زهور كرّام: الدخول إلى عالم الأدب الرقمي يتطلب ميثاقاً جديداً وثقافة مختلفة

الكاتبة المغربية ترى أنه يمكن للشبكة أن تسهم في ترويج الإبداع وتوزيع المنتج الأدبي

زهور كرام
زهور كرام
TT

زهور كرّام: الدخول إلى عالم الأدب الرقمي يتطلب ميثاقاً جديداً وثقافة مختلفة

زهور كرام
زهور كرام

للكاتبة والناقدة المغربية زهور إكرام، صدرت أخيراً رواية «لا أتنفس» التي «تماهت عوالمها مع زمن الجائحة» كما تقول. وبمحاذاة الخط الكتابي، تبدو زهور كرام واحدة من أكثر الأكاديميين المغاربة اهتماماً برصد تجليات العلاقة بين التكنولوجيا والإبداع؛ وهو ما جعلها تترأس مؤتمراً متخصصاً حول «الأدب الإلكتروني العربي»، وتصدر كتاب «الإنسانيات والرقميات وعصر ما بعد كورونا»... هنا حوار معها:
> أنتِ شديدة الحماس لمصطلح «الأدب الإلكتروني العربي»، وترأستِ مؤتمراً حوله قبل ثلاث سنوات، ببساطة: ما ملامح هذا الأدب وكيف يختلف عن الأدب المعتاد؟
- هو حماس مُدعم بشرط علمي. تعلمنا في البحث العلمي وممارسته أن كل الظواهر قابلة للتحليل، ليس هناك موضوعٌ غير قابل للتفكير في الممارسة العلمية والنقدية. من هذا المنطلق بدأت أفكر في الأدب الرقمي منذ سنوات عندما قرأت أول مرة نصاً رقمياً بالفرنسية قبل أن أقرأ النظريات حول هذا الأدب، واكتشفتُ طريقة مختلفة في الكتابة. كان منطلقي الأول في الاشتغال على هذا الأدب هو نظرية الأدب. بمعنى، كنت أبحث في هذا الأدب الجديد من داخل هذه النظرية التي تعطينا تصوراً حول تاريخ الأدب وكيف يتحول تبعاً للوسائط. لا أدافع عن هذا الأدب بانفعالٍ أو إعجاب، إنما أفكر فيه بمرجعين اثنين: مرجع نظرية الأدب ومرجع العلمية، ومن خلالهما توصلتُ إلى أن الأدب الرقمي هو إمكانية من الإمكانات التعبيرية الجديدة التي تنتج من العلاقة بالتكنولوجيا، مثلما حدث مع الوسيط الورقي عند اختراع المطبعة. إنه يعبر عن الحقيقة الجديدة للأدب باعتباره نظاماً رمزياً مختلفاً، تتجلى فيه تمثلات الإنسان في العصر التكنولوجي.
وعليه، فإن الأدب الرقمي هو كل شكل سردي أو شعري يستخدم جهاز الحوسبة وسيطاً وينفذ خاصية أو أكثر من الخصائص الخاصة بهذا الوسيط، ويستعمل المواقع الاجتماعية مثل «فيسبوك» و«تويتر» والتطبيقات التكنولوجية. إنه مكان لقاء حقيقي بين الأسئلة المتجذرة في التاريخ الأدبي، وبين التأملات في مفهوم النص والآخرين على الاستخدام والخيال التكنولوجي كما يقول الباحث الفرنسي فيليب بوتز. فلا يتعلق الأمر بمجرد استخدام تقنيات التكنولوجيا، ووضع الكتابة في حلة مدهشة ومُبهرة، إنما بالكشف عن عالم تكنولوجي يُقيم فيه البشر. ولعله مستوى جديد من الوجود نحتاج إلى تأمله من أجل التعامل معه. لهذا؛ فالدخول إلى عالم الأدب الرقمي يتطلب ميثاقاً جديداً، وثقافة مختلفة؛ إذ إننا لو اعتمدنا الثقافة المألوفة، فقد ينحرف بنا الاتجاه. من هنا يعد الأدب الرقمي وقراءته تجربة ثقافية ونفسية واجتماعية ومعرفية جديدة ومختلفة، وتُجدد أسئلة التأليف والكتابة والقراءة واللغة.
> في كتابك «الإنسانيات والرقميات وعصر ما بعد كورونا»، هل تبدو «الرقمنة» مصيراً محتوماً؟
- اليوم نتحدث عن التكنولوجيا باعتبارها سلطة تتحكم في العالم. ويعود ذلك إلى ما يميز الثورة الرقمية من خصائص تختلف عن الثورة الصناعية، مثل السرعة والجودة. وحتى أعطي مثالاً عن ذلك ونقرب الفهم إلى القراء، أشير إلى آخر تقرير لإحدى كبرى شركات الكمبيوتر و«معهد المستقبل»، وهو يذكر أن 85 في المائة من المهن التي ستكون عام 2030، غير موجودة الآن، وهذا يعني أن المهن الموجودة اليوم إما أنها ستندثر كلياً، أو تتغير لتظهر مهن جديدة ذات علاقة بالذكاء الصناعي والروبوتات والرقميات، بشكل عام. ستؤثر هذه التكنولوجية السريعة في جوهر الحياة والعالم. وبالتالي، إذا لم نستوعب هذا المتغير في التدبير السياسي وفي منظومة التعليم وسوق العمل فلن نستطيع أن نكون في المستقبل.
> كيف ترين علاقة التكنولوجيا بالإبداع بشكل عام، ومتى تضر الأولى بالآخر؟
- هي علاقة طبيعية بحكم اعتماد التعبير الأدبي في كل مرحلة تاريخية على نوعية الوسائط الموجودة. يمكن للإبداع الاستفادة من الوسائط الرقمية، كما يمكن للشبكة أن تُسهم في ترويج الإبداع وتوزيعه بشكل يتجاوز إكراهات التوزيع العادي. لكن يمكن لهذه المعادلة أن تنهار عندما لا يتم استثمار الرقميات لصالح الإبداع، أو يتم اعتماد التقنيات على حساب الإبداع. يمكن للتقنية أن تضر بالإبداع إذا لم يتم توظيفها بطريقة سليمة. نحتاج من أجل تحقيق هذه المعادلة الموضوعية بين التكنولوجيا والإبداع تنوير الاستخدام التكنولوجي من جهة، وعدم افتعال الإبداع من جهة أخرى. إنها مسؤولية مُضاعفة على المبدع الذي من المفروض أن يقتحم عالم التكنولوجيا دون أن يتخلى على زمن الإبداع المرتبط بالخيال. فالتقنية قد تسهم في تطوير فعل التخييل.
> برأيك، هل سيندثر الكتاب الورقي قريباً كما يروج البعض؟
- لستُ مع هذه الفكرة، على الأقل في عالمنا العربي؛ لأنها لا تستند إلى بنية تكنولوجية. لكن عِوضاً عن ذلك يمكن الحديث عن مُزاحمة الكتاب الإلكتروني للكتاب المطبوع. وهذا ما نشاهده اليوم من اعتماد النسخ الإلكترونية، خاصة عند الطلبة. لأن الكتاب الإلكتروني أصبح متوفراً ومن دون جهد أو مقابل مادي. شخصياً، أنظر إلى الموضوع من زاوية الاستفادة، بمعنى كيف يستفيد الكتاب المطبوع من النسخة الإلكترونية، وكيف يمكن للكتاب المطبوع أن يعمل على تنوير القارئ بأهمية الثقافة الرقمية. إلى جانب كون الأمر يخلق نوعاً من التنافس من جهة، ويضع أمام القارئ خيارات من جهة أخرى، وهذا هو الأهم. أظن أننا نعيش «دمقرطة» المعلومة؛ ولهذا كل فرد له الحق في اختيار أي صيغة، مطبوعة أو إلكترونية إنما الأهم من كل هذا كيف نخلق ثقافة القراءة.
> ماذا عن تجربتك الروائية الأخيرة «لا أتنفس»؟
- هي شكل سردي مختلف أدخل عالمه بزمن إبداعي جديد. هي رواية بدأت كتابتها منذ سنين، لكن لم تنم إلا مع زمن الحجر الصحي مع الجائحة. دون أن أطلبها، وجدتُ الرواية تنمو بسرعة فائقة، تمتد إلى الأمام بعوالمها التي تماهت مع زمن الجائحة. «لا أتنفس» أدهشتني عندما انتهيتُ من كتابتها، وأعدتُ قراءتها، وجدتها تتحرك في عوالم مختلفة، وأمكنة مختلفة، تتحرك في العالم بأسره وتحكي ما يحدث لإنسانية الإنسان في علاقة عميقة بالتكنولوجيا، وبالزمن الذي أصبحنا نوجد فيه وهو واقع السوشيال ميديا. رواية تعيش في صفحة «فيسبوك»، تهرب شخصياتها إلى الصفحة بمشاكلها وقضاياها وأزماتها لعل الصفحة تُنير وجودها، غير أن الصفحة تتحول إلى شبه مرآة تُعري حقيقة الشخصيات بعد أن تُدخلها في زمن الأقنعة وتتركها تتصرف، فتحدث المفاجأة التي أتركها مفاجأة لقراء الرواية.
> هل هناك خصوصية ما – سلباً أم إيجاباً – للناقد الأكاديمي حين يخوض غمار التجربة الإبداعية؟
- أنا كتبتُ الإبداع قبل النقد، وبدأت بكتابة الشعر وأنا تلميذة بالثانوية، ونشرت نصوصاً شعرية، وروايتي الأولى «جسد ومدينة» نشرتها في بداية علاقتي بالكتابة، الإبداع هو لغتي الأولى وعشقي الأول، أما النقد فقد بدأته كتخصص علمي، وتوطدت علاقتي به مع اشتغالي بالجامعة، فتحول إلى خطاب ومشروع ورؤية ومسؤولية معرفية. بين النقد والبحث العلمي يحضر الإبداع باعتباره شوقاً مستمراً، ورغبة تنزاح عن كل وصاية أو التزام بزمن أو بموضوع. لهذا؛ علاقتي بالإبداع خاصة الرواية هي علاقة بزمن الخيال وانتظار ما سيولده هذا الزمن من عوالم تمنحني الدهشة.
> ألا يحدث أحياناً بداخلك صراع بين الناقد والمبدع ؟
- عندما أدخل حالة الإبداع أنسى أني ناقدة أو أكاديمية، لأني لا أصطنع الحالة ولا أزيفها، أتركها تُبدعني، لأراني بتأويلات جديدة، وهنا ألقى سعادتي مع الإبداع. لأني لو اصطنعتُ حالة لا أشعر بها لن أكتب إبداعاً. مع ذلك، لا شك أن تكويني المعرفي والفلسفي والعلمي والنقدي قد يتحول إلى عينٍ ضمنية في كتابة الرواية، ليس عيناً مراقبة وهنا الفرق. شخصياً، أجدني في ملتقى النقد والإبداع والبحث العلمي متعددة برؤية مفتوحة على كل الحقول المعرفية.
> يشكو معظم الأدباء العرب من قصور حركة النقد عن متابعة الإبداع، وأن النقاد ينحازون غالباً إلى مشاهير الكتاب ويتجاهلون الإبداعات الجديدة... كيف تنظرين لهذا الأمر؟
- بالفعل، حركة النقد لم تعد توازي حركة الإبداع في السنوات الأخيرة، وهذا موضوع يحتاج إلى التحليل؛ لأنه يطرح مسألة مهمة، وهي ضعف التفكير. عندما نتحدث عن النقد فنحن نتحدث عن شكل من أشكال التفكير. هناك أسباب عديدة وراء هذا الموضوع، من بينها اهتمام الجوائز الأدبية بالأدب أكثر من النقد< مما أسهم في خلق تراكم أدبي كبير، وهي مسألة قد يصعب متابعة النقد لهذا التراكم، إلى جانب أن النصوص الأدبية خاصة السردية تتجاوز اليوم السائد في نظام الكتابة، مما يتطلب جهداً معرفياً لتمثل طبيعة هذا البناء الجديد. غير أن الناقد يتحمل المسؤولية؛ لأن مهمة النقد تتطلب منه القدرة على الإصغاء إلى النصوص بشكل متطور، حتى ينتج الجديد من هذه النصوص.
> ما سر تميز المغرب في الجانب التنظيري النقدي مقارنة ببقية البلدان العربية الأخرى؟
هناك عوامل كثيرة وراء عمق المشهد المغربي المعرفي والفلسفي، أولاً طبيعة المغرب الفسيفسائية، فهو عربي أمازيغي أندلسي صحراوي متوسطي. تسمح هذه التركيبة بخلق قابلية للانفتاح على الثقافات والحضارات من دون إصدار أحكام وإنما بحسن تدبيرها وتحويلها إلى مكون ذاتي؛ ولهذا كل أجنبي يأتي إلى المغرب لا يشعر بالغربة أو الاغتراب لأن المجتمع يستوعبه بشكل سريع. هذه قوة المغرب في التعايش والتسامح مع كل الثقافات والتي تُسهم في تطوير فكره وقبول الآخر مع الحرص على عدم الذوبان. النقطة الثانية وهي الجامعة المغربية التي انفتحت منذ تأسيسها على الفكر الحداثي والفلسفي. واستوعبت النظريات النقدية التي كانت نهاية الستينات من القرن العشرين تنتعش في فرنسا بسبب أفكار ثقافات أخرى قادمة من المعسكر الشرقي آنذاك. عاشت الجامعة المغربية - تقريباً - زمن الجامعة الفرنسية، من خلال متابعة ما يصدر هناك من نظريات واستثمارها في التدريس الأكاديمي والدرس النقدي المغربي، خاصة أن أغلب عناصر النخبة المثقفة المغربية كانت تُدرس بالجامعة، فارتبطت الرؤية الثقافية بالدرس الجامعي ومنحت للمغرب جيلاً من النقاد يعتبرون النقد علماً مشروطاً بقواعد نظرية الأدب، هذا إلى جانب جو الحرية في التعامل مع الأفكار والنظريات وتجريبها بلغاتها، وليس فقط عبر الترجمة.



«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية
TT

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام العالمية بالنمو التكنولوجي الهائل للعملاق الصيني ومعدلات نموه القياسية، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» للصيني «هو أنيان» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية. الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية لعامل بسيط قضى عقدين من الزمن، وهو في صراع من أجل لقمة العيش، بل هو صرخة الأيادي العاملة الصغيرة ضد قسوة النظام العالمي.

يستعرض الكاتب بأسلوب واقعي، يمزج بين الدقة السردية والعمق الفلسفي، تجربته كعامل توصيل للطرود، عانى من ظروف عمل قاسية، قبل أن يصبح كاتباً مشهوراً بعد نشر كتاباته على منصّات صينية، حيث وصل حجم مبيعات الكتاب في الصين إلى 3 ملايين نسخة، وهو ما يفسر وصوله إلى أرفف المكتبات العالمية، حيث طُرحت الترجمة الفرنسية للكتاب في الأسواق الفرنسية في 7 يناير (كانون الثاني) الحالي عن دار «أوترومون» في 320 صفحة، وكانت مسبوقة بالنسخة الإنجليزية التي نشرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، كما تم الإعلان عن صدور قريب للنسخة الألمانية.

«حياتي كعامل توصيل في بكين» توثّق بدقة ظروف العمل القاسية التي مّر بها هو أنيان كعامل توصيل للطرود، واصفاً تلك الفترة بأنها «استنزاف للروح قبل الجسد»، حيث يجد الإنسان نفسه مجرداً من هويته، لا ينظر إليه إلا كـ«رقم تتبع» في تطبيق إلكتروني. الكاتب وصف الدوام الذي يمتد لـ12 ساعة متتالية، والفترات التجريبية بلا أجر، والبرد القارس والحرارة الخانقة والضغط المتواصل لإتمام مهام توصيل الطرود، كما وصف أيضاً كيف يعيش عمال التوصيل في غرف مقسمة إلى حجرات بلا نوافذ، أو في «بيوت القواقع»، وهي وحدات محمولة لا تتجاوز حجم السرير. الكتاب قُسم لفصول قدمت كـ«يوميات معركة»، ففي الفصل الأول «سباق ضد الزمن» يستعرض هو أنيان الضغط النفسي الهائل الذي تفرضه الشركات لتوصيل الطرود في مدة زمنية مستحيلة، وكيف تتحول الشوارع إلى حلبة صراع للبقاء. ثم يتعرض في الفصل الثاني «المدينة غير المرئية» إلى علاقة العامل بالمدينة، كيف يراها خلف الأبواب المغلقة وفي الممرات الخلفية، وكيف يشعر بالغربة رغم كونه المحرك الأساسي لحياة سكانها. وفي الفصل الثالث الذي يحمل عنوان «فلسفة الطرود»، ينتقل الكاتب من الرصد الواقعي إلى التأمل الفلسفي، متسائلاً عن قيمة العمل والكرامة الإنسانية في عصر يتم فيه تشييء البشر.

في واحد من أكثر المقاطع تأثيراً، يكتب أنيان ما يلي: «لم أكن أقود دراجتي، كنت أقود قدري المترنح بين زحام السيارات. في عيون الزبائن، أنا لست بشراً، أنا مجرد مهمة يجب أن تنتهي بسرعة. ولكن في أعماقي، كنت أخزّن كل نظرة ازدراء لأصنع منها درعاً من الكلمات». وفي مقطع آخر، يحلّل الكاتب علاقته بالخوارزمية التي تتحكم في جهده وفي أنفاسه. فيكتب: «الخوارزمية لا تعرف التعب، ولا تعرف أنني أب أو أنني مريض. إنها تطلب مزيداً من السرعة مقابل سنتات قليلة. لقد اكتشفت أن الحرية في بكين هي المسافة القصيرة بين طردين».

يتجاوز الكتاب حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً ضد توحش اقتصاد العمل الحر

صحيفة «لوموند»

حظي الكتاب بترحيب نقدي واسع في الدوائر الإعلامية الأنجلوسكسونية والفرنسية، حيث وُصف «هو أنيان» بأنه أحد أبرز المواهب الأدبية الصينية الجديدة من قبل صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية. وقد اختار ثلاث من أبرز المنابر الثقافية: «الغارديان»، و«صنداي تايمز»، و«الإيكونوميست»، «حياتي كعامل توصيل في بكين» ضمن أفضل كتب عام 2025. في صحيفة «الغارديان» أشارت الناقدة ريبيكا ليو إلى أن الكتاب يتناول موضوع الطبقة الاجتماعية، وتحديداً القوة العاملة منخفضة الأجر التي لا تحظى بالاعتراف، والتي تتعرض للاستغلال، والتي كانت وقود الطفرة الاقتصادية في الصين، بل العالم أجمع، في ظل العولمة. وفي مراجعتها بصحيفة «نيويورك تايمز»، اعتبرت الناقدة ليا غرينبلات أن الكتاب يقدم شهادة حية من خطوط المواجهة الأمامية لاقتصاد العمل الحر، وأن رحلة الكاتب من عامل متنقل بين الوظائف منخفضة الأجر إلى مؤلف مشهور عالمياً تحمل طابعاً استثنائياً.

أما صحيفة «لوموند» فقد خصّصت لمراجعة هذا العمل مساحة مطوّلة، واصفة إياه بأنه «مرآة كاشفة للاغتراب المعاصر»، حيث رأى نقّادها أن قوة «هو أنيان» لا تكمن في كونه ضحية لنظام اقتصادي جائر فقط، بل في امتلاكه تلك «النظرة السوسيولوجية» الثاقبة التي تحلل الطبقة الاجتماعية الصينية الجديدة. واعتبرت الصحيفة أن الكتاب يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً أو «مانيفستو» ضد توحش اقتصاد العمل الحر، مشيدةً بقدرة الكاتب على وصف «استنزاف الروح» الذي يسبق انهيار الجسد، وكيف يتحول الفرد في شوارع بكين إلى مجرد «رقم» في عالم افتراضي لا يعترف بالبشر. أما صحيفة «لفيغارو»، فقد ركّزت في قراءتها على الجانب الجمالي والأخلاقي للنصّ، واصفة أسلوب «أنيان» بـ«الواقعية العارية» التي لا تهدف إلى استدرار العطف، بل إلى إثارة التأمل الفلسفي حول قيمة الكرامة الإنسانية. وأشارت الصحيفة إلى أن الرحلة الاستثنائية للكاتب، من العيش في «بيوت القواقع» ووحدات الحاويات الضيقة إلى منصات التوقيع في كبرى دور النشر العالمية، تمثل انتصاراً للوعي على المادة. وذهبت «لفيغارو» إلى أن «أنيان» نجح في فضح زيف «الحرية» في المدن الكبرى، تلك الحرية التي اختزلها الكاتب ببراعة في «المسافة القصيرة بين طردين».


نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد
TT

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي، ثم ظهرت إلى جانبه محاولات نقدية مشكلة وإياه نواة منظورة لحركة النقد الأدبي العراقي متمثلة بتجارب الأستاذ الناقد الموسوعي باسم حمودي وعبد الجبار البصري، لكن الطاهر كان الأبرز تمثيلاً لها والأوضح تحفيزاً لفرسان النقد العراقي الذين بدأت مشاريعهم النقدية أواخر ستينات القرن الماضي؛ عبد الجبار عباس، وشجاع مسلم العاني، وفاضل ثامر، وياسين النصير الذين شيّدوا متناً نقدياً عراقياً نهض كل منهم في صياغة جانب منه؛ لتنطلق حركة نقدية جادة قوية التأثير في العمل الإبداعي العراقي؛ شعرياً وسردياً، آتت أكلها في إغنائه بكشوفات نقدية تنهل من حركة النقد عربياً وعالمياً بالانفتاح على مناهج ومدارس وتجارب نقدية وفكرية فيها... موضوعات ومفاهيم ومصطلحات. ولن تفوتنا إسهامات عبد الرحمن طهمازي لكن صوته الشعري كان الأطغى والأعلى نبرة في مسيرته الإبداعية.

وخلال عقد السبعينات ظهرت أسماء جديدة لشبان واعدين مثل محمد جبير وعبد الرحمن عناد ومؤيد الطلال وعبد الكاظم عيسى وسليم عبد القادر.

خلال الثمانينات ولدت تجربتان نقديتان مهمتان مثلتهما كتابات الدكتورين مالك المطلبي وحاتم الصكر؛ الأولى اقتفت أثر المدرسة الفرنسية في تمظهراتها البنيوية. أما الثانية، أي تجربة الصكر النقدية، فبرعت في النهل من المنهج القرائي وتعدد مستويات قراءاته، وإلى جوار هاتين التجربتين المهمتين اللتين أثرتا تأثيراً كبيراً في فحص الإبداع العراقي وأضافتا لبنات واضحة في مدماك النقد التطبيقي وفي ظلهما بدأت تجارب لافتة للنظر تتلفع بالأكاديمية التي كانوا يدشنونها آنذاك؛ صالح هويدي وعبد الله إبراهيم وباقر جاسم ومحمد صابر عبيد.

خلال العقدين المنصرمين بزغ في المشهد النقدي العراقي اسم نسوي لا ذكوري. إنه اسم الناقدة الدكتورة نادية هناوي؛ اسم اعتلى عتبات النقد الأدبي وطرق أبوابه بقوة وجرأة واضحتين لفتتا انتباه المبدعين الكبار عراقياً وعربياً؛ بجهدها المثابر واجتهادها الفريد؛ ليشغل عطاؤها مساحات واسعة من الصحف من خلال مقالات وكتب قيمة أصدرتها دور نشر محترمة، فاستقبل مشروعها النقدي بالإعجاب والثناء والتقدير. وكان أول المرحبين والمبشرين به الناقد الكبير فاضل ثامر الذي وصفها براهبة النقد، وتتبع عطاءها بالبحث المعمق وبانبهار وخلص إلى القول «يحق لنا أن نحتفي بولادة منظرة أدب عربية». ووصفها الناقد شجاع مسلم العاني بكونها ناقدة «قادرة على خرق المسلمات النقدية العراقية والإتيان بما هو جديد ومختلف... إنها ناقدة كبيرة وموهبة نقدية كبيرة».

ومن خارج دائرة النقد العراقي، عربياً، تواتر الإقرار بمشروعها النقدي.

ومرد ذلك متانة ورصانة مشروعها النقدي وأهميته وفاعليته النظرية والإجرائية. ومن التوصيفات الدقيقة لهذا المشروع، ما أكدته الباحثتان الدكتورة رواء الخزاعي ومها فاروق الهنداوي والدكتور عزيز الموسوي في الندوة التي عقدها اتحاد الأدباء تحت عنوان «استراتيجيات القراءة لدى الناقدة نادية هناوي»، إذ أكدوا، وهم باحثون أكاديميون وأساتذة متخصصون في السرديات بكبرى الجامعات العراقية، أن «الناقدة الكبيرة نادية هناوي ذات مشروع ريادي ليس بمعزل عما بعد الحداثة، وأنه مشروع بنيوي معرفي شهد تحولات مهمة وشكَّل مرحلة مفصلية في النقدية العراقية والعربية، بالأخص في كتاباتها عن السرد والتاريخ»؛ ولاحظوا أن التحول من نصاني إلى معرفي فلسفي والنفس للحداثة واضح فيه، إذ لم تتعامل هناوي بالمصطلح كما هو قار في المدونة الغربية، بل تحاوره وتسائله وتنتزع مصطلحاً ينتمي إلى فضائها، كما هو الحال في اجتراحها مصطلح «رواية التاريخ» بعد مساءلة فكرية فلسفية مفندة مصطلح المتخيل التاريخي الذي ذهب إليه بعض النقاد. فالتاريخ لديها ليس استحضاراً، بل استدعاء للمساءلة، والاستدعاء كسر لسلطة التاريخ.

لقد أجمعت بحوث الندوة أن «هناوي امتلكت أدوات الناقد النظرية والإجرائية والملكة النقدية، وأن مشروعها الكبير شكلته عدة روافد، منها المدونات الغربية غير أنها لم تكن ناقلة لها، بل فاحصة ومحاورة ومجترحة داخلة نظرية المعرفة بشجاعة عالية ولم تكن بمعزل عن الموروث العربي، لكنها لم تستدعه للمباهاة أو المباهلة، بل لإثبات التلاقح الفكري والإبداعي، وأنها تُغني قارئها بقراءاتها الموسوعية الاستقصائية، وقد تجاوزت الكتابة في التخصص الدقيق مخاطرة عن وعي منتقلة من النظرية السردية إلى علم السرد والسرد ما بعد الكلاسيكي».

ويأتي الكتاب الأربعون «أقلمة سرديات الرحلة عربياً وأجنبياً»، الصادر مؤخراً عن دار «أبجد»، في الوقت الذي تصارع فيه ناقدتنا الكبيرة وحشية المرض اللعين.

والكتاب ضمن سلسلة أبحاثها التي محورها أقلمة السرد العربي مستندة على أصول ومتون في مصادر ومظان ترود فيها بفرادتها وغزارتها منذ سنوات عدة.

ويتمحور الكتاب على السرد (الرحلي) من ناحيتي التأصيل النظري والنمذجة الإجرائية عبر فصوله الثمانية؛ إذ يهتم الفصل الأول باستقصاء القاعدة التي قامت عليها الأصول وتمخضت التقاليد الأدبية فتشكلت الأجناس، وبذلك تأصلت الرحلة كنوع سردي.

بينما يركز الفصل الثاني على دور رحلة غلغامش في نشأة التقاليد موضوعياً وفنياً كونها - أي الرحلة الغلغامشية - مصدراً أصلياً ساهم في البناء الشعري الملحمي، أولاً، والتدوين والنسخ، ثانياً، في ترسيخ أصالة هذا المصدر الذي تمظهرت أقلمته بأشكال مختلفة لا في مرويات الرحلات العربية فقط بل قبل ذلك في المرويات الصينية ذات التاريخ العريق - إلى عصور ما قبل الميلاد - وفيها شكلت الرحلة موضوعاً رئيسياً.

وتنتقل د. هناوي في الفصل الثالث إلى أقلمة الرحلة العربية والأجنبية في ضوء علم السرد غير الطبيعي باحثة في دور المؤلف وأهمية المكان في السرد الرحلي عبر ضمير المتكلم على مستويي الإنشاء النصي وموثوقية التوصيل القرائي، ثم تعرج على مركزية الهوية في تأليف الرحلة العربية التي تراها الأكثر تمثيلاً لموضوعة الذات والآخر والهوية من خلال المحاور التالية: 1- موقع المؤلف هامشاً في الثقافات الأجنبية، 2 - موقع المؤلف مركزاً في الثقافات الأحادية، 3 - أساليب أقلمة السرد الرحلي عامة ورحلة ابن فضلان خاصة (أقلمة كتاب الرحالة الحسن بن محمد الوزان؛ وصف أفريقيا).

يذكر أن هذه الرحلة كانت مدار رواية الكاتب أمين المعلوف «ليون الأفريقي»، وكتاب «وصف أفريقيا» الذي تراه هناوي نصاً مصدراً تمت أقلمته تاريخياً، وقد تمت أقلمة الكتاب نقدياً أيضاً من قبل محمد مهدي الحجوي بعنوان «حياة الوزان الفاسي وآثاره»، ودراسة أخرى بعنوان «ليون الأفريقي» للمستشرق كراتشوفسكي في مؤلفه «تاريخ الأدب الجغرافي العربي». وفي دراسة أساليب النصوص الرحلية المؤقلمة تقف عند رحلة الوزان عبر النص الروائي لأمين معلوف.

ولا يفوتها إجراء مفاضلة بين الأنا والآخر في الرحلة المتخيلة روائياً، أسلوباً ونمذجةً، ومدى درجة تقاربها والرحلة الفعلية، وآفاق بناء المتخيل السردي وتغيراتها تاريخياً متخذة من روايتي «الخميائي» لباولو كويلو ورحلة «ابن فطومة» لنجيب محفوظ مثالاً. وفي الفصل الأخير تعرج الباحثة على دراسة إقلمة سردية الرحلة الأجنبية من وجهة نظر الدراسات الثقافية على قلة ما يتعلق منها بأدب الرحلات ومؤلفة حديثاً ككتاب «نظرات إمبريالية: كتابة الرحلة والعبور الثقافي» و«مفردات مفتاحية في دراسة أدب الرحلات... مسرد نقدي».


بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»
TT

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

«لدى التصدي لتحقيق مخطوطات تنتمي لعالم الثقافة الشعبية المتسع والمراوغ، يكون الاختلاف المنهجي ضرورة يضطر إليها المحقق اضطراراً، فنحن في واقع الحال نكون أمام ثقافة موازية لما تعلمناه في قاعات الدرس، وهي ثقافة مختلفة إلى حد بعيد، كما أن هذه المخطوطات دائماً ما تثير قضايا خلافية وتدفع إلى بلورة أفكار جديدة، سواء على مستوى الموضوعات أو القضايا المنهجية. فاختلاف طبيعة المخطوط ومضمونه يحتّمان بلا شك طبيعة الإجراءات والأدوات الناجعة في التعامل معه».

بهذه النبذة يقدم د. هشام عبد العزيز كتابه «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي... حدود المصطلح والإجراءات المنهجية»، الذي جاء في مقدمة وأربعة فصول، والذي يستعرض مفهوم علم التحقيق وحدود المنهجية، وتحقيق التراث الشعبي بشكل خاص، كما يتعرض في أحد الفصول للاختلاف في بنية المفاهيم والمصطلحات في علم التحقيق بين النص الرسمي والنص الشعبي. لكن من أهم الفصول الذي أفرد له المؤلف مساحة وافية هو الفصل الأخير الذي يتناول النماذج التطبيقية التي تحدث فيها عن تجاربه في تحقيق مخطوطات التراث الشعبي. يرى عبد العزيز أن تحقيق التراث الشعبي يختلف بشكل يكاد يكون كلياً عن تحقيق التراث المعروف، ليس من حيث مادته فحسب، بل من حيث فلسفة العمل ومنهجه وبنية المفاهيم الحاكمة لعمل المحقق.

وفي هذا الإطار، يؤكد المؤلف حاجة تحقيق مخطوطات التراث الشعبي إلى ما يسميه «المحقق المتخصص»، فمثل هذا المحقق وحده الذي يستطيع استنطاق المخطوط «الشعبي» بمعارف حقيقية وآمنة، ومن دونه سيكون العمل أشبه بفوضى لا تقدم جديداً. وقد ضرب المؤلف، في هذا السياق، أمثلة كثيرة لأعمال محققة بالفعل، من بينها أعمال حصلت على جوائز، لكنها في حقيقة الحال لا تقدم شيئاً، بل إنها تحتوي على «تدليس علمي»، حسب ما يقول. ويرى أن «كل مخطوط جديد يحمل خبرة جديدة وتجربة علمية وتعليمية تعزّ عن الوصف... بعد هذا المشوار الطويل الذي أكمل ثلاثة عقود، أستطيع أن أقول بكل ثقة إن تحقيق التراث بشكل عام أكثر من مجرد علم وأوسع بكثير من قاعات الدرس». إنه، كما يضيف، «عملية تعليمية فيها جانب يشبه إلى حد بعيد تعليم الحرف الشعبية التي تقتضي المعايشة اليومية والمشكلات المتجددة مع كل عمل جديد... وكذلك كل مخطوط جديد يحتاج خبرة جديدة بهذا المخطوط تحديداً، وبمؤلفه، وبزمن تأليفه، وبزمن نسخه. ثم وهو الأهم: بالمجال المعرفي الذي ينتمي إليه هذا المخطوط. وكل عنصر مما سبق يحتاج إلى خبرات محددة وعميقة للتعامل معه بالكيفية التي تنتج معرفة حقيقية نافعة».

وسبق للمؤلف أن أصدر في مجال تحقيق مخطوطات التراث الشعبي خاصة عدة كتب، منها: «ألف ليلة وليلة... حكايات أخرى»، و«معجم التحفة الوفائية في العامية المصرية»، و«المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب»، كما صدرت له عدة مؤلفات في مجال الثقافة الشعبية، منها: «فضل الخرافة»، و«معجم النيل»، و«السيرة الشعبية... جدل النوع وجغرافيا التداول».