العودة السياسية لسيف القذافي... ترضي مناصري النظام السابق لكنها تقلق خصومه

سيف الإسلام القذافي (أ.ب)
سيف الإسلام القذافي (أ.ب)
TT

العودة السياسية لسيف القذافي... ترضي مناصري النظام السابق لكنها تقلق خصومه

سيف الإسلام القذافي (أ.ب)
سيف الإسلام القذافي (أ.ب)

يروج في ليبيا منذ أيام أن سيف الإسلام، نجل العقيد الراحل معمر القذافي، ينوي توجيه كلمة إلى الليبيين، في ظل توقعات بأنه قد يحدد موقفه من انتخابات 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل. لكن ليس واضحاً تماماً ما إذا كان سيف يفكر فعلاً في الترشح للرئاسة، أم أنه ينوي فقط دعم مرشحين محسوبين عليه في انتخابات مجلس النواب.
وستشكل عودة سيف إلى العمل السياسي، سواء توجت بنجاح أو فشل في صناديق الاقتراع، إنجازاً لهذا الرجل الذي ظل لسنوات الخليفة المرجح لوالده، لكنه منذ سقوط «جماهيرية العقيد» قبل 10 سنوات يعيش، إما مطارداً أو مسجوناً، أو منقطعاً كلياً عن العالم الخارجي.
لم يكن سيف، في الواقع، المرشح الوحيد لخلافة والده، لكن الأدوار الكثيرة التي لعبها على مدى سنوات أوحت بأنه المرشح الأول، بل المفضل، بين أبناء العقيد. فقد لعب النجل الأكبر للقذافي من زوجته الثانية، صفية فركاش، دوراً أساسياً في التسعينات في تسوية ملفات ليبيا الخارجية، المرتبطة بتصرفات منسوبة لنظام والده، مثل تفجير طائرات مدنية (بان أميركان ويوتا) وملاه ليلية (لا بيل في برلين)، وغيرها من الملفات الكثيرة.
ولم يقتصر دور سيف على الملفات الخارجية، بل لعب أيضاً أدواراً أساسية في تحسين صورة نظام والده داخلياً، من خلال إطلاق مشروع «ليبيا الغد»، والتصالح مع الإسلاميين، خصوم والده الألداء.
وبحكم هذه الأدوار الكثيرة، كان سيف وجهاً مقبولاً داخلياً وخارجياً لخلافة العقيد، متى ما اختار الأخير الابتعاد عن السلطة. لكن الرياح لم تجر بحسب ما يشتهي سيف. فقد جاءت انتفاضة 17 فبراير (شباط) 2011 لتقضي، ليس فقط على مشروع التوريث، بل على السلطة الليبية بأكملها، ذلك أن رأس النظام، العقيد القذافي، قتل بعد أسره في مسقط رأسه بسرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2011. قتل بجانبه ابنه المعتصم، الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي لوالده، وقاد لشهور قوات النظام مانعاً المعارضة من التقدم من شرق البلاد نحو سرت.
كما قتل خميس القذافي، وهو نجل آخر للعقيد، كان يقود كتائب أمنية شرسة في غرب البلاد (اللواء 32 معزز)، بغارة جوية إلى جانب قريبه، نجل ابن رئيس الاستخبارات السابق عبد الله السنوسي (عديل القذافي) قرب مدينة ترهونة. وكان القذافي قد فقد قبل ذلك نجله سيف العرب، الذي لم يكن منخرطاً في السياسة، إذ استهدفته غارة جوية في منزل تابع للعائلة بطرابلس (كانت الغارة تستهدف على الأرجح مكان اختباء القذافي الأب نفسه).
وكاد سيف الإسلام نفسه أن يلقى مصير أشقائه القتلى. فقد نجا بما يشبه الأعجوبة من غارة استهدفت موكبه في بني وليد جنوب طرابلس، حيث فقد أصابع في يده اليمنى.
واعتقله ثوار الزنتان في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، بعدما فر إلى أوباري بجنوب البلاد. كما اعتقل شقيقه الآخر الساعدي في النيجر، وأعيد إلى ليبيا عام 2014، حيث بقي محتجزاً إلى أن أفرج عنه قبل أسابيع، إثر اجتماع «مصالحة» بين أعيان من قبيلة القذاذفة وقيادي بارز من مدينة مصراتة، هو فتحي باشاغا –رغم أن الإفراج عن الساعدي لم يبرر بتاتاً بهذا اللقاء- المصالحة. كما أن هناك نجلاً آخر للقذافي هو هانيبال ما زال معتقلاً في لبنان منذ سنوات، علماً أنه متزوج من لبنانية (ألين سكاف).
ويبقى للقذافي نجله محمد من زوجته الأولى، وابنته عائشة من زوجته الثانية. وهما يعيشان في المنفى، وغير منخرطين في السياسة حالياً، علماً أن عائشة نفسها كانت تشارك في نشاطات سياسية سابقاً (تطوعت للدفاع عن الرئيس العراقي السابق صدام حسين بعد اعتقاله عام 2003)، وشاركت خلال «انتفاضة 17 فبراير» في مهرجانات لحشد التأييد لوالدها.
ورغم التحضيرات الواضحة لعودة سيف الإسلام إلى المشهد السياسي، فإن استطلاعات مزعومة للرأي يوزعها أنصاره تضعه في مقدمة المتسابقين في الانتخابات الرئاسية، المتوقع أن تجرى في ديسمبر المقبل (مع الانتخابات النيابية). إلا أن تساؤلات جدية تطرح حول إمكانية ذلك من ناحية قانونية. فسيف ما زال مطلوباً للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي منذ العام 2011، بتهم يتعلق بعضها بمزاعم عن محاولته جلب مرتزقة للدفاع عن نظام والده خلال الثورة. كما أن محكمة الاستئناف في طرابلس أصدرت عليه حكماً بالإعدام عام 2015. وصدر الحكم وقتها غيابياً كونه كان محتجزاً في الزنتان.
وقد أفرج عنه محتجزوه في هذه المدينة المهمة بالجبل الغربي عام 2017، ومنذ ذلك الوقت لم يظهر علناً في أي مناسبة، سوى في مقابلة أجرتها معه صحيفة «نيويورك تايمز» قبل شهور. لكن أطرافاً كثيرة تقول إنها على تواصل معه، حتى أن مؤيدين له شاركوا في ملتقى الحوار السياسي الليبي، الذي أنتج السلطة الليبية المؤقتة، الجديدة (حكومة عبد الحميد الدبيبة والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي).
وإذا ما ترشح سيف فعلاً في الانتخابات فإن المتوقع أن يحصل على نتائج جيدة في القبائل والمدن التي كانت محسوبة على نظام والده، وقاتلت إلى جانبه في ثورة العام 2011. كما يعتقد أن سيف يحظى بدعم روسي غير معلن، علماً أن حكومة طرابلس كانت قد اعتقلت لسنوات شخصين اتهمتهما بأنهما عميلان روسيان، كانا على تواصل مع سيف.
وإذا كانت العلاقة ملتبسة بعض الشيء بين سيف وقائد الجيش الوطني الليبي، المشير خليفة حفتر، الذي يعتقد أنه ينوي الترشح للرئاسة، وربما يرى في نجل القذافي منافساً غير مرغوب به، فإن العلاقة تبدو أكثر سوءاً بين نجل العقيد والإسلاميين المهيمنين على غرب ليبيا. وفي بدايات الألفية الجديدة، لعب سيف الإسلام دوراً أساسياً في الإفراج عن مئات الإسلاميين (الجماعة المقاتلة والإخوان)، الذين كانوا معتقلين في سجون والده، وذلك على رغم معارضة قيادات أمنية بارزة في النظام السابق، قالت إنه لا يمكن الوثوق بهؤلاء بعد خروجهم من السجون. وقد انضم هؤلاء بالفعل إلى الثورة ضد القذافي عام 2011، ولعبوا لاحقاً أدواراً أساسية في الحكم، الذي قام في طرابلس على أنقاض «الجماهيرية». وترشح سيف في الانتخابات الآن يمكن أن يثير مخاوف هؤلاء من أنه قد ينتقم منهم إذا ما وصل للسلطة.



العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».


واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية
TT

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

أكد سفير الولايات المتحدة الأميركية لدى اليمن ستيفن فاغن دعم بلاده لإجراء حوار جنوبي سياسي شامل تستضيفه السعودية.

جاء ذلك خلال اجتماع عقده مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.

وقالت السفارة الأميركية أمس في منشور على منصة «إكس» إن فاغن شدّد خلال الاجتماع على أهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار في اليمن، وذلك بعد اضطرابات أشعلتها تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي في شرق اليمن وجنوبه في الأسابيع القليلة الماضية.

وكان الإعلام الرسمي اليمني أفاد بأن عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي التقى في العاصمة السعودية الرياض، السفير فاغن لبحث العلاقات الثنائية، ومستجدات الأوضاع على الساحتين الوطنية والإقليمية.

​وتطرّق اللقاء إلى الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، والدور البارز الذي تلعبه في دعم أمن واستقرار اليمن.

ونقلت المصادر الرسمية عن المحرمي تأكيده أن دور واشنطن يمثل عنصراً حاسماً في تعزيز تماسك الدولة اليمنية، وقدرتها على تجاوز التحديات الراهنة، لا سيما في ملفي مكافحة المنظمات الإرهابية، والحد من عمليات التهريب، وهما مما يهدد الأمن سواء القومي أو الإقليمي.

تأمين عدن

​واستعرض اللقاء - وفق المصادر الرسمية - التطورات المحلية الأخيرة، والإجراءات المتخذة لتأمين العاصمة المؤقتة عدن، وحماية المقار السيادية للدولة من أي عبث، بما يسهم في تثبيت الوضع الأمني، والحفاظ على السكينة العامة وحماية مصالح المواطنين والمؤسسات الحكومية.

​وشدّد المحرّمي على أهمية تكثيف التعاون الدولي لتجفيف منابع تمويل الحوثيين والجماعات الإرهابية، ورفع كفاءة قوات خفر السواحل والأجهزة الأمنية لتشديد الرقابة على المنافذ ومنع تهريب الأسلحة والمواد الممنوعة التي تستخدمها الميليشيا لزعزعة الاستقرار في المنطقة.

​كما ناقش الجانبان - وفق المصادر نفسها - الاستعدادات الجارية لانعقاد مؤتمر الحوار الجنوبي - الجنوبي في العاصمة السعودية الرياض، حيث أكد المحرّمي أن هذا الحوار يمثل محطة تاريخية لتوحيد الجبهة الداخلية، وصياغة رؤية سياسية جامعة تلبي تطلعات اليمنيين في الجنوب.

وأشار المحرّمي إلى أن نجاح هذا الاستحقاق، برعاية السعودية، سيسهم بشكل مباشر في تعزيز التوافق الوطني ودعم الجهود الرامية لاستعادة مؤسسات الدولة، وتحقيق الاستقرار الشامل.