الأزمة الليبية بانتظار «صندوق الانتخابات»

طموحات الساسة تُعيد الخلافات من جديد

الأزمة الليبية بانتظار «صندوق الانتخابات»
TT

الأزمة الليبية بانتظار «صندوق الانتخابات»

الأزمة الليبية بانتظار «صندوق الانتخابات»

استنفد الأفرقاء الليبيون جُل ما تبقى لهم من وقت دون «توافقات مُرضية»، باتجاه تجهيز ليبيا إلى إجراء انتخابات رئاسية ونيابية وفق خارطة الطريق الأممية. إلا أنه، مع أقل من 90 يوماً على الموعد المُرتقب اشتعلت الخلافات بينهم ثانية، ودخلت الأزمة مفترق طرق، وبات كل معسكر يرى الحل إما في صندوق الانتخابات، وإما العودة إلى صندوق الذخيرة!
والحقيقة أنه منذ فرغ «ملتقى الحوار السياسي الليبي» في جنيف، بداية فبراير (شباط) الماضي، من اختيار السلطة التنفيذية المؤلفة من «المجلس الرئاسي» و«حكومة الوحدة الوطنية»، لم تفلح الأطراف السياسية الممثلة بالملتقى في وضع الأساس الدستوري اللازم لإجراء الاستحقاق المُرتقب، بل حرص كل منهم على تكريس مكتسباته الجهوية، وفتح المجال العام أمام معسكره المنتمي إليه «سياسياً وعسكرياً». ولمزيد من تعقيد الأزمة، سحب مجلس النواب الثقة من حكومة عبد الحميد الدبيبة، في إجراء مفاجئ وُصف بأنه يهدد بنسف «اتفاق جنيف».

أمام تعدد جولات الأفرقاء الليبيين قاصدين جنيف، وتعثر مناقشاتهم في التوصل إلى «قاعدة دستورية» للانتخابات، انتقل الصراع إلى مجلس النواب بقصد إنجاز قانون يجيز انتخاب رئيس ليبيا المقبل.
وفي ظل إصرار أميركي على التعجيل في وضع «اللمسات الأخيرة» على تشريعات الانتخابات، وهناك مدينة طبرق (شرق ليبيا) – حيث مقر مجلس النواب – لم يسلم الأمر من تشاجر واشتباكات بالأيدي بين بعض النواب داخل الجلسات، كل حسب انتمائه وجبهته والطرف الداعم له، بشأن بعض بنود القانون المتعلقة بانتخاب الشخصيات المدنية والعسكرية، حتى انتهى الأمر بمصادقة رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح، على القانون. لكن هذا حصل من دون طرحه على النواب للتصويت، والدفع به إلى المفوضية العليا للانتخابات، ما أثار استياء واسعاً لدى معسكر غرب ليبيا، بزعامة «المجلس الأعلى للدولة».
لقد تمحور الخلاف حول المادة (12) من القانون، وتنص على إمكان ترشح أي شخص عسكري أو مدني بشرط التوقف «عن العمل وممارسة مهامه قبل موعد الانتخابات بثلاثة أشهر، وإذا لم يُنتخب فإنه يعود لسابق عمله».
ويرى مراقبون أن الليبيين بمختلف انتماءاتهم وإن كانوا هللوا فرحاً بانتخاب السلطة التنفيذية قبل قرابة ثمانية أشهر من الآن، لكن الوضع اختلف الآن مع تعاظم الأزمة. وعقب قرار البرلمان بسحب الثقة من حكومتهم أصبحوا ينتظرون موعد الانتخابات يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل إذا ما أجريت، «كي يثأر كل فريق من خصمه، وهو ما يُعد ترحيلاً للأزمة وعودة للانقسام السياسي، وليس حلها على أسس من التوافق والوئام الأخوي».
غير أن «المجلس الرئاسي» دعا السلطة التشريعية إلى تحمل مسؤولياتها الوطنية والقانونية لإنجاز التشريعات المطلوبة لإتمام العملية الانتخابية في موعدها، حرصاً على سلامة سير العملية السياسية وفق خارطة الطريق المعتمدة بملتقى الحوار السياسي. وقال إنه يتابع عن كثب تداعيات قرار مجلس النواب المتضمن سحب الثقة من الحكومة، وما صاحب ذلك من تداعيات مختلفة. وأيضاً طالب «المجلس» الحكومة بالاستمرار في عملها، وضرورة التزام جميع الأطراف بتحاشي اتخاذ أي خطوات تصعيدية، وتجنب كل ما من شأنه زيادة التوتر الشعبي، والعمل على التهدئة ضماناً لسير العملية الانتخابية في مناخ إيجابي.

- حفتر والرئاسة
من ناحية أخرى، مبكراً استبقت شخصيات سياسية عدة في شرق وغرب ليبيا، الجدل القانوني المُثار حول قانون الانتخابات، وأعلنت ترشحها لرئاسة البلاد، من بينهم فتحي باشاغا وزير الداخلية السابق بـ«حكومة الوفاق» والرجل القوي بغرب ليبيا، والدكتور عارف النايض، رئيس «تكتل إحياء ليبيا»، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «رئيس البلاد المنتخب مباشرة من قبل الليبيين، ومعه البرلمان الجديد، سيعملان معاً على إنهاء الانقسام، وبناء البنية الأمنية للبلاد».
ولكن يسود اعتقاد بأن القانون المكون من (77) مادة، ويُعنى بتنظيم الانتخابات الرئاسية المقررة، أعد على مقاس المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني الليبي»، لكن الأخير استبق تنحيه المؤقت عن مهامه، ودافع عن أحقية العسكريين في المشاركة بالعملية الانتخابية، وقال: «نحن نمر بمرحلة قادمة مرحلة سلمية. نحن عمرنا ما رفضنا السلم. ولأول مرة جنود القوات المسلحة وضباطها يشتركون في عملية الانتخابات لأنه حق». وما يذكر أن حفتر علق مهماته العسكرية رسمياً ثلاثة أشهر حتى موعد الانتخابات المرتقبة، وفقاً لاشتراطات القانون المثير للجدل، وذلك أملاً في خوض الماراثون الرئاسي، وكلف الفريق أول عبد الرزاق الناظوري، رئيس الأركان، بمهام منصب القائد العام.
وهنا تساءلت زهراء لنقي، عضو «ملتقى الحوار السياسي» قائلة: «ماذا لو بدأت العملية الانتخابية في 24 ديسمبر بإعلان بدء حملات المرشحين الانتخابية، وصار التصويت في 17 فبراير، هل سيعني ذلك أن من أعلن أنه في إجازة أنه سينقطع عن عمله حتى العام المقبل؟»... وتابعت: «وماذا لو كانت الانتخابات الرئاسية على جولتين أولهما في الموعد المحدد، والثانية في 17 فبراير أو 19 مارس (آذار) أو في شهر سبتمبر (أيلول) كما جاء في المقترح الأميركي؟ أذلك يعني أن الإجازة ستمتد على الأقل قرابة نصف عام أو سنة على الأكثر؟».
وكانت ترددت أنباء حول دخول صالح، في إجازة لمدة ثلاثة أشهر استعداداً للانتخابات الرئاسية، لكن فتحي المريمي، مستشاره الإعلامي، نفى ذلك في تصريحات، وقال: «حتى هذه اللحظة، رئيس مجلس النواب يمارس عمله ولم يطلب إجازة أو قدم استقالة للتقدم للرئاسة، (ربما غداً أو بعد غد أو الأيام المقبلة)، ربما يكون هناك شيء جديد من هذا». ويرى مقربون من معسكر شرق ليبيا، وجود تقاطع في ترشح حفتر وصالح معاً، إذا أقدم الأخير على ذلك. لكن هناك من يبرر بأن قانون الانتخابات فتح المجال لترشح أي شخصية طالما أن لديها ضمانات بالعودة إلى ممارسة منصبها، أو الإحجام عن ذلك وفق اتفاق مسبق بينهما.
ولقد سبق لمسؤولين أميركيين الكلام عن إمكانية إجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية على مرحلتين، تبدأ في 24 ديسمبر وتنتهي في 22 سبتمبر 2022.

- الدبيبة والميدان
وبموازاة التسارع باتجاه الانتخابات في شرق ليبيا، تنطوي الأوضاع في غربها على تكتم شديد. إذ لا يحق لرئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة الترشح للانتخابات، فوفق ما تعهدت به السلطة التنفيذية أمام «ملتقى الحوار» بجنيف، لا يجوز لأي منها الترشح في الانتخابات المقبلة، غير أن البعض يستند إلى القانون الذي وقع عليه صالح لكونه فتح المجال أمام الجميع شريطة التقدم بالاستقالة قبل مضي ثلاثة أشهر من موعد الاستحقاق.
وأمام تأزم الأوضاع وانقطاع «شعرة معاوية» بين الحكومة ومجلس النواب - ما دفع الدبيبة إلى دعوة الجماهير للتظاهر في الميادين اعتراضاً على قرار سحب الثقة - سعى البعض إلى تهدئة الأمور، غير أن الدبيبة أكد على «موقف حكومته الداعم لإجراء انتخابات حرة ونزيهة تعكس الإرادة الحقيقية للشعب الليبي». وعلّق محمد حمودة، المتحدث باسم الحكومة، على إمكانية ترشح حفتر للرئاسة، وقال إن «كل مواطن له الحق في الترشح وأن يطرح مشروعه، وهذا هو الخيار الأمثل للوصول إلى السلطة، وليس عبر القوة واستخدام التهديد؛ ونرحب بأي ترشح ما دام يلتزم بالقواعد الدستورية والقانونية»، لكن حمودة اكتفى بالرد حول ما إذا كان الدبيبة سيترشح، وقال: «لم يُصرح بأنه سيترشح في الانتخابات، ولا نعلم ما يدور في ذهنه بهذا الخصوص».
غير أن ترحيل الأزمة الليبية بجميع تفاصيلها إلى صندوق الانتخابات، نظر إليه بعض السياسيين على أنه «حل كارثي»، و«سيفتح الباب لمزيد من الانقسام السياسي»، الذي عملت السلطة التنفيذية الحالية على إزالته، فضلاً عن عدم تمكن أي من المرشحين للرئاسة بالتجول في مناطق خاضعة للمنافس، وهنا يرى محمد المُبشر، رئيس «مجلس أعيان ليبيا للمصالحة»، ضرورة عقد لقاء يضم «كل الفاعلين» في المجتمع الليبي من الأكاديميين والشخصيات الاجتماعية والشباب إلى حوار حقيقي في مدينة غدامس (جنوب ليبيا) قبيل إجراء الانتخابات، لتطرح فيه كل الحلول الممكنة.
وقال المُبشر، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، إن «التجاذبات التي تشهدها البلاد جعلت غالبية الليبيين يعتقدون أن الأجسام، التي كانت سبباً في المشاكل، فشلت حتى الآن في أن تكون جزءاً من الحل». وتحدث المُبشر عن تمكن بعض الأطراف الدولية بملف الأزمة في ظل استلاب القرار المحلي، لكنه لفت إلى أهمية «اتفاق الجميع على ميثاق... بعيداً عن الخارج ورحلات السياحة السياسية، لعله يعيد جزءاً من الفعل الليبي إلى الداخل».

- الموقف من سيف القذافي
في سياق متصل، انعكست الاختلافات بين معسكري شرق وغرب ليبيا أيضاً على الموقف من إمكانية السماح بترشح سيف الإسلام، نجل الرئيس الراحل معمر القذافي، الذي لوّح بإمكانية خوضه الاستحقاق أيضاً. إذ قال الدبيبة إنه (سيف الإسلام) يمكنه تقديم أوراق ترشحه باعتباره «ابن قبيلة مهمة»، لكنه اعتبر أنه يجب قبل ذلك معالجة مشاكله القانونية، في إشارة إلى المطالب المتكررة من المحكمة الجنائية الدولية بتسليمه ومحاكمته. أما صالح - في إشارة ضمنية لسيف الإسلام - فشدد على أنه «لا يحق لأي شخص محكوم عليه من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية الترشح لرئاسة الدولة الليبية»، وهو ما أثار أيضاً ردود أفعال غاضبة من الموالين للنظام السابق.
ومع هذا التباين، ثمة من يرى أن البرلمان أخطأ بقرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة، وهناك مَن انتقد الظهور الإعلامي لرئيس البرلمان عشية إصدار القرار، إذ قال الأكاديمي الليبي المختار الجدال: «من الخطأ خروج رئيس البرلمان لتبرير القرار الذي أصدره، فهو بذلك لا يختلف في شيء عن رئيس حكومة الوحدة الوطنية». وتحدث عن مدى تمتع المرشحين المحتملين بإمكانية التجول في مناطق خصومهم، متسائلاً: «هل سيرضى الطرف الآخر الذي يتمترس خلف الميليشيات وتركيا أن يطلق خليفة حفتر، حملته الانتخابية في الوطن الغربي والقبول بنتائج الانتخابات لو وصل عبر الصندوق لرئاسة الدولة؟ وبالمقابل هل يسمح الجيش في الوطن الشرقي والجنوبي بأن يطلق مرشح الإخوان حملته، والقبول بنتائج الصندوق؟».

- أميركا وأوروبا
في هذه الأثناء، استدراكاً لتصاعد الموقف في ليبيا والحفاظ على بنود اتفاق جنيف، دفعت قوى أميركية وأوروبية بثقلها لإنجاح العملية السياسية في ليبيا وإجراء الانتخابات المرتقبة، دون وضع العراقيل التي تحول دون ذلك في الحسبان. إذ حذر وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو، الذي عقد اجتماعاً وزارياً حول ليبيا مع نظيريه الفرنسي جان إيف لودريان والألماني هايكو ماس في نيويورك، حيث تعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة، من عدم إتمام الانتخابات الليبية، وقال إن ذلك «يعرض استقرار المنطقة للخطر». وأردف دي مايو: «دعونا نواصل العمل للتأكد من أن المجتمع الدولي يدعم العملية السياسية الليبية، بما فيها من انتخابات حرة ونزيهة وشاملة، وهو أمر ضروري». ولتأكيد وجهة نظره، قال إن «الانتخابات يريدها الشعب الليبي الذي يطالب بالحياة الطبيعية. وإن عدم التصويت من شأنه تعريض استقرار المنطقة بأكملها للخطر وقد يفتح مرحلة جديدة من العنف، ويمكن أن تؤثر التأثيرات أيضاً على بلدنا والاتحاد الأوروبي بأكمله».
وعلى الخط نفسه، أكد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، الذي التقى رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، دعم الولايات المتحدة للانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعدها المحدد.

- السلطة التنفيذية في ليبيا... 8 أشهر من محاولات إنهاء الانقسام
قبل قرابة ثمانية أشهر من الآن، أعلنت ستيفاني ويليامز، مندوبة الأمم المتحدة إلى ليبيا بالإنابة، من جنيف، انتخاب أعضاء السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا، ليصبح محمد يونس المنفي رئيساً للمجلس الرئاسي، وعبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة «الوحدة الوطنية». ومنذ ذلك التاريخ بدأت هذه السلطة بشقيها ممارسة أعمالها، والتقريب بين الليبيين، وإن كان بشكل لم يرضِ جميع الأطراف في البلاد، وذلك عبر مسارات عدة، وهذه جوانب منها:
> 16 فبراير (شباط) الماضي، استهل المنفي، أولى زياراته إلى طرابلس العاصمة، بعدما أنهى زيارة إلى المنطقة الشرقية بدأها من مدينة بنغازي شملت طبرق والبيضاء، حيث أجرى لقاءات مع قائد «الجيش الوطني الليبي» المشير خليفة حفتر، ورئيس مجلس النواب في طبرق عقيلة صالح، كما التقى عدداً من أعضاء مجلس النواب وشيوخ القبائل.
> 10 مارس (آذار) الماضي، مجلس النواب الليبي يمنح الثقة لحكومة الدبيبة بغالبية ساحقة، والأخير يتعهد بالعمل لإنجاح المصالحة الوطنية ودعم مفوضية الانتخابات.
> 16 مارس تسلمت الحكومة مهام عملها من «حكومة الوفاق الوطني» بطرابلس، و«الحكومة المؤقتة» بشرق ليبيا، بطريقة سلسة ودون منغصات. وعانق فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي السابق، الدبيبة أثناء تسليمه السلطة. وقال خلال مراسم مقتضبة «إنني هنا اليوم لترسيخ مبادئ الديمقراطية».
>25 فبراير الماضي، تعهد المنفي بالسعي إلى تعزيز وقف إطلاق النار وإنهاء الأعمال القتالية كافة على كامل التراب الليبي، وإفساح المجال للجنة العسكرية المشتركة «5+5» مع توفير كل سبل الدعم من أجل توحيد المؤسسة العسكرية، وإنشاء المفوضية الوطنية للمصالحة.
> 19 أبريل (نيسان) أصدر المنفي، توجيهاً إلى جميع وحدات الجيش الليبي، بشأن حظر العسكريين من الظهور الإعلامي والإدلاء بتصريحات ذات طابع سياسي، وكذلك حظرهم من السفر إلى الخارج إلا بإذن مسبق من القيادة العليا أو من قبل إدارة الاستخبارات العسكرية.
> 27 أبريل توجّه المنفي إلى مدينة سرت لحضور الاجتماع الرابع للجنة العسكرية «5+5».
> 10 مايو (أيار) الماضي، التقى المنفي وعضو المجلس موسى الكوني، مجموعة من مشايخ وأعيان مدينتي مصراتة وزليتن، في مدينة طرابلس، وتناول اللقاء ضرورة تطبيق «المصالحة الوطنية ولمّ شمل الليبيين».
21 مايو تعهّد الدبيبة خلال زيارته إلى مدينة بني وليد برفقة عدد من وزرائه، بإصلاح ما دمرته الحرب، وتحويلها إلى ساحة للبناء والتشييد والإعمار في المرحلة المقبلة، وليس ساحة للحرب والقتال.
3 يوليو (تموز) الماضي، بارك حفتر للشعب الليبي فتح الطريق الساحلي، فيما رحب الدبيبة بهذه الخطوة واعتبرها خطوة جديدة في البناء والتوحيد.
> 4 يوليو الماضي، أكد الدبيبة حرصه على تحقيق التداول السلمي للسلطة في البلاد، مشدداً على توفير «كل الدعم» من أجل إجراء انتخابات قبل نهاية العام الجاري.
> 17 يوليو الماضي، تعهّد الدبيبة بإخراج أي قوة أجنبية أو «مرتزقة» من ليبيا، كما أكد على جعل الانتخابات المقررة في 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل «واقعاً».
> 21 أغسطس (آب) الماضي، قال الدبيبة إنه لا يعارض لقاء حفتر إذا اعترف به كرئيس للحكومة ووزير للدفاع.
> 23 أغسطس الماضي، الدبيبة قرر تخصيص 100 مليون دينار لأسر الشهداء والمفقودين والمبتورين.
>14 سبتمبر (أيلول) الجاري، الدبيبة سلم الدفعة الأولى من صكوك منحة دعم الزواج لمستحقيها.
> 16 سبتمبر الجاري، وقعت حكومة الدبيبة مع مصر 14 مذكرة تفاهم مشترك و6 عقود تنفيذية.
> 21 سبتمبر الجاري، حجب مجلس النواب الليبي الثقة عن حكومة الدبيبة، لتستمر في تسيير أعمالها اليومية كحكومة تصريف أعمال.
22 سبتمبر الجاري، دعا الدبيبة المواطنين للتظاهر في ميدان الشهداء بالعاصمة طرابلس، للتعبير عن رأيهم رداً على قرار مجلس النواب الذي سحب الثقة من حكومته، وقال: «سيسقط البرلمان بعون الله ولن يكون ممثلاً لليبيين بهذه الصورة».



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة