نيكولا ساركوزي... فضائح وأحكام قضائية عجزت عن إطفاء حضوره السياسي

القضاء الفرنسي يحكم بالسجن مجدداً على الرئيس اليميني الأسبق

الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

نيكولا ساركوزي... فضائح وأحكام قضائية عجزت عن إطفاء حضوره السياسي

الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي (أرشيفية - أ.ف.ب)

لم يسبق لرئيس فرنسي، منذ انطلاقة الجمهورية الخامسة في أواسط القرن الماضي على يد الجنرال شارل ديغول، أن عرف هذا الكم من الفضائح التي عرفها الرئيس اليميني الأسبق نيكولا ساركوزي. ساركوزي الذي كان ساكن قصر الإليزيه بين عامي 2007 و2012 وحاول العودة إليه مجدداً في عام 2017، صدر، أمس، بحقه حكم بالسجن لمدة عام واحد في القضية المعروفة باسم «بيغماليون» وهي المرة الثانية التي يصدر فيها حكم بالسجن بحقه. ويعود الحكم الأول لبداية شهر مارس (آذار) حيث حكم عليه بالحبس لثلاث سنوات، منها عامان مع وقف التنفيذ، في قضية فساد سُميت وقتها «التنصت الهاتفي»، إذ أدين بمحاولة رشوة قاضٍ عام 2014، بعد أن ترك منصبه بعامين، من خلال اقتراحه بأن يضمن له وظيفة مرموقة في إمارة موناكو مقابل الحصول على معلومات قضائية حساسة بشأن ملف فساد آخر. وبالطبع، استأنف محامو الرئيس الأسبق الحكم ما مكّنه من البقاء خارج السجن بانتظار أن تُجرى المحاكمة الجديدة التي لم يحدد حتى اليوم تاريخ لها، والأرجح ألا تحصل قبل وقت طويل. وكلفتة إزاء شخصية احتلت أعلى درجات المسؤولية لمدة خمس سنوات، فإن القاضية كريستين مي، التي نطقت بالحكم السابق، أشارت إلى أن ساركوزي يمكنه تلافي السجن وتنفيذ مدة الحكم في منزله شرط ارتدائه سواراً إلكترونياً يضع جميع تحركاته تحت الرقابة. ويتخطى حكم الأمس ما طلبه الادعاء سابقاً الذي طلب سنة سجناً، منها ستة أشهر مع وقف التنفيذ. وكما في المرة السابقة، فقد منحت المحكمة الرئيس الأسبق إمكانية تنفيذ عقوبة السجن الجديدة في المنزل وفق الشروط المشار إليه في الحكم السابق. وكما كان متوقعاً، فقد سارع محامي ساركوزي مباشرة بعد الحكم إلى الإعلان أن موكله يطلب استئناف الحكم، ما يعني وقف تنفيذه بانتظار محاكمة قادمة. بالإضافة إلى ذلك، صدرت أحكام تتراوح بين عامين وثلاثة أعوام من السجن بعضها مع وقف التنفيذ بحق 13 شخصاً آخرين ضالعين في هذه القضية.
إذاً، أمس، كان ساركوزي على موعد مع حكم جديد في قضية قديمة تتناول مصاريف حملته الانتخابية لعام 2012. وتجدر الإشارة هنا إلى أن دعوى أخرى ليست أقل خطورة تنتظر ساركوزي وتتناول حصوله على تمويل من نظام العقيد معمر القذافي من أجل حملته الرئاسية الأولى لعام 2007 التي أوصلته إلى رئاسة الجمهورية. وثمة معلومات وتقارير تشير إلى أنه حصل على تمويل يعد بالملايين وهو ما ينفيه بالطبع. وقلائل هم الذين يعتقدون أن الحقيقة المجردة ستظهر يوماً ما بشأن هذه القضية بالغة التعقيد التي لا يتردد بعض المتابعين لها في الربط بين الدور الذي لعبه الرئيس ساركوزي في عام 2011 في الدفع باتجاه التدخل العسكري الغربي في ليبيا وإسقاط نظام القذافي وبين ملف التمويل غير المشروع الذي يحرمه القانون الفرنسي. وقبل عدة أشهر، وجّه له القضاء رسمياً اتهامات بالغة الخطورة، منها الفساد والتمويل غير المشروع لحملة انتخابية وإنشاء تجمع لصوصي ووضع اليد على أموال ليبية... وحتى اليوم، ليس ثمة تاريخ محدد للنطق بالحكم. ولكن بالنظر إلى الاتهامات المشار إليها، فإن المتابعين للملف يتوقعون أن تأتي الأحكام ثقيلة. ولكن، مرة أخرى، سيكون بمقدور الرئيس الأسبق والأشخاص الآخرين المتورطين في هذه المسألة وهم كثر ومنهم من شغل مناصب عليا في حكوماته وإدارته، استئناف الأحكام والمطالبة بمحاكمة جديدة، ما يعني مزيداً من التأجيل وكسب الوقت قبل استنفاذ الطرق القانونية وجعل الأحكام نافذة.
تعرف القضية التي صدرت الأحكام بخصوصها يوم أمس بـ«ملف بيغماليون». وبيغماليون، في الأساطير اليونانية، كان نحاتاً بارعاً وأبدع تمثالاً لامرأة، ونظراً لجمال وروعة ما أبدعه، فقد وقع في حب التمثال الحجري. ولذا، فقد تضرع لإلهة الحب «أفروديت» التي نفحت الحياة في منحوتته. لكن بغماليون ساركوزي ليست لها علاقة بالنحت أو الحب، بل هي ببساطة قصة التفاف ساركوزي والمسؤولين عن حملته الانتخابية على القوانين الفرنسية النافذة في تمويل الحملات الرئاسية. وينص القانون على أنه يتعين أن تبقى تحت سقف الـ22 مليون يورو. والحال أن مصاريف حملة ساركوزي بلغت 42.8 مليون يورو. ومن أجل إخفاء هذه المخالفة الخطيرة التي يرى القضاء أنها تقضي على مبدأ المساواة في التمويل بين المرشحين، فقد عمد مسؤولو حملته إلى عملية احتيالية، إذ حرروا فواتير وهمية لمصاريف خاصة بحزب ساركوزي (الجمهوريون). وطيلة المحاكمة التي انتهت، أمس، بإصدار حكم بالسجن عليه، أكد ساركوزي أنه لم يكن على علم بهذه العملية الاحتيالية، وأن مشاغله لم تكن تسمح له بالاطلاع على الفواتير وعلى تخطي السقف القانوني المتاح. وبالطبع، لم تأخذ المحكمة بهذه الحجة، والدليل على ذلك الحكم الصادر بحق ساركوزي، ولكن أيضاً بحق 13 شخصاً ضالعين في هذه الفضيحة.
اللافت حتى اليوم أن ساركوزي، رغم الكم الكبير من الفضائح ورغم كونه أول رئيس للجمهورية يحكم عليه بالسجن الفعلي رغم تمكينه من استبدال الحجر المنزلي وحمل سوار إلكتروني بالحبس، ما زال ينظر إليه على أنه الشخصية المؤثرة لا بل الحاسمة بالنسبة لليمين الفرنسي الكلاسيكي. ساركوزي الذي يشغل مكاتب فارهة في الدائرة الثامنة في باريس تتحمل الدولة نفقاتها مدى الحياة مع توفير سكرتارية وسائقين وراتب تقاعدي مرتفع للغاية، كونه رئيساً سابقاً للجمهورية، يستشار في كل صغيرة وكبيرة. وبالنظر لاقتراب الحملة الانتخابية الرئاسية ربيع العام المقبل، فإن الشخصيات الساعية للحصول على ترشيح حزب «الجمهوريون» تتدافع على بابه طلباً لدعمه وتأييده. ويرى محازبو اليمين الموجود في المعارضة منذ عام 2012 وخلال عهدين رئاسيين (فرنسوا هولاند وإيمانويل ماكرون)، أن ساركوزي يبقى المرجعية الرئيسية والشخصية الطاغية بسبب ما حققه في السابق. وأكثر من مرة، أكد الأخير أنه ترك السياسة. لكن الواقع شيء آخر لا بل إن الكثيرين من أعضاء حكومة ماكرون من قدامى معاونيه. فرئيس الحكومة جان كاستيكس كان مساعد أمين عام قصر الإليزيه زمن ولايته. ووزير الداخلية جيرالد دارمانان تلميذه السياسي وكان مديراً لحملته الانتخابية. وثمة وزراء آخرون برزوا إلى الضوء في عهده. وثمة من يؤكد أن ماكرون شخصياً لا يتردد في استشارة ساركوزي في المسائل الرئيسية، بل إن بين الرجلين علاقة جيدة وأكثر من مرة كان ساركوزي وزوجته المغنية كارلا تيديشي ضيفين على ماكرون في قصر الإليزيه.
بدأ نجم ساركوزي بالسطوع عندما نجح في الوصول إلى رئاسة بلدية مدينة نويي البورجوازية الواقعة على مدخل باريس الغربي وهو دون الثلاثين من العمر. وتقرب ساركوزي من محيط عائلة الرئيس الأسبق جاك شيراك، الذي هيمن على اليمين الفرنسي من خلال حزبه «التجمع من أجل الجمهورية» منذ أوائل السبعينات وحتى خروجه من قصر الإليزيه بعد ولايتين انتهتا في عام 2007، ليخلفه ساركوزي في ولاية واحدة من خمس سنوات. إلا أن العلاقة بين شيراك وساركوزي ساءت أوائل التسعينات عندما اصطف ساركوزي وراء المرشح إدوار بالادور الذي زكاه شيراك لرئاسة الحكومة بديلاً عنه، في أول «مساكنة» بين رئيس اشتراكي (فرنسوا ميتران) وحكومة يمينية. بيد أن استطلاعات الرأي وقتها بيّنت أن حظوظ بالادور كبيرة جداً للوصول إلى الرئاسة، وهو يتفوق على حظوظ شيراك. ورغم أن بين الرجلين صداقة تفوق ثلاثين عاماً، لم يتردد بالادور في الترشح ضد شيراك وحظي بدعم ساركوزي الذي كان يشغل وقتها زيراً للمالية. وجاءت النتيجة مخالفة لتوقعات استطلاعات الرأي، ووجد ساركوزي نفسه معزولاً. لكن في ولاية شيراك الثانية، استُدعي مجدداً إلى الحكومة وأُعطي وزارة الداخلية، وهي منصب بالغ الحساسية ويوفر لصاحبه قدرة للتأثير استغله ساركوزي لإبراز حزمه في المسائل الأمنية وفي موضوعات الهجرات والإسلام. وتجدر الإشارة إلى أن ساركوزي المشهور بديناميته وحركيته الدائمة، لعب دوراً بارزاً في مواجهة الأزمة المالية الحادة التي ضربت العالم في 2008، كذلك نجح في إدخال الدفع للتصديق على اتفاقية ماستريخت الأوروبية وأطلق الاتحاد من أجل المتوسط ودفع الرئيس السوري بشار الأسد للاعتراف رسمياً بلبنان وإقامة علاقات دبلوماسية بين دمشق وبيروت... وكان ساركوزي أول رئيس للجمهورية يعمد إلى الطلاق خلال رئاسته والزواج للمرة الثالثة. وطيلة خمس سنوات، أعطى الرئيس الأسبق صورة لم يحبها الفرنسيون، وهي الظهور المتمادي في الصحافة الشعبية أو رفقة كبار الأثرياء ولديه أصدقاء كثر بينهم... وكانت صدمته الكبرى أنه خسر الانتخابات بوجه منافسه المرشح الاشتراكي فرنسوا هولاند الذي كان ينظر إليه بكثير من العلياء. وبعد خروجه من الإليزيه، أدمن ساركوزي إلقاء محاضرات مدفوعة الثمن حول العلاقات الدولية متنقلاً بين العواصم والقارات، كما دخل إلى مجالس إدارة شركات دولية وأصدر مجموعة كتب لاقت رواجاً ملحوظاً.



نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
TT

نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

جاء فوز القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام» تتويجاً لمسيرة بدأت بالدفاع عن ضحايا الفصل العنصري في بلادها، وصولاً إلى رئاسة لجنة التحقيق الأممية التي خلصت إلى ارتكاب إسرائيل «إبادة جماعية في غزة»، واضعةً مسؤولية إنصاف الفلسطينيين أمام المجتمع الدولي.

وسط هذه المسيرة، شاركت نافي بيلاي في محاكمة المسؤولين عن الإبادة الجماعية في رواندا، وإرساء سوابق في مواجهة العنف الجنسي، ثم العمل في المحكمة الجنائية الدولية، وقيادة مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

وأعلنت «لجنة نوبل» النرويجية، الجمعة، فوز القاضية الجنوب أفريقية والمفوضة السابقة لحقوق الإنسان نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام 2026» تقديراً لـ«جهودها في ‌تعزيز السلام والقانون الدولي».

وذكرت ​لجنة «نوبل» أن نافي بيلاي (85 عاماً) حاسبت قادة دول، وجلبت الأمل لضحايا ‌العنف والصراع، وأظهرت بوصلة أخلاقية ثابتة خلال مسيرتها المهنية الطويلة. وأضافت: «هناك قاسم مشترك يمتد من بدايات مسيرتها في الدفاع عن نيلسون ​مانديلا وغيره ممن ناضلوا ضد نظام ‌(الفصل العنصري) إلى عملها قاضيةً في بعض أهم قضايا المحاكم الدولية في عصرنا».

جريمة إبادة على الهواء

في غزة، واجهت نافي بيلاي أحد الفصول الصعبة في مسيرتها الطويلة مع العدالة؛ فترأست لجنة التحقيق الأممية المستقلة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي خلصت في سبتمبر (أيلول) 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت «إبادة جماعية في غزة».

نافي بيلاي ترأست «لجنة التحقيق» الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة (إ.ب.أ)

وقالت القاضية الجنوب أفريقية، في حوار مع جريدة «الأهرام» المصرية في نسختها الفرنسية نُشر العام الماضي، إن التحقيقات التي أجرتها لجنة التحقيق الأممية بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة خلصت إلى ارتكاب إسرائيل أربعة من الأفعال الخمسة التي تشكّل جريمة الإبادة الجماعية في غزة. وأوضحت أن هذه النتيجة استندت إلى فحص الأدلة والشهادات، وربط نمط العمليات على الأرض بتصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين، مشيرةً إلى توثيق قتل الفلسطينيين وإلحاق أذى جسدي ونفسي جسيم بهم، وفرض ظروف معيشية تؤدي إلى تدميرهم، واستهداف قدرتهم على الإنجاب.

وأضافت أن أكثر ما صدمها هو استمرار هذه الجرائم أثناء التحقيق فيها، واصفةً ما يحدث في غزة بأنه «إبادة جماعية على الهواء مباشرة»، يشاهدها العالم عبر التلفزيون.

لعل ذلك ما دفع إسرائيل إلى التنديد بمنح القاضية الجنوب أفريقية جائزة «نوبل»، وزعمت تل أبيب أن ذلك يُضفي شرعية على «الكراهية والتحيز المناهضين لإسرائيل»، بحسب ما ذكرته وزارة الخارجية الإسرائيلية على منصة «إكس» الجمعة.

في المقابل، أشادت وزارة الخارجية الفلسطينية بالقاضية، منوهة بدفاعها عن «حقوق المظلومين». وقالت الوزارة في بيان، الجمعة، إن بيلاي «كرست حياتها للتأكيد على أولوية القانون باعتباره ركيزة النظام الدولي، والعدالة باعتبارها سمته المميزة»، و«سعت إلى الحقيقة ودافعت عن حقوق المظلومين في جنوب أفريقيا وفي العالم، بما فيه فلسطين، بكل نزاهة وشجاعة وشرف». ورأت أن منحها «نوبل» هو «جائزة مستحقة تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي».

قضايا «الفصل العنصري»

تعدّ صراحة القاضية الجنوب أفريقية جزءاً من شخصيتها التي تتّسم بالحزم والإصرار على الوصول إلى الحقيقة؛ فهي نشأت في ظلّ نظام جعل التمييز جزءاً من القانون والحياة اليومية.

وُلدت عام 1941 في دوربان - ثالث أكثر مدينة اكتظاظاً في جنوب أفريقيا - لأسرة من أصول هندية، وكان والدها سائق حافلة.

المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بعد إعلان فوزها بجائزة «نوبل للسلام» لعام 2026 بقصر العدل في نورمبرغ بألمانيا يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

وفي عام 1967، أصبحت أول امرأة تفتتح مكتب محاماة في إقليم ناتال، وتولت الدفاع عن مناهضي «الفصل العنصري»، وكشف التعذيب، والمساهمة في تثبيت حقوق المعتقلين السياسيين في سجن «جزيرة روبن»، أحد أبرز رموز القمع خلال عهد «الفصل العنصري». وعاشت بيلاي مفارقة المحامية التي تدافع عن موكليها داخل جهاز قضائي يميز ضدها هي أيضاً؛ فخلال سنوات عملها تحت «الفصل العنصري» لم يكن مسموحاً لها بدخول غرف القضاة، ثم أصبحت عام 1995، بعد انهيار النظام، أول امرأة غير بيضاء تُعين قاضية بالإنابة في المحكمة العليا ببلادها.

وامتد دورها إلى صياغة ضمانات المرحلة الجديدة. وأسهمت، ضمن الائتلاف الوطني للنساء، في إدراج بند «المساواة» في الدستور، الذي يحظر التمييز على أسس تشمل العرق والجنس والدين والتوجه الجنسي. وعندما انتُخبت قاضية بالمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا عام 1995، وتولت رئاستها بين عامَي 1999 و2003، شاركت في تحويل شهادات الناجين إلى أدلة تُفحص أمام القضاء، مع التمسك بإجراءات المحاكمة العادلة التي تمنح الأحكام صدقيتها.

وكانت قضية جان بول أكاييسو، رئيس بلدية تابا في رواندا، من أبرز محطات عمل بيلاي؛ إذ شاركت في الحكم الذي أدانه بالإبادة الجماعية، وأقرّ بأن اغتصاب «نساء التوتسي» استُخدم وسيلة لتدمير جماعتهن، ليرسي الحكم سابقةً قانونية تعتبر الاغتصاب فعلاً من أفعال الإبادة عندما يثبت ارتكابه بهذه النية.

بيلاي تتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

وشاركت كذلك في إدانة رئيس الوزراء الرواندي الأسبق جان كامباندا، الذي أقر بالذنب في الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وفي الحكم على مسؤولين إعلاميين استخدموا منصاتهم للتحريض على الإبادة.

ومن محكمة رواندا إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي عملت فيها بين عامَي 2003 و2008، ثم منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان حتى عام 2014. واختارتها لجنة «نوبل» النرويجية تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، وسط ضغوط متزايدة على مؤسسات العدالة.

إعادة إبراز قضايا حقوقية

قالت الوزيرة المصرية السابقة مشيرة خطّاب لـ«الشرق الأوسط»، إن منح القاضية الجنوب أفريقية الجائزة في هذا التوقيت يسلط الضوء على أهمية إعادة إبراز قيم حقوق الإنسان، والسعي للمحافظة عليها وإعلائها، التزاماً بالمواثيق والقوانين الدولية التي توافقت عليها الدول بعد الحرب العالمية الثانية، لافتة إلى أن هذا الأمر يُحسب للقائمين على منح الجائزة بسبب صعوبة الظروف الدولية التي يبرز فيها تراجع واضح للاهتمام بحقوق الإنسان.

وأثنت خطّاب، التي شغلت منصب سفيرة مصر لدى جنوب أفريقيا سابقاً، على الموقف الشجاع الذي اتخذته بيلاي ودورها في لجنة التحقيق التي تشكلت ووثّقت الانتهاكات التي جرت في الأراضي الفلسطينية وقطاع غزة، مشيرة إلى أن اللجنة التي ترأستها عملت على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وفق الأطر القانونية الدولية.


غوتيريش: العقوبات الأميركية على المحكمة الجنائية «ضربة قاسية» للعدالة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال اجتماع الجمعية العامة للمنظمة الدولية في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال اجتماع الجمعية العامة للمنظمة الدولية في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ب)
TT

غوتيريش: العقوبات الأميركية على المحكمة الجنائية «ضربة قاسية» للعدالة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال اجتماع الجمعية العامة للمنظمة الدولية في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال اجتماع الجمعية العامة للمنظمة الدولية في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ب)

أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الجمعة، قرار الولايات المتحدة فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، معرباً عن «قلقه العميق إزاء التأثير المتوقع» لهذه الإجراءات.

وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، للصحافيين، إن «قرار اليوم يمثّل ضربة قاسية لمساعينا المشتركة لتحقيق العدالة الجنائية الدولية، التي تشكّل المحكمة ركيزة أساسية فيها».

وأضاف، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية، أن «الأمين العام يجدد دعمه الثابت لاستقلال المحكمة ومسؤوليها».

وأعلن وزراء خارجية كل من كندا والدنمارك وألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان وهولندا والمملكة المتحدة، الجمعة، «وحدة موقفهم» في دعم المحكمة الجنائية الدولية في مواجهة العقوبات الأميركية.

وجاء في بيان مشترك للوزراء: «نحن، الدول الأطراف الموقعة على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، نجدد التأكيد على دعمنا الثابت والراسخ لاستقلالية المحكمة وحيادها ونزاهتها».

وصدر البيان عقب الإعلان عن عقوبات أميركية تهدد بشل أنشطة المحكمة، وبعد بضع ساعات من منح جائزة نوبل للسلام للقاضية الجنوب أفريقية السابقة نافي بيلاي.


ما هي المحكمة الجنائية الدولية؟ وما دورها؟

المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بعد إعلان فوزها بجائزة نوبل للسلام لعام 2026 في القاعة التاريخية رقم 600 بقصر العدل في نورمبرغ بألمانيا يوم 9 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بعد إعلان فوزها بجائزة نوبل للسلام لعام 2026 في القاعة التاريخية رقم 600 بقصر العدل في نورمبرغ بألمانيا يوم 9 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

ما هي المحكمة الجنائية الدولية؟ وما دورها؟

المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بعد إعلان فوزها بجائزة نوبل للسلام لعام 2026 في القاعة التاريخية رقم 600 بقصر العدل في نورمبرغ بألمانيا يوم 9 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بعد إعلان فوزها بجائزة نوبل للسلام لعام 2026 في القاعة التاريخية رقم 600 بقصر العدل في نورمبرغ بألمانيا يوم 9 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

عملت نافي بيلاي، الجنوب أفريقية التي أعلن، اليوم الجمعة، فوزها ‌بجائزة نوبل للسلام، قاضية في عدة محاكم دولية، من بينها المحكمة الجنائية الدولية.

وفيما يلي بعض الحقائق عن المحكمة الجنائية الدولية، وفقاً لوكالة «رويترز»:

متى تأسست المحكمة ولماذا؟

تأسست المحكمة في 2002 لمحاكمة المتورطين في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية وجريمة شن عمل عدائي، عندما تكون الدول الأعضاء غير راغبة أو غير قادرة على القيام بذلك بنفسها. ويمكنها نظر القضايا المتعلقة ​بجرائم يرتكبها مواطنو الدول الأعضاء أو على أراضي الدول الأعضاء من قبل أطراف أخرى. ويبلغ عدد الدول الأعضاء 125 دولة. وتبلغ ميزانية المحكمة لعام 2025 نحو 195 مليون يورو (202 مليون دولار).

ما الذي تحقق فيه المحكمة؟

تُجري المحكمة الجنائية الدولية تحقيقات تتعلق بمناطق مختلفة مثل الأراضي الفلسطينية وأوكرانيا ودول أفريقية، مثل أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وكينيا، وفنزويلا في أميركا اللاتينية وميانمار والفلبين في آسيا. وتقول المحكمة إنها تنظر في 34 قضية، بعضها يضم أكثر من مشتبه به واحد. وأصدر قضاة المحكمة ما لا يقل عن 68 مذكرة توقيف.

من على قائمة مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة؟

من بين المشتبه بهم على قائمة المحكمة الجنائية الدولية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المتهم بالمسؤولية الجنائية عن أعمال تشمل القتل والاضطهاد واستخدام التجويع كسلاح حرب في قطاع غزة. كما تتهم المحكمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بارتكاب جرائم حرب بالترحيل القسري لمئات الأطفال من أوكرانيا.

ونفت إسرائيل وروسيا، وهما غير أعضاء في المحكمة، مراراً ارتكاب قواتهما لفظائع في قطاع غزة وأوكرانيا ودفعا بأن ‌المحكمة الجنائية الدولية ليس لها ‌اختصاص ولا ولاية عليهما.

ووقت إصدار مذكرة التوقيف بحق نتنياهو، أصدرت المحكمة أيضاً مذكرة توقيف بحق وزير ​الدفاع ‌الإسرائيلي السابق يوآف ​غالانت والقيادي في حركة «حماس» إبراهيم المصري المعروف باسم محمد الضيف. وتأكد مقتل الضيف بعد إصدار المذكرة.

وأصدرت المحكمة أيضاً مذكرتي توقيف بحق اثنين من كبار قادة حركة «طالبان» الأفغانية، واتهمتهما باضطهاد النساء، وهو ما نفته الحركة.

وطلب ممثلو الادعاء بالمحكمة إصدار مذكرات توقيف بحق قائد الجيش في ميانمار مين أونغ هلاينغ بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية فيما يتردد عن اضطهاد أقلية الروهينغا، وأغلبها من المسلمين. ولم يُعلن عن نتيجة هذا الطلب.

ما هي المحاكمات المعلقة؟

من المقرر أن يمثل الرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي أمام المحكمة في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) بتهمتي القتل والشروع في القتل باعتبارهما جريمتين ضد الإنسانية تتعلقان بحربه على المخدرات، وهما تهمتان ينفيهما. وينتظر مواطن ليبي أيضاً متهم بالإشراف على سجن سيئ السمعة المحاكمة.

لماذا تعارض الولايات المتحدة المحكمة؟

حضر وفد أميركي المفاوضات التي أفضت إلى وضع نظام روما الأساسي للمحكمة في عام 1998، لكن لم تنضم الولايات المتحدة إليها أبداً، وتعارض دائماً اختصاصها فيما يتعلق بالمواطنين الأميركيين.

وأقرت واشنطن في عام 2002 ما يعرف باسم «قانون غزو لاهاي»، الذي ‌يخول للرئيس استخدام «جميع الوسائل اللازمة» لضمان الإفراج عن أي مواطن أميركي أو حليف للولايات المتحدة ‌تحتجزه المحكمة.

ودعمت الولايات المتحدة في السنوات اللاحقة بعض تحقيقات المحكمة، وخاصة في الفظائع المرتكبة في دارفور ​وأوغندا، لكنها ظلت تعارض بشدة أن تنظر المحكمة فيما يتردد عن ارتكاب ‌القوات الأميركية جرائم على أراضي الدول الأعضاء في المحكمة.

وفرضت واشنطن خلال إدارة ترمب الأولى في عام 2020 عقوبات على المدعية العامة للمحكمة آنذاك، ومسؤول آخر، ‌بسبب التحقيق في ارتكاب القوات الأميركية جرائم حرب في أفغانستان. وألغت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن العقوبات بعد عام.

وبعدما أصدرت المحكمة في أوائل عام 2025 مذكرتي توقيف بحق نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، أذن ترمب بفرض عقوبات اقتصادية وقيود سفر على مسؤولي المحكمة الذين يستهدفون الولايات المتحدة وحلفاءها من غير الأعضاء في المحكمة. وفرضت واشنطن منذ ذلك الحين عقوبات على 13 مسؤولاً في المحكمة، من بينهم تسعة قضاة.

ووصف ترمب في الجمعية العامة للأمم المتحدة، الشهر الماضي، المحكمة بأنها «مؤسسة مارقة» و«جماعة شريرة»، وحث الدول الأعضاء على الانسحاب منها.

لماذا ‌تقول المحكمة الجنائية الدولية إن لديها الاختصاص على بعض مواطني الدول غير الأعضاء؟

تحظى المحكمة بدعم العديد من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، لكن لم تنضم إليها دول أخرى، مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا، بدعوى أنها قد تستخدم في ملاحقات قضائية ذات دوافع سياسية.

وإسرائيل ليست عضواً في المحكمة ولا تعترف باختصاصها القضائي، لكن الأراضي الفلسطينية انضمت إليها في عام 2015 باعتبارها دولة عضو. ويعني هذا، بالإضافة إلى حكم أصدره قضاة المحكمة، أن بوسع المحكمة النظر في جرائم حرب محتملة ارتكبها مقاتلو حركة «حماس» في إسرائيل، وإسرائيليون في قطاع غزة والضفة الغربية.

ويستند منطق إصدار مذكرتي توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين إلى الأساس نفسه المستخدم في مذكرات التوقيف بحق مسؤولين روس بشأن جرائم يُقال إنها ارتُكبت في أوكرانيا؛ إذ تتعلق هذه المذكرات بوقائع الجنائية تردد أنها حدثت على أراضي دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية.

وميانمار ليست عضواً في المحكمة، لكن قضاة حكموا في عامي 2018 و2019 أن للمحكمة اختصاصاً قضائياً بالنظر في جرائم عابرة للحدود تردد أن جزءاً منها وقع في بنغلادش المجاورة، وهي عضو في المحكمة، مثل الترحيل والاضطهاد، وقالوا إن بإمكان ممثلي الادعاء فتح تحقيق رسمي.

أما الفلبين، فهي ليست عضواً حالياً لكنها كانت كذلك في الفترة من 2011 إلى 2019 حين أصبح انسحاب الرئيس دوتيرتي من جانب واحد نهائياً. وبموجب نظام روما الأساسي، تحتفظ المحكمة باختصاصها القضائي في أي دولة تنسحب منها عن الجرائم المرتكبة خلال فترة العضوية.

كم عدد الأشخاص الذين أدانتهم المحكمة؟

أصدر قضاة المحكمة 15 حكماً بالإدانة وأربعة أحكام بالبراءة. واحتُجز 23 شخصاً في مركز الاحتجاز التابع للمحكمة في لاهاي ومثلوا أمام المحكمة، ولا يزال 34 متهماً فارين. كما ​أسقطت التهم عن تسعة أشخاص بسبب وفاتهم.

ومن بين الإدانات، كانت 10 فقط ​منها بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. أما الإدانات الأخرى فكانت تتعلق بارتكاب جرائم مثل التأثير على الشهود. والمدانون العشرة كلهم من قادة ميليشيات أفريقية في دول جمهورية الكونغو الديمقراطية ومالي وأوغندا. وتراوحت الأحكام بين 9 أعوام و30 عاماً في السجن. وأقصى عقوبة سجن ممكنة هي السجن مدى الحياة.