«حملات انتخابية» تسبق فتح باب الترشح للرئاسة في ليبيا

حفتر يحضر مسرحية لـ«محاربة الأفكار المُتطرفة»... وباشاغا «يصالح» القذاذفة والزنتان

حفتر خلال حضوره مسرحية «مقالب ذا فويس» (الشرق الأوسط)
حفتر خلال حضوره مسرحية «مقالب ذا فويس» (الشرق الأوسط)
TT

«حملات انتخابية» تسبق فتح باب الترشح للرئاسة في ليبيا

حفتر خلال حضوره مسرحية «مقالب ذا فويس» (الشرق الأوسط)
حفتر خلال حضوره مسرحية «مقالب ذا فويس» (الشرق الأوسط)

ليس هناك حتى الآن ما يؤكد أن الانتخابات الليبية ستُجرى في موعدها المحدد، يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وما إذا كانت ستشمل انتخاب رئيس للبلاد إلى جانب مجلس النواب. لكن نشاطات لافتة في الأيام الماضية لساسة ليبيين، تُطرح أسماؤهم كمرشحين محتملين للانتخابات الرئاسية، توحي وكأن الاقتراع حاصل غداً، في ظل حملات دعائية سابقة لأوانها.
وعلى رغم عدم فتح باب الترشح رسمياً بعد، فإنه يبدو أن سباق الرئاسة، وهو الأول من نوعه منذ استقلال ليبيا قبل نحو 70 عاماً، يشهد منذ الآن حماوة لافتة، في ظل نشاط غير مسبوق لعدد من المرشحين البارزين المحتملين. ومن بين هؤلاء، تبرز على وجه الخصوص نشاطات مكثفة لاثنين منهم، هما المشير خليفة حفتر من شرق البلاد، وفتحي باشاغا من غربها، وكلاهما يقوم منذ أسابيع بتحضيرات ضخمة، كما يبدو، لخوض غمار المنافسة.
وبالطبع، لا يعني تسليط «الشرق الأوسط» الضوء على حملتي الرجلين أن السباق الرئاسي سيكون محصوراً بهما. فالساحة الليبية تزخر حالياً بعشرات الساسة الطامحين للوصول إلى سدة الحكم. لكن النشاط الأخير لحفتر وباشاغا يعطي انطباعاً بأنهما يعتبران نفسيهما منافسين جديين.
حفتر
حضر القائد العام للجيش الوطني الليبي، المشير أركان حرب خليفة حفتر، الأحد، مباراة كروية استضافها ملعب الشهداء بنينا بمدينة بنغازي. وجاء هذا الحضور ضمن نشاط «مدني» متزايد لحفتر في الفترة الأخيرة، ما أطلق تعليقات واسعة على شبكات التواصل بأن ذلك يأتي تحضيراً لخوض الانتخابات المقبلة. ففي 24 أغسطس (آب) الماضي، حضر حفتر أيضاً، في ظل تغطية إعلامية واسعة، عرض مسرحية «مقالب ذا فويس» على خشبة المسرح الشعبي ببنغازي. ووقتها قال مدير إدارة التوجيه المعنوي في الجيش الوطني، اللواء خالد المحجوب، إن حضور حفتر المسرحية يأتي «في إطار تعزيز الفكر والثقافة وما له من أثر في محاربة الأفكار المُتطرفة والهدامة».
وبالتزامن مع هذه النشاطات المدنية، قام حفتر بانفتاح «عسكري» على خصومه في غرب البلاد، إذ أمر في بداية سبتمبر (أيلول) الجاري بالإفراج عن عدد من المحتجزين لدى جيشه (بسبب الأعمال القتالية)، وهم من مدن ليبية مختلفة، بما فيها مصراتة، معقل خصومه. وكان لافتاً أن الإفراج عن هؤلاء تم بدون اعتماد «نظام المبادلة»، أي أنه لم يشترط أن تطلق قوات الغرب أسرى من جيشه في مقابل مبادرته.
وكان حفتر قد خطا قبل ذلك خطوة أخرى نحو المصالحة مع خصومه في غرب ليبيا، إذ قال في خطابه خلال عيد الجيش الليبي في أغسطس الماضي: «رغم الاختلافات الحادة تجاه الوطن في الماضي والحاضر، وما نتج عنها من تصعيد بلغ حد المواجهة المسلحة، ها نحن نمد أيدينا للسلام العادل بكل شجاعة وثقة بالنفس من أجل المصلحة العليا للبلاد والأجيال القادمة، ونفتح أبواب قلوبنا لكل من أحسن في نواياه}. لكن حفتر، في مقابل مد «يد السلام» هذه، تمسك باعتبار أن «الجيش الوطني»، الذي أعاد بناءه في مواجهة الجماعات المسلحة بعد انهيار الدولة الليبية، هو «أساس بناء الدولة»، مؤكداً أنه سيواصل «الكفاح لتحرير الوطن من الاستعمار». ولم يوضح المشير الجهة التي يعنيها بحديثه عن «الاستعمار»، لكنه اتهم في وقت سابق مراراً تركيا بأنها تحاول استعمار بلاده، لا سيما في ضوء تدخلها العسكري الذي أفشل هجومه على طرابلس العام الماضي.
وعلى رغم رسائل الانفتاح من حفتر تجاه غرب البلاد، فإن معارضيه هناك، المدعومين من تركيا، يصرون على رفض القبول بخوضه السباق الرئاسي. ووصل الأمر ببعضهم إلى حد التهديد بحرب جديدة لمنعه من تولي الرئاسة، حتى لو فاز. وليس واضحاً في الحقيقة ما إذا كانت الطريق القانونية معبدة تماماً أمام حفتر للترشح للرئاسة. ففي يوليو (تموز) الماضي، بدا المشير كأنه قد فتح صفحة جديدة مع رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، بعد فتور ملحوظ بين الرجلين خلال الحرب التي شنها قائد الجيش الوطني لـ«تحرير طرابلس» عام 2019، والتي انتهت بفشل كارثي (نتيجة التدخل العسكري التركي بعد ذلك بعام). وقد سن مجلس النواب في طبرق أخيراً قانوناً للانتخابات المقبلة، يتيح لقائد الجيش خوض السباق الرئاسي، بشرط التنحي عن منصبه العسكري قبل ثلاثة شهور من الاقتراع، وهو ما يعني أن على المشير الاستقالة الآن إذا ما أراد الترشح، علماً بأن القانون ذاته يتيح له العودة إلى منصبه العسكري في حال عدم فوزه بالرئاسة. ويُعتقد أن هذه المسألة لا بد أن تكون قد طُرحت في اللقاء، الذي جمع الأسبوع الماضي في القاهرة حفتر وعقيلة صالح مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي التقى بدوره، بعد ذلك، رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية، عبد الحميد الدبيبة. ولم يلتق الأخير بحفتر منذ توليه رئاسة الحكومة في مارس (آذار) الماضي.
فتحي باشاغا
وإذا كان قائد الجيش الوطني، كما يبدو حتى الآن، مرشح الشرق الليبي الأبرز (لكنه ليس الوحيد بالطبع)، فإن غرب البلاد يشهد بدوره نشاطاً لافتاً لبعض الشخصيات، التي يُعتقد أنها ستترشح في الانتخابات الرئاسة المقبلة. ويبرز في هذا الإطار وزير الداخلية السابق، فتحي باشاغا، الذي سُجلت له خلال سبتمبر الجاري سلسلة لقاءات ومواقف ذات دلالة بارزة.
ففي الرابع من سبتمبر الجاري، أعلن باشاغا أنه «في إطار مواصلة مساعينا للمصالحة الوطنية، وترسيخ ثقافة التسامح بين الليبيين، تشرفت باستقبال وفد من قبيلة القذاذفة في لقاء اجتماعي، بحثنا خلاله ما يمكن أن نسهم به في الدفع باتجاه إطلاق سراح كافة المحتجزين منذ عام 2011، بما تسمح به الإجراءات القانونية».
ولم تمر أيام على لقاء باشاغا، وهو من أعيان مدينة مصراتة، بأعيان القذاذفة، حتى أعلنت سلطات غرب البلاد الإفراج عن الساعدي القذافي، نجل العقيد الراحل معمر القذافي بعد سنوات طويلة من الاحتجاز. كما تم الإفراج في الوقت ذاته عن عدد آخر من رموز النظام السابق. ولم تربط حكومة طرابلس رسمياً الإفراج عن هؤلاء بمساعي باشاغا للمصالحة مع القذاذفة، لكن حصول الإفراج مباشرة بعد لقائه بأعيان هذه القبيلة أوحى بوجود مثل هذا الترابط، وبأن كلمة باشاغا ما زالت مسموعة لدى المسؤولين في طرابلس، على رغم مغادرته السلطة (وزارة الداخلية) بعد انتخاب الدبيبة رئيساً للحكومة.
ومعلوم أن باشاغا من مدينة مصراتة مثل الدبيبة، لكن الأخير لا يستطيع الترشح في الانتخابات المقبلة (هو وأعضاء حكومته والمجلس الرئاسي تعهدوا بعدم الترشح في الاقتراع المقبل).
ولم يكتف باشاغا بمصالحة القذاذفة، إذ إنه عقد في سبتمبر أيضاً لقاء مصالحة آخر مع أعيان مدينة الزنتان (غرب)، وهي مدينة أخرى على خصومة مع مصراتة. ويُعتقد أن سيف الإسلام القذافي، نجل القذافي الذي كان يُنظر إليه بوصفه الوريث المرجح لوالده، يعيش حالياً في منطقة ما بجوار الزنتان، وهي المدينة التي احتجز فيها منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2011 حتى يونيو (حزيران) 2017. وقبل أسابيع، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» مقابلة مع سيف جرت في مكان يُعتقد أنه قرب الزنتان، لمح فيها إلى إمكان مشاركته في الانتخابات المقبلة، علماً بأن وضعه القانوني ربما يمنع ذلك، كونه ما زال مطلوباً للمحكمة الجنائية الدولية، بتهم مرتبطة بمشاركته في محاولة قمع الانتفاضة ضد والده.
وليس من الواضح تماماً ما إذا كان الهدف من لقاءات باشاغا مع أعيان القذاذفة والزنتان فقط «المصالحة» معهما، بل أيضاً المساهمة في تعميق الشرخ الموجود بينهما وبين المشير حفتر، وبالتالي حرمانه من أصوات كان يمكن أن تصب لمصلحته في الانتخابات المقبلة. وليس سراً أن جزءاً لا بأس به من مؤيدي حفتر وجيشه يُحسب على مؤيدي النظام السابق. ويدعم هؤلاء، في العموم، حفتر ليس من منطلق شخصي، ولكن لدوره في إعادة بناء قوات مسلحة نظامية، أوقفت تمدد الميليشيات المسلحة على أنقاض الدولة المنهارة بعد سقوط نظام القذافي.
وفي تصريحاته الأخيرة، اعتبر باشاغا أن «إصدار القانون الخاص بانتخاب الرئيس مباشرة من الشعب خطوة مهمة وإيجابية جداً من أجل إجراء الانتخابات في موعدها المقرر، وإنهاء الانقسام الذي يسود المشهد الليبي»، من دون أن يعلن ترشحه للمنصب. لكنه قال إنه ينوي السفر للولايات المتحدة لمناقشة موضوع الانتخابات هناك.
وكان باشاغا إحدى الشخصيات المحورية في غرب البلاد التي تتعاون مع الأميركيين، لا سيما بخصوص تنفيذ خطة تقضي بحل الميليشيات المسلحة، ودمج جزء منها في أجهزة الأمن.
وقبل أيام حاول باشاغا مد يد التعاون أيضاً لقبائل التبو، إذ وجه، في 15 من سبتمبر الجاري كلمة بمناسبة «اليوم الوطني للثقافة التباوية»، تقدم فيها «بأحر التهاني إلى القبائل التباوية»، مشدداً على «أهمية تعزيز قيم التسامح، وترسيخ مبادئ التعايش السلمي وثقافة قبول الآخر، ونبذ الفرقة والخلافات بين مختلف أفراد الشعب الليبي}... كما نشر باشاغا قبل أيام صوراً له وهو يقود طائرة إلى جانب طيار ليبي شاب، قائلاً: «أعادتني هذه الرحلة القصيرة إلى سنوات قضيتها في الكلية الجوية بمصراتة، كنت أشرف خلالها على تدريب الطيارين الشبان، وهي تجربة تعلمت منها الكثير».
وإذا كان وصول حفتر للرئاسة يواجه حتى اليوم بـ«فيتو» تفرضه تركيا وحلفاؤها، فإن قرب باشاغا من تركيا قد يكون بدوره عائقاً آخر أمام قبوله في شرق البلاد. فخلال سبتمبر الجاري، كتب باشاغا على حسابه في «تويتر» أنه «بتنسيق مع مركز دراسات الشرق الأوسط ومعهد إسطنبول للفكر، تشرفنا بلقاء عدد من الشخصيات الإعلامية والأكاديميين، والباحثين المهتمين بالشأن الليبي. وناقشنا الدور المهم الذي لعبته تركيا في تحقيق التوازن العسكري، وجهود وقف إطلاق النار وعودة الحياة السياسية في ليبيا».
لكن إشادته هذه بالتدخل العسكري التركي لا تلقى بالطبع استحساناً لدى كثيرين من الليبيين، الذين ينظرون إلى ما قامت به أنقرة، سواء مباشرة أو عبر «المرتزقة» السوريين، بمثابة «احتلال» لبلادهم.



مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.


قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
TT

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)

على الرغم من استقرار أسعار كثير من السلع الأساسية، فإن اليمنيين يترقبون بقلق بالغ تأثيرات خطرة جراء التطوراتِ العسكرية في المنطقة، واستهدافِ مصادر الطاقة وخطوط نقلها، وانعكاس ذلك على اقتصاد بلدهم الذي يعاني الهشاشة، ويعدّ الأكبر اعتماداً على الواردات والأقل قدرة على امتصاص الصدمات.

ومثلما يهدد استهداف منشآت الطاقة وخطوط نقلها ضمن العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، الاقتصاد العالمي بمزيد من الأزمات، فإن اليمن يقع في مركز دائرة الخطر؛ حيث تسود مخاوف واسعة من تضخم فاتورة الاستيراد، وتوسع حجم الفجوة المالية التي تؤرق السلطات والسكان.

ويستورد اليمن نحو 90 في المائة من غذائه؛ مما يرجح احتمال تأثر القدرة الشرائية للسكان بسرعة بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة الدولية.

واشتكى أمين مهيم، وهو مهندس نظم معلومات، من ارتفاع أسعار كثير من السلع، التي تُستهلك بوصفها هدايا في المناسبات، خلال الأيام الماضية، رغم انقضاء إجازة العيد، وهو الذي توجه إلى الأسواق، أخيراً، مفترضاَ انخفاض أسعارها.

الجزء الأكبر من غذاء اليمنيين يأتي عبر الاستيراد مما يجعل البلد عرضة لتأثر النقل بالحرب (أ.ف.ب)

وبين مهيم لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر إلى السفر إلى قريته بمحافظة لحج بعد عيد الفطر؛ بسبب ارتباطاته المهنية خلال الإجازة، وحين عرج على الأسواق لشراء هدايا وأغذية غير أساسية، مثل الزبيب والمكسرات، ليحملها إلى أقاربه، فوجئ بفوارق سعرية كبيرة عمّا كانت عليه قبيل العيد، وسط تبريرات الباعة بأن الحرب فرضت تكاليف نقل كبيرة على الاستيراد.

وبينما يبدي عشرات التجار والمستوردين وسائقي النقل مخاوفهم من عدم القدرة على السيطرة على الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، أكد مصدر مسؤول في وزارة النقل أن جميع المعنيين بنقل وتوريد السلع أُبلغوا بعدم زيادة الرسوم الخاصة بما تُسمى «مخاطر الحرب»؛ «لأن اليمن لم يتأثر، حتى الآن، بشكل مباشر بالعمليات العسكرية الدائرة في المنطقة».

بوادر غلاء

المصدر الحكومي، الذي فضل التحفظ على هويته؛ لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، أوضح أن السلع الأساسية المتوجهة إلى اليمن «لم تتأثر إلا بشكل محدود بسبب عدم مرورها بطرق التجارة التي تقع ضمن دائرة الحرب، على عكس سلع أخرى توقفت في موانئ خليجية، مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية».

متطلبات المعيشة في اليمن تتأثر بقوة جراء أي أزمة في الوقود (رويترز)

إلا إنه رفض التعليق بشأن إمكانية أن يَظهر تأثير كبير أو خطير في الفترة المقبلة، مطالباً بعدم إثارة فزع السكان.

ولم تشهد أسعار الوقود أي زيادة في اليمن، إلا إن الشركات التجارية وشركات النقل تتذرع بارتفاع تكلفة النقل الخارجي والتأمين البحري بفعل تهديدات الملاحة العالمية وارتفاع أسعار الوقود؛ بسبب استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج وإغلاق إيران مضيق هرمز.

ويقول عاملون في قطاع النقل البحري إن شركات الشحن تفرض عادة رسوماً إضافية تُعرف بـ«رسوم مخاطر الحرب» عندما ترتفع التوترات في الممرات البحرية القريبة من مناطق الصراع.

ويرتبط الموقع الجغرافي لليمن مباشرة بالتوترات التي تطول الملاحة البحرية في المنطقة، بالنظر إلى الإطلالة على مضيق باب المندب؛ أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمرّ نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية عبره، حيث يؤثر سريعاً أيُّ تصاعد في المخاطر الأمنية بالبحر الأحمر على تكاليف الشحن والتأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية.

التطورات العسكرية الإقليمية تهدد الإصلاحات الحكومية اليمنية لدعم استقرار العملة المحلية (أ.ف.ب)

ويدعو يوسف سعيد أحمد، أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى مواصلة دعم وتعضيد السياسات الاحترازية التي يتبعها «البنك المركزي»، والتي من شأنها الوقاية من الآثار المباشرة للحرب الدائرة في المنطقة على الاقتصاد اليمني.

وحذر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من انعكاس التطورات الاقتصادية للحرب الحالية على حجم الموارد الخارجية، وتأثر أسعار الصرف سلباً، «خصوصاً أن الحرب ما زالت مستمرة، واليمن مرتبط بالاقتصاد الخليجي، خصوصاً السعودي، سواء أكان من جهة الدعم أم تحويلات المغتربين، وهما متغيران من المحتمل أن يتركا آثارهما على البلاد».

اختلال الميزان التجاري

يبدي كثير من المسؤولين الحكوميين والسكان والتجار اليمنيين قلقاً من احتمالية ظهور سوق سوداء للوقود في حال تأخر وصول شحنات النفط إلى الموانئ اليمنية، أو تأثرت البلاد بارتفاع أسعاره عالمياً، هذا إلى جانب احتمال ارتفاع أسعاره محلياً في أي وقت.

الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

ويتوقع فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، أن تؤدي أي صدمة خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد، إلى تأثيرات مضاعفة، «فزيادة بنسبة ما بين 10 و12 في المائة ستضيف في فاتورة الاستيراد ما بين 1.5 و1.8 مليار دولار سنوياً».

ويشير إلى أن قيمة الواردات اليمنية خلال العام ما قبل الماضي «بلغت نحو 15.5 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز ملياراً؛ مما يعكس اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري واعتماداً كبيراً على التحويلات والمنح لتغطية فجوة تمويلية ضخمة».

إلا إنه يتفاءل بالتجربة الأخيرة لإدارة السياسات الاقتصادية التي يمكن أن تحد من حدة الصدمات، «بعد أن أدت إجراءات (البنك المركزي)، وتنظيم الاستيراد، إلى استقرار سعر الصرف وتحسين الإيرادات غير النفطية للحكومة بنحو 50 في المائة، وإن كان تحسناً هشاً بسبب غياب الموارد السيادية».

اقتصاد اليمن يفتقر إلى أهم موارده وهو إيرادات النفط الذي استهدف الحوثيون منشآت تصديره (رويترز)

ومنذ سنوات أدى توقف صادرات النفط، بفعل اعتداءات الجماعة الحوثية، إلى حرمان الحكومة من أهم مصدر للإيرادات، وتتضاعف تكلفة هذا التوقف حالياً بسبب ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

ويقدر خبراء مطلعون على السجلات الرسمية أن نحو 70 في المائة من إيرادات الحكومة كانت تأتي من النفط، في وقت يعاني فيه نحو 22 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقديرات أممية؛ مما يجعل أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو الغذاء عبئاً إضافياً على ملايين الأسر.


تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
TT

تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)

شنّت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات واسعة شملت عشرات المدنيين في محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) عقب مقتل عشرة من عناصرها في كمين استهدف إحدى دورياتها، في تطور يعكس تصاعد المواجهة مع أبناء القبائل في مناطق سيطرتها.

جاء ذلك بالتوازي مع إعلان القوات اليمنية الحكومية إحباط تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة في محافظة حضرموت كانت متجهة إلى مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.

وأفادت مصادر محلية في البيضاء لـ«الشرق الأوسط» بأن أبناء القبائل في منطقتي المناسح وحمة صرار، التابعتين لمديرية «ولد ربيع»، نفذوا هجوماً استهدف دورية أمنية حوثية على الطريق الرئيسي، كانت تقل عشرة من عناصر الجماعة، بينهم مشرفون ميدانيون، ما أدى إلى مقتلهم جميعاً.

وحسب المصادر، جرى تنفيذ العملية باستخدام عبوات ناسفة، بعد رصد دقيق لتحركات الدورية، في سياق حالة احتقان متصاعدة تشهدها المديرية، نتيجة ما يصفه السكان بانتهاكات متكررة تشمل الاعتداء على الممتلكات والمزارع، والتضييق على الأنشطة الدينية، في إطار محاولات فرض توجهات فكرية ومذهبية.

كمية من الأسلحة صادرتها قوات درع الوطن في وادي حضرموت (إعلام عسكري)

وفي أعقاب الهجوم، دفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى مديرية ولد ربيع، ضمت عشرات العربات والمسلحين، ونفذت حملة مداهمات واسعة في قرى المناسح وحمة صرار وسيلة الجراح، أسفرت عن اعتقال عشرات المدنيين، بذريعة البحث عن المتورطين في الكمين.

وقال مدير مديرية رداع المعين من الحكومة الشرعية، منيف الذهب، إن المعتقلين جرى اقتيادهم إلى مركز قضاء رداع، حيث انضموا إلى محتجزين آخرين من أبناء المنطقة، كانوا قد اعتُقلوا في حملات سابقة على خلفية حوادث مشابهة، ما يعزز مخاوف السكان من تصاعد سياسة العقاب الجماعي.

إحباط تهريب أسلحة

بالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت قوات الطوارئ اليمنية إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة كانت في طريقها إلى الجماعة الحوثية، في عملية نوعية نُفذت بمحافظة حضرموت.

وذكر المركز الإعلامي للفرقة الأولى أن الشحنة ضُبطت داخل شاحنة نقل كبيرة كانت محمّلة بسلال من الخضراوات، حيث أخفيت الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة بإحكام أسفل الحمولة، في محاولة للتمويه وتفادي نقاط التفتيش.

وأوضح أن العملية أسفرت عن ضبط السائق والتحفظ على المضبوطات، تمهيداً لإحالتهما إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعكس مستوى متقدماً من الجاهزية الأمنية والقدرة على تفكيك شبكات التهريب.

وتأتي هذه الضبطية ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى قطع خطوط الإمداد العسكري للجماعة الحوثية، التي تعتمد، وفق تقديرات حكومية، على شبكات تهريب معقدة لإيصال الأسلحة النوعية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، إلى مناطق سيطرتها.

هيكلة الأمن في عدن

في سياق موازٍ، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لإعادة تنظيم المنظومة الأمنية في المناطق المحررة، حيث عقدت اللجنة المكلفة بهيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اجتماعاً مشتركاً مع قيادة أمن عدن، بحضور قيادات بارزة من وزارة الداخلية والمؤسسات العسكرية.

وناقش الاجتماع احتياجات شرطة عدن من الموارد البشرية والآليات، إلى جانب آليات دمج التشكيلات الأمنية التي لا تزال خارج إطار الوزارة، بما يسهم في توحيد القرار الأمني وتحديد الاختصاصات بشكل واضح.

لجنة دمج وهيكلة الوحدات الأمنية تلتقي قيادة أمن عدن (الإعلام الأمني)

وأكد المشاركون أن هذه الخطوة تمثل مساراً استراتيجياً لبناء جهاز أمني متكامل، قادر على مواجهة التحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار، خصوصاً في ظل التهديدات المستمرة التي تواجهها البلاد.

كما شددوا على أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يعزز كفاءة الأداء الأمني، ويعيد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أن نجاح جهود الدمج والهيكلة يمثل عنصراً حاسماً في تثبيت الاستقرار في المدن المحررة، ومنع أي اختلالات أمنية قد تستغلها الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية.