رواية الانشطار الدامي بين جحيم المنفى ولعنة المكان الأصلي

«عين حمورابي» للكاتب الجزائري عبد اللطيف ولد عبد الله

رواية الانشطار الدامي بين جحيم المنفى ولعنة المكان الأصلي
TT

رواية الانشطار الدامي بين جحيم المنفى ولعنة المكان الأصلي

رواية الانشطار الدامي بين جحيم المنفى ولعنة المكان الأصلي

قليلون جداً في العالم العربي هم الروائيون الذين يمتلكون ناصية السرد، المشوق والمحكم، كما هو حال الكاتب الجزائري الشاب عبد اللطيف بن عبد الله في عمله المميز «عين حمورابي». إذ لا يكاد قارئ ولد عبد الله يفرغ من قراءة الصفحات الأولى من الرواية، حتى يشعر أنه أمام عمل محكم السبك وبالغ الإتقان، وأن عليه أن يتابع القراءة حتى نهاية العمل. كما أن قدرة المؤلف على إبقاء الحدث الروائي في حالة توتر وإبهام دائمين، لا يترك أمام القارئ أي فرصة للتراخي أو التقاط الأنفاس. وفي أفق ملبد بالتوتر والخوف والمنعطفات غير المتوقعة، يظهر المؤلف قدرة عالية على الجمع الحاذق بين عناصر التشويق والحبكة البوليسية، وتوظيف الأساطير والخرافات، والمعتقدات الشعبية المترسخة عبر الزمن في النفوس والأذهان.
يعمد ولد عبد الله في «عين حمورابي» إلى إيلاء مهمة السرد لبطل الرواية وحيد حمراس، اللائذ بإحدى الثكنات العسكرية، هرباً من غضب الحشود التي راحت تطارده بدعوى اعتدائه على ضريح الولي الصالح «المجدوب» وسرقته وتخريبه. أما العرض اللافت الذي قدمه الضابط المسؤول عن الثكنة للبطل المطارد، والذي قضى بتوفير الحماية لهذا الأخير مقابل تزويد السلطة بالرواية الكاملة للأحداث، فقد وفر للمؤلف الحيلة الملائمة لتنفيذ مخططه السردي، بقدر ما وفر للراوي الفرصة الموازية لإعادة تركيب حياته المخلعة وانتشالها من عهدة النسيان. ولعلهم لم يجانبوا الحقيقة في شيء أولئك الذين أشاروا إلى النسب «الشهرزادي» لرواية ولد عبد الله، ليس فقط لأن أحداث هذه الرواية يتناسل بعضها من البعض الآخر، كما هو حال الرواية المشرقية المؤسسة، ولا لأنها تجمع بشكل شديد التداخل بين الواقعي والمتخيل، بل لأن قاعدة «تكلم أو مت» التي انبنت على أساسها «ألف ليلة وليلة»، هي ذاتها القاعدة الأساس التي أعطت للرواية الثانية مسوغها، بحيث بدا الضابط المسؤول معادلاً لشهريار، بقدر ما بدا وحيد حمراس بمثابة النسخة الذكورية المعاصرة من شهرزاد. ولأن بطل ولد عبد الله هو نفسه الراوي، فقد أمكن لضمير المتكلم أن يكسب العمل قدراً عالياً من الحرارة والتوهج، بقدر ما أتاح للقارئ فرصة التماهي مع البطل، والتعاطف الوجداني مع ما يواجهه من مخاطر ومكابدات. وإذا كانت الرواية، رغم طابعها الملتبس وأحداثها المعقدة، تبتعد عن التعسف التأليفي، فإن ذلك لا يتنافى مع الدلالات المقصودة للأسماء، بحيث يعيدنا عنوان الرواية إلى شريعة الملك البابلي المعروف، القائمة على القصاص المتناسب مع العمل الجرمي، لا المسامحة والإفلات من العقاب. كما أن اختيار اسم البطل لم يكن وليد الصدفة، بل أراده المؤلف أن يكون تعبيراً رمزياً