الصين و«إيفرغراند»... صعدتا معاً والآن إحداهما على وشك السقوط

الصين و«إيفرغراند»... صعدتا معاً والآن إحداهما على وشك السقوط
TT

الصين و«إيفرغراند»... صعدتا معاً والآن إحداهما على وشك السقوط

الصين و«إيفرغراند»... صعدتا معاً والآن إحداهما على وشك السقوط

كان شو جيايين أغنى رجل في الصين، وكان رمزاً للنهضة الاقتصادية في البلاد، وهو الذي ساعد في تحويل القرى التي تعاني من الفقر إلى مدن كبرى للطبقة الوسطى الوليدة، حيث أصبحت شركته، مجموعة «إيفرغراند» الصينية الشهيرة، واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري في البلاد، وقام بحيازة زينة الصفوة وزخارفها، من رحلات إلى باريس لتذوق النبيذ الفرنسي النادر، ويخت بقيمة مليون دولار، فضلاً عن الطائرات الخاصة، وإمكانية الوصول إلى بعض من أقوى الشخصيات في بكين.
قال شو في خطاب ألقاه في عام 2018 شاكراً الحزب الشيوعي الصيني على نجاحه، «كل ما لدي وكل ما حققته مجموعة (إيفرغراند) أمنحه للحزب والدولة والمجتمع بأسره».
غير أن الصين تهدد بأخذ كل شيء بعيداً.
فالديون التي دفعت البلاد للنمو السريع لعقود من الزمن باتت تُعرض الاقتصاد الآن للأخطار، والحكومة تغير قواعد اللعب منفردة. فقد أشارت بكين إلى أنها لن تتسامح بعد الآن مع استراتيجية الاقتراض لتعزيز توسع الأعمال التجارية التي حولت شو وشركته إلى قوة عقارية هائلة، الأمر الذي دفع «إيفرغراند» إلى الهاوية.
وفي الأسبوع الماضي، فوتت الشركة، التي لم تسدد فواتير تصل قيمتها إلى أكثر من 300 مليار دولار، دفعة أساسية مستحقة للمستثمرين الأجانب. مما أدى إلى إصابة العالم بالفزع بشأن ما إذا كانت الصين تواجه «لحظة ليمان براذرز» الخاصة بها، في إشارة إلى انهيار بنك «ليمان براذرز» الاستثماري في عام 2008، الذي أدى إلى اندلاع الأزمة المالية العالمية.
لقد كشفت صراعات «إيفرغراند» عن عيوب النظام المالي الصيني - الاقتراض غير المقيد، والتوسع غير المنضبط، والفساد. وتختبر أزمة الشركة عزيمة القادة الصينيين في مساعيهم للإصلاح، وذلك لأنهم صاغوا مساراً جديداً لاقتصاد البلاد.
وإذا عملوا على إنقاذ «إيفرغراند»، فإنهم يجازفون بإرسال رسالة مفادها أن بعض الشركات لا تزال أضخم من أن يُسمح لها بالإفلاس. وإذا لم يفعلوا ذلك، فإن ما يصل إلى 1.6 مليون مشترٍ للمنازل ينتظرون شققاً غير منتهية، والمئات من الأعمال التجارية الصغيرة والدائنين والمصارف قد يخسرون أموالهم.
قال ليلاند ميلر، الرئيس التنفيذي لشركة «تشاينا بيغ بوك» الاستشارية، «هذه بداية النهاية لنموذج النمو الصيني كما نعرفه. غالباً ما يكون مصطلح (النقلة النوعية) مفرطاً في استعماله بحيث يميل الناس إلى تجاهله. ولكن هذه طريقة جيدة لوصف ما يحدث الآن».
وقد عكس شو وشركته صعود الصين الاقتصادي من اقتصاد زراعي إلى اقتصاد اعتمد الوجهة الرأسمالية.
تربى شو على يد أجداده في مقاطعة هنان، وهي جيب ريفي بسيط بوسط الصين. توفيت والدته من مرض قابل للعلاج عندما كان طفلاً، وكانت عائلته فقيرة لدرجة لم تستطع معها تحمل تكاليف الرعاية الطبية. وكصبي صغير، كان يعيش تحت سقف من القش لا يستطيع منع الرياح أو الأمطار. وأكل دقيق البطاطا الحلو، واستذكر دروسه على مكتب مصنوع من الطين.
وقال شو في خطاب قبول جائزة تبرعاته الخيرية سنة 2018، «في ذلك الوقت، كنت تواقاً إلى مساعدة الآخرين، وكنت تواقاً إلى الحصول على عمل، ومغادرة الريف إلى الأبد وأكل دقيق القمح».
التحق شو بالكلية، ثم قضى عقداً من الزمن يعمل في مصنع للصلب. وبدأ شركته «إيفرغراند» في عام 1996 في منطقة شنتشن الاقتصادية الخاصة، حيث أطلق الزعيم الصيني دنغ شياو بينغ تجربة البلاد مع الرأسمالية. ومع تحول الصين إلى مجتمع حضري، توسعت «إيفرغراند» إلى ما هو أبعد من «شنتشن»، في مختلف أنحاء البلاد.
فقد أغرت «إيفرغراند» مشتري المنازل الجدد ببيعهم أكثر من الشقة الصغيرة التي كانوا سيحصلون عليها في مجمع ضخم يضم عشرات الأبراج المتماثلة. كان عملاء «إيفرغراند» الجدد يشترون نمط الحياة الجديدة ذات الصلة بأسماء مثل: «كلاود ليك»، و«رويال جاردن»، و«ريفرسايد مانشن».
فقد حول شو «إيفرغراند» من شركة صغيرة لا يزيد عدد موظفيها عن اثني عشر موظفاً إلى المطور العقاري الأكثر غزارة في الصين من خلال مزيج من الاقتراض المتفشي والعلاقات السياسية النخبوية. وكثيراً ما استثمرت الشركة بكثافة في مشاريع عواصم الأقاليم، حيث كان المسؤولون من ذوي الطموحات في التحول إلى أعضاء في المكتب السياسي يقاسون بقدرتهم على خلق النمو الاقتصادي.
وفي وقت مبكر، أقام شو علاقات مع أفراد عائلات بعض كبار المسؤولين في الصين. وفي عام 2002، أدرج بين مديري الشركات في التقرير السنوي لـ«إيفرغراند»، وين جيا هونغ، شقيق نائب رئيس مجلس الدولة الصيني، ون جيا باو، الذي أشرف على بنوك البلاد بصفته رئيس لجنة العمل المالي المركزية.
وأصبح ون جيا باو رئيس مجلس الدولة الصيني في العام التالي. ولم يكن شقيقه مدير شركة «إيفرغراند» فحسب، بل كان يسيطر ذات يوم أيضاً على ثاني أكبر حصة في الشركة سريعة النمو، وفقاً لوثائق الشركات التي راجعتها صحيفة «نيويورك تايمز».
وفي عام 2008، انضم شو إلى مجموعة نخبوية من المستشارين السياسيين المعروفة باسم المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني.
قال فيكتور شيه، أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا فرع سان دييغو، عن شو، «ما كان ليستطيع أن يكون بهذا الحجم لولا تعاون أكبر البنوك في البلاد. إن ذلك يشير إلى المساعدة المحتملة من مسؤولين كبار من ذوي النفوذ الثقيل».
كان شو أيضاً وسيطاً سلطوياً مؤثراً تعايش مع عائلات النخبة في الحزب الشيوعي، وفقاً لمذكرات صادرة عن ديزموند شوم، رجل الأعمال صاحب العلاقات الجيدة. وفي كتابه «الروليت الحمراء»، الذي نُشر هذا الشهر، يروي شوم قصة عن رحلة التسوق وتذوق الخمور الأوروبية في عام 2011، التي شارك فيها شو، إلى جانب ابنة المسؤول الرابع في الحزب الشيوعي في ذلك الوقت، جيا تشينغ لين، وزوجها المستثمر.
سافرت تلك المجموعة إلى أوروبا على متن طائرة خاصة، حيث لعب الرجال لعبة ورق صينية شعبية تسمى «حارب مالك الأرض». وفي مطعم «بافيون ليدوين» في باريس، أنفقت المجموعة أكثر من مائة ألف دولار على كميات كبيرة من نبيذ «شاتو لافيت» الفاخر، بدءاً بالزجاجات المعتقة منذ عام 1900 وانتهاء بعام 1990. وفي رحلة إلى الريفييرا الفرنسية، فكر شو في شراء يخت بقيمة 100 مليون دولار أميركي يملكه رجل من هونغ كونغ، كما ذكر شوم في كتابه.
ولدفع نمو «إيفرغراند» للأعلى، غالباً ما اقترض شو مرتين على كل قطعة من الأرض التي طورها، أولاً من البنك ثم من مشتري المنازل الذين كانوا في بعض الأحيان على استعداد لسداد 100 في المائة من قيمة منازلهم المستقبلية قبل بنائها.
ومع توسع «إيفرغراند» ومنافسيها، نمت العقارات لتمثل ما يصل إلى ثلث النمو الاقتصادي في الصين. وعملت «إيفرغراند» على بناء أكثر من ألف مشروع للتطوير العقاري في مئات المدن، مع خلق أكثر من 3.3 مليون وظيفة سنوياً.
يقول شيه: «يمثل شو جياين جانباً مهماً جداً من الإصلاح الاقتصادي في الصين. لقد استعان بذكائه وجرأته في توسيع أعماله بصورة قوية للغاية، وفي كثير من الأحيان بشكل خطير، من منظور المحاسبة المالية».
ومع القدرة على الوصول إلى الأموال الرخيصة، فضلاً عن الطموح الجامح، توسع شو باتجاه مجالات لم تكن «إيفرغراند» تتمتع بأي خبرة أو تجربة سابقة فيها، بما في ذلك المياه المعبأة، والسيارات الكهربائية، وتربية الخنازير، والرياضات الاحترافية.
ابتاع شو طائرتين نفاثتين خاصتين، واستخدمهما في نقل فريقه لكرة القدم، الذي يطلق عليه الآن مسمى «نادى قوانغتشو لكرة القدم»، إلى المباريات. وكانت لشركته للمركبات الكهربائية رؤية جريئة حتى تصبح أكبر وأكثر قوة من «تيسلا»، ولكنها تسببت حتى الآن في تأخير الإنتاج الضخم للسيارات.
وعندما بدأت فورة الاقتصاد الصيني في الهدوء، أصبح من المستحيل تجاهل الأضرار الناجمة عن شهية «إيفرغراند» الشرهة للديون. وهناك ما يقرب من 800 مشروع غير مُنجز لـ«إيفرغراند» في أكثر من 200 مدينة بجميع أنحاء الصين. وقد نظم الموظفون والمتعاقدون ومشترو المنازل احتجاجات متتالية للمطالبة بأموالهم. ويخشى الكثيرون من أن يصبحوا ضحايا عن غير عمد في حملة إصلاح الديون في الصين.
أما يونغ جوشنغ، وهو مقاول من تشانغشا في وسط الصين، فلم يتقاض بعد أجراً قيمته 460 ألف دولار لقاء المواد والأعمال التي قدمها لمشروع «إيفرغراند»، الذي أنجزه في مايو (أيار) الماضي. وفي محاولة يائسة لعدم خسارة عماله وشركائه في الأعمال هدد بإغلاق الطرق المحيطة بالمشروع العقاري في أوائل الشهر الحالي حتى يتم سداد الأموال. وقال يونغ: «إنه ليس مبلغاً زهيداً بالنسبة لنا. قد يتسبب في إفلاسنا».
الواقع أن يونغ وغيره من أمثاله يقفون في صميم التحدي الأكبر الذي يواجه الجهات التنظيمية الصينية في التعامل مع «إيفرغراند». وإذا حاولت بكين أن تجعل من «إيفرغراند» مثالاً يُحتذى به إذا تركت الشركة تنهار، فإن ثروات الملايين من الناس يمكن أن تعصف بها الرياح مع إمبراطورية شو.
قال مايكل بيتيس، أستاذ الدراسات المالية في جامعة بكين، «هذا أمر ملعون إن فعلوه، وملعون أيضاً إن لم يفعلوه. كان ينبغي على بكين التحرك قبل عشرة أعوام. إنهم يحاولون إصلاح الممتلكات العقارية الآن لأن الأسعار مرتفعة للغاية. وكلما طال انتظارهم كلما ارتفعت تكاليف الإصلاح».
في أغسطس (آب)، استدعت الجهات الرقابية الصينية المديرين التنفيذيين من «إيفرغراند»، وحذروهم من أجل إبقاء ديون الشركة تحت السيطرة. ووسط المخاوف من شيوع انهيار «إيفرغراند» عبر مختلف أوصال الاقتصاد الصيني، أطلقت بكين العنان لسيول من رؤوس الأموال في النظام المصرفي الصيني خلال الأسبوع الماضي، في خطوة اعتبرت محاولةً لتهدئة توترات الأسواق.
قال لوغان رايت، مدير قسم الأبحاث الصينية في شركة «روديوم» الاستشارية، «هذه مشكلة أكبر بكثير من أزمة (إيفرغراند) نفسها. لقد شنت بكين معركة كبيرة ضد المضاربات العقارية، لذا فلا ينبغي لنا أن ننظر إلى الأمر باعتباره تراجعاً عن هذه المعركة. إنهم لا يريدون التراجع، لأن ذلك قد يعصف بمصداقيتهم لدى الجماهير».
لقد ظل شو بعيداً عن دائرة الضوء في أغلب الأحيان، ولم يعد تطوره الشخصي من صبي مبتلى بالفقر إلى قطب العقارات الكبير مفيداً للخطاب الوطني الصيني.
لقد حاولت شركته بيع بعض أصولها لجمع أموال جديدة، ولكنها لم تحقق نجاحاً يُذكر. ومؤخراً احتج مشترو المساكن في الشوارع واشتكوا على شبكة الإنترنت من تأخر البناء. ولقد وجه البنك المركزي الصيني رسالة إنذار إلى شركة «إيفرغراند».
ويدعو المعلقون الوطنيون الصينيون على نحو متزايد إلى زوال الشركة. فقد مُنحت الشركات العملاقة المثقلة بالديون مثل «إيفرغراند» الحرية في «فتح أفواهها الدموية والتهام ثروات بلدنا وشعبنا إلى أن تصبح أكبر من أن تسقط»، هكذا كتب لي غوانغمان، رئيس التحرير المتقاعد الذي لفتت وجهات نظره انتباه وسائل الإعلام الرسمية التابعة للدولة.
ويزعم السيد لي أنه من دون التدخل اللائق، فإن الاقتصاد والمجتمع الصيني سوف يكونان على فوهة البركان، حيث يمكن لكل شيء أن يشتعل في أي وقت.
* خدمة «نيويورك تايمز»



استئناف تصدير النفط من كركوك عبر خط الأنابيب العراقية - التركية

حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)
حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)
TT

استئناف تصدير النفط من كركوك عبر خط الأنابيب العراقية - التركية

حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)
حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)

قال مدير عام شركة تسويق المنتجات النفطية (سومو) العراقية، الاثنين، إنه تم استئناف تصدير النفط من حقول كركوك عبر خط الأنابيب العراقي - التركي إلى ميناء «جيهان» وكذلك عبر الطرق البرية.

وأضافت الشركة: «ندرس العروض المقدمة من بعض شركات النقل البحرية المحلية والعالمية لنقل النفط عبر المنافذ الحدودية الجنوبية».

ودعت الشركة وزارة النفط العراقية، إلى ضرورة تكثيف الجهود لغرض تصدير النفط والمنتجات النفطية.


ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
TT

ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)

في خضم التحولات الجيوسياسية التي تعصف بممرات الطاقة العالمية، طُرحت رؤية اقتصادية سورية طموحة تتقاطع مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030»؛ لإنهاء عقود من الارتهان لمضيق هرمز.

وتطرح مبادرة (4+1)، التي كشف عنها مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية أسامة قاضي لـ«الشرق الأوسط»، خريطة طريق تجمع بين إنشاء شبكة قطارات سريعة حديثة وإعادة إحياء أنابيب النفط (التابلاين) التاريخي؛ بهدف تحويل الجغرافيا السورية والسعودية منصةً لوجيستيةً عالمية تربط ثلاث قارات.

وتستهدف هذه المبادرة الاستراتيجية، التي تأتي في توقيت بالغ الحساسية، تأمين تدفق نحو 7 ملايين برميل نفط يومياً بعيداً عن التهديدات الإيرانية، وضمان استقرار أسواق الغذاء والطاقة عالمياً.

وتهدف المشاريع المطروحة إلى كسر حلقة «الابتزاز الجيوسياسي» المرتبط بمرور أكثر من 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، من خلال إيجاد ممرات برية آمنة ومستقرة تخفض تكاليف النقل وتعزز أمن الإمدادات.

وجاء الإعلان عن هذه الرؤية في ظل تعطل حركة الملاحة البحرية وتصاعد التوترات الإقليمية؛ ما يمنح مشاريع الربط السككي وأنابيب النفط العابرة للحدود زخماً استثنائياً بصفتها بدائل مستدامة تضع المملكة في قلب تدفقات التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.

قطار سريع

ويعد مشروع إنشاء خط قطار سريع تتراوح سرعته بين 200 و300 كيلومتر/ساعة، يربط المملكة بسوريا مروراً بالأردن، مستفيداً من امتداد شبكة السكك الحديدية السعودية إلى منفذ الحديثة، من أبرز تلك المشاريع.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، أوضح قاضي أن هذا المشروع يترجم عملياً مستهدفات «رؤية السعودية»، من حيث تنويع الاقتصاد وتعظيم دور المملكة بصفتها مركزاً لوجيستياً عالمياً، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، وإعمار سوريا، والمساهمة في النهوض الاقتصادي العربي، كما أنه يحوّل الجغرافيا قيمةً اقتصادية مباشرة، ويضع المملكة في قلب تدفقات التجارة بين آسيا وأوروبا.

والجدوى الخاصة بهذا المشروع ليست نظرية، بحكم أن أكثر من 70 في المائة من البنية داخل السعودية قائمة حتى منفذ الحديثة؛ ما يخفّض تكلفته وتسارعه، حسب قاضي، الذي قال: «إن كل دولار يُستثمر فيه سيولّد عائداً مركباً عبر رسوم عبور، وخدمات لوجيستية، ومناطق صناعية، وتوسّع الصادرات، وفي الوقت نفسه يوفر مساراً مكمّلاً يحدّ من اختناقات الممرات البحرية، ويعزّز استقرار تدفقات النفط والغاز، وهذه ليست فقط بنية نقل، بل أداة لخفض تذبذب الأسعار ورفع موثوقية الإمدادات ويخلق قيمة مضافة ويعزّز الأمن الغذائي العربي».

ويتضمن المشروع إحياء مسار خط الحجاز بحكم أنها جزء من الشبكة الحديثة؛ ما يمنح المشروع عمقاً تاريخياً ويخفض التكاليف، ويفتح الربط شمالاً نحو تركيا، وجنوباً نحو المدينة المنورة.

وللوصول إلى المشروع قبل عام 2030، يجب تقسيمه حزماً تعمل بالتوازي داخل الأردن وسوريا، مع قيادة برامج مشتركة، بحيث يتم، وفقاً لقاضي، البدء بـ«خط شحن» حديث عالي الكفاءة و«خط ركاب» متوسط السرعة، ثم رفع السرعات تدريجياً في المقاطع ذات الجدوى.

وأوضح قاضي أن التكلفة التقديرية لهذا المشروع تتراوح بين 12 و25 مليار دولار لسيناريو مختلط (شحن + ركاب سريع جزئياً)، وترتفع في حال تعميم السرعات العالية على كامل المسار، لكن العائد الاستراتيجي - لوجيستياً وطاقياً وغذائياً - يجعله من أعلى المشاريع مردوداً في المنطقة.

ومما يسرع من تنفيذ المشروع أن الجزء السعودي قائم حتى مدينة الحديثة، بينما تصل المسافة من الحديثة إلى دمشق نحو 700 كيلومتر، وبين دمشق وأنطاكيا نحو 350 كيلومتر.

