رجال الأسد

الأزمة السورية «غربلت الولاءات»: فمنهم من قتل.. ومنهم من انشق وهرب.. ومنهم من ينتظر

رجال الأسد
TT

رجال الأسد

رجال الأسد

يختلف نظام الحكم في سوريا عن الكثير من الأنظمة القائمة في محيطه، ففي دمشق الولاء الأول هو لرأس الهرم الذي يتحكم بكل مفاصل البلاد، عبر رجالات مقربين منه، بعضهم يقوم بأدوار لا تخوله إياها مراكزه، بل ولاؤه للرئيس ورضا الرئيس عنه.
وقد تعرض رجالات الرئيس حافظ الأسد، لعملية تصفية واسعة، مع وصول نجله بشار إلى الحكم. بعضها قام بها الأب نفسه لتمهيد الطريق أمام نجله الطري العود، وبعضها الآخر قام بها الابن بعد توليه السلطة. كما أن الظروف التي نشأت في سوريا بدءا من عام 2011 قد فرضت نمطا جديدا من القادة، وساهمت في خروج عدد آخر قتلا أو طردا أو هربا. ساهمت الحرب في خروج الكثير من رجال السلطة، كما ساهمت في بروز آخرين. وهو ما قال عنه الأسد إنه «عملية تنظيف تلقائية»؟

يقول مدير مركز «مسارات» الإعلامي المعارض لؤي المقداد لـ«الشرق الوسط» إن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد اتخذ في نهاية عهده خطوات عدة لإخراج أصحاب النفوذ من السلطة تمهيدا لتوريث نجله بشار، أمثال علي دوبا وعلي حيدر. مشيرا إلى أن المطلوب كان أن ينطلق الأسد الابن في الحكم بمعاونة الذين أشرفوا على تدريبه وإعداده للحكم، أمثال بهجت سليمان وغازي كنعان، وهؤلاء حظوا بنفوذ كبير مع بداية عهد الأسد الابن.
ويقول سفير الائتلاف السوري المعارض السابق في لندن وليد سيفور لـ«الشرق الأوسط» إن معايير اختيار أركان النظام، تقوم على المعيار الطائفي، الذي غالبا ما يكون متحدرا من الطائفة العلوية أو الطوائف الأقلية في سوريا، إضافة إلى معيار «الولاء المطلق لشخص الأسد». ويوضح «في المعايير العامة، كلما كان الشخص قريبا من طائفة الرئيس، يكون أقرب إلى المنصب، ويليها انتماؤه إلى طوائف الأقليات».
لكن الأهم من ذلك: «هو الولاء الشخصي الكامل لشخص الرئيس، الآن بشار الأسد وقبله والده حافظ الأسد»، مشددا على أنه «لا تسامح في هذه النقطة، إذ يفترض بالشخص أن يتقن الرقص على الإيقاع السياسي للنظام، ويجب ألا يتغير ذلك، فإذا شُعِر أن هذا الرجل يفكر بطريقة مستقلة، يُنبذ»، مستدلا بتجربة «القيادي الأمني علي دوبا ونائب رئيس الجمهورية فاروق الشرع».
ويقول سيفور «علي دوبا كان من الذين حققوا أهم الإنجازات لحافظ الأسد، حين كان رئيس مخابرات عسكرية وأسهم في سحق كل المعارضة على الساحة، وعندما عبر عن رأيه المتحفظ على تعيين بشار خلفا لحافظ، استبعِد وتمت أهانته». ويضيف «في عهد بشار الأسد، الأشخاص الذين كانوا يقفون في منطقة رمادية، من ناحية التأييد للنظام والتحفظ على قمع الشعب وقتله ويعارضون الحرب المفتوحة على الشعب، تم استبعادهم»، لافتا إلى أن «رستم غزالي هو المثال القريب جدا، علما بأنه كان من الذين وضعوا كامل بيضهم في سلة الرئيس وصولا إلى التعبير عن رغبتهم بالموت فداء له، ومع ذلك، وعلى ضوء خلاف شخصي مع رفيق شحادة، استبعد كونه لم يقدم قصره لقوات حزب الله والإيرانيين ليتخذوه منصة لقصف قرية في سهل حوران».
وفي المقابل، يشير لؤي المقداد إلى أن ما يختلف في عهد الابن عن عهد الأب، هو أن حافظ الأسد كان يعتمد على أشخاص لهم وزنهم لاستلام المراكز، حيث كان يشدد على الشخصية القيادية والثقل، بالإضافة إلى الاعتبارات الأخرى كالولاء التام. وأوضح المقداد أن الأسد الأب كان يحرص على إخفاء الطابع العائلي، حيث لم يكن حوله من أفراد عائلته الكثير في واجهة السلطة رغم نفوذهم الكبير، أما الأسد الابن فقد سلم أقرباءه كل مفاصل الدولة، محولا سوريا إلى مزرعة بالكامل. فابن خاله رامي يستلم اقتصاد سوريا، وحافظ مخلوف هو الرئيس الفعلي للأمن حتى ابن خالته عاطف نجيب كان رئيسا لجهاز الأمن في درعا والذي تسببت ممارساته بإطلاق الشرارة الأولى للثورة في عام 2011، مشيرا إلى أن الأشخاص الذين التقوا الأسد نقلوا عنه بعد بداية الثورة قوله إنه عزل عاطف نجيب فتلقى اتصالا من خالته تعاتبه فوعدها بإعادته بعد أن تهدأ الأمور.
ويوضح المقداد أن عائلة محمد مخلوف (خال الأسد) هي صاحبة الحصة الأكبر في السلطة حيث يستلم رامي الاقتصاد وحافظ مخلوف يرأس «قسم المدينة» وهو عمليا المسؤول عم الأمن، أما إياد وإيهاب وهما توأمان، فيستلم الأول رتبة ضابط في الحرس الجمهوري ويعملان معا في إدارة أعمال تعود للأسد. أما أيهم الأسد فهو ابن عم بشار وزوج شقيقة رامي مخلوف وهو ضابط أيضا ويعمل في قطاع الأعمال، فيما هائل الأسد في الحرس الجمهوري أيضا. ويشير في المقابل إلى أن آل الأسد فضلوا قيادة جماعات مسلحة في مناطقهم على الانخراط في الحياة السياسية في دمشق، كحال فواز الأسد ومحمد الأسد الذي قتل مؤخرا وإخوته حيث يدير هؤلاء ميليشيات طائفية في مناطق الوجود العلوي تحت عنوان حمايتها.
ويقول المقداد إن الأسد أطلق يد أجهزة الأمن بقوة منذ بدء الثورة، بعد أن كان الأسد الأب يصر على قوننة كل شيء، فهو كان يعتقل الآلاف ويزج بهم في السجون، لكن بعد أن يصدر بحقهم مذكرات توقيف، بغض النظر عن صحة الأسباب التي ترد في المذكرة. ويشير إلى أن من معالم رئاسة الأسد أيضا إطلاق يد أجهزة الأمن في تخطي اختصاصاتها، فالمخابرات الجوية باتت قادرة على أن توقف موظفي الدولة، وهذا كان سابقا من اختصاص الأمن السياسي والعكس صحيح. والآن تقوم كل الأجهزة بكل شيء، حتى إن بعضها بات يمتلك قوة عسكرية ودبابات. ويشير في هذا الإطار إلى أن العميد رستم غزالي أنشأ قوة عسكرية باتت تعرف بقوات الغزالي، هي تمول نفسها ذاتيا، وكذلك الحال بالنسبة لقوات الدفاع الوطني المعروف بالشبيحة.
أما عن المؤهلات اللازمة لتولي المناصب، فهي قد تحولت - كما يقول المقداد - من الثقل والقدرة على الإدارة في عهد الأب، إلى تعيين الأكثر إجراما، فيما أصبح العامل المباشر للترقية يعتمد على رضا طهران التي تعطي الأفضلية لتولي المناصب القيادية، حتى بات الإيرانيون يرشحون قادة ميدانيين، وبات على الضباط السعي للحصول على رضا الإيرانيين لتولي مناصبهم حتى لو اضطروا لتعلم الفارسية من أجل ذلك. وفي الإطار نفسه يقول الناشط المعارض محمد سرميني إن طهران تعمل على اقتناص المواقع، فكلما شغر موقع في النظام رشحت من يملأه من أنصارها، كما حصل في وضع رستم غزالي الذي ما إن أقاله النظام حتى تم تعيين بديل له من الموالين لطهران هو زهير الحمد.
وأشار المقداد إلى أن بشار الأسد لم يعتمد على أصحاب الكفاءة في تولي المناصب، فهو عندما وصل إلى رئاسة الجمهورية عين بعض الموظفين في الجمعية المعلوماتية السورية التي كان يرأسها كمحافظين وأعطى أشخاصا من ذوي المؤهلات الأكاديمية مناصب تنفيذية.
ويتحدث المقداد عن «النفوذ اللافت» لوالدة الرئيس السوري، أنيسة مخلوف. مشيرا إلى أن زوجة الرئيس بشار الأسد، أسماء الأخرس ما تزال ممنوعة من استعمال لقب السيدة الأولى، إكراما لأنيسة مخلوف. ويؤكد أن المعلومات تتحدث عن أن الأم تشكل «صمام أمان» في العلاقة بين نجليها، بشار وماهر.
وينفي سيفور أن يكون وليد المعلم، في السلك الدبلوماسي، قادرا على تزكية أحد من الأشخاص لتبوء منصب. يقول: «أعتقد أن وليد المعلم، لا يملك إمكانات تخوله تزكية بشار الجعفري الذي سيكون خليفة المعلم في موقع وزارة الخارجية يوما ما. المساعدون في وزارة الخارجية هم الذين يحركون الأشخاص، ويزكونهم إلى مواقع معينة». ويوضح أنه «في كل وزارة، أحيانا يكون الوزير سنيا أو مسيحيا أو خلاف ذلك، لكن صانعي السياسة داخل الوزارة أو القسم، هم رجال أمن مثبتون ويعملون بصمت، ولهم صلة مباشرة مع الأجهزة الأمنية في القصر، يقترحون على الوزير الذين لن يكون له أي قوة في تزكية فلان أو معارضة رأيه، لأن مراكز القوة في الأقسام والوزارات مرتبطة مباشرة بالأجهزة الأمنية في القصر الجمهوري».
ويقول سيفور إن القادة الأمنيين، عادة ما يكونون الشخصيات الأقرب إلى الرئيس، ويديرون البلاد، ولعل أهمهم رئيس الأمن العسكري ورئيس الأمن السياسي، ويتصلون مباشرة بالقصر.. أما الشريك الأساسي في اتخاذ القرارات اليوم، فهو ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري، بينما يتألف صقور النظام من رؤساء الأجهزة الأمنية الحقيقيين وأعضاء خلية الأزمة التي تتحكم بالبلد، وبقرارات الحرب والسلم.
وفيما يرتبط بالسياسيين القادرين على التأثير في النظام، يقول سيفور إن «الأسد تحيط به مجموعة من المستشارين، هم مجموعة تقترح أفكارا للقضايا ذات الصلة بالبلاد، لكن القرار النهائي يعود إلى الرئيس، فهو من يتخذ القرارات»، مشيرا إلى أنه «في الفترة الحالية، لا قرار خارجيا أو داخليا أو استراتيجيا، بل هناك قرار وحيد يتمثل في الحفاظ على النظام والتركيبة الأمنية واستمرارية النظام». ويرى أن قرار رئيس الجمهورية اليوم «مختطف خارجيا لدى إيران وحلفائه الآخرين في المنظومة الإقليمية»، متوقفا عند تجربة الأسد الأب في تلك السياسية «إذ كان يستخدم العلاقات مع إيران لتجييرها لمصلحته، أما الابن فإنه يفتقد تلك القدرة ولا يستطيع أن يجير أي من القرارات لمصلحته».

* رجال الميدان: حول الأسد.. الأمن أولا

* تظهر حول الأسد الكثير من الشخصيات القيادية، خاصة في الجانب الأمني، الذين يعتمد عليهم الأسد بشكل مباشر ويثق بهم. بعض هذه الشخصيات معروف، حيث تتداول وسائل الإعلام العربية والدولية أسماءها، وبعضهم من يجلس في الصفوف الخلفية، وقد دخل عليهم حاليا رجال العسكر، حيث برزت أسماء قيادية جديدة مقربة من الأسد كالعقيد سهيل الحسن الملقب بـ«النمر» والعميد عصام زهر الدين وغيرهما.
ومن أبرز رجالات الأسد:
- ماهر الأسد:
شقيق الرئيس السوري، وأحد أبرز القادة العسكريين في الميدان. وهو يرأس الفرقة الرابعة المعروفة بأنها أكثر وحدات الجيش السوري ولاء وقدرة قتالية، وهو من النخبة المؤثرة جدا في القرار العسكري السوري، حيث يعرف بـ«الذراع العسكرية» لشقيقه.
- علي المملوك
أحد الرجال القلائل الذين بقوا من عهد الرئيس حافظ الأسد، وتعايشوا مع نجله. يقول الموالون إنه سني من دمشق، فيما يقول المعارضون إنه علوي يتحدر من إقليم إسكندرونة (الذي ضمته تركيا مطلع القرن الماضي).
- جميل حسن:
مدير الاستخبارات السورية، ويعتبر من أكثر المقربين من الأسد. الحسن علوي، وينقل عنه السفير السوري في بغداد نواب الفارس بعد انشقاقه أنه قال للأسد: «دعني أقتل مليون سوري وننهي الحرب.. وأنا مستعد للذهاب بدلا منك إلى (محكمة العدل الدولية في) لاهاي».
- العميد عصام زهر الدين:
هو ضابط درزي في الحرس الجمهوري السوري. برز اسمه خلال الأحداث، بعد أن قاد عمليات عسكرية ناجحة، منها عملية بابا عمرو في حمص والتل في محافظة ريف دمشق.
- سهيل الحسن
قائد العمليات في حلب، وتصفه صحيفة الإندبندنت البريطانية بأنه «الجندي المفضّل لدى الأسد» ولقبه «النمر». تتهم المعارضة السورية العقيد «النمر»، بأنه المسؤول عن تعزيز نهج «إلقاء البراميل» على مناطق حلب الخارجة عن سيطرة النظام والمكتظة بالسكان.
- العميد حافظ مخلوف
ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد وشقيق الملياردير رامي مخلوف وهو يتولى أمن دمشق وضواحيها يعتمد عليه الرئيس السوري في القضايا الأمنية. قررت الولايات المتحدة تجميد أمواله التي تقع تحت سلطة القضاء الأميركي. كما قرر الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات عليه مع عدد من المسؤولين السوريين المتهمين بقتل المتظاهرين.
- العماد فهد جاسم الفريج:
عيّن نائبا للقائد العام للجيش والقوات المسلحة ووزيرا للدفاع بعد مقتل داود راجحة في تفجير مبنى الأمن القومي. مسيحي، ومعروف بولائه للنظام، لكن بعض الموالين شككوا بقدراته بعد الهزائم التي تعرض لها الجيش في مطار الطبقة العسكري وطالبوا باستقالته.

* رجال الاقتصاد: 4 يديرون أموال الأسد

* كشفت برقية سرية خاصة بالسفارة الأميركية في سوريا نشرت في حملة وثائق «ويكيليكس» حملت عنوان: «مهاجمة أموال بشار الأسد» أسماء الأشخاص الأربعة الذين يعتمد عليهم الرئيس السوري في تحريك أمواله وتحقيق مكاسبه غير المشروعة.
وتقول البرقية إن زهير سحلول، الذي يعد أهم رجل في سوق الصرافة السوداء في سوريا، وقد منحته الحكومة مكتبا في «مصرف سوريا المركزي» ليدير منه أزمة هبوط الليرة عام 2005. وخلال أسابيع استرد سحلول 20 في المائة مما خسرته الليرة السورية، وحقق أرباحا طائلة له ولرجال النظام. وتؤكد الوثيقة أن سحلول يتولى تحريك أموال الرئيس الأسد، لما يتمتع به من علاقات خاصة تخوله تحويل 10 ملايين دولار لأي مكان في العالم خلال 24 ساعة.
أما محمد مخلوف، والد رامي وخال بشار الأسد، فوصفته البرقية بالعقل المدبر للفساد.
ويعرف نبيل الكزبري الذي يلعب دوره لصالح أسرة مخلوف، وفقا للوثيقة، بـ«ملك الورق». وقالت إنه رغم أن قاعدة أعماله في فيينا، فقد طور الكزبري روابطه مع رامي ومحمد مخلوف، إلى أن أصبح رجل رامي مخلوف الأول في «شام القابضة»، التي استقطبت 70 من كبار المتمولين السوريين.
وتقول الوثيقة إن فواز الأخرس، والد زوجة بشار، نشط على نحو متزايد في قطاع العمال في سوريا، مستغلا موقع صهره بشار الأسد. وعززت عملية تتبع حركة حسابات الأخرس المصرفية وتحريكه أموالا ضخمة، الشكوك في دوره في إخفاء أموال تابعة للرئيس السوري.

* التصفية أو الإقالة.. سياسة النظام السوري في محاسبة قياداته

* شخصيات عدّة كانت تعتبر من أبرز المقربين من النظام السوري كان نصيبها الإقالة أو القتل، كان آخرها كل من رئيس جهاز الأمن السياسي رستم غزالي رئيس شعبة الأمن العسكري رفيق شحادة اللذين أعلن مؤخرا عن إقالتهما.
ويقول الكاتب اللبناني أسعد حيدر إن النظام الأسدي «يأكل صغاره» في كل مرة يجد أن دواعي وأسباب بقائه وأمنه أهم بكثير من أي واحد من فاعليه. ويشير إلى أن المصادفات وما أكثرها تقع في كل مرة تقترب فيها حقيقة وقائع وأطراف جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري من الاحتكاك بدور مفترض لـ«جمهورية الخوف» في اغتياله. ذلك أن الجنرال رستم غزالي، تحول في وقائع المحكمة الدولية إلى عَلمٍ لا يمكن تجاهله حاليا ولاحقا.
وبالفعل، فقد خرج الكثير من رجالات الأسد من الواجهة، قتلا أو إقالة أو انشقاقا. ففي يوليو (تموز) 2012 قتل كل من وزير الدفاع داود راجحة ونائبه آصف شوكت (صهر الأسد) ورئيس مكتب الأمن القومي هشام بختيار ورئيس خلية إدارة الأزمة حسن تركماني وأصيب وزير الداخلية محمد الشعار في تفجير مبنى الأمن القومي، وتبنى حينها كل من الجيش السوري الحر و«لواء الإسلام» عملية التفجير.
وفي يوليو 2012. أعلن عن انشقاق العميد مناف طلاس، واتهم بعدها النظام السوري وإيران بعلاقتهما المباشرة بتفجير خلية الأزمة. وفي نهاية عام 2012، غاب المتحدث السابق باسم وزارة الخارجية السورية جهاد مقدسي بصورة مفاجئة، وقال حينها النظام السوري إنه في إجازة لمدة 3 شهور، قبل أنّ يعود المقدسي ويعلن أنّه استقال من منصبه بمحض إرادته.
وفي شهر أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2013. أعلن عن مقتل مدير فرع الاستخبارات العسكرية في سوريا جامع جامع، وتضاربت المعلومات بين اغتياله عبر شحنة ناسفة استهدفت موكبه في دير الزور وإصابته برصاصة في الرأس، فيما قال التلفزيون السوري إنه قتل خلال قيامه بعمله في دير الزور. وفي الشهر نفسه، أقيل نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، قدري جميل، من منصبه بعد أيام على شائعات حول «انشقاقه» ووجوده في موسكو من دون «إذن» الحكومة السورية.
كذلك، وقبل بدء الأزمة في سوريا بسبع سنوات في أكتوبر عام 2005 أعلن عن خبر «انتحار» أحد أبرز رموز النظام ورئيس شعبة المخابرات السورية في لبنان، ووزير الداخلية في سوريا غازي كنعان.
وكان كنعان من بين عدة مسؤولي أمن سوريين استجوبوا في إطار التحقيق الدولي في مقتل رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري.
وكان رئيس وزراء سوريا الأسبق عمران الزعبي «أقدم في مايو (أيار) 2000 على الانتحار بعد أسبوعين من اتهامه بالفساد وطرده من عضوية حزب البعث الحاكم ووضعه رهن الإقامة الجبرية.
وفي أغسطس (آب) 2012 انشق رئيس الوزراء السوري رياض حجاب في بيان ألقاه أمام الصحافيين في العاصمة الأردنية عمان قال فيه إنه «خرج من سوريا بإرادته، وإنه لم يُقل من منصبه، كما أعلن النظام آنذاك».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.