مدير «الشؤون الثقافية» العراقية: القوى الناعمة بمقدورها أن تصلح ما أفسدته السياسة

قال لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل التواصل الاجتماعي أجهزت على النخب

د.عارف الساعدي - استعدادات لانطلاق معرض الكتاب بواجهة الرياض (تصوير: بشير صالح)
د.عارف الساعدي - استعدادات لانطلاق معرض الكتاب بواجهة الرياض (تصوير: بشير صالح)
TT

مدير «الشؤون الثقافية» العراقية: القوى الناعمة بمقدورها أن تصلح ما أفسدته السياسة

د.عارف الساعدي - استعدادات لانطلاق معرض الكتاب بواجهة الرياض (تصوير: بشير صالح)
د.عارف الساعدي - استعدادات لانطلاق معرض الكتاب بواجهة الرياض (تصوير: بشير صالح)

قال مدير دار الشؤون الثقافية العامة بالعراق، الدكتور عارف الساعدي، إن ما طرأ مؤخراً من انفتاح بين السعودية والعراق ما هو إلا استئناف للإخوة بين شعبي البلدين. وذكر في حوار مع «الشرق الأوسط» أن اختيار العراق ضيف شرف في معرض الرياض الدولي المقبل للكتاب هو تتويج لعلاقة البلدين، وأن القوى الناعمة التي تجمع بين البلدين بمقدورها أن تصلح ما أفسدته السياسة، واعداً بمشاركة واسعة للدار بأكثر من 300 عنوان جديد، ومجموعة من المطبوعات والدوريات المهمة... وهنا نص الحوار:

> كيف استعدت الدار للمشاركة في معرض الرياض الدولي للكتاب؟
- دار الشؤون الثقافية ستكون ضمن جناح وزارة الثقافة العراقية، بصفتها واحدة من أكبر مؤسساتها، ودور نشر أخرى تابعة لها، والجناح العراقي الذي أعدته إدارة معرض الرياض سيكون كبيراً، وحصة الأسد فيه لدار الشؤون الثقافية التي ستشارك بأكثر من 300 عنوان، كثير منها عناوين حديثة، بالإضافة إلى مجلاتنا ودورياتنا المعروفة، مثل المورد والأقلام ومجلة التراث الشعبي والثقافة الأجنبية والتركمانية.
> هل يعكس هذا الحضور الحالة الإيجابية التي تشهدها العلاقة بين البلدين؟
- ما طرأ مؤخراً من انفتاح واسع ما هو إلا استئناف حقيقي للأخوة بين العراقيين والسعوديين، وما أفسدته السياسة سترممه القصيدة والقطعة الموسيقية واللوحة، وهذه القوى الناعمة التي يؤمن بها البلدان، وكما يقول أبو تمام: إن يفترق نسب يؤلف بيننا/ أدب أقمناه مقام الوالد، ونحن بيننا نسب وأدب في الوقت نفسه. وهذا المعرض، واحتفاء السعوديين بالعراق ضيف شرف لأهم كرنفال عربي ما هو إلا استئناف لهذه الأخوة، وأعتقد أن الفنون الجميلة، الشعر والمسرح والموسيقى والرواية، هي قوة ناعمة تنفي أي حدود وفوارق وهمية صنعت في يوم ما.
> هل تتفق مع قول إن علّة ما تعيشه المجتمعات العربية هي لأسباب ثقافية وفكرية، قبل أن تكون سياسية؟
- واحدة من مشكلات أمتنا هي المشكلة الثقافية، وهي عميقة متأصلة مرتبطة بتراثنا بشكل عام، وكثير من أبناء الأمة يعيشون في الماضي، ويسحبونه إلى حاضرهم، ويجبرون الآخرين على العيش فيه، وهي مشكلة تبدأ بمناهج الدراسة وبالوعي، من الروضة حتى الكليات، إلى المساجد والجامعات وكل شيء. كما أننا أنتجنا بصفتنا أمة نخباً ثقافية مهمة متطورة، ولكنها في معزل عن طبقات المجتمع الأخرى، ونحن المشتغلين في الأدب والفن قضمنا ما أنتجته الحداثة الغربية، ولكننا في الوقت نفسه خرجنا من أنساق وبيئات ثقافية متخلفة، كما يقول عبد الله الغذامي. إننا نحمل أنساقاً متخلفة، على الرغم من إيماننا بالحداثة والتطور، لكنه إيمان مزعوم عن الحداثة، ومرتبط بالنص الأدبي فقط، ولا ينعكس على سلوك الناس وتحولاتهم، وهذا الأمر مرتبط بثقافة المجتمعات ووعيها ومدى نظرتها إلى المستقبل.
> ما تأثير علاقات عربية طبيعية مع العراق على استعادة دوره الريادي، خاصة في القطاع الثقافي الذي كان مبرزاً فيه؟
- بصراحة، قد تحمل الطبقات الثقافية العراقية، وربما المجتمعية بشكل عام، عتباً كبيراً على الجانب العربي، وينظرون كأن أولاد عمهم العرب تركوهم ما بعد 2003، ودخول الأميركان، وإسقاط النظام، ودخول طبقات سياسية جديدة. العراقيون ينظرون إلى جيرانهم بعين العاتب، الغاضب أحياناً، تجاه تهم التخوين أو الطائفية التي تعرض لها العراقيون. وإزاء ذلك، فإن أي نافذة تأتي من إخواننا العرب هي بمثابة ضوء، ومحل ترحيب لتجاوز عتب السنوات الماضية، وحتى الأصوات التي تعارض الانفتاح العربي لا تمثّل الجميع قطعاً.
> لكن ما تبرير الأصوات التي قد تعترض على أي خطوة من شأنها تقريب العراق إلى محيطه العربي الطبيعي؟
- في العراق أحزاب وتيارات ومذاهب وطوائف، وفيه ولاءات مختلفة التجاذبات؛ بالنتيجة، نقدّر هذا الحجم من الولاءات، ولكنها إلى الآن لم تظهر في شكل مقاطعة أو اعتراض على هذا الانفتاح، لأنه لا يوجد عاقل يسمح بمقاطعة العراقيين لجيرانهم وأشقائهم. كما أنه لا يوجد عربي عاقل يريد للعراق أن يكون ضعيفاً لكي يهيمن عليه. على الإطلاق، والعراق القوي قوي لجيرانه، ويتحقق ذلك بعلاقات متوازنة مع الجميع، وبالخروج من حرج المحاور، بعد أن كان محسوباً في فترة من الفترات على أحدها. ومعرض الرياض هو تتويج لباب واسع يفتح بين العراق والسعودية.
> في السياق نفسه من علاقات العالم العربي بجيرانه، هناك تحديات ثقافية وسياسية، إذا صح وصفها بـ«الفرسنة» و«العثمنة»، تهدد هوية العالم العربي وثقافة شعوبه... هل هذا صحيح؟
- هذا هو الخطأ الذي ارتكبه الأتراك والإيرانيون، أو أي جار يمكن أن يرتكب خطأ دعم تيارات سياسية لا تصنع له أفقاً ومستقبلاً، حينما تكون قوياً في بلد ما، عليك أن تبني مرفقاً ثقافياً أو صحياً أو تعليمياً، وليس بالقوى الخشنة التي تستنزف المليارات. والخطأ الجسيم الذي يرتكبه جيران العرب هو تدخلهم في صناعة السياسة، ومحاولة تحويلها، وهو أمر قد يحدث لبضع سنوات، لكنه لا يستمر، ولا يبقى في وجدان الناس منه شيء، وربما تهيمن لسنوات، وقد تحظى بحليف قوي ما، ولكن بوصلة التيارات السياسية تتغير، بينما اليد البيضاء داخل العراق هي التي تستمر وتديم هذه العلاقات، وكلنا نعرف الويلات التي وقعت على الشعب العراقي بسبب هذه السياسات غير المتزنة.
> كان العراق لعقود مسرحاً خصباً للثقافة والسياسة والتاريخ المعاصر... ماذا حصل للنخبة العراقية؟ هل تتحمل اللوم أم هي مجني عليها؟
- أعتقد أنه خلال فترة النظام السابق، جرى تهميش النخبة العراقية، تلك التي خرجت من الطبقة الوسطى في البلد، من طبقة كبار الموظفين والأدباء والأطباء والقضاة، وهي التي قامت ببناء البلد، وشكلت الدولة العراقية الحديثة بعد سنة 1921، ولكنها انهزمت أمام صعود العسكر منذ حكمهم للعراق بعد 1958، واستبدادهم بالأمر منذ 1968 حتى 2003. كانت خلالها القوى الثقافية من نخب ومبدعين مكسورة، في المنافي أو في ركاب السلطة بعد ترويضها بشكل كامل، أو هي معارضة تعاني من التنكيل. ونموذج علي الوردي في تفكيكه للحالة العراقية خير مثال، ولكنه منع من التدريس، ومنعت كتبه من التداول، وأخيراً مات ميتة غريبة، وشيّعه بضع أفراد في بداية التسعينات، وهو من خيرة النخب لدينا، ومثله الجواهري، وما حدث له من النفي في براغ، وعودته القصيرة، ثم ما لبث أن استأنف هجرته، وآثر الموت في مقبرة الغرباء؛ النخب الثقافية انكسرت نرجسيتها أمام النخب العسكرية.
> كأنك تنفي عن النخب أي مسؤولية تاريخية تجاه تحمّل واجباتها الأخلاقية أو تبني دور سلبي من بعضها؟
- سلطة البعث من 1968 استدرجت عدداً كبيراً من النخب الثقافية، بعضها قديرة فكراً وأدباً ومعرفة، ولكنها روضت فيما بعد، وأصبحت في ركاب السلطة، وأنا أعتقد أن المثقف الذي لا يكون نقدياً لا يمكن الوثوق بإنتاجه. أما بعد 2003، فالأمر اختلف أيضاً، وصدحت هناك أصوات نخبوية ثقافية، لكن الحياة اختلفت، ومواقع التواصل الاجتماعي سحبت البساط كاملاً من هذه النخب، وأضحت غير مؤثرة، ويمكن الآن لمدون شاب لديه ملايين المتابعين أن يؤثر في الناس ويغير من مزاجهم، في حين لا يمكن لأي مفكر عربي أن يستقطب 10 إعجابات لمنشور يكتبه، فيه كثير من الوعي والثقافة، حتى فكرة النخب انسحبت كثيراً إلى الخلف، ومواقع التواصل الاجتماعي أجهزت بالكامل عليها، ومرحلة ما بعد الحداثة قصمت ظهر كل نخبوي. في المقابل، لو جرى إنصات حقيقي من السياسيين لهذه النخب ربما شاهدنا بعض التغيير المعقول، ولكن للأسف الصراخ السياسي أعلى ضجيجاً من صوت المعرفة والعقل.
> كيف تنظرون بصفتكم نخبة عراقية مثقفة إلى مرحلة التحولات في السعودية، واحتمالات انعكاسه على المشهد العربي عموماً، من واقع محورية السعودية في هذا المشهد، بصفتها مصدراً مؤثراً فاعلاً رئيسياً في العالم العربي والإسلامي؟
- خلال السنوات الأربع الأخيرة، رأينا هذا الانفتاح الكبير الذي صنعه الأمير محمد بن سلمان، ووجدنا عالماً آخر في السعودية؛ أداءً مختلفاً في السياسة، انفتاحاً هائلاً لصناعة الحياة، بدلاً عن صناعة الرثاء، وسيكون ذلك مصدر إلهام كبير، والسعودية على باب واسع لمرحلة من الأداء السريع والانفتاح الهائل وتقبل التعدد وصنع فضاء جديد يستوعب أنماط الثقافة، وستكون التجربة قابلة للتصدير ونموذجاً للإلهام.



حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت
TT

حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت

قد نتوهم أحياناً أن الفلاسفة يتوصلون إلى الحقيقة بشكل جاهز، سهل، وهم جالسون في برجهم العاجي مرتاحين مسرورين لا هم لهم ولا غم. ولكن الواقع مختلف تماماً. فالحقيقة لا تتجلى لهم إلا بعد معاناة داخلية طويلة وبعد تجاوز الأسلاك الشائكة وتخطيها. من بين هؤلاء بالطبع بل وعلى رأسهم ديكارت.

من المعلوم أنه ترك بلاده فرنسا، لأن الظلامية الأصولية كانت مخيمةً عليها في ذلك الزمان. وكانت ترعب المثقفين وتخنق أنفاسهم خنقاً في كل أنحاء أوروبا. الدليل على ذلك ترويع غاليليو وحرق جيوردانو برينو بعد أن قطعوا لسانه في أقبية الفاتيكان المظلمة. بالتالي فمن الصعب على أي مثقف أن يفكر بشكل طبيعي في مثل هذا الجو الخانق المرعب. ويبدو أن أصدقاءه الباريسيين هم الذين نصحوه بمغادرة البلاد بعد أن توسموا فيه أمارات النبوغ والعبقرية. قالوا له ما معناه: أنت وحدك القادر على كشف الحقيقة. بالتالي لم تعد ملكاً لنفسك فقط، إنما أصبحت ملكاً للبشرية جمعاء. في الواقع إنهم خافوا عليه من المخابرات الأصولية التي كانت تهيمن آنذاك على باريس وفرنسا كلها. وهي مخابرات فوق بشرية، أي أخطر أنواع المخابرات. وأدركوا أنها ستبطش به لا محالة بمجرد أن تعرف من هو بالضبط، وماذا يعتمل في داخله من أفكار وتفاعلات خارج الإطار المسموح به. فبالنسبة للأصوليين لا داعي للبحث عن الحقيقة لأنها موجودة جاهزة في كتب القدماء. فلماذا تتعب نفسك أيها الجاهل المغرور؟ لماذا تضيع وقتك؟ لهذا السبب غادر ديكارت فرنسا وعاش معظم حياته خارجها. في ذلك الوقت كان هناك بلدان يتمتعان بهامش كبير من الحرية هما إنجلترا وهولندا. بالتالي فمعظم مفكري فرنسا كانوا يهربون إلى لندن أو أمستردام كما كان يفعل المثقفون العرب مع بيروت في الخمسينات والستينات. لهذا السبب فإن ديكارت نشر معظم مؤلفاته في هولندا. ثم كانت تدخل سراً تحت المعطف إلى فرنسا. لقد غادر بلاده لكي يتنفس الهواء الطلق في الخارج. من يصدق الآن أن فرنسا كانت محكومةً يوماً ما بأصولية ظلامية مطبقة خانقة تشبه «طالبان» في أفغانستان؟ لقد غادرها وهو يشعر بأن هناك شيئاً ما يختلج في داخله: شيء مبهم غامض يكاد يتفجر تفجراً. لكنه لا يعرف كنهه ولا سره كما يحصل لمعظم العباقرة:

يقولون لي من أنت في كل بلدة

وما تبتغي ما أبتغي جل أن يسمى

(المتنبي)

وعلى دروب التجوال والترحال في مختلف أنحاء أوروبا راح ديكارت «يقرأ العالم ككتاب مفتوح على مصراعيه». لاحظوا ما أجمل هذه العبارة. لاحظوا شحنة الحرية الهائلة التي تنطوي عليها. فمتى سيلتقي ديكارت بالحقيقة المخبوءة، بالحقيقة المطموسة الضائعة؟ آه أيتها الحقيقة يا أحلى عشيقة في التاريخ. متى سألقاك؟ متى سأكحل عيني بمرآك؟ ولكنه لن يلقاها ولن يكحل عينه بمرآها إلا بعد أن يتعذب ويتمرمر ويموت ألف موتة. فالحقيقة لا تعطي نفسها بسهولة. الحقيقة بخيلة جداً وقد تتمنع عليك تمنعاً. وهي على أي حال لن تعطي نفسها لك إلا بعد أن تدفع ثمنها عداً ونقداً. الحقيقة نادرة ومهرها غال:

فيا دارها بالحَزْن إن مزارها

قريبٌ ولكن دون ذلك أهوال

(المعري)

ثم اشتدت الأزمة الداخلية في أعماق ديكارت وتفاقمت واستفحلت. ثم نهشه جحيم الشك نهشاً حتى لم يعد يستقر على حال. ولم يعد يستطيع التوصل إلى يقين ثابت أو أرض صلبة يقف عليها. وكاد أن يجن. ومعلوم أن الشك سلاح ذو حدين. فهناك الشك الذي يعمر وهناك الشك الذي يدمر. هناك الشك الإيجابي المبدع الخلاق، وهناك الشك العدمي العقيم القاتل. وما أدراك ما جحيم الشك؟ ثم نزل عليه برد اليقين في آخر لحظة. البعض يقول: نزل عليه الإلهام الصاعق فأنقذه قبل أن يحصل ما لا تحمد عقباه. متى حصل ذلك؟ في ليلة 10 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1619، أي قبل 400 سنة من الآن. وتقول لنا الأخبار أيضاً: لولا عفو الله لقضى ديكارت نحبه في تلك الليلة الليلاء، حيث رأى ثلاثة أحلام مرعبة هزته هزاً. فاستيقظ مذعوراً مرعوباً وراح يرتجف كريشة في مهب الرياح. لكنها انتهت على خير لحسن الحظ. وتمخضت في نهاية المطاف عن الحدث الأعظم: انعتاق الروح وانكشاف الحقيقة. وهذا هو معنى الوحي الفلسفي أو الإلهام الصاعق الذي لا ينزل إلا على كبار العباقرة. عندئذ تجلت له الحقيقة التي لا تعطي نفسها إلا للعظماء. فخر راكعاً، ساجداً، شاكراً. وأقسم يميناً بالله أنه سيحج إلى مزار السيدة العذراء في بلدة لوريتو بإيطاليا سيراً على الأقدام. وهي من أهم مزارات الحج الكاثوليكية في العالم. وفى بنذره فعلاً عام 1623. هكذا نجد أن مؤسس العقلانية الفلسفية في الغرب لم يكن عقلانياً إلى الحد الذي نتصوره. أو قل كان عقلانياً تماماً فيما يخص الشؤون البشرية والأرضية واكتشاف قوانين الطبيعة والكون. لكنه كان يعرف أن هناك أشياء عُلوية سماوية تتجاوز أفهامنا وعقولنا. وربما كان يشعر ضمناً بأن العناية الإلهية تعرف من هو بالضبط. ربما كان يشعر في قرارة نفسه بأنها تطل عليه من فوق: تحرسه وتحميه. وذلك ريثما يكون قد أدى مهمته وحقق الاكتشافات الكبرى التي أضاءت للبشرية عتمات الطريق.

على أي حال لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته على المكشوف. لذلك وصفه هيغل بأنه «البطل المقدام للفكر». بعدئذ استطاع أن يتوصل إلى طمأنينته الشخصية وحقيقته الجوهرية. وقد تحدث عن ذلك بشكل ذاتي مؤثر في كتابه الشهير «مقال في المنهج». وهو الكتاب الذي نتجت عنه كل الحضارة الحديثة التي نعرفها اليوم: أي سيطرة الإنسان على الطبيعة وانتصاره عليها بواسطة العلم والتكنولوجيا. قال في اعترافاته الشخصية ما معناه: «كنت كمن يتقدم وحيداً في بحر من الظلمات. كنت كمن يمشي على خيط رفيع جداً جداً، ويكاد أن يسقط في أي لحظة. كنت على وشك السقوط في هاوية سحيقة، ولا قرار...»، لكنه لم يسقط إنما وصل إلى بر الأمان. أخيراً وصل رينيه ديكارت.

بعد أن انكشفت له الحقيقة ساطعة كقرن الشمس، بعد أن تغلب على شكوكه وهواجسه الجنونية، بعد أن حقق أكبر انتصار على مجهول المجاهيل، قرر ديكارت أن يقطع مع أفكاره السابقة التي تلقاها من العائلة والمدرسة والكنيسة. في تلك اللحظة قرر أن يقوم بأكبر انقلاب في تاريخ الفلسفة. في تلك اللحظة قرر أن يطوي صفحة ألف سنة من تاريخ الفلسفة: أي كل فلسفة القرون الوسطى اللاهوتية الكهنوتية التكرارية الاجترارية. ومن تلك اللحظة ابتدأت الفلسفة الحديثة: أي الفلسفة الديكارتية التي طالما سحرت طه حسين عندما كان في باريس وأشعلت شرارة التنوير العربي. يقول ديكارت بالحرف الواحد في كتابه العظيم «التأملات الديكارتية» أو «التأملات الميتافيزيقية»:

«كنت قد اكتشفت منذ زمن طويل أني كنت قد تلقيت مجموعة كبيرة من الأفكار الخاطئة في سنوات عمري الأولى. لقد تلقيتها على أساس أنها صحيحة تماماً ولا يرقى إليها الشك. ولكني اكتشفت فيما بعد أن كل ما أسسته على هذه المبادئ الهشة المهتزة لا يمكن إلا أن يكون مشبوهاً جداً ولا يقين فيه. وبالتالي فقد قررت أن أدمر كل أفكاري السابقة».

لاحظوا مدى خطورة هذه العبارة الأخيرة التي يكاد يرتجف أمامها المثقف العربي ارتجافاً. من يستطيع أن يلفظ عبارة كهذه: «قررت أن أدمر كل أفكاري التراثية والماضوية والرجعية السابقة. من يستطيع أن يقول مثلاً: قررت التخلي عن كل الأفكار الطائفية والمذهبية القديمة التي تربيت عليها منذ نعومة أظفاري وتشربتها مع حليب الطفولة؟ وهي أفكار تكفر الآخرين وتبيح دمهم شرعاً. سوف يتهمونه فوراً بالخروج على ثوابت الأمة ومقدساتها. وهذا ما حصل بالفعل لديكارت. فقد وضع الفاتيكان مؤلفاته على لائحة الكتب المحرمة قراءتها على المؤمنين (أي المتدينين المسيحيين). وكذلك فعل مع تلميذه سبينوزا الذي ذهب بعيداً أكثر في تفكيك العقائد التراثية التكفيرية. على هذا النحو أشرقت علينا أنوار العصور الحديثة فبددت ظلمات العصور الوسطى.

أخيراً كان ديكارت يقول هذه العبارة الشهيرة: «الفيلسوف يتقدم مقنعاً على مسرح التاريخ»، وكان يقصد بذلك أنه لا يستطيع الكشف عن وجهه الحقيقي منذ البداية خشية أن يقتلوه أو يغتالوه قبل أن يضع مؤلفاته الأساسية ويضرب ضربته الكبرى.

لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته ولذلك وصفه هيغل بـ«البطل المقدام للفكر»


الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية
TT

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

في روايته «كل شيء ميت»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة محمد عبد العزيز، يتقن الكاتب الآيرلندي جون كونولي رسم ملامح شخصية المحقق السابق في شرطة نيويورك تشارلي باركر الذي يجد نفسه على حافة الجنون؛ إذ تعذبه فكرة أنه لم يتوصل بعد إلى قاتل زوجته وابنته الصغيرة، فيمتزج إحساسه بالذنب والندم مع الرغبة في الانتقام.

وعندما يطلب منه شريكه السابق تعقب أثر فتاة مفقودة، يجد باركر نفسه وقد عاد مرة أخرى إلى عالم يملأه القتل والدماء، ووسط كل هذا يجد خيطاً ربما يدله على قاتل زوجته وابنته بعد أن عاد للظهور من جديد.

هكذا بمساعدة عالمة نفس شابة واثنين من المجرمين المحترفين، ينطلق باركر باحثاً عن الحقيقة، متورطاً في عالم لم يتخيل أنه دخله من قبل؛ إذ يسعى إلى مواجهة نهائية ووحشية مع رجل تجاوز جميع مفاهيم الإنسانية، ليفتح أبواب الجحيم على القاتل المتسلسل المعروف باسم «الرجل المسافر»، في نص مليء بالإثارة ومشحون بالتوتر عبر حبكة متقنة تحفل بشخصيات استثنائية.

ورغم أجواء التشويق، فإن المؤلف يمنح الجانب النفسي العاطفي في الشخصيات اهتماماً واضحاً، من خلال استكشاف قصص الحب المستحيلة والإخفاق العاطفي وذكريات المشاعر القديمة التي يظن أصحابها أنها اختفت إلى الأبد، غير أنها سرعان ما تندلع في لحظة هاربة من الزمن والمنطق والعقلانية.

ورغم التماسك الظاهري للشخصيات وما تُظهره من صلابة، يستكشف النص تلك الحالة من الهشاشة الداخلية التي تنتاب الجميع، وتظهر في مواقف بعينها في إطار عام من الخيبة والخذلان.

وُلد جون كونولي في 31 مايو (أيار) عام 1968، واشتُهر بسلسلة رواياته من بطولة المحقق الخاص «تشارلي باركر». درس اللغة الإنجليزية وآدابها في كلية «ترنينتي» في دبلن، كما درس الصحافة، لكنه سرعان ما أحس بالإحباط من عمله كصحافي، وبدأ في التفرغ للكتابة الأدبية.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«وصلت منزل والتر بعد التاسعة بقليل، فتح لي الباب بنفسه وأدخلني. لو كنت شخصاً متوسط التعليم لسميت المكان وكراً، لكن هذا اللفظ ما كان ليصف حقيقة المكان، فالمكتبة صغيرة تحوي كتباً جمعها والتر كقارئ نهم على مدار نصف قرن. كان بإمكانك أن ترى كتباً تحوي سير كتاب وشعراء مثل كيتس وسانت إكسبري جنباً إلى جنب مع كتب عن الطب الشرعي والجرائم الجنسية وعلم نفس الجريمة، إلى جانب كتب بورخيس وهيمنجواي.

رأيت أيضاً جهاز كمبيوتر من نوع (ماكنتوش باوربوك) فوق مكتب غطت قمته طبقة من الجلد، وإلى جانب المكتب اصطفت ثلاث خزائن لوضع الملفات. كانت الحوائط مزينة بلوحات بعض الفنانين المحليين، وفي أحد الأركان وقفت خزانة ذات واجهة زجاجية تحوي جوائز حصل عليها والتر في الرماية، وقد وُضعت الجوائز دون تنسيق وكأنه شعر بالحرج جراء افتخاره بقدراته. كان النصف الأعلى من النافذة مفتوحاً، فانسابت من الخارج روائح الحشائش المقصوصة للتو، وأصوات أطفال يلعبون هوكي الشارع في المساء الدافئ.

دخلت زوجته لي إلى الوكر عبر الباب، مضى على زواجها بوالتر أربعة وعشرين عاماً، وخلال هذه المدة امتازت حياتهما معاً باللين والتسامح بشكل لم أستطع أنا وسوزان أن نحققه حتى في أفضل مراحل علاقتنا. ارتدت لي قميصاً أبيض وجينز أسود أظهرا قواماً لم يتأثر بإنجاب طفلين، ولا بولع والتر بالمطبخ الشرقي. كان شعرها الأسود الذي لاحت فيه بعض الخصلات البيضاء كقمر وسط المياه المظلمة مرفوعاً...».


«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية
TT

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

صدرت حديثاً عن منشورات «رامينا» في لندن، رواية «الزمن البرّي» للروائيّ والقاصّ السوريّ حسين سليمان، المقيم في الولايات المتحدة الأميركية. وتقدّم الرواية عالماً روائياً مشبعاً بالذاكرة والحنين والأسئلة الوجودية التي تتقاطع فيها مصائر الأفراد مع تحولات المكان والزمن.

منذ الصفحات الأولى، يضع حسين سليمان قارئه داخل فضاء روائي تتداخل فيه الواقعية مع التأمل، وتتجاور فيه الحياة اليومية مع طبقات عميقة من الذاكرة الفردية والجماعية. تدور الأحداث في بلدة سورية تبدو مألوفة في ظاهرها، غير أنّها تتحول تدريجياً إلى مسرح واسع لاستكشاف العلاقات الإنسانية، وأثر الزمن في البشر والأمكنة، والكيفية التي تتوارث بها العائلات حكاياتها وأسرارها وأوجاعها عبر الأجيال.

تتمحور الرواية حول شخصية «كندة» التي تتحرك بين البيت والسطوح والطرقات والنهر والبراري، حاملةً أسئلة تتجاوز عمرها وتجربتها المباشرة. ومن خلال هذه الشخصية، ينسج الكاتب شبكة واسعة من العلاقات التي تضم الآباء والأمهات والأجداد والأقارب، فتغدو الحكاية رحلة داخل الذاكرة العائلية بقدر ما هي رحلة في الجغرافيا الداخلية للإنسان.

ويمنح حسين سليمان للمكان حضوراً استثنائياً في الرواية؛ فالبلدة ليست خلفية للأحداث، وإنما كائن حي ينبض بالتاريخ والذكريات والرموز. السطوح والأزقة والبيوت القديمة والنهر والبراري تشارك جميعها في تشكيل المعنى، وتتحول إلى عناصر فاعلة في السرد، تحمل آثار من مرّوا بها وتحتفظ بأصداء أصواتهم وحكاياتهم.

ومن أبرز ملامح العمل انشغاله بفكرة الزمن، الذي يتحرك في اتجاهات متعددة، ويستدعي الماضي باستمرار داخل الحاضر، ويجعل الشخصيات تعيش بين ما حدث وما يمكن أن يحدث. لذلك تبدو الرواية أقرب إلى محاولة لفهم أثر السنوات في الوعي الإنساني، وفي العلاقات العائلية، وفي صورة الإنسان عن نفسه وعن العالم المحيط به.

ويتوقف النص طويلاً عند موضوع الحب بمستوياته المختلفة؛ حب العائلة، وحب الأرض، وحب الإنسان للآخر، وحب الحياة ذاتها. وتأتي هذه الثيمة ضمن سياق تأملي يربط العاطفة بالذاكرة والإيمان والبحث الدائم عن المعنى. لذلك تكتسب الشخصيات أبعاداً إنسانية تتجاوز أدوارها المباشرة داخل الحبكة، وتتحول إلى أصوات تعبّر عن رؤى وتجارب متباينة للحياة.

يعتمد حسين سليمان على لغة سردية كثيفة ومشحونة بالتأملات والصور والاستعادات الزمنية. وتميل الجمل إلى التوسع والتدفق، مع حضور واضح للنبرة الفلسفية والوجدانية التي تمنح النص طابعه الخاص. كما تتكئ الرواية على حوارات داخلية وأسئلة مفتوحة تمنح القارئ مساحة واسعة للمشاركة في إنتاج المعنى وتأويل الأحداث.

وتكشف الرواية عن اهتمام واضح بالعالم الداخلي للشخصيات، حيث تتجاور الهواجس الفردية مع التحولات الاجتماعية، وتتشابك الرغبات الشخصية مع الموروث العائلي والثقافي. ومن خلال هذا التشابك تنجح الرواية في بناء عالم متعدد الطبقات، يفتح أبواباً واسعة للتأمل في الإنسان ومصيره وعلاقته بالماضي والحاضر.

بهذا العمل يواصل حسين سليمان مشروعه الروائي القائم على استنطاق الذاكرة السورية، والبحث في مصائر البشر تحت تأثير الزمن والتحولات الكبرى، عبر نص يزاوج بين السرد والتأمل، ويعيد طرح أسئلة الهوية والانتماء والعائلة والحب ضمن رؤية إنسانية واسعة الأفق.

تقع الرواية تقع في 277 صفحة من القطع الوسط.

وكان المؤلف قد أصدر عدداً من الروايات، ومنها: «صدى الزور البعيد»، و«ينزلون من الرحبة» و«الضجيج»، ومجموعة قصصية بعنوان «رموز العربة».