأخرى، وإيجارات ومصاريف المباني والعمليات الأخرى.

وعلى أساس ربعي، واصل القطاع المصرفي السعودي تحقيقه لأرقام قياسية جديدة في صافي الأرباح، حيث نمت الأرباح في الرُّبع الأول بنسبة 1.26 في المائة، مقارنةً بالرُّبع الرابع من 2025، الذي سجَّل فيه أرباحاً وصلت إلى 6.31 مليار دولار (23.66 مليار ريال).

أحد فروع بنك «الراجحي» في السعودية (البنك)

تحليل الأداء التاريخي

وأرجع محلل الأسواق المالية وعضو «جمعية الاقتصاد» السعودية، الدكتور سليمان آل حميد الخالدي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، هذا الأداء التاريخي إلى 4 أسباب رئيسية: استمرار ارتفاع أسعار الفائدة مما دعم صافي هامش الربح، ونمو الإقراض العقاري وتمويل الشركات المرتبط بالمشروعات الكبرى، وتحسُّن جودة الأصول وانخفاض المخصصات مقارنة بفترات سابقة، وقوة الإنفاق الحكومي والمشروعات المرتبطة بـ«رؤية 2030»، ما عزَّز النشاط الاقتصادي وخلق فرص تمويل جديدة.

وأشار إلى أنَّ نتائج الرُّبع الأول من 2026 تعكس متانة القطاع المصرفي السعودي، مدعوماً بنمو متوازن في معظم البنوك، وعلى رأسها مصرفي «الراجحي» و«البنك الأهلي السعودي». وقال: «هذا الأداء يؤكد قوة نموذج الأعمال المصرفي في المملكة، وقدرته على الاستفادة من البيئة الاقتصادية الإيجابية، مع استمرار الطلب على التمويل من الأفراد والشركات»، لافتاً إلى أنَّ القطاع المصرفي حقَّق خلال العام الماضي أرباحاً تجاوزت 95 مليار ريال بزيادة 16 في المائة عن العام الذي سبقه.

وتوقَّع الخالدي أن يحافظ القطاع المصرفي السعودي على أدائه القوي خلال 2026، لكن بوتيرة نمو أكثر اعتدالاً، موضحاً في الوقت نفسه أنَّ أي توجه لخفض أسعار الفائدة قد يضغط نسبياً على الهوامش، «إلا أنَّ ذلك قد يقابله تحسُّن في الطلب على التمويل، كما ستظل المشروعات الحكومية والإنفاق الرأسمالي محركاً رئيسياً للنمو».

وأشار الخالدي إلى أنَّ القطاع المصرفي مرشح للاستمرار في تحقيق أرباح جيدة، مع بقاء التنافسية مرتفعة، والتركيز على الكفاءة التشغيلية، وتنويع مصادر الدخل، مضيفاً: «نحن أمام قطاع قوي، لكن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة استقرار ونمو متزن أكثر من كونها قفزات استثنائية، إلا أنه سوف يتعدى أرباح العام الماضي 2025، ويصل إلى حاجز الـ100 مليار ريال (26.6 مليار دولار) وأكثر، ويكون تاريخياً هذا الإنجاز غير المسبوق».

البنوك... والزخم الاقتصادي

من جانبه، أكد المحلل الاقتصادي والرئيس التنفيذي لشركة «جي وورلد للدراسات»، محمد حمدي عمر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنَّ الأرباح القياسية التي حقَّقتها المصارف السعودية تعكس الدور الجوهري للقطاع بوصفه أحد أبرز المستفيدين من زخم الاقتصاد المحلي. وأوضح أنَّ نمو الأرباح بنسبة 7.6 في المائة لم يكن نتيجة عوامل دورية عابرة، بل جاء مدفوعاً بمزيج من العوامل التشغيلية والهيكلية المستدامة، وفي مقدمتها استمرار نمو الائتمان بفضل تمويل المشروعات الكبرى المرتبطة بـ«رؤية 2030»، مثل «نيوم» ومشروعات البنية التحتية، فضلاً عن الانتعاش المستمر في التمويل العقاري وتمويل الأفراد، مما عزَّز حجم الأصول المدرة للدخل.

هامش الفائدة

كما أشار عمر إلى أنَّ البنوك استفادت من تحسُّن صافي هامش الفائدة، رغم بوادر التراجع في أسعار الفائدة عالمياً، وذلك بفضل قدرتها على إعادة تسعير الأصول بوتيرة أسرع من الخصوم خلال الفترات الماضية. وشدَّد على أهمية تنوع مصادر الدخل الذي لعب دوراً محورياً في تخفيف الاعتماد على دخل الفوائد، خصوصاً مع ارتفاع إيرادات الرسوم والخدمات في مجالات المدفوعات، وإدارة الأصول، والخدمات الرقمية، بالإضافة إلى الانضباط في التكاليف وتحسُّن جودة الأصول الذي انعكس في انخفاض نسب التعثر وتراجع مخصصات الائتمان. ولفت عمر إلى أنَّ النضج الرقمي بات يؤتي ثماره بشكل ملموس في رفع الكفاءة التشغيلية، لا سيما لدى البنوك الكبرى.

وفي قراءته للمستقبل، لاحظ عمر أنَّ التفاوت في نسب النمو بين البنوك يعكس اختلاف استراتيجيات المحافظ التمويلية وهياكل الودائع. وتوقَّع استمرار الأداء القوي للقطاع خلال عام 2026 مدعوماً بالطلب على التمويل والإنفاق الرأسمالي الحكومي، رغم الضغوط المحتملة على الهوامش في حال بدأت دورة خفض أسعار الفائدة وما قد يتبعها من تراجع تدريجي في هوامش الربح وإعادة تسعير الودائع.

واختتم عمر بالإشارة إلى أن تحسُّن بيئة الأعمال غير النفطية سيعزِّز جودة الأصول، مؤكداً أنَّ القطاع المصرفي يظلُّ في موقع قوة بفضل متانة الاقتصاد الكلي، وإن كانت المرحلة المقبلة ستشهد تحولاً نحو نمو أكثر استدامة، وتوازناً يتطلب مراقبة دقيقة لمستويات السيولة وتطورات أسعار الفائدة.