«وثائق باندورا» تلاحق مئات الزعماء وأصحاب المليارات

عقار في حي مايفير الراقي في لندن تزعم وثائق «باندورا» أنه مرتبط بأسرة رئيس أذربيجان (أ.ب)
عقار في حي مايفير الراقي في لندن تزعم وثائق «باندورا» أنه مرتبط بأسرة رئيس أذربيجان (أ.ب)
TT

«وثائق باندورا» تلاحق مئات الزعماء وأصحاب المليارات

عقار في حي مايفير الراقي في لندن تزعم وثائق «باندورا» أنه مرتبط بأسرة رئيس أذربيجان (أ.ب)
عقار في حي مايفير الراقي في لندن تزعم وثائق «باندورا» أنه مرتبط بأسرة رئيس أذربيجان (أ.ب)

أثارت مجموعة ضخمة من السجلات المالية الخاصة بالمئات من زعماء العالم وسياسييه وأصحاب المليارات وغيرهم من النجوم وحتى بعض من تحوم حولهم شبهات، لغطاً واسعاً من الشرق الأوسط إلى الأميركيتين ومن آسيا إلى روسيا وبريطانيا، بعدما كشفت تفاصيل مثيرة عن استخدام نظام «أوفشور» للتعاملات الخارجية بثروات يصل إجمالها إلى تريليونات الدولارات. وهذه التعاملات قانونية لكنها مثيرة للجدل، خصوصاً لجهة أنها تسمح بإخفاء هوية الملاك الحقيقيين للعقارات.
وتشمل «أوراق باندورا» أو «وثائق باندورا» التي نشرها الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، وشارك في كشفها نحو 600 من الصحافيين من 150 وسيلة إعلامية في 117 دولة، معلومات تتعلق بـ14 من زعماء الدول الحاليين، ومنها ادعاءات عن منازل فاخرة أو عقارات يملكها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، وعن امرأة روسية حصلت على ثروة كبيرة ومنزل على الواجهة البحرية في موناكو بعدما ارتبطت مزعومة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وملايين الدولارات من العقارات والأصول والأموال المملوكة سراً لزعماء دول مثل الجمهورية التشيكية وكينيا والإكوادور وغيرها. وكشفت وثائق أخرى عن تعاملات لمسؤولين أميركيين وغيرهم من الغربيين الذين كثيراً ما ينددون بالبلدان الأصغر التي يجري استغلال أنظمتها المصرفية الفضفاضة من قبل ناهبي الودائع والأصول وغاسلي الأموال القذرة.
وكشفت تقارير مستقاة من الوثائق الجديدة تفاصيل جديدة حول تبرع المانحين الأجانب بالملايين لحزب المحافظين بزعامة رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، بالإضافة إلى قصص عن نظام كاثوليكي مبتلى بالفضائح في المكسيك، وملايين الدولارات يحتفظ بها في الخارج أعضاء في حكومة رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، فضلاً عن المقتنيات السرية لزعماء من أوروبا إلى أميركا اللاتينية. ونسبت مجلة «دير شبيغل» الألمانية إلى الوثائق أن رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي وسلفه حسان دياب تعاملا أيضاً مع شركات «الأوفشور» مرات عديدة. وقال المكتب الإعلامي لدياب لاحقاً، إنه شارك في تأسيس شركة «إي فيوتشر تك» في عام 2015، لكنها لم تقم بأي عمل منذ تأسيسها وإلى حين قدم استقالته منها عام 2019.
وأوردت «أوراق باندورا» أن رئيس الوزراء التشيكي أندريه بابيس، وهو ملياردير نصب نفسه كخصم شعبوي للنخبة في أوروبا، ومن المقرر أن يعاد انتخابه هذا الأسبوع، اشترى عام 2009 قصراً بقيمة 22 مليون دولار قرب مدينة كان الفرنسية. وفي كينيا، صقل الرئيس أوهورو كينياتا شخصيته كعدو حازم للفساد. وهو قال عام 2018 إنه «يجب إعلان أصول كل موظف حكومي»، لكن «وثائق باندورا» تظهر أنه والعديد من أقاربه أنشأوا ما لا يقل عن سبعة كيانات في الخارج تمتلك أموالاً وعقارات تزيد قيمتها على 30 مليون دولار. وتشمل الوثائق رئيس مونتينيغرو ميلو ديوكانوفيتش ورئيس تشيلي سيباستيان بينيرا ورئيس الدومينيكان لويس أبينادر، وعائلة رئيس أذربيجان إلهام علييف وشركاء له (يزعم أنهم ضالعون في صفقات عقارية تبلغ قيمتها مئات الملايين في بريطانيا)، بالإضافة إلى الزوجين السريلانكيين ثيروكومار نادسان ونيروباما راجاباكسا. وتورد الوثائق أن الملك عبد الله بن الحسين استخدم عدداً من الشركات لشراء عقارات في كاليفورنيا ولندن وحي جورج تاون بواشنطن العاصمة. ورد الديوان الملكي الأردني، في بيان، بأن الملك «يمتلك عدداً من الشقق والبيوت في الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة، وهذا ليس بأمر جديد أو مخفي». وأضاف: «كلفة هذه الممتلكات وجميع التبعات المالية المترتبة عليها تمت تغطيتها على نفقة جلالة الملك الخاصة، ولا يترتب على موازنة الدولة أو خزينتها أي كلف مالية».
كما نفى الكرملين الذي طالته الاتهامات أيضاً تورطه في مزاعم «باندورا»، مؤكداً أنها «مزاعم لا أساس لها». كذلك نفى رئيس وزراء ساحل العاج باتريك أتشي، الذي كان يدير شركة في جزر الباهاماس حتى 2006 على الأقل، وفقاً للتحقيقات، أن يكون قام بأي «عمل غير قانوني». وكان رئيس الوزراء التشيكي أندريه بابيش، نفى الأحد أن يكون أودع 22 مليون دولار في شركات وهمية لتمويل شراء قصر بيغو، العقار الكبير الواقع في موجان بجنوب فرنسا. وكتب على «تويتر»: «لم أفعل على الإطلاق أي شيء غير قانوني أو خاطئ، لكن هذا لا يمنعهم من محاولة تشويه سمعتي، والتأثير على الانتخابات البرلمانية التشيكية» المقرر إجراؤها الجمعة والسبت المقبلين.
وتتنوع أسماء الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في المجموعة مثل رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، ونجمة البوب الكولومبية شاكيرا، وعارضة الأزياء الألمانية كلوديا شيفر، ونجم الكريكت الهندي ساشين تندولكار، وأعضاء النخبة الصينية وشخصيات من بلدان مختلفة. وهناك ملفات تتعلق بتورط الرئيس السابق دونالد ترمب في مشروع فندق في بنما. لكن لا يبدو أن «وثائق باندورا» تكشف عن معلومات جديدة مهمة حول موارده المالية.
وتعرض «وثائق باندورا» التي تتضمن أكثر من 11.9 مليون سجل مالي ورسائل بالبريد الإلكتروني وجداول بيانات وعقوداً سرية، لأدلة جديدة مهمة حول سعي ولاية ساوث داكوتا الأميركية إلى منافسة الولايات القضائية الغامضة الذائعة الصيت في السرية المالية عبر أوروبا ومنطقة البحر الكاريبي، وباتت عشرات الملايين من الدولارات الآتية من خارج الولايات المتحدة تخضع الآن للحماية من شركات ائتمان خاصة في مدينة سيوكس فولز الأميركية، وبعضها مرتبط بأشخاص وشركات متهمة بانتهاكات حقوق الإنسان ومخالفات أخرى.
ويتعدى حجم «أوراق باندورا» التسريب المتعلق بـ«أوراق بنما» الذي كان مصدره شركة محاماة واحدة. وأكد الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين أن لديه 2.94 تيرابايت من البيانات المالية والقانونية، مما يجعل هذا التسريب أكبر من «أوراق بنما» لعام 2016، ويُظهر أن «آلة النقود الخارجية تعمل في كل ركن من أركان الكوكب، بما في ذلك كبرى الديمقراطيات في العالم». لكن المواد الجديدة تشمل سجلات من 14 كياناً منفصلاً للخدمات المالية العاملة في بلدان وأقاليم تشمل سويسرا وسنغافورة وقبرص وبيليز وجزر فيرجين البريطانية. وتُفصِل الملفات أكثر من 29 ألف حساب خارجي، أي أكثر من ضعف العدد المحدد في «أوراق بنما». وبين أصحاب الحسابات أكثر من 130 شخصاً صنفتهم مجلة «فوربس» في لائحة أصحاب المليارات، وأكثر من 330 موظفاً عاماً في أكثر من 90 دولة ومنطقة، وهو ضعف الرقم الموجود في «وثائق بنما».
ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن المسؤولة السابقة لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي» شيرين عبادي، التي عملت كوكيل رئيسي في عشرات قضايا الجرائم المالية، أن «النظام المالي الخارجي مشكلة يجب أن تهم كل شخص يلتزم القانون في كل أنحاء العالم»، مضيفة أن «هذه الأنظمة لا تسمح فقط للمحتالين الضريبيين بتجنب دفع نصيبهم العادل. إنها تقوض نسيج المجتمع الجيد».
وتعود الغالبية العظمى من المستندات إلى ما بين عامي 1996 و2020، علماً بأن بعضها الآخر يعود إلى السبعينيات من القرن الماضي. ونقلت «وثائق باندورا» عن رسالة إلكترونية من عام 2016 لمسؤولين تنفيذيين في شركة محاماة مرتبطة سياسياً بمدينة بنما، أن هناك «طلبات عديدة من العملاء لتأكيد أمن أنظمة المعلومات لدينا» بعد قصص «أوراق بنما». وألغى المسؤولون التنفيذيون خططاً لتحويل السجلات الورقية إلى تخزين رقمي، أملاً في طمأنة العملاء الحذرين.
وتكشف وثائق باندورا عن ثروات مخفية لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها على حد سواء.
لعل أكثر الاكتشافات إثارة للقلق بالنسبة للولايات المتحدة تتمحور حول تواطؤها المتزايد في الاقتصاد الخارجي، إذ تبنت ولايات ساوث داكوتا ونيفادا وغيرها قوانين تتعلق بالسرية المالية تنافس تلك الموجودة في الولايات القضائية الخارجية. وتُظهر السجلات أن قادة الحكومات الأجنبية وأقاربهم والشركات ينقلون ثرواتهم الخاصة إلى صناديق ائتمانية مقرها الولايات المتحدة.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».