أمين الاتحاد من أجل المتوسط: الاستدامة بمنطقتنا فرصة نمو وثورة مستقبلية خامسة

كامل أكد لـ «الشرق الأوسط» وعي الأعضاء بالمخاطر... وإعجاب واسع بتجارب السعودية والإمارات

السفير ناصر كامل أمين عام الاتحاد من أجل المتوسط
السفير ناصر كامل أمين عام الاتحاد من أجل المتوسط
TT

أمين الاتحاد من أجل المتوسط: الاستدامة بمنطقتنا فرصة نمو وثورة مستقبلية خامسة

السفير ناصر كامل أمين عام الاتحاد من أجل المتوسط
السفير ناصر كامل أمين عام الاتحاد من أجل المتوسط

في حدث مهم لمنطقة تحتل سُرّة العالم، اجتمع وزراء 42 دولة أعضاء في «الاتحاد من أجل المتوسط» بالقاهرة قبل أيام، في المؤتمر الوزاري الثاني للاتحاد حول البيئة والعمل المناخي؛ وذلك لإطلاق تقرير شديد الحساسية يتناول السيناريو الكابوسي حال التراخي في بذل الجهد واتخاذ القرارات الحاسمة لمواجهة التغير المناخي بشكل حاسم.
وكان لا بد لـ«الشرق الأوسط» أن تلتقي السفير ناصر كامل، الأمين العام لمنظمة «الاتحاد من أجل المتوسط»؛ وذلك لاستيضاح أحدث ما توصلت إليه الدول الأعضاء، وتقييمه مدى الالتزامات الخاصة بالإقليم، والإضاءة على بعض الخطط قريبة المدى في الاتحاد، وكذلك تأثر الإقليم بجواره القريب والبعيد، إضافة إلى التغيرات التي أسفرت عنها جائحة غيّرت كثيراً من الأوجه في ملامح العالم أجمع.
وكان الحوار التالي...

> دول البحر المتوسط إحدى أكثر المناطق المهددة نتيجة الاحترار، وفي الوقت ذاته هي إحدى المناطق المسؤولة على التلوث. ماذا يمكن أن تفعل المنطقة، سواء على مستوى تقليص الخطر الذاتي أو الضغط على الآخرين لإنقاذ نفسها والعالم؟
- أولاً، هذا التقرير مبني على فرضية عدم اتخاذ الدول الإجراءات اللازمة في مجال التكيف البيئي، ويظهر السيناريو الأسوأ. ويشير إلى عدد من الآثار السلبية على غرار ارتفاع منسوب المياه أو ارتفاع درجات الحرارة بنسبة 20 في المائة أسرع من المتوسط العالمي، والتي تؤثر على منطقة البحر المتوسط بشكل أكبر من غيرها. وهي الأولى من حيث الكثافة السكانية بـ500 مليون نسمة تقطنها.
كل هذه المؤشرات مبنية على فرضية عدم انخراط دولنا في شمال وجنوب المتوسط في اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمواجهة التغير المناخي... وفي تقديري، فإن المنطقة بمجملها منخرطة بشكل جدي في التعاطي مع، أولاً الالتزامات الوطنية وفق الاتفاقية الإطارية لتغير المناخ (اتفاقية باريس)، ومنخرطة إقليمياً. وهي على وعي وإدراك بحجم التحدي وحجم الخطر الذي تواجهه نتيجة لظاهرة التغير المناخي، ومن ثم الإجراءات متخذة بالفعل، وأرى تسارعاً في مدى تبني دول المنطقة جنوباً وشمالاً لهذه الإجراءات، حيث يوجد تعهد أوروبي صريح بما يسمى بالحياد الكربوني عام 2030 وصفر انبعاثات بحلول 2050. وهذا أمر جذري؛ لأن دول المنطقة هي الأكثر إنتاجاً لثاني أكسيد الكربون، وبالتالي الأكثر مساهمة في ظاهرة الاحتباس الحراري عالمياً وإقليمياً. ودول جنوب وشرق المتوسط أيضاً مدركة تماماً ومندمجة في تنفيذ التزاماتها.
> هل من مؤشرات على مثل هذا الوعي؟
- من بين الأدلة على هذا الإدراك والوعي، أن دول المنطقة هي الأعلى عالمياً في استيعاب التمويل المخصص لهذه الأنشطة ذات الأثر البيئي الإيجابي والخاصة بتقليص الانبعاثات والطاقة المتجددة. وهذا هو التقرير الأول من نوعه الذي يتعامل مع قضية التغير المناخي من منظور إقليمي، حيث إن التقارير السابقة تعاملت مع القضية من منظور دولي أو منظور وطني فقط.
> الدراسة الجديدة هي الأكبر من نوعها كما هو واضح... لكن هل هناك تحركاً من الاتحاد من أجل المتوسط بخطط مغرية (لا فقط تحذيرية) وذات منافع اقتصادية مباشرة لزيادة الحماس تجاه التعاون؟
- أولاً، الاستدامة اليوم أصبحت أحد المصادر الرئيسية للنمو الاقتصادي على صعيد الدول. وتشير إحدى الدراسات إلى أن التمويل الذي أصبح يخصص للصناعات المرتبطة بالاستدامة يصل إلى 30 تريليون دولار على الصعيد الدولي (ليس فقط الأنشطة الموجهة لمواجهة التغير المناخي، بل للأنشطة المستجدة غير الملوثة للبيئة، مثل إنتاج السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، والمباني قليلة الانبعاثات).
ونحن ننظر اليوم لدخول عناصر الاستدامة في الدوائر الاقتصادية الدولية أو الإقليمية باعتباره محفزاً للنمو. والخطاب السياسي لعدد من دول العالم أصبح شديد الوضوح في هذا الصدد. مثلاً، الرئيس الأميركي جو بايدن يقول صراحة أنا أرغب في زيادة معدل النمو الأميركي بالاستثمار في هذا الاتجاه. وبالتالي، أصبح عنصر الاستدامة وتفعيله في الأنشطة الاقتصادية كافة اليوم جاذباً لرؤوس الأموال في مجالات الاستثمار البيئي؛ وذلك لكون عائده الاقتصادي ذا جدوى ومربحاً، ولم يعد مجرد تمويل حكومي أو من مؤسسات تمويل دولية فقط. ولذلك أصبحنا اليوم نتكلم عن الاقتصاد الأخضر والاقتصاد الأزرق والتنمية المستدامة. وكونها تنمية؛ فبالتأكيد لها مردود إيجابي على الاقتصادات. وهذا أصبح واضحاً في حجم الاستثمار الخاص والصناديق الاستثمارية التي أصبح بعضها اليوم مخصصاً فقط - أو جانباً معتبراً من استثماراتها - لهذه القطاعات... وأنا في تقديري أن الاستدامة قد تعد «الثورة الصناعية الخامسة»؛ إذا جاز القول.
> ماذا عن ضريبة التحول من الاقتصاد التقليدي إلى الاقتصاد المستدام؟
- اتفاقية باريس ومؤسسات التمويل الدولية تخصص حجم تمويل للتعاطي مع بعض الأنشطة التي قد تحتاج إلى استثمارات من أجل التكيف مع المعايير البيئية الجديدة. والدورة الاقتصادية الطبيعية للمجتمع البشري دائماً يكون بها صناعات أكثر رواجاً وأخرى أقل رواجاً وفقاً للتطور التكنولوجي.
> هل هذا يعني أن هناك عوامل تحفيزية تتبنونها في الاتحاد؟
- الاتحاد من خلال الخطة الأولى التي اعتمدت في 2014 والاجتماع الأول لوزراء البيئة، أقرّ بما يسمى بـ«أفق 2030»، والذي ضخ 1.3 مليار يورو أسهمت في 84 مشروعاً في إطار إقليمي يضم دولتين أو أكثر من دول الاتحاد من أجل المتوسط. وهذا ليس مبلغاً كبيرا بالتأكيد؛ لكنها مشروعات بمثابة نماذج يحتذى بها وربطت التعاون الإقليمي بمشروعات حقيقية تسهم في مكافحة التلوث. وبالتالي، فإن الاتحاد كإطار مؤسسي لإدارة العلاقات الإقليمية بين جنوب وشرق وشمال المتوسط وضع مثالاً واضحاً فيما يتصل بالبعد العملي الفعلي للتعاون.
ومن بين أدوارنا الحاسمة، الإسهام في إنشاء أول صندوق للاستثمار البيئي الخاص بدعم من الصندوق العالمي للاستثمار المناخي، وبقيمة 750 مليون يورو؛ وذلك للاستثمار في مشروعات صغيرة ومتوسطة تهدف للربح وتخدم البيئة في الدول الأعضاء. وأيضاً الرقم ليس كبيراً، لكنه يهدف لخلق نماذج جادة تُحتذى.
والآن بنك الإنشاء والتعمير الأوروبي وبنك الاستثمار الأوروبي يفكران في إنشاء صندوق متخصص للمنطقة في المجالات البيئية المرتبطة بالبحر المتوسط.
> كيف يمكن أن تقدر حجم هذا التحول والاستفادة بالمنطقة؟
- دراسات التمويل المناخي، التي تعتمد على مشروعات تساعد على مواجهة التغير المناخي، تشير إلى أن إحدى أكثر المناطق استفادة من هذه التوجهات هي منطقة شمال أفريقيا وشرق المتوسط. وأكثر 3 دول استفادت من هذا النمط التمويلي هي مصر والمغرب وتركيا، ما يشير إلى أن هذه الدول منخرطة جداً ولديها خطط وتصورات جادة لوضع مشروعات قابلة للتنفيذ، وبالتالي فالمنطقة تحصل على حصة أكبر من حصة أميركا اللاتينية على سبيل المثال.
> هل غيَّرت الجائحة من أولوياتكم في الاتحاد؟
- بالفعل، الصحة أصبحت على رأس الاهتمامات. والصحة مرتبطة أيضاً بالمناخ والتلوث، وبالتالي عندما اعتمدنا البرنامج الأورومتوسطي للبحث العلمي، بميزانية تصل إلى نحو 170 مليون يورو، كانت الأولوية لتغير المناخ والصحة.
كما ركزنا على مسألة «إعادة البناء والتعافي بعد كورونا»، والتي تعتمد الأن على أسس أكثر استدامة وليس وفقاً للقواعد القديمة التي تستهدف النمو فقط دون معايير مستدامة.
أيضاً، فكرة المساواة المجتمعية؛ لأن «كورونا» أحد أبرز ما أظهرته وبشكل صادم هو حجم التفاوت بين دولنا وداخل دولنا، وبالتالي أفكار المساواة والتضامن والشمول الاجتماعي أصبحت أولويات.
وقد رأينا جميعاً حجم أزمة اللقاحات، والتفاوت غير المبرر في تخزين اللقاحات في شمال المتوسط، بينما دول الجنوب غير قادرة على توفير الحد الأدنى منها لحماية الفئات الأكثر تعرضاً للمضاعفات الخطيرة. وبعد تعالي الأصوات عالمياً ظهر ما يسمى بـ«دبلوماسية اللقاحات» وبدء تخلي عدد من دول الشمال عن جزء من المخزون الهائل لديها لصالح الجنوب.
وجزء من يقين الاتحاد هو أن هناك قضايا لا تعرف الحدود، مثل المناخ والبيئة والصحة... ووجود تفاوت كبير في هذه القضايا يخلق أوضاعاً جيوسياسية غير مريحة؛ لأن الهجرة ترتبط بها جنباً إلى جنب مع التوظيف ومعدلات النمو. فإذا نظرنا إلى أكثر الدول تصديراً للهجرة والطاردة للسكان سنجد أنها دول الساحل جنوب الصحراء نتيجة لأسباب مناخية.
> هل هناك جديد يخص التعاون مع منطقة الخليج العربي؟
- الخليج منطقة مهمة جداً، أولاً، هناك اتصال مؤسسي مع مجلس التعاون الخليجي، فهو منطقة جوار مباشر ذات أولوية لمنطقة البحر المتوسط. وأيضاً هناك عدد من مشروعات الاتحاد من أجل المتوسط تنخرط فيها مؤسسات خليجية، فمثلاً بنك التمويل الإسلامي منخرط بفاعلية - إلى جانب جهات أخرى دولية - في أحد أهم المشروعات المتوسطية وهو إنشاء محطة تحلية مياه البحر في غزة وهي قضية وجودية. وكذلك صندوق التنمية الكويتي مثلاً.
> كيف ترون إذن تبني السعودية والإمارات على وجه الخصوص مشروعات بيئية ضخمة والتحول في مجال الطاقة؟
- ننظر بإعجاب شديد للتجربة؛ لأن أكبر منتجي الطاقة الأحفورية ينخرطون في الطاقة الجديدة، وخطة التنمية الشاملة «رؤية 2030» التي تبناها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بما تحمله من بعد بيئي واضح جداً وإدراك بأن العالم في سبيله إلى التحول.
والإمارات كذلك كانت سابقة حين سعت لإنشاء منظمة الطاقة الجديدة والمتجددة (ايرينا) واستضافتها مدينة أبوظبي، ثم إعلانها الأخير الالتزام بهدف الوصول إلى صفر انبعاثات بحلول عام 2050، مع استثمار نحو 165 مليار دولار في مجال الطاقة النظيفة بحلول ذلك الوقت.
وكل هذا يؤشر إلى أن هناك رهاناً من المنطقة والعالم على الاستدامة، وعلى الرفاه والنمو مع توفير حياة رغدة للأجيال المقبلة.
> نظراً لأهمية الولايات المتحدة كلاعب عالمي، فإن توجهاتها وإشاراتها تهم الجميع. وتصلنا أحياناً رسائل مختلطة من الإدارة الأميركية حول المناخ... فكيف تقيّم الأمر من وجهة نظرك؟
- لا أرى بشكل شخصي تعارضاً في موقف الإدارة الأميركية الجديدة فيما يخص ملف التغير المناخي والبيئة، فهناك أهداف بيئية واضحة بعيدة المدى؛ خاصة حين ننظر إلى خطط التنمية والبنية التحتية المقترحة حاليا، ولا يعارض ذلك بعض «القرارات اليومية» قصيرة المدى المرتبطة بإمدادات الطاقة وخلافه؛ مما يعطي أملاً كبيراً في نجاح قمة الأرض (كوب 26) المقبلة في غلاسكو، وأن تصل إلى قرارات حقيقية وعملية فيما يتصل بالالتزام الأطراف بالاتفاقية الإطارية.
> خلال عام الجائحة... هل هناك نموذج اقتصادي مشرق خطف عينك على أي مستوى؟
- الأرقام تتحدث عن نفسها. وإحدى الدول القليلة التي نجحت خلال أزمة «كوفيد - 19» في تحقيق نمو إيجابي وبنسبة معتبرة هي مصر. وهذا مؤشر على أن مصر انتهجت سياسة متوازنة ورشيدة، سواء بتحفيز الحفاظ على معدلات جيدة للنشاط الاقتصادي مع اتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على السكان.
ولو تناولنا المنطقة في المجمل، فسنجد أنها من بين الأقل عالمياً من حيث تراجع نسب النمو خلال الأزمة. وجزء من هذا النمو والنجاح مرتبط أيضاً بإدارة الملف البيئي والمشروعات الصديقة للبيئة.



تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.