خيال الجواهري: هذا النص الشائع لم يكتبه أبي

قالت لـ«الشرق الأوسط» إنها سُئلت لمَ لمْ تصبح شاعرة فأجابهم والدها {الشعر موهبة لا تورث}

خيال الجواهري - محمد مهدي الجواهري
خيال الجواهري - محمد مهدي الجواهري
TT

خيال الجواهري: هذا النص الشائع لم يكتبه أبي

خيال الجواهري - محمد مهدي الجواهري
خيال الجواهري - محمد مهدي الجواهري

تشارك الدكتورة خيال الجواهري، كريمة الشاعر العربي الكبير محمد مهدي الجواهري، في معرض الرياض الدولي للكتاب، حضوراً ومشاركةً في الفعاليات الثقافية، حيث تلقي جانباً من سيرة الجواهري ضمن أمسية بعنوان: «عوالم الشاعر محمد مهدي الجواهري الإنسانية والأدبية». وهذه ثاني زيارة لها للسعودية؛ الأولى في عام 1994 أثناء مرافقة والدها الجواهري في مهرجان الجنادرية، وهذه المرة حيث يحتفي معرض الكتاب بالعراق ضيف شرف المعرض.
الدكتورة خيال هي ثالث بنات الجواهري من زوجته الثانية «أمونة» ابنة عمه الشيخ جعفر الجواهري إلى جانب نجاح وكفاح وظلال. وقد تزوج قبلها شقيقتها «مناهل» التي توفيت عام 1939، وأنجبت له فرات وفلاح، ورثاها في قصيدة رائعة بعنوان: «ناجيتُ قبرك»، ومطلعها:
«في ذِمَة اللهِ ما ألقَى وما أَجِــدُ / أهذهِ صَخرة أم هذهِ كَبِدُ»،
وفيها يقول:
«قدْ يقتلُ الحُزنُ مَنْ أحبابهُ بَعُـدوا / عنه فكيفَ بمنْ أحبابُهُ فُقِــدوا».
أما زوجته الثانية «أمونة» والدة الدكتورة خيال، فقد اقترنَ بها الجواهري عام 1939 بعد رحيل أختها «مناهل». وقد أنجبت له ولدين: نجاح وكفاح، وابنتين د.خيال وظلال...
وفيها كتب قصيدته: «حبيبتي»، وذلك في بغداد عام 1973، ومطلعها:
«حَبِيبَتي منذُ كان الحب فـي سَحَرٍ حلوَ النسائمِ حتى عَقهُ الشفقُ
ومذ تلاقى جَناحانا على فَنَنٍ منه إلى العالم المسحورِ ننطلقُ
نَصونُ عهد ضميرَيْنا وبينهما نجوى بها همساتُ الروح تُستَرَقُ
ولما توفيت عام 1992 رثاها بقصيدة، بنفس قافية قصيدة «حبيبتي»، قال فيها:
«ها نحنُ أمونة ننأى ونفترقُ والليلُ يمكثُ والتسهيدُ والحرقُ
والصبحُ يمكثُ لا وجهٌ يُصَبحُني به ولا بسماتٌ منكِ تنطلقُ
ما أروحَ الموتَ، بل ما كان أبغَضَه لدي إذ أنتِ مني الروح والرمقُ...
يا حلوة المجتلى والنفسُ ضائعة والأمرُ مختلطٌ والجو مختنقُ
ويا ضحوكة ثغرٍ والدنى عبسٌ ويا صفية طبعٍ والمنى رنـقُ...
مني عليكِ سلامٌ لا يقومُ به سن اليراعِ ولا يقوى به الورقُ
ولما توفي دفن بجوارها في مقبرة الغرباء، في منطقة السيدة زينب بدمشق، ونحتت على قبرهِ خريطة العراق مكتوب عليها: «يرقد هنا بعيداً عن دجلة الخير».
حصلت الدكتورة خيال الجواهري على شهادة الدكتوراه من براغ في تخصص علم المكتبات والمعلومات، وألفت عدداً من الكتب عن علم المكتبات وفهرستها وتاريخها. كما ألفت كتاباً عن الثقافة العراقية في المنفى، وكتابين عن الجواهري.
«الشرق الأوسط» أجرت الحوار التالي مع الدكتورة خيال الجواهري، على هامش مشاركتها في معرض الرياض الدولي للكتاب:

> كيف تصفين مشاركتكِ في معرض الرياض الدولي للكتاب بعد نحو 27 سنة من آخر زيارة لكِ للمملكة وكنت وقتها برفقة الجواهري...؟
- تلقيت دعوة كريمة من وزارة الثقافة في المملكة العربية السعودية، ومن إدارة المعرض، للمشاركة في معرض الرياض الدولي للكتاب هذا العام، ويسعدني لقاء المثقفين وجمهور الأدب في المملكة، ويشرفني ذلك وأنا ممتنة لهم لهذه المحبة للجواهري الكبير الذي ضحى بحياته من أجل الإنسانية ومن أجل الشعوب، ومن أجل التقدم ورفاه الفرد والإنسان.
> أيضاً لديك مشاركة في البرنامج الثقافي... للحديث عن الجواهري...
- نعم أشارك في اليوم الثاني من فعاليات المعرض، ضمن البرنامج الثقافي في ندوة تحمل عنوان: «عوالم الشاعر محمد مهدي الجواهري الإنسانية والأدبية».
والحديث عن الجواهري، هو حديث عن سيرة أدبية وشعرية تمتد لنحو قرن من الزمان، (26 يوليو (تموز) 1899 – 27 يوليو 1997)، كانت حياته مليئة بالأحداث على مختلف الصُعد، الأدبية والحياتية والسياسية والاجتماعية، وسوف أحاول في هذه الندوة تسليط الضوء على هذه السيرة بمختلف فصولها... وتعلمون أن سيرة الوالد (الجواهري) هي سيرة حاضرة في الوجدان العربي لا تُنسى، وبالنسبة لي شخصياً، فأنا رافقت الوالد في محطات متنوعة من حياته سواء في بغداد أو سوريا...
>.. أو براغ في (تشيكوسلوفاكيا)... وفيها عاش الجواهري منذ عام عام 1961، وكتب فيها روائع من قصائده مثل: «بائعة السمك، ويا غادة الجيك، وبراها»، ونعلم أنك حصلت على الدكتوراه من هناك...
- نعم صحيح، وحصولي على الدكتوراه من براغ تم بتشجيع الوالد، كنت وقتها أدلي برغبتني في إكمال دراستي الأكاديمية لنيل درجة الدكتوراه أمام والدتي، التي لم تكن مرحبة... وحين سمعها الوالد قال: «لا يا ابنتي كملي...»، ووضع يده على صدره مضيفاً: «أنا أتكفل باحتياجاتك... وأنا أدعمك، وأنا أشجعك لإكمال هذا المشوار»... وفعلاً شجعني كثيراً، حتى في مناقشة الدكتوراه مررت بموقف خاص يتعلق بالرد على الإشكالات التي يطرحها الدكتور المشرف على الرسالة... وكانت بعض ملاحظات المشرف مثيرة بالنسبة لي، حيث تلقيت نصائح بأن ألتزم الصمت ولا أرد عليه، لأن اللجنة ستلاحظ طريقتي في النقاش ضمن التقييم النهائي... وحين سألتُ الوالد، أطرق برأسه قليلاً ثم رفعه قائلاً: «لماذا سموه دفاعاً...؟ إذا لم يُتح فيه الردُ والنقاش؟»، وهذا ما حدث، فقد قدمتُ رداً على جميع الملاحظات... وتم إقرار منحي درجة الدكتوراه... وبعدها جاءت اللجنة للتسليم علي وتهنئتي.
> هل حضر الجواهري هذه المناقشة؟
- لم يكن الوالد حاضراً، كان هناك حضور من أدباء ونقاد ومثقفين وزملاء أكاديميين...
> ما السر في اختيارك تخصص «علم المكتبات والمعلومات»؟
- الحقيقة أنا درست الأساس لهذا التخصص في جامعة المستنصرية في بغداد، وهو وقتها كان فرعاً جديداً، وهو تخصص مهم في ظل عدم وجود أجهزة التبويب الحديثة عبر الكومبيوتر والبرامج الإلكترونية، فرأيت أن أقدم خدمة للمجتمع والحقل العلمي بشيء جديد وتخصص جديد...
> أليس للموضوع علاقة بالتراث العائلي كأسرة علمية تُعنى بالكتب والمكتبات...؟
- يجوز أن لدي وقتها «جينات» مع أني لا أعول على العامل الوراثي... فأنا كما تعرف نشأت في أسرة علمية والوالد كان يقرأ بشكل دائم... وننتمي لجدنا الكبير المعروف بالشيخ محمد حسن، صاحب الجواهر، صاحب كتاب «جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام»، وهو الكتاب الذي أصبح مرجعاً لمختلف المدارس الفقهية، فبالنسبة لي أثرت هذه التربية في علاقتي بالكتاب، ولكني أيضاً رغبتُ أن أدرس تخصصاً مختلفاً يضيف للمجتمع خدمة، وكنت ربما أرغب في أن أدرس علم النفس...
> ماهي علاقتكِ بالشعر، هل أثر فيك الجواهري؟
- علاقتي به أنني أحب الاستماع إلى الشعر، أعرف أن كثيرين يسألون أن كنتُ سأصبح شاعرة كوني ابنة شاعر كبير... وأجيبهم بأن هذا الأمر ليس بالوراثة. أتذكر أنني سألتُ الوالد مرة في براغ بأنني أتلقى كثيراً هذا السؤال، وأيضاً (صفن) (أطرق برأسه) ثم قال: من سألك هذا السؤال؟ قلت: جماعة من المثقفين... قال: ألا يعلمون أن الشعر موهبة، وليس وراثة؟ وهو إلهام وإبداع شخصي وليس مهنة مثل الطبيب!
> اليوم، وبعد 24 عاماً على رحيل الجواهري، ما هو الشيء الذي ظل عالقاً بالذاكرة ولا ينسى من سيرته؟
- والله كثير... هو دائماً يشخص أمامي، في السنوات الأخيرة بعد وفاة الوالدة كنتُ أنا ملازمة له وزوجي كذلك، كان زوجي يقرأ له الكتب بشكل يومي، وأنا أصبحت ممرضته، وأنظم مواعيده واستقبال ضيوفه...
> قيل إنه ظل يواصل المتابعة والقراءة عبر الآخرين حتى وفاته... ماذا كان يقرأ...؟
- كان زوجي يقرأ له، وبقي لديه شغف في الاستماع إلى قراءة كتب الأدب والشعر والصحف... من بين تلك الصحف التي كان حريصاً على متابعتها «الشرق الأوسط»، و«الزمان»، و«السفير»، وكذلك متابعة الإصدارات الجديدة من كتب وروايات عربية وعالمية مثل رواية «زوربا» (للكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس) و«بابا همنغواي» (للروائي الأميركي أيرون إدوارد هوتشنر)، ولديه اهتمام بمتابعة كثير من الكتب والتطورات السياسية...
الشيء الآخر الذي يشخص أمامي من سيرة الجواهري، هي ذاكرته، فهو يمتاز بذاكرة صلبة وقوية... وإحدى مميزاته أنه يحفظ قصائده عن ظهر قلب، معتمداً على الذاكرة حتى في سنوات عمره الأخيرة... حتى أن إحدى القنوات التلفزيونية أجرت برنامجاً عن 52 قصيدة من قصائد الجواهري يتلو خلالها شيئاً من شعره، ورغم أنه طلب كتابة تلك القصائد بخط كبير توضع أمامه إذا احتاج الرجوع إليها، لكنه أثناء التصوير لم يحتج إلى الرجوع للنصوص المكتوبة.
حتى مشاركته في مهرجان الجنادرية حين كنا في المملكة، ألقاها عن ظهر قلب...
> بالمناسبة نتذكر أن مشاركته في مهرجان الجنادرية سنة 1994، أدت إلى – كما قيل - لغضب السلطة العراقية وسحب الجنسية عنه... وهناك نصٌ شعري انتشر بعدها يُنسب للجواهري... ما حقيقة ذلك... النص الذي يقول في نهايته مخاطباً صدام: «سل مضجعيك يا ابن (الخنا)... أأنت العراقي أم أنا»...؟
- هذه القصيدة ليست للوالد (الجواهري)... حين بلغه سحب الجنسية عنه قال: «تباً لهم»... لكن هذه القصيدة اشتهرت وقتها، ونسبت للجواهري، والحقيقة أنها ليست له، وأنا شخصياً سألته قائلة: «أخبرني بيني وبينك بصراحة: هل كتبت فعلاً هذه القصيدة...؟»، وأجابني: «لا، لم أكتبها، لماذا أخفي أني كتبتها... صدقيني ليس أنا من كتبها».

- قصائد لم يكتبها الجواهري
> اشتهر عدد من القصائد بنسبتها إلى الشاعر الراحل محمد مهدي الجواهري، والحقيقة أنها ليست له. بعض تلك القصائد ألفها الشاعر العراقي الراحل حسين الرفاعي، الذي عمل مديراً للتربية في الرصافة بالعراق، وتوفي قبل سنوات.
وفي الدورة الأولى لمهرجان الجواهري الشعري الذي أقيم في بغداد، ألقى الرفاعي نصاً شعرياً بعنوان «زياد ابن أبيه»، مشيراً بحضور أبناء الجواهري، إلى أنه من نظم تلك القصيدة، التي عرفت على نطاق واسع بأنها للجواهري، وقال: «أنا مديون للجواهري بحياتي... فلو علم النظام السابق أنني كاتب تلك القصيدة لحكموا بإعدامي!».
وفي حديث لقناة «إذاعة العراق الحر» في العاشر من يوليو 2005، أوضح الرفاعي أنه كتب قصيدة «زياد بن أبيه» رداً على قمع نظام صدام ضد انتفاضة مارس (آذار) 1991 المعروفة بالانتفاضة الشعبانية، ونسبت بعدها إلى الجواهري، مضيفاً أن هذا الأمر «أبعد مدية الجلاد عن رقبتي».
لكن قصيدة «سل مضجعيك يا ابن الخنا... أأنت العراقي أم أنا»، فيراها عدد من الشعراء والأدباء العراقيين نصاً «إعلامياً» أكثر منه قصيدة، ومن المستحيل أن تنسب لشاعر كبير كالجواهري، أو شاعر مجيد كالرفاعي، لكونها نصاً يفتقد الوزن وفيه من الأخطاء العروضية الكثير.
الشاعر والناقد العراقي فارس حرام قال لـ«الشرق الأوسط»: من الواضح أن هذا النص ملفق... فتقريباً نصف أبيات القصيدة غير موزونة، ويبدو أنه جرى «ترتيبها» من مدون أو إعلامي مجهول، لا يعرف الشعر، أو هي قصيدة فعلاً لكن جرى نقلها بشكل سيئ، ووصلتنا نسخة مشوهة منها، فهذا النص المتداول لا يمكن أن تكون قصيدة. وغالبية أبياتها عبارة عن جمل مرصوفة من دون وزن ولها قافية فقط.
الشاعر العراقي حسين قاصد، قال لـ«الشرق الأوسط»: «أنا أعرف الشاعر حسين الرفاعي (رحمه الله)، فقد كان صديقي، وقد كتب ونسب للجواهري شعراً كثيراً، ولكن هذا النص المتداول تحديداً، ليس للجواهري، وليس للرفاعي، فهذا النص يفتقد الوزن... وهو من محكيات العامة...».
يضيف قاصد: «أنا شخصياً سألتُ الرفاعي هل صحيح نسبة هذا النص إليك، وأجابني بالنفي».
يضيف قاصد: «نعلم أن الكثير من الشعر والأقوال نسبت للجواهري، من بينها أنه يقرأ (العراق)، (يضم العين)، وحين سئل أجاب: (لا أحب أن أكسر عين العراق)، وهذا أيضاً نسب له من باب الغلو في الحب».



«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب
TT

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

على غرار «موت المؤلف» للناقد الفرنسي رولان بارت، أطلق الشاعر عمر شهريار على كتابه الصادر أخيراً اسم «موت المثقف»، وهو رسالة علمية يناقش فيها حضور المثقف ودوره عبر تمثيلات الإنتلجنسيا في السرد الروائي، متخذاً من إبداع الروائي المصري الراحل علاء الديب نموذجاً للرصد والتحليل والتطبيق، وفي ظلال رؤية نقدية كاشفة لطبيعة المثقف ووقوعه في حبال التناقض، ما بين أقصى المع والضد. لكن لماذا موت المثقف، وهو أمر يفضي إلى العدم، وليس انتحاره، باعتباره موقفاً رافضاً للحياة وعبثيتها؟ هل أحكمت دوائر الاغتراب والاستلاب على روحه وجسده فأصبح غريباً عن ذاته وواقعه وأحلامه في عالم تتعدد فيه المفاهيم والرؤى، وتتشابه النصوص وطرائق النسج، ويحتار الإنسان ثقافياً ومعرفياً في البحث عن بوصله توصله للحقيقة؟!

صدر الكتاب عن «بيت الحكمة» بالقاهرة، ويقع في 258 صفحة من القطع التوسط، ويستهله شهريار بمقدمة، يؤكد فيها أن المثقف شخصية إشكالية بطبيعتها، لافتاً إلى أن المثقف العربي بشكل عام، والمصري بشكل خاص، قد مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين، زادت من همومه وإحساسه بالاغتراب وعدم التآلف مع كل المحيطين به، كما تعمق إحساسه بعدم قدرته على الاندماج مع المجتمع. ثم يناقش دور ومفهوم المثقف، في اللغة والثقافة، وفي أفكار وآراء كثير من الباحثين والمفكرين العرب والأجانب، مثل إدوارد سعيد، وبرهان غليون، ومحمد عابد الجابري، وعلى شريعتي، وغرامشي، ويرى أنهم جميعاً ينطلقون «تقريباً من الربط بين المثقف ودوره، وليس بما يمتلكه من معرفة، ومن ثم فإن المثقف يأخذ جدارته ووجوده من دوره النقدي المناوئ لكل ما هو تقليدي ومستقر». السؤال الذي يطرح نفسه هنا من باب التعليق على هذه الآراء: أَليس امتلاك المعرفة من أهم الأدوار والأسلحة التي تعزز دور المثقف، في مواجهة العسف والقمع والنفي؟! ثم إن المثقف لا يرتقي بأفكار الطبقة التي صعد إليها بحسب غرامشي، أياً كانت هويتها، وإنما يرتقي ويصعد بأفكاره هو، بما يحلم به، وما يريده لواقعه والعالم من حوله أن يكون. الثقافة ليست مرمية على قارعة الطريق، إنما هي علم ومعرفة وبناء، تصعد وترتقي بتراكم الخبرات والتجارب وتعدد زوايا النظر والرؤية.

ومن باب رصد أفعال الشخصية ومدى تفاعلاتها بأفكارها وعواطفها وواقعها سياسياً واجتماعياً، يدلف شهريار إلى صورة المثقف في إبداع علاء الديب، ويرى أن المثقف في أعماله الروائية ينتمي للطبقة المتوسطة بكل شرائحها، التي عصفت بأحلامها تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عنيفة، شهدها الواقع المصري على مدار نحو نصف قرن، منذ حقبة الخمسينات، مروراً بهزيمة 67، مثل: منير عبد الحميد فكار في رواية «أطفال بلا دموع »، لافتاً إلى أن المثقف في ظل هذه الحقبة الممتدة حتى الثمانينات يظل حاضراً بوعيه وقدرته قادراً على رؤية المجتمع الذي يكتسحه الطوفان، لكنه غير قادر على الفعل، ما يضاعف من إحساسه بالعجز والهزيمة.

المثقف العربي بشكل عام والمصري بشكل خاص، مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين

يعاين المؤلف ردود فعل هذا العجز، من داخل طبيعة المثقف نفسه ليضعنا أمام أنماط متنوعة من النكوص تؤطر شخصيته، فهناك المثقف المنسحب، مثل: عبد الخالق المسيري بطل رواية «زهرة الليمون »، وهناك «المثقف الخائن» الذي يخون أفكاره وينفر من طبقته، ويتحين الفرصة للحاق بالطبقة الأعلى، وهناك «المثقف المستَلب» الذي يواجه إحساساً بالعجز والاغتراب عن الواقع ما يدفعه إلى الرضوخ والتعايش معه كأمر واقع، فوعيه يظل دائماً مستلباً بقوة اللامبالاة واللاشعور، مثل شخصية الدكتورة سناء فراج بطلة رواية «قمر على المستنقع» فهي تحكي الرواية كمونولوج طويل عن مشاعرها وانكسارها، وإحساسها الممض بالهزيمة. وهناك «المثقف المسخ» الذي يمثله ناصر منير فكار بطل وسارد رواية «عيون البنفسج»، فهو شخصية مشوهة شديدة التناقض، وبرغم كونه شاعراً ومثقفاً لا يستطيع أن يتجاوز تناقضاته، بدءاً من علاقته بزوجته المستَلبة وبالواقع والوطن، وهناك «المثقف المقاوم» الذي يحوّل ضعفه وانهزامه إلى قوة يواجه بها ما حوله من قبح وفوضى وعشوائية، ثم «المثقف المتمرد فردياً»، مثل فتحي بطل رواية «القاهرة»، فهو غير قادر على التواؤم مع ما يحيط به من أوضاع اجتماعية والتعايش معها، فظل في حالة اغتراب تام عن كل المحيطين به. ثم «المثقف المبعد» كما في شخصية أمين الألفي بطل رواية «أيام وردية» المؤمن بعدالة القضية الفلسطينية إلى حد القلق والأرق، وأخيراً «المثقف المهاجر» سواء من هاجر إلى الخليج المتباهي بأمواله والمنشغل بها دائماً، على عكس المهاجر إلى الغرب، الذي يجد نفسه أمام نموذج مجتمع حر، متقدم علمياً وإنسانياً.

ويرصد الكتاب في فصله الثالث علاقة المثقف والجماعة، عبر دوائر عدة، لافتاً إلى أنه لا يمكن فهم المثقف بمعزل عن هذه الدوائر، وفي مقدمتها طبقته، أو جماعة المثقفين التي ينتمي إليها، فهي تؤثر من بعيد أو قريب في موقفه ورؤيته لذاته وللعالم، ويرى أن هذا يتجلى ويتعمق في روايات علاء الديب، سواء في الحدث أو في بناء الشخصيات، وطرائق توظيف المكان والزمان، فالمثقف، في الغالب الأعم، يعاني حالة من عدم التآلف مع الجماعة، ومع الأمكنة والزمن، ثم إن ما يشهده العالم من تحولات يبدو أعنف وأكبر من قدرته على التكيف أو التعايش. ومن ثم يتكشف عبر هذه الروايات الانفصال والقطيعة بين أبطالها المثقفين وكل شخوص الرواية.

لكن هل للمثقف أمكنة تخصّه، وكيف يتم التعامل معها روائياً؟ في الفصل الرابع «أمكنة المثقف» يركز الكتاب على فاعلية المكان في السرد وتحريكه، وتهيئته للشخوص لتلعب أدوارها، بل تولد من رحمه أحياناً، لافتاً إلى أهمية المكان، ليس كخلفية للحدث، إنما كعنصر حكائي قائم بذاته، تربطه وشائج قوية بالزمن الروائي، وبقية العناصر الأخرى المكونة للفعل الروائي.

ويؤكد شهريار على ضرورة دراسة التشكيل الجمالي للمكان في روايات علاء الديب، لفهم شخصية المثقف التي تحتل مكانة مركزية، وكذلك معرفة مدى تناغم هذه الأمكنة مع التكوين النفسي لهذه الشخصية. فالمكان يعتبر تجسيداً مادياً للشخصية التي تسكنه. ويتطرق إلى الطبيعة المادية للأمكنة، وما تتميز به، وتتشابه من خلاله، فهناك المكان المقفل مثل البيت، والمفتوح كالشوارع والميادين، والمكان المؤقت كالمقاهي والبارات، والمكان الملاذ والأثر، والمكان المأمول والمستعاد وغيرها، مؤكداً أن الأماكن في أعمال علاء الديب واقعية، ولها وجود حقيقي عاينه المثقف، ورآه وعاش فيه يوماً ما، لكنها تتجاوز هذا الوجود الفيزيقي، إلى وجود ذهني، وظلت تسكنه أكثر مما يسكنها، فبخلاف بيت الطفولة ثمة أمكنة كثيرة في روايات الديب، يستعيدها أبطالها كذكرى بعيدة تركت آثاراً فيهم، كما تركوا آثارهم فيها، وعادة ما يكون هذا المكان مرتبطاً بالبحر وبالطبيعة، وأيضاً بحبّ قديم لم يزل يعيش عليه البطل. يقول على لسان البطل مستعيداً جماليات المكان والمشهد في رواية «زهرة الليمون»: «الماء أزرق والرمال بيضاء، أقدامه العارية، وأقدامها تتلاقيان في ماء دافئ، وجسدها القوي الحر المليء بالأسرار يبعث فيه نشوة وهدوءاً».


«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ
TT

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

يحيلنا الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في روايته الجديدة «عين الهراتي» إلى فضاء سردي مشتبك مع بؤر التاريخ المنسي، من خلال توظيف التاريخ مع حفريات الذاكرة الشعبيّة، ومن منظور وذاكرة تعدّدت فيهما مستويات السرد التي ارتكزت على تعدّد الرواة، ودفق الحكايات، والبؤر الثانويّة التي تنافذت وتضافرت مع الحكاية الإطارية، والمضمون المركزي الذي تصدّى لقصّة بناء سفينة القصب (دجلة) وتهيئتها إلى «الطيران»، ومن ثم تعرّضها للحرق على سواحل جيبوتي عام 1978، وما بين أيام البناء، وتحقيق كل المستلزمات من قبل عالم الأعراق والحضارات القديمة (تور هيرالد) وبمساعدة (الشيخ مسعد)، إلى اشتباكه مع العشائر والعمّال في منطقة القرنة.

تبدأ أحداث الرواية من سعي الشخصية المحورية (أحمد فؤاد فتاح) لنيل شهادة الدكتوراه حول هذه السفينة الفضائية العجائبيّة وكشف أسرارها وعلاقتها بأساليب الإبحار في الحضارات الرافدينية، وما دار حولها من حكايات ومرويّات وشخصيّات، وقد كلّفه أستاذه (أكرم مصطفى الشاوي) أستاذ الحضارات القديمة بقسم الأنثروبولوجيا المستحدث في الجامعة فضلاً، عن وصيّة الأب وتمنيّاته الشخصيّة في البحث عن الآثار والعلوم الإنسانية. وبذلك تبدأ مسيرة الرحلة المضنية والغامضة والعصيّة من قبل طالب الدكتوراه لسبر أغوار التاريخ والحوادث، والتقاط كلّ ما من شأنه أن يعمّق دراسته لنيل الشهادة. واقتضى منه الأمر القيام برحلة شائكة إلى مدينة البصرة للبحث عن شخصية الدكتور (عبد الغني مجيد) الذي يوجد في مقهى بمنطقة العشار: «هذا الرجل كان ظلاًّ لهيرالد وهو الكنز المدفون وعارفاً بأدق الأسرار، والكثير مما خُفي عن السفينة ورحلتها، والرجل كان محكوماً بالإعدام، والغريب في قصته أنّه خرج من السجن بعد سقوط النظام، وقبيل لحظة التنفيذ في أبريل (نيسان) 2003 ينجو من الموت بأعجوبة. ويحاول الدارس إقامة علاقة معه لفكّ أسرار هذه الرحلة» (الرواية: 28).

وقبل الخوض في البؤر والأبعاد والتقنيات والظواهر الفنيّة، يتوجّب التوقف عند دلالة العنوان «عين الهراتي»، وما ينطوي عليه من إشارات ودلالات، فهو عنوان متعدّد الدلالات ومفتوح على التأويل والإحالة، وقد وردت معانٍ مختلفة له في الرواية.

و«الهراتي» هو نوع من الديكة القوية، وثاقبة البصر يتم استخدامها في حلبات الصراع أو النزالات بين الديكة، بمراهنات اشتهرت بها أجواء المقاهي والأماكن الخاصة بهذا النوع الذي يعتمد على المقامرة والرهان، وما يحدث فيها من تنافس على الفوز وربح المال. و(زعبول الهراتي) هو الديك الذي كان يراهن به (سمير القاص) أو (صاحب الهراتي)، وهو مفتاح خزانة الأسرار لأنّه الأقرب إلى شخصيّة (عبد الغني)، ولا يمكن الوصول إليه إلّا من خلاله، فيما الديك الهراتي يمكن أن يرمز إلى فكرة المغامرة أو المقامرة التي قام بها عالم الأعراق النرويجي (تور هيرالد) في أجواء مشحونة وعوالم غائرة بشعبيتها وخرافاتها وأساطيرها، إذ تتفشّى التقاليد العشائرية الحاكمة والخرافة التي تحكم السلوكات والسحر والصراعات الاجتماعية.

وعلى وفق هذه الملامح فإنّ الرواية تمثّل نمطاً من السرد القائم على البحث والتحرّي، وسبر أغوار الألغاز والطلاسم والأسرار، وهي ثيمة شاعت في مثل هذا النوع من الروايات، وأصبحت ثيمة كونيّة كما حصل في رواية «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو، والبحث عن أسرار الكهنة والدير والتحقيق في الجرائم التي ارتكبت فيه، ونجدها في رواية «الخيميائي» لكويلو، وعربياً نجدها في «الطريق» لنجيب محفوظ، و«المخاض» لغائب طعمة فرمان، إذ يبحث البطل في هذه الرواية عن أهله وتاريخه بعد ردح من الغربة.

ورواية البحث والتحرّي وكشف الأسرار تحقّق نوعاً من التشويق والإثارة، وتتّخذ من المهمّة طابعاً بوليسياً، وبؤرة للكشف عن المخفي، والمسكوت عنه والمدهش، ممّا ينتج طاقة لجذب استقطاب المتلقّي، وإسهامه ذهنياً في التشبّع، ومتعة الكشف عمّا خُفي من التاريخ. وهذه المعطيات تحمل كثيراً من المحمولات الجمالية والفكريّة والإحالات والإشارات المتعدّدة، أي توظيف الشكل البوليسي وشكل السرد القائم على التحرّي، وجعله فضاءً ومساحة يمرّر بها الكاتب كثيراً ممّا يرمي إليه من أفكار ورؤى، وكشف وإحالات، وبما يعزّز المعنى الكلي للعمل الروائي المؤطّر بهذا الشكل من البناء الفني القادر على التعبير عن التناقضات والثنائيات المتضادة. وذلك ما نجده قد تجلّى في رواية «عين الهراتي» من مفارقة الصدام بين «الخرافة والعلم» في مجتمع القرنة العشائري والشعبي، بين عالم الأعراق «تور هيرالد» وبين الصراع الاجتماعي القائم بين الشخصيّات داخل هذا المجتمع، وانتشار الحسد والسحر والانتقام الغريزي، وبين مهمة السفينة التي تسعى للبرهنة على التواصل بين الحضارات عبر التاريخ، والغوص في تاريخ الحضارات القديمة، وربطها بمنجزات العصر، واختيار علومها ومنجزاتها. ونلحظ من الخصائص الفنية في الرواية، ارتكازها على السرد الذاتي بصيغة ضمير المتكلّم، على لسان الشخصيّة (أحمد فؤاد فتاح) ووصف كلّ تفاصيل رحلة الاستكشاف في مجاهيل وحوادث قديمة وملتبسة.

وبحسب تصنيف «جيرالد جينيت» فإنّ بطل الرواية ينتمي إلى النمط المتماثل حكائياً أي السارد المشارك «الضمني» في أحداث ووقائع الرواية، غير أن لعبة السرد تنقلب فجأة حيث يتحوّل (أحمد فؤاد) إلى مرويّ له، من قبل سارد أو راوٍ جديد هو (سمير القاص) الذي يروي ويسرد الأحداث ويتعمق في سيرة (عبد الغني) وإيداعه في السجن والاعتقال بسبب رسالة وصلته من زوجة (تور هيرالد) تبلّغه بموت الأخير، ممّا جعل السلطات تتهمّه بالتجسس، ويحكم عليه بالإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد) الشخصيّة الدينية، وبإشراف الضابط المكلف بالإعدام (عبد المجيد مري).

يجسد (سمير القاص) نمطاً من الحكّاء الماهر المخاتل، وهو رمز للحقيقة المخاتلة وهشاشة المرويات، ويمكن الاستدلال على توصيف السرد داخل الرواية بأنه سرد يرتكز على استلهام تقنيّة النسق الكرنفالي، وذلك لميل الرواية إلى استثمار المفارقة الحادّة والدالة، بدءاً من التناقض بين المجتمع في القرنة، وبين شخصيّة القادم من النرويج، وتصادم البيئتين، والرواية تتعمّق في توليد سلسلة من المفارقات التي تتضمّن البعد الساخر عبر المفارقة، وقد تصل بحمولتها أحياناً إلى الكوميديا أو التهكم المرّ، لا سيما قصّة الحب والعشق بين الفتاة الريفية (غالية) وعشقها للعالم أو صانع السفينة (هيرالد) النرويجي، ومن ثم المرويات المتناقضة حول انتحارها حرقاً، أو أنّها وقعت ضحية «القيل والقال»، والمفارقة أنّ (أحمد فؤاد) يهدي جهده العلمي إلى روح (غالية)، وهي رمز الحقيقة التي يغتالها التناقض، أو يعبث بها الرواة الحّكاءون المهرة، فالإهداء يقول: «إلى روح (غالية) أنثى هذه الأطروحة، البنت التي ظلمها (القيل والقال)، أرفع لروحها الطاهرة أسمى آيات التقدير والتبجيل يوم ضاع دمها بين القبائل المتشاطئة ما بين نهري دجلة والفرات في مدينة القرنة، عند نقطة التقائهما، إذ حدث ما لا يصدّقه العقل، حتّى غدت البنت كبش فداء هذا العالم، لولاها لما توَصّلتُ إلى اكتشافات مهمّة حول سفينة بُنيت من قصب، وأبحرت على نحو من (عفو الخاطر) حتى أصبح للسفينة المعنى الجديد من أصل هذه الدراسة» (الرواية:7).

وتتولد أنساق المفارقة الكرنفالية أيضاً بإطلاق سراح (عبد الغني) من حبل المشنقة والإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد)، وتلك هي مفارقة كرنفالية سوداء أخرى، عكست ذروة من الحدث الدرامي بين قرار الإعدام الذي أُلغي بسبب سقوط النظام، والهروب الفوضوي، وهو ما يرويه الضابط (عبد المجيد مرّي) حين اقتاد من تقرّر تنفيذ الإعدام بحقّهم إلى منطقة بعيدة على أطراف الفلّوجة لتنفيذ هذه المهمّة، ولعلّ المفارقة الكرنفالية والسخرية المرّة تكشف عنها «الرسائل» التي كانت السبب في اعتقالهم ومن ثمّ قرار الإعدام بحقّهم، وهذا يحيلنا إلى أنّ الرواية استثمرت ووظّفت جانباً من تقنية أو أسلوب (السرد الرسائلي)، وتجلَّت الرسائل التي أدت إلى الهاوية والإعدام على أنّها محركّات مركزيّة، وبؤرة دراميّة لصنع الحدث الفادح.


حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض
TT

حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض

عادت العاصمة البريطانية لندن لتكون بوصلة النشر العالمي مع انطلاق دورة عام 2026 من معرض لندن الدولي للكتاب (LBF) في مركز «أولمبيا» العريق. هذا العام، لم يعد المعرض مجرد منصة لبيع وشراء حقوق النشر، بل هو مختبر حي لمناقشة مستقبل الكتاب في عصر الذكاء الاصطناعي، ونافذة تطل منها الثقافات العالمية على بعضها البعض، وهو أيضاً ليس مجرد تجمع للناشرين، بل هو «غرفة عمليات» كبرى تقودها أضخم دور النشر في العالم.

وشهد المعرض هذا العام حضوراً لافتاً لمجموعات مثل (بلومزبري/ Bloomsbury) التي يقودها نايجل نيوتن، وبونيير بوكس، وغيرهما، بالإضافة إلى كبار النشر الأكاديمي والتعليمي مثل ويلي، ومطبعة جامعة برنستون. لا تكتفي هذه المؤسسات بعرض نماذج من إصداراتها فقط، بل تستخدم المعرض كمنصة لإعلان الاندماجات الكبرى، وتوقيع عقود عابرة للقارات، وتحديد «الترند» القادم في عالم القراءة، سواء كان ذلك في أدب الناشئين أو كتب تطوير الذات التي تعتمد على البيانات.

من الورق إلى الخوارزميات

يعمل المعرض كمحرك أساسي لتطوير صناعة الكتاب من خلال مسارات رئيسية هي:

> ثورة الذكاء الاصطناعي والتخصيص، إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للكتابة، بل تحول في دورة 2026 إلى محرك لاكتشاف الكتب. وكالة «بوك ديسكفري»، مثلاً، ناقشت في جلسات المعرض كيف يمكن للخوارزميات مساعدة القراء في العثور على كتبهم المفضلة بعيداً عن تحيزات وإغراءات «الأكثر مبيعاً»، مما يمنح الكتاب المستقلين فرصة أكبر للوصول لقرائهم.

> استدامة سلاسل التوريد: في ظل الأزمات اللوجيستية العالمية والتوترات الإقليمية، ركز المعرض على تقنيات «الطباعة عند الطلب» (POD) والطباعة المحلية لتقليل التلوث الكربوني واحتراق الوقود الناتج عن الشحن الدولي، وهو ما يغير جذرياً نموذج العمل التقليدي الذي يعتمد على المخازن الضخمة.

> سوق الحقوق المتقاطعة (Cross-Format Rights): تطورت صناعة الكتب لتصبح صناعة محتوى، وليست صناعة ورق؛ حيث تم في المعرض التفاوض على تحويل الكتاب إلى بودكاست، أو مسلسل لمنصات البث الرقمي، أو حتى تجربة تفاعلية في «الميتافيرس»، مما يطيل عمر العمل الأدبي ويزيد من عوائده الاقتصادية.

> معايير الوصول العالمية (Accessibility): مع دخول قوانين تداول المطبوعات الأوروبية حيز التنفيذ، تحول المعرض إلى ورشة عمل كبرى لضمان أن تكون الكتب الإلكترونية (EPUB3) والصوتية متاحة للجميع، بما في ذلك لذوي الاحتياجات الخاصة، مما يوسع قاعدة القراء عالمياً.

المشاركة العربية

شهد هذا العام حضوراً عربياً استثنائياً تميز بالانتقال من «العرض» إلى «التفاعل المباشر» مع سوق النشر العالمي، مما يشير أن الأدب العربي لم يعد معزولاً، بل أصبح شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل المعرفة. والنجاح الحقيقي للمشاركة العربية هذا العام يتجسد في تلك الجسور التي بُنيت بين الناشر العربي والوكيل الأدبي العالمي، مما يَعِد بوصول الصناعة الإبداعية العربية إلى أرفف المكتبات في كل مكان.

وشاركت المملكة العربية السعودية بقوة عبر هيئة الأدب والنشر والترجمة. وركز الجناح السعودي على بناء شراكات دولية لترجمة الأدب السعودي إلى لغات العالم.

كما شاركت جهات كبرى مثل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية ودارة الملك عبد العزيز، مما عكس تنوع المشهد الثقافي السعودي ضمن «رؤية 2030».