وأشار قاضي إلى أن سرعة القطار في المرحلة الأولى من المشروع ستصل إلى نحو 120 – 200 كيلومتر/ساعة، وفي المرحلة الثانية إلى 200 – 300 كيلومتر/ساعة، في حين يستغرق تحضيره وتمويله أقل من سنة، والتنفيذ المرحلي المتوازي أقل من ٤ سنوات، بحيث يحتفل البلدان بتشغيل أولي للخط قبل عام 2030.

ورأى أن الأمن الغذائي العربي لن يتحقق عبر الاستيراد فقط، بل عبر بناء ممرات لوجيستية ذكية، وهذا المشروع يحول المنطقة منصةً لإعادة توزيع الغذاء عالمياً، تبدأ من الهند وآسيا، وتعبر الخليج وسوريا، لتصل إلى أوروبا.

«التابلاين» لتحييد «هرمز»

من ضمن مشاريع (4+1)، إعادة إحياء خط أنابيب نقل النفط «التابلاين» الذي نشأ عام 1947 بطول 1664 كيلومتراً، ويمتد من مدينة بقيق السعودية إلى ميناء صيدا اللبناني على البحر الأبيض المتوسط، مع تعديل نهايته ليصب في ميناء بانياس السوري، بحيث يتم ضخ ما بين 5 و7 ملايين برميل يومياً عبر أربعة خطوط متوازية، وذلك بعدما أغلق المشروع بشكل نهائي في تسعينات القرن الماضي.

هذا المشروع، وفق قاضي، هو صمام أمان لاستقرار أسواق الطاقة العالمية؛ لأنه «عندما نخلق ممراً برياً آمناً للنفط والغاز من الخليج إلى البحر المتوسط، فإننا نُخرج جزءاً كبيراً من تجارة الطاقة العالمية من دائرة المخاطر الجيوسياسية، وخاصة تلك المرتبطة بمضيق هرمز. بمعنى آخر، نحن لا ننقل الطاقة فقط، بل ننقل العالم من اقتصاد مهدد بالاختناقات إلى اقتصاد مستقر متعدد المسارات».

كركوك - بانياس والغاز القطري

المشروع الثالث، هو إعادة تأهيل خط «كركوك – بانياس» لنقل النفط، واستبداله بخطوط متوازية تضخ من مليون إلى 3 ملايين برميل نفط يومياً من مدينة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس، بعدما كان يضخ نحو 300 ألف برميل.

ويتمثل المشروع الرابع بمد خط لنقل الغاز القطري الذي بدأ ينقطع بسبب «مشاكل مضيق هرمز وإيران».

ويبدأ الخط من قطر إلى الأردن وبعد ذلك سوريا وصولاً إلى تركيا ومن ثم أوروبا، على أن ينبثق منه المشروع الخامس بمد وصلة نقل إلى بانياس.

وأوضح قاضي في حديثه، أن سوريا كانت تاريخياً قلب طرق التجارة العالمية، واليوم يمكن أن تعود إلى هذا الدور، ولكن بمنطق القرن الحادي والعشرين: «سكك حديدية سريعة، وموانٍ ذكية، وممرات طاقة متكاملة»، وإذا نجحت مشاريع (4+1)، فإن دمشق لن تكون فقط عاصمة سياسية، بل عاصمة لوجيستية واقتصادية تربط ثلاث قارات. أضاف: «نحن ننتقل من مفهوم الجغرافيا السياسية إلى الجيو-اقتصاد، ومن يملك الممرات يملك التأثير، وسوريا مؤهلة لأن تكون أحد أهم الممرات في العالم، ومشاريع (4+1) تعيد تعريف المنطقة ليس كمنطقة صراعات، بل كمنطقة عبور وازدهار».

صورة قديمة تظهر عمليات نقل أنابيب التابلاين (أرامكو)

بعد الأزمات الأخيرة، أدرك العالم أن الاعتماد على الممرات البحرية فقط هو مخاطرة استراتيجية، وما يتم تقديمه من مشاريع وفق قاضي هو «بديل بري مستقر، يقلل من تكلفة النقل ويزيد من أمن الإمدادات، وهي ليست بديلاً عن البحر، بل توازن ضروري يمنع أي جهة من احتكار حركة التجارة العالمية».

وشدد قاضي على أن إعمار سوريا يجب ألا تكون إعادة بناء حجارة، بل بناء دور اقتصادي، وهذه المشاريع تخلق اقتصاد عبور يدر مليارات الدولارات سنوياً، وعشرات ألوف فرص العمل، وتدفع بعجلة النمو الاقتصادي السوري، وبهذا النموذج، تصبح سوريا دولة منتجة للخدمات اللوجيستية والطاقة، وليست فقط متلقية للمساعدات».

وبينما علمت «الشرق الأوسط»، أن هذه المشاريع هي «قيد الدراسة من قِبل كثير من الجهات الحكومية السورية والعربية»، أبان قاضي أن تكلفتها تصل إلى أقل من 30 مليار دولار، وهي في حاجة إلى تمويل من ثلاثة صناديق سيادية عربية على الأقل في المنطقة وصندوق سيادي أوروبي. وعدّ المشاريع أنها «أول اختبار حقيقي لفكرة التكامل الاقتصادي العربي، وإذا نجح هذا النموذج، يمكن تعميمه ليصبح نواة لسوق عربية مشتركة حقيقية، وستُذكر في التاريخ بصفتها أحد أهم مشاريع القرن الحادي والعشرين في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي التي تتناغم مع (رؤية السعودية 2030) بجعل الشرق الأوسط أوروبا جديدة، وسوريا هي درّة الشرق الأوسط».

من جهته، رأى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، باسل كويفي، أن الحديث عن هذه المشاريع يمثل طرحاً لاستراتيجية «الجيوبوليتيك الطاقي» التي يمكن أن تعيد تشكيل وجه الشرق الأوسط بالكامل. لكنه لفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه رغم النظرة المتفائلة، فحزمة هذه المشاريع تحتاج إلى تمويل ضخم واستثمارات كبيرة، وثقة ائتمانية عالية واستقرار نقدي، والأهم توافق سياسي شامل.


وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)
TT

وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)

اجتمع وزراء دول «مجموعة السبع» ومسؤولو البنوك المركزية يوم الاثنين، لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، والتي تسببت في قفزة هائلة بأسعار الطاقة، وأثارت مخاوف جدية على الاقتصاد العالمي.

تأتي هذه التحركات بعد الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي، ورد طهران باستهداف الدول المصدِّرة للخام في المنطقة، وتعطيل معظم الشحنات عبر الخليج. وقد أدى هذا الضغط على الإمدادات إلى رفع أسعار النفط والغاز الطبيعي، ما أحدث تأثيرات متلاحقة وقوية على سلاسل التوريد في صناعات متعددة.

وصرح وزير المالية الفرنسي، رولاند ليسكيور، بأن «مجموعة السبع» حشدت وزراء المالية والطاقة ومسؤولي البنوك المركزية في أول اجتماع بهذا الشكل الموسع، منذ تأسيس المجموعة عام 1975. وقال للصحافيين قبيل الاجتماع: «نعلم أن ما يحدث الآن في الخليج له تداعيات طاقوية، واقتصادية، ومالية، وقد يمتد ليشمل معدلات التضخم... الهدف هو مراقبة التطورات وتبادل التشخيصات؛ خصوصاً فيما يتعلق بالاضطرابات المحتملة».

وشارك في الاجتماع الذي عُقد عبر تقنية الفيديو، ممثلون عن وكالة الطاقة الدولية، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. وتسعى الولايات المتحدة، من خلال المجموعة التي ترأس فرنسا دورتها الحالية، إلى حشد الدعم لإنهاء الحصار الإيراني لممر مضيق هرمز الملاحي.

التحرك السريع

وفي ظل الضغوط المتزايدة، سارعت الحكومات لإقرار تدابير تحد من تأثير نقص الإمدادات وتحليق أسعار الطاقة؛ حيث أعلنت الحكومة الفرنسية يوم الجمعة عن تخصيص 70 مليون يورو (80 مليون دولار) لدعم قطاعات الصيد والزراعة والنقل خلال شهر أبريل (نيسان). وشدد ليسكيور على ضرورة أن يكون الدعم «مستهدفاً وسريعاً»، مؤكداً أن «هذه أزمة تؤثر علينا جميعاً وتتطلب تحركاً سريعاً وعادلاً».