«عرب أفغانستان»... وصفة لفهم تركيبة الأعراق المختلطة

يعتقدون أنهم من السلالات الأولى التي نشرت الدين الإسلامي في البلد

دونا ويلكر رفيقة المؤلف التي تمكن بمساعدتها من جمع بيانات حول النساء في أفغانستان
دونا ويلكر رفيقة المؤلف التي تمكن بمساعدتها من جمع بيانات حول النساء في أفغانستان
TT

«عرب أفغانستان»... وصفة لفهم تركيبة الأعراق المختلطة

دونا ويلكر رفيقة المؤلف التي تمكن بمساعدتها من جمع بيانات حول النساء في أفغانستان
دونا ويلكر رفيقة المؤلف التي تمكن بمساعدتها من جمع بيانات حول النساء في أفغانستان

تتميز دراسة «عرب وسط آسيا في أفغانستان... التحول في نظام الرعي البدوي»، التي صدرت طبعتها العربية الثالثة أخيراً، بأنها تتعدى مساحة البحث الأفغانية لتساهم في فهم تركيبة الدول مختلطة الأعراق، والتعامل معها على أسس علمية دقيقة، في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية على السواء.
وهي دراسة جادة دخلت أعماق مجموعة من الناس ينتسبون إلى العرب، ويعتقدون أنهم من السلالات العربية الأولى التي نشرت الدين الإسلامي في تلك الديار. ومنهم من يعتقد أنهم من العرب الذين أحضرهم تيمورلنك إلى تلك الديار بعد أن استولى على دمشق.
صدرت الدراسة عن «مركز البحوث والتواصل المعرفي»، وأعدها البروفسور توماس جي. بارفيلد، ونقلها إلى العربية المترجم المختص في شؤون وسط آسيا محمد بن عودة المحيميد. وتصّور هذه الدراسة وضع أقلية عربية في السبعينات من القرن العشرين، تعيش في شمال شرقي أفغانستان، وتمارس الرعي بالارتحال إلى مواطن الكلأ في منطقة قطغن من محافظة قندوز وجبال بدخشان فوق جبال البامير، وتتميز بعاداتها وتقاليدها، ورغم أنها فقدت لغتها العربية، لكن ظلت هويتها العربية راسخة.
وكانت الدراسة في الأصل مشروعاً تقدم به بارفيلد لنيل درجة الدكتوراه في جامعة هارفارد عام 1978، ونشر باللغة العربية بترجمة محمد المحيميد في طبعته الأولى والثانية في «مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية» عامي 2002 و2010. أما الطبعة الثالثة فصدرت مؤخراً عن «مركز البحوث والتواصل المعرفي». وتميزت الطبعة الأخيرة بدقة تحريرها واحتوائها على تصويبات وإضافات وملحق بالصور المعبرة من أرشيف المؤلف نفسه.
يتوزع الكتاب على مقدمة، وخاتمة، و6 فصول... فقد هدف بارفيلد من خطة البحث إلى الوصول لفهم للاقتصاد الرعوي وعلاقته بالتركيبة الاجتماعية البدوية، بيد أنه سرعان ما أصبح من الواضح على أرض الواقع، أن البحث يجب أن يتوسع ليتناول البدو بصفتهم جزءاً من نظام إقليمي، ويشمل اتصالاتهم مع الأسواق الحضرية، والقرى الزراعية، والهياكل الحكومية. ويركز بصورة أساسية على تحول الرعي من الأغراض المعيشية إلى غرض تجاري بحت لكثير من البدو، ومنهم العرب، بعد التنمية التي حدثت في أفغانستان وفي منطقة قطغن بوجه خاص، وتشييد الطرق واستصلاح الأرض للزراعة وفتح منافذ لتسويق الفائض من الأغنام، فارتفعت أسعار الأغنام بشكل كبير، مما جعل كثيراً من العرب يتخلى عن الرحيل بأسرهم من أجل الكلأ إلى المراعي دون أن يتخلوا عن مهنة الرعي، وعملوا بالاستثمار في حواضر المدن والاشتغال بالزراعة إضافة إلى الرعي.

- دراسة أنثروبولوجية
تُمثل الدراسة - كما يقول المؤلف - وصفاً إثنوغرافيّاً لعرب وسط آسيا، وهم فئة لا يُعرف عنهم إلا القليل، يقطنون في الشمال الشرقي لأفغانستان، كما تُقدّم توضيحاً للتغيرات التي طرأت على طريقة معيشتهم خلال السنوات الخمسين الماضية.
تميّز الدراسة الأنثروبولوجية (علم الإنسان الوصفي)، بين نظام الرعي الذي تُعد الأغنام فيه جزءاً من الاقتصاد للأغراض المعيشية، وبين النظام الذي تُعد الأغنام فيه أشياء ربحية؛ «محصولاً نقديّاً». وجاء هذا التمييز ليكون المفتاح في فهم التحول الذي طرأ على نظام الرعي البدوي في قَطَغن، إلى صيغة تجارية على نطاق واسع، وهو أيضاً يساعد على شرح ما يبدو أنهما نموذجان متعارضان للعمليات الاقتصادية في محيط البدو الرعاة.
ويلاحظ مترجم الكتاب محمد بن عودة المحيميد أن هذه الدراسة تسدّ نقصاً في المكتبة العربية التي تعاني نقصاً شديداً في الدراسات الأنثروبولوجية الإثنوغرافية التي تتناول المجموعات العرقية في العالم.
ويضيف أن «هذه الدراسات مهمة في فهم تركيبة الدول المختلطة الأعراق، والتعامل معها على أسس علمية دقيقة، في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية على السواء». وقد أفاد الغرب من هذه الدراسات كثيراً وأخذ المعلومات التي تتعلق بشعوب العالم مأخذ الجد، فنفعته ودعمت مصالحه السياسية والاقتصادية والثقافية.
ولا يقتصر المؤلف في دراسته على هذه المجموعة الموجودة في أفغانستان، وإن كانت محوراً رئيسياً فيها؛ إذ يعود إلى الخلف ليلقي الضوء على تاريخ هذه المجموعة، والهجرات التي قامت بها. ويحدثنا عن تاريخ العرب في وسط آسيا عموماً، ويستعرض الدراسات والإحصاءات المتعلقة بها.
يقول المؤلف: وصلتُ إلى أفغانستان في يناير (كانون الثاني) عام 1975 وفي ذهني هذه المشكلة الأنثروبولوجية، وكنت قد قمت قبل ذلك برحلتين استكشافيتين في صيفي عام 1973 و1974، وعلى عدم توفيرهما بيانات إثنوجرافية لي؛ إلا إنهما مكنتاني من إجراء اتصالات ثبت في النهاية أنها في غاية النفع».

- تعريف البدو
يرى الكتاب أن القضية الأولى التي لا بد من إثارتها؛ هي: تعريف البدوي محترف الرعي، فقد ابتُليت دراسة البدو بالافتتان بالتصنيفات الأكاديمية، وأدت هذه الدراسات التصنيفية النابعة من علم الجغرافيا الثقافية إلى سوء فهمنا للبداوة أكثر من أن تقدم تبصراً أعمق لطبيعة هذا النمط من الحياة.
في حين قدم بيكون (1954) تصنيفاً كلاسيكياً للبداوة غالباً ما يستشهد به؛ وهذا التصنيف قسّم البدو إلى ثلاث طبقات: البدو الأقحاح، وأشباه البدو، وأشباه المستقرين، معتمداً في هذا التقسيم على المدة الزمنية التي تقضيها كل فئة في الترحال ومزاولة الزراعة... فالبدوي القح يعيش في خيمة طوال السنة، ويربي الحيوانات فقط، أما غيره شبه المستقر فيعيش في منزل، ويزاول بعض الزراعة، ويربي الحيوانات، ويمضي جزءاً من العام في خيمة.
ويرى المؤلف أن هناك مشكلات في التعامل مع هذا التصنيف، فالتحرك وعدم مزاولة الزراعة إذا لم يجر تناولهما وفق بيئة محددة؛ فلن يقدما إلا القليل في إطار هذا التصنيف، وظاهريّاً؛ فإن البدوي القح لا بد من أن يكون مختلفاً جداً عن البدوي شبه المستقر، إلا إن النظرة الفاحصة إلى الأسباب التي تجعل بعض البدو أكثر تحركاً من بدو آخرين تؤدي إلى نتيجة غير السابقة.
وهو يعتقد أن النتيجة المؤسفة لهذه التصانيف هي استدامة أسطورة «البدوي القح»، وبالطبع؛ فإن أفضل البدو الأقحاح هم الذين يقطنون في الخيام طوال السنة ولا يشتغلون بالزراعة مطلقاً، ويعدّ وسط آسيا؛ الذي تشكل حدوده الجنوبية مجال هذه الدراسة، الموطن التقليدي للبدو الأقحاح. يلاحظ كذلك أن البدوي «القح»، رغم هذا النموذج الأول؛ ظل غامضاً إلى حد بعيد عبر القرون... فلقد بدا «الهسيونج نو» الذين عاشوا على الحدود الصينية في القرن الثاني قبل الميلاد بدواً أقحاحاً مثاليين حتى كُشف النقاب عن أن خُمس مجموع دخل الإمبراطورية الصينية السنوي قد استخدم لاستمالتهم. ومنذ ذلك الوقت كانت للقبائل البدوية على الحدود الصينية علاقات تجارية وابتزاز مع الإمبراطورية الصينية. هذه العلاقات أنتجت القليل فقط من المشردين الذين كانوا هم حقاً بدواً أقحاحاً، وهذا ما حدا بـ«لاتيمور» أن يعلن: «إن البدوي القح هو حتماً البدوي الفقير» (1940).

- العرب في قَطَغن
يتناول الكتاب وضع الأقلّية العربية في منطقة قطغن من محافظة قندوز وجبال بدخشان فوق جبال البامير، والتي كانت تعيش في شمال شرقي أفغانستان، وتمارس الرعي بالارتحال إلى مواطن الكلأ، ولها عاداتها وتقاليدها، ومع أنها فقدت لغتها العربية، إلا إن هويتها العربية ظلت راسخة.
المنطقة التي تعيش فيها هذه الأقلية العربية كانت محفوفة بالمخاطر، من حيث الأوبئة وعمليات الترحيل. ويقول المؤلف: «تحتضن منطقة قَطَغن نهري قندز وخان آباد مجتمعين مع جزء من نهر آمو قبل دخوله الصحراء... وعندما تنساب هذه الأنهار من منابعها الجبلية وتصل إلى السهول تغمر مياهها وديان مستنقعات القصب الواسعة بالراسب الطفالي مع الملاريا المستوطنة المشهورة ببشاعتها في جميع أنحاء أفغانستان، وكان المثل المشهور يقول: (إذا أردت أن تموت؛ فاذهب إلى قندز)، وقد وجد (وود) الذي كان يزور قندز عام 1838 أنها: (مكان لا يصلح إلا لسكن الطيور المائية، ونتيجة لذلك لم تكن المنطقة جميعها مأهولة بالبشر إلا بقدر ضئيل جداً».
أما جبال بدخشان؛ فقد نجت من الأوبئة لأنها منطقة جبلية، لم تُبْتَلَ بأمراض السهول؛ إلا إنها في الثلاثينات من القرن التاسع عشر عانت أعمال السلب التي كان يقوم بها مير قندز مراد بك، الذي لم يكتف بشن الغارات على المناطق الحدودية من الغرب، بل أخلى شخصيّاً بدخشان من السكان في محاولة منه لإحلال أقوام من طاجيك الجبال في قَطَغن.
وقد سببت سياسة إجلاء السكان التي اتبعها مراد بك أولاً، ثم سيطرة الأفغان على بدخشان ثانياً، توفير المراعي الجبلية، وهذا سهل قدوم العرب إلى الأراضي المرتفعة، وكما كانت الحال في بخارى: تحالف العرب مع الأوزبك وخضعوا لسيطرة الدولة التي كانت في هذه الحالة الدولة الأفغانية، مقابل استخدام أفضل المراعي في المنطقة.
وحتى عهد أمان الله (1919 – 1929)، كانت قَطَغن تُحكم بشكل عشائري، وفي عام 1921 أعاد نادر خان، وزير الحرب الذي أصبح ملكاً فيما بعد، تنظيم قَطَغن على نمط بيروقراطي.
في عام 1884 قدرت تقارير سريّة عن العرب على حدود أفغانستان كتبتها الفرق البريطانية التي قامت بمهمة مسح الحدود الأفغانية، وهي التي تقدم معلومات غزيرة عن العرب أفضل مما تضمنته أحدث المصادر، فقد وجد الإنجليز أن العرب كانوا في عام 1884 يشكلون المجموعة الثانية من حيث الكثافة السكانية في سهول تركستان، وهذا (الإحصاء) يستبعد أولئك العرب الذين استوطنوا في قَطَغن؛ لأنهم مع قدم استيطانهم في هذه المنطقة، تحاشوا أن يكونوا طرفاً في النزاعات السياسية.
يخلص الكتاب كذلك إلى أن العرب في أفغانستان مرتبطون بالاقتصاد الإقليمي ومشروعات الدولة والحكومة الوطنية. وعلى انعزالهم، فيما يبدو، إلا إنهم عبر تاريخهم كانوا متأثرين بالعالم الخارجي. فقد تأثر نظامهم الرعوي البدوي بالتغيرات السياسية، والمعاهدات العالمية، والتحولات في طلبات السوق. وعملهم أكثر من مجرّد نقل الأغنام من مكان إلى آخر، فالبدو الرعاة في قَطَغن ملتحمون بالاقتصاد الإقليمي بشكل فعلي، وبمقارنتهم بمزارعي القمح؛ فهم أكثر ارتباطاً بالأسواق الحضرية.


مقالات ذات صلة

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

كتب «أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من...

ندى حطيط
كتب «طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون أنطوان الدويهي

أنطوان الدويهي: «الشتاء الكبير» عهد بيني وبين نفسي

مع روايته الأخيرة «الشتاء الكبير» الصادرة في بيروت عن «الدار العربية» و«دار المراد»، يستمر أنطوان الدويهي على مدى ثلث قرن في صوغ عالمه الأدبي.

شوقي الريّس (بيروت)

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية
TT

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من اختبار المحاكاة، وأصبحت تُنتج نصوصاً متماسكة، وتُترجم وتُلخص وتُحاور، بل وتُحاكي أنماطاً أدبيّة وفكريّة بدرجة تثير الدهشة. إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يبدو أكثر عمقاً، وأهميّةً: ماذا يبقى من المعنى عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية الحيّة التي أنجبتها؟

من ربقة هذا التساؤل ينطلق كتاب «أصوات بلا ذاكرة: عن اغتراب المعنى في ذكاء الآلة» (2026) للدكتور غسان مراد، الذي يستكشف الذكاء الاصطناعي من منطقة تتقاطع فيها الفلسفة واللغة والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية. ويلخص العنوان مفارقته المركزية: نحن أمام أصوات تستطيع الكلام بطلاقة، لكنها تفتقر إلى الذاكرة بمعناها الإنساني، ذاكرة الألم والفرح والفقد والخوف، وتراكم العلاقات والتجارب والقراءات والزمن، أي ذلك التراكم الذي يجعل الكلمة البشرية جزءاً من سيرة صاحبها، وليس مجرد علامة لغويّة تؤدي وظيفة داخل جملة.

حين يكتب الإنسان عن المنفى، على سبيل المثال، تحمل الكلمة شيئاً من وطن تركه أو فقده، وحين يستدعي الحب أو الموت تتداخل في لغته طبقات من التجربة والذاكرة. أما النموذج اللغوي، فيصل إلى الكلمات عبر العلاقات الإحصائيّة والأنماط الرياضيّة المستخلصة من كميات هائلة من النصوص. يستطيع بناء خطاب بليغ عن الحزن من غير أن يختبر مرارته، وعن الخوف من غير أن يرتجف، وعن الموت من غير أن يفقه معنى الفناء الذاتي. وهنا يتضح التمييز بين المعلومة القابلة للتخزين والمعالجة والاسترجاع، والمعرفة التي تتشكل داخل ذوات حيّة تعيش في الزمن، وتتغير بما تختبره.

غير أن هذه المفارقة تتجاوز التفلسف المجرد؛ فالآلة التي تفتقر إلى ذاكرة ذاتيّة تتغذّى بالمبدأ على ذاكرة بشرية منتقاة وغير متوازنة. وما نسميه بيانات هو حصيلة ما دوّنته المجتمعات ورقمنته وحفظته وأتاحته، حاملاً معه تحيزاتها وموازين قواها وطرائق تصنيفها للأشياء. وهكذا تنتقل التحيزات المعرفيّة إلى قلب الخوارزميّة؛ ما يفرض طرح أسئلة تتعلق بالتاريخ الذي تتعلمه الآلة، والمصادر التي تمنحها الأولويّة، والثقافات التي تمتلك حضوراً رقمياً يسمح لها بالمشاركة في تشكيل الإجابات.

وبالنسبة إلينا في هذا الجزء من العالم، تحتل اللّغة العربيّة موقعاً حساساً عند هذا المفصل التاريخي، فهي تحمل تراثاً نصيّاً هائلاً يمتد قروناً، في حين يبقى جانب معتبر من ذاكرتها خارج البنى الرقميّة القابلة للمعالجة الحديثة. وتتجاوز المشكلة قدرة النموذج على إنتاج نصّ عربي سليم إلى طبيعة العربيّة التي يتعلمها، وحضور الفصحى واللهجات، والمصطلحات والمراجع التي تشكل خرائطه المفاهيمية. فقد يتقن النظام العربيّة لغوياً، في حين يستمد جانباً من تصوراته من معرفة تشكلت بلغات وثقافات أخرى. ومن هنا تصبح رقمنة التراث وبناء المدونات اللغويّة وتطوير المحتوى العلمي والفلسفي المعاصر قضايا تتصل على نحو وثيق بالسيادة المعرفيّة.

يضع الكتاب هذه اللحظة ضمن تاريخ الثورات التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة. فقد دشّنت اللغة الثورة المعرفيّة الأولى، حين منحت الإنسان القدرة على تحويل التجربة إلى معنى مشترك وتداوله مع الآخرين، ثم جاءت الكتابة لتمنح هذا المعنى ذاكرة تتجاوز حدود الفرد والزمن، وأتاحت الطباعة انتشار المعرفة على نطاق واسع، قبل أن يجعل الإنترنت المعلومات قابلة للبحث والتداول الفوري. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيمثل نقلة مغايرة؛ إذ أصبحت الآلة تعيد تركيب المعرفة وتلخيصها وترجمتها وصياغتها، في انتقال نوعيّ من امتلاك المعلومات إلى امتلاك الأنظمة التي تعيد إنتاجها وتقديمها للبشر.

ومن هذا الانتقال يفتح «أصوات بلا ذاكرة» نافذة على صراع القوة العالمي. ففي التصورات المرتبطة بحروب الجيل السادس، تتداخل القوة العسكريّة مع الفضاء السيبراني وحروب المعلومات والأنظمة الذاتيّة وتقنيات التأثير في الإدراك. وتدخل اللغة نفسها ساحة الصراع؛ إذ تستطيع الأنظمة التوليديّة إنتاج الرسائل والصور والسرديّات ونشرها على نطاق هائل، لتصبح القدرة على تشكيل المجال المعلوماتي جزءاً أصيلاً من القوة الاستراتيجية للدول.

وتتفرع من هذا الصراع معركة أخلاقية تتنافس فيها الدول الكبرى على التفوق التكنولوجي وصياغة قواعد تنظيمه في آن، في حين تمتلك الشركات العملاقة الجانب الأهمّ من النماذج والبنيّة الحاسوبيّة والخبرة التقنيّة. فمن يحدد حدود المقبول؟ ومن يعرّف الضرر والتحيز؟ ومن يتحمل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟ إنها أسئلة تنقل الأخلاق (والفلسفة) إلى مركز الصراع على مستقبل التكنولوجيا.

وهذا يأخذنا إلى ما يسميه الدكتور مراد بالعلوم الإنسانيّة الرقميّة، بوصفها مساحة يلتقي فيها الأدب والتاريخ والفلسفة واللسانيات مع الحوسبة وتحليل البيانات. إذ يستطيع الباحثون اليوم بمساعدة الذكاء الاصطناعي فحص ملايين النصوص وتتبع تحول المفاهيم واكتشاف أنماط وعلاقات يصعب رصدها بالقراءات التقليديّة، في حين يظلّ تفسير تلك الأنماط مرتبطاً بالسياق التاريخي والخبرة الإنسانية. وهكذا، تتسع أدوات البحث من دون أن يفقد التأويل موقعه في إنتاج المعرفة.

يفتح الكتاب النقاش المهمّ حول الصفحة التاليّة من مستقبل الذكاء الاصطناعي، بالانتقال من المعالجات الإلكترونيّة إلى الحوسبة البيولوجيّة والذكاء العضوي، حيث يجري استكشاف إمكان توظيف الجزيئات والخلايا والأنظمة الحيّة في معالجة المعلومات. ويعرض في هذا الإطار الأبحاث المتعلقة بالحواسيب الجزيئيّة التي تستخدم الحمض النووي والبروتينات، وما تتيحه من احتمالات مختلفة للحوسبة والتخزين، إلى جانب التحديات العلميّة التي لا تزال تفصل التجارب المختبريّة عن التطبيقات الواسعة.

توقُظُ الفضول في هذا السياق فكرة بالغة الإثارة تكاد تكون مُستلّة من أدب الخيال العلمي، تتعلق باستخدام الحمض النووي (DNA) وسيطاً لأرشفة المعلومات الرقميّة. فالمادة التي تحمل الشيفرة الوراثيّة للكائنات الحيّة تمتلك كثافة تخزينيّة خارقة، وقد أظهرت التجارب إمكان ترميز البيانات الرقميّة داخل تسلسلات من الحمض النووي الاصطناعي ثم استعادتها بقراءتها. ويفتح ذلك تصوراً جديداً للذاكرة، تنتقل فيه المعلومات من الشرائح الإلكترونيّة إلى وسيط جزيئي مستمد من المادة التي تحمل تعليمات الحياة نفسها.

مَن يتحمَّل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟

أما الاحتمال الأبعد، فيتمثل في التهجين الرقمي والبيولوجي، حين تتداخل الأنظمة الحاسوبيّة مع المكونات العضويّة، وصولاً إلى تصورات عن ذكاء يجمع خصائص العالمين. ويتناول الكتاب إمكان تطوير أنظمة تستفيد من الجزيئات البيولوجيّة، وأخرى قد تتفاعل مع جسم الإنسان ووظائفه، بحيث تتشوش الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصطنع، والبيولوجي والرقمي، والإنسان وما يضيفه إلى قدراته من أدوات وتقنيات.

ويتجاوز مفهوم التهجين الجانب العضوي ليشمل الهويّة والثقافة والعلاقات الاجتماعيّة. فالإنسان المعاصر يعيش بالفعل داخل بيئات هجينة يتداخل فيها الحضوري والافتراضي، ومع ازدياد تشابك الذكاء الاصطناعي في الحياة اليوميّة، تصبح التكنولوجيا شريكاً متزايد التأثير في تشكيل التجربة الذاتيّة، وتظهر أسئلة جديدة حول الهويّة والخصوصيّة والاختلاف وحدود التدخل التقني في الحياة الإنسانيّة.

ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التحولات على التربيّة والتعليم. فحين تتولى الأنظمة الذكيّة جانباً متزايداً من البحث والكتابة والتحليل وحلّ المشكلات، تتغير العلاقة بين المتعلم والمعرفة. ويصبح التحدي التربوي الحقيقيّ متعلقاً بتنمية القدرة على التفكير النقدي والتمييز والتحقق والاستدلال، إلى جانب اكتساب المهارات التقنية. كما تتغير وظيفة المعلم من نقل المعلومات إلى توجيه التعلم وبناء الأسئلة ومساعدة المتعلمين على فهم حدود الإجابات التي تقدمها الآلة. وفي المقابل، يثير الاعتماد المفرط على الأنظمة التوليديّة مخاوف تتعلق بضمور بعض مهارات التفكير والبحث والإبداع المستقل عند المتعلمين.

يتجاوز «أصوات بلا ذاكرة» كونه قراءة في تكنولوجيا مستجدّة، ليضع الإنسان نفسه أمام استحقاقات ثوريّة تتعلق بطبيعة (ومعنى) المعرفة والذاكرة والوعي والأصالة والإبداع والهوية. فالآلة التي تعلمت لغتنا ببراعة دفعتنا إلى إعادة النظر في مفاهيم اعتدنا التعامل معها بوصفها مسلّمات، في حين تفتح احتمالات الذكاء العضوي والتهجين المعرفي والبيولوجي أفقاً تتغير فيه العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا على نحو قد يطول تكوينه الجسدي وقدراته الذهنيّة.

وإذا كانت الآلة تستطيع اليوم أن تقول الكثير من دون أن تعيش حياةً واحدة، فإن السؤال الذي يتركه الكتاب مُشرعاً أمامنا يتجاوز مصدر الكلمات إلى مستقبل الذات الإنسانية: من أي ذاكرة ستتكلم هذه الآلة؟ وبأي قيّمٍ ستتعلم؟ وأيّ مساحةٍ سيحتفظ بها الإنسان لاستقلاله وحريته حين تصبح الخوارزميات شريكاً متزايد النفوذ في إنتاج المعرفة وصياغة المعنى؟


«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء
TT

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

تستند قصة الكتاب إلى شخصيات حقيقية، وأحداث واقعية جرت أثناء الحرب الأخيرة على غزة ولبنان، وهي واحدة من بين آلاف القصص التي لم تجد من يرويها.

تستهل الكاتبة هذه النوفيلا بعبارة شديدة الوقع: «نحن أبناء البلادِ القديمة، نخرج من الصورة مثل وطنٍ صغيرٍ أضاع البوصلة، فيستقبلنا عالمٌ يتحدّث لغة لا نجيدُها»

ثم يطفو سؤال ملحّ إلى السطح: بأيّ لغةٍ نخاطب العالم؟ لعلّها اللغة التي نسعى من خلالها إلى ترميم الذاكرة ومواجهة الحقائق التي تمنع محو آثار الجريمة متعدّدة الأبعاد. أو ربما هي تلك اللغة المنسية كأصحابها، لغة الذات وهي تحاورُ أطيافَها وتمنحُ الفرد المجهول حضوراً وهوية، حتى لا يكون مجرّد رقمٍ في الوجع الجماعي والخراب العميم.

ومنذ سؤال السطر الأول من الكتاب «لماذا أنت هنا؟» تتوالى الأسئلة الحرجة، التي ليس لها إجابات: «إلى أين تمضي قصص الحرب وفي أي اتجاهٍ تسير؟ هل يمتصّها الغيم مخزن أسرار الأرض، أم تخترق السماء، سقفَ العالم وغطاءَه؟»

والكثير من علامات الاستفهام والمشاعر المتناقضة بين بطلي النوفيلا: «وبينما يخوض أليعازر الفضاء وعيناه نحو الأرض، يتساءل علي موزارت: أي سلّم بمقدوره الصعود بي إلى السماء؟» من هذا المنطلق تبدأ كلمة الغلاف بسؤال أيضاً: «أي طيّار إسرائيلي هذا وهو ينقض على هدفه ولا يقصفه؟ من هو هذا المقاتل الفلسطيني الرابض تحت الأرض وهي تُزلزل من فوقه؟ هل للموسيقى أن تجمعهما؟ وهل للرسائل المدوّنة على الصواريخ أن تتحوّل إلى أغانٍ؟

أسئلة تضعنا حيالها الكاتبة والمراسلة الحربية اللبنانية ثناء عطوي، مازجة المتخيل بالتوثيقي، والوقائع بالقصص والأفكار، وقد أصبح القتل أرقاماً على شاشة، والناس على الأرض يتتبعون النجاة على خرائط «غوغل»، ومحظوظ من وجد مدوِّناً لحكايته».

ويتضمّن الكتاب أعمالاً للفنان البريطاني توم يونغ، الذي يعيش متنّقلاً بين لندن وبيروت، ويعمل على منشآت فنية في أماكن مهجورة أو متضرّرة كسبيل إلى بثّ الروح فيها.

في أعمال يونغ لا تَنسى البلدان من دمّرها، ولا أسماء أعدائها، ولا الوجع الذي أصابها. لوحات للمشهد ذاته، للحرب التي تتكرّر بأسماء مختلفة، لأوطان غطى الغبار وجهها، وتحوّلت ببطء إلى أشجار معمّرة.

في كتابها هذا، تقدّم لنا ثناء عطوي نصّاً يجمع بين الأدب والتوثيق الصحافي، والفن التشكيلي والموسيقى، التي يلجأ إليها بطلا العمل في أوقاتِ الهدنة، ليجدا نفسيهما بعد الحرب وقد جمعتهما ظروف غير متوقّعة في مكان محايد، بعد عودة كل منهما من صخب الحرب والمعارك.. يتحدث كل منهما لطبيبه النفسي عن دوافعه ومخاوفه، وعن ذكرياته المؤلمة بطريقة مختلفة.

من الفصل التاسع «متساوون بالموسيقى» نقرأ:

«يقول لصديقه: نؤدي المهام نفسها منذ أشهر، ألا وهي سحق المدن والمدنيين، والقضاء على حياة جديدة كل يوم، واستهداف الأطفال بأعداد كبيرة. لا أعرف كيف سنغفل عنهم عندما نرى وجوههم في الصور، ونتذكر أنفاسهم الأخيرة، وما تلفّظوا به وهم يستغيثون في لحظات الفزع».

يسرح علي في عَلَم بلاده الذي رسمه أحد المقاتلين على جدران النفق. يقول لصديقه إبراهيم: «عندما نعود بالأكفان من هذه الحرب، سيعيدوننا إلى نفق آخر، ويمنحوننا أوسمة، ثم ينثرون الورد فوقنا. ستُغطى أجسادنا براياتٍ ملوّنة، تمنح موتنا قيمة عليا. لكن لدي أمنيةٌ واحدة، ليتهم يتركون القبور مفتوحة».

«طيران على مستوى منخفض» نوفيلا من 80 صفحة، تأخذنا من خلالها الكاتبة في رحلة سردية توثيقية بصرية تتناغم فيها ثماني لوحات للفنان البريطاني توم يونغ، مع فصول الكتاب الستة عشر، في محاولة لتفكيك شيفرات الحرب، وتغليب الإنساني على مشاهد العنف التي أصبحت المشهد الأول في يومياتنا العربية.

وكان الغلاف من تصميم إيهاب فياض.

ثناء عطوي كاتبة وإعلامية، عملت مراسلة حربية على خطوط النار لسنوات، ونشرت تقارير محلية وعربية عن الحرب. من إصداراتها: «تحوّلات المثقفين اللبنانيين منذ ستينيات القرن العشرين»، و«وسواس» سيرة روائية وهواجس حرب صدرت بالعربية والفرنسية، ودراسة بحثية بعنوان «الأسرى المحررون من أوهام الواقع».


«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع
TT

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»، الذي يسعى في كتابه لمحاولة فهم التحولات العميقة التي يشهدها الوعي الإنساني في زمن تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، والمعرفة بالضجيج، والاختيار بالتوجيه الخفي.

الكتاب يُعدّ مشروعاً فكرياً يسعى إلى قراءة التحولات العميقة التي يشهدها العالم في مجال الوعي والإدراك وصناعة السرديات، ويفتح باباً مهماً للتأمل في آليات تشكيل الوعي، بوسفه ضرورة بقاء، في زمن تتسارع فيه محاولات التأثير على العقول وإعادة تشكيل الإدراك، وباعتبار أن الإنسان ليس مجرد وعاء تُلقى فيه الأفكار، بل كائن قادر على مراجعة قناعاته واستعادة استقلاله الفكري.

ينطلق «عصر التزييف» من سؤال جوهري: لماذا أصبح الإنسان، رغم وفرة المعلومات، أكثر عُرضة للالتباس وصناعة القناعات الموجهة؟ وهل التزييف يقتصر على الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، أم يمتد إلى توجيه الوعي والإدراك والقِيم والحقائق؟ ويقدم إطاراً فكرياً لتحليل آليات التأثير في الوعي، وتناقش دور الإعلام، والخوارزميات، واللغة، والخوف، والتكرار، في تشكيل الإدراك الإنساني. ولا يكتفي بالتشخيص، بل يطرح رؤية عملية لبناء وعي نقدي يعزز قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة والوهم. كما يلفت إلى أن أخطر أشكال التزييف هو ذلك الذي يتخفى خلف شعارات الحرية والاختيار.

ويشير الكتاب إلى أن التزييف اليوم «لم يعد حدثاً عابراً أو حالة استثنائية، بل أصبح بنية عميقة، يعاد من خلالها صياغة الوعي، وتشكيل إدراك الإنسان للعالم، ومن ثم يمثل الكتاب محاولة فكرية لفهم هذا العصر، وتحليل آليات إنتاج (الوعي المصنّع)، وبيان كيف تدار الحقيقة وتعاد هندستها، مع السعي إلى حماية الإنسان من الانخداع بالوهم، ليحافظ على إنسانيته وقدرته على التفكير الحر».