مهرجان لندن السينمائي يواصل نجاحاته الكبيرة

دورته الخامسة والستون انطلقت قبل يومين

TT

مهرجان لندن السينمائي يواصل نجاحاته الكبيرة

إذ انطق «لندن فيلم فستيفل» قبل يومين (في السادس من هذا الشهر) ويستمر حتى السابع عشر منه، يتصدر الرقم 65 صفحاته وشاشاته حسب عدد السنوات التي أقيم بها من عام 1956 وحتى الآن.
للوهلة الأولى من العذر أن يصدّق بعضنا أن ستة عقود ونصف مرّت على المهرجان اللندني العتيد. هذا يعني أنه على بعد عقد واحد من بعض أعتى وأقدم مهرجانات العالم مثل «كان» و«فينيسيا» و«برلين» و«لوكارنو».
والواقع أن «لندن» لم يبدأ كبيراً وبل لم ينمُ سريعاً. أخذ وقته الطويل في الانتقال من طور الولادة إلى ما هو عليه الآن من أهمية وحجم. انطلق على شاشة واحدة والآن أصبح متوفراً في عشر مدن (بينها بلفاست وغلاسغو وبريستول ونيوكاسل ومانشستر). انطلق كمجموعة من الأفلام التي كانت عرضت في مهرجانات أخرى وتم تجميعها من هنا وهناك، إلى مهرجان يتمتع بـ21 عرضاً عالمياً أول هذا العام.
مثل سواه، تعرّض في العام الماضي إلى ذلك الزلزال الذي أحدثه وباء «كورونا». عرض خدماته المنزلية كما تفعل محلات السوبر ماركت والمطاعم مع إبقاء شاشاته الفعلية مفتوحة لمن يرغب. لكنه يعود إلى النشاط الكامل هذا العام وبزخم مرتفع النبرة ليؤكد حالتين: حضوره بين مهرجانات العالم السينمائية وحضوره لهواة السينما في ربوع بريطانيا وحيثما هناك شاشة تشارك عرض الأفلام.

- تنوّع كبير
في الواقع لعب وباء «كورونا» دوراً في تشييد دورة قوية هذا العام. كان بمثابة الدافع للإجادة والتقدم. وُلد هذا الدافع على نحو غير متوقع. فلجانب أن إدارته، متمثلة بترشيا تاتل، قررت المضي قُدُماً بإنجاز دورة العام الماضي، وعلى مستويين، عزز حضوره ذلك التصميم على تجاوز الصعاب، كما فعل مهرجان فينيسيا بين كل مهرجانات الصف الأول.
والحال أن الإقبال على الاشتراك بعروض المهرجان المنزلية كان بمثابة توسيع رقعة وعملية دعائية ذكّرت البعض بوجود المهرجان الذي كان، قبل ذلك، يعتمد على عشرات الألوف من زبائنه المخلصين في الصالات المخصصة له. تقول مديرته تاتل إن ما حدث في العام الماضي كان تجاوزاً ناجحاً للتحدي الذي فرضه «كورونا» على المهرجان: «دفعنا للمزيد من العمل والمقاومة لأننا لم نرد أن نرفع راية بيضاء متمنين لجمهورنا ولنا عودة لاحقة هذا العام».
ما يتلمّسه المرء من متابعة محتويات الدورة الجديدة، ذلك التنوّع الكبير في الاختيارات من حيث تصنيف الأفلام المعروضة ومن حيث الجغرافيا (السعودية ومصر ولبنان من بين القلّة العربية الممثلة) ومن حيث ذلك الضم لأساليب عديدة من أساليب الإخراج وكيفيات نقل الأحلام إلى أفلام.
هذا كان حدث في السابق عندما كان مهرجان لندن السينمائي مكتفياً بجلب أفلامه من المهرجانات المختلفة حوله. مثل مهرجان تورونتو في السبعينات، كان لا يزال يحمل شعار «مهرجان المهرجانات» نسبة لاستحواذه على ما وجده أفضل ما سبق لمهرجانات العالم المتقدّمة عليه عرضه. لكن إذ قوي عضد مهرجان لندن منذ سنوات فإنه بات قادراً على ضمان رقعة أوسع من الأفلام وأنواعها والمدارس المختلفة التي تنتمي إليها.
على ذلك هناك معضلة لا يمكن حلّها بسهولة: ما زال على بعد غير يسير من منافسة مهرجانات الصف الأول. هذا يتطلب تغيير خطّة عمل وتطوير إمكانيات واستحداث أسواق وتوزيع جوائز (مما يعني اعتماد لجان تحكيم) وهذا كله ليس متاحاً الآن.

- محو الفوارق
رغم ذلك، ما يتيحه المهرجان من أفلام يشيد بانوراما واسعة ورائعة لجمهور متعطش لأفلام قرأ عنها حين عرضت في بعض المهرجانات الأخرى أو لأفلام من تلك الواحدة والعشرين التي لم تعرض بعد في أي مكان.
أحد هذه الأعمال غير المعروضة سابقاً فيلم الافتتاح The Harder They Fall لجايمس (Jeymes) سامويل: وسترن على أصوله من بطولة إدريس ألبا ورجينا كينغ يعيد البسمة على وجوه عشّاق النوع كما حب الاكتشاف لجيل لم يعاصر هذا النوع شبه المندثر الذي كان (حتى مطلع الستينات) يشكل نسبة تصل إلى 45 في المائة من إنتاجات هوليوود من الأفلام.
هو فيلم من إنتاج «نتفليكس» لكن الجدار السابق الذي نشأ بين ما هو منتج للعروض المنزلية وبين ما هو إنتاج للصالات التجارية بات أقل سماكة وأهمية اليوم مما كان عليه في عهد قريب. والمهرجانات هي واحدة من أسباب محو الفارق، ذلك عائد إلى أن معظمها لم يتوانَ عن استقبال فيلم لـ«نتفليكس» أو «أمازون» إذا ما توفر لهم. في الواقع يقف «كان» وحيداً بين صنف الرافضين لذلك ولسبب آخر لا علاقة له برفض الأفلام غير المصنوعة للسينما، وهو هيمنة شركات الإنتاج والتوزيع الفرنسية على ما يختاره «كان» لعروضه. هذه تريد أن تكون معظم العروض قابلة للصرف على شاشات السينما وكثير منها هو من تمويل فرنسي كامل أو جزئي على أي حال.
إذ يتصدّر «ذا هارد ذاي فول» عروض المهرجان مفتتحاً الدورة الجديدة فإن العرض الختامي هو لفيلم أميركي آخر خاص (وإن سبق وأن تم عرضه في مطلع مهرجان نيويورك قبل أقل من شهر). الفيلم هو «تراجيديا شكسبير» والكثير من الاهتمام يدور حوله لأكثر من سبب في مقدّمتها أنه الجهد الأول لجووَل كووَن بعيداً عن شقيقه ناتان. كيف تم ذلك ولماذا وهل سيعودان للعمل معاً أم لا؟ أسئلة لا جواب عليها قبل المؤتمر الصحافي للمخرج وزوجته فرنسيس مكدورمند بطلة الفيلم.
الفيلم اقتباس آخر جديد للنص الذي وضعه ويليام شكسبير قبل 401 سنة تحت عنوان «ماكبث». تم تداول الفيلم أكثر من 200 مرّة رئيسية من أيام السينما الصامتة، لكن نسخة كووَن تعد بأن تكون مختلفة (هذا لا يعني، إلى أن تُتاح لنا مشاهدة الفيلم، إنها جيدة أو لا).
شكسبير كتب أيضاً «الملك ريتشارد» لكن فيلم رينالدو مرقص غرين «الملك ريتشارد» لا علاقة له بنص شكسبير. هو من بطولة ول سميث الذي يؤدي دور أب يسعى كل طاقته لضم ابنتيه لفريق كرة ناجح.

- أفلام عربية
عربياً نجد «الحارة» للأردني باسل غندور (مع عماد عزي وبركة رحماني في البطولة) ممثلاً أربع دول اشتركت في تمويله هي السعودية ومصر وقطر والأردن. وهناك فيلم مصري (خالص) بعنوان «ما لا نعرفه عن مريم» لمراد مصطفى.
لبنان حاضر في أربعة أفلام هي «صندوق الذاكرة» للثنائي جوانا حاجي توما وخليل جريج: دراما عن توابع الحرب اللبنانية التي تركت تأثيراتها العميقة في شخصيات الفيلم. و«كوستا برافا ليبانون» لمنية عقل وهو حكاية عائلة استقرّت في منعزل جبلي بعيداً عن قاذورات المدينة المتراكمة في أزمة 2018 الشهيرة، لتجد أن الحكومة قررت تحويل أرض ملاصقة كحاضن للنفايات التي هربت العائلة منها.
«البحر أمامكم» فيلم آخر يستدعي الانتباه (أسوة بهذه المجموعة التي تم إنتاجها لبنانياً رغم الظروف العسيرة) حول فتاة (منال عيسى) عادت من باريس فجأة إلى مدينة بيروت حيث تلجأ إلى دار والديها وإلى صديقها الأول (روجيه عازار). هناك سبب خفي لعودتها يبني المخرج إيلي داغر الفيلم عليه.
الفيلم الرابع هو «فلسطين الصغيرة، مفكرة حصار» لعبد الله الخطيب، وهو تسجيلي حول قيام السلطات السورية قبل أعوام بإغلاق الحي الذي يقطنه الفلسطينيون في دمشق.
فيلم تسجيلي آخر، إنما سوري الراية، يتمثل في فيلم هالة عبد الله عنوانه «عمر أميرالاي: أسف، زمن»، وهو عن المخرج السوري الراحل منذ عقود والذي ما زال أهل السينما يتذكرون أعماله التي سبقت سواها في نقد البنية السياسية السورية.


مقالات ذات صلة

«كَبِرتُ بوصة عندما مات أبي»... فيلم فلبيني عن الصداقة المستحيلة

يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)

«كَبِرتُ بوصة عندما مات أبي»... فيلم فلبيني عن الصداقة المستحيلة

بدأ الفيلم ينمو من السؤال عن كيف يمكن للصداقة أن تصمد وسط هذا الإرث من العنف

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي».

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)

«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

تمتلك الأحياء الشعبية قدرة خاصة على احتضان الحكايات، وإعادة إنتاجها عبر الزمن، ومن هذا الفضاء ينطلق المسلسل السعودي «حي الجرادية»

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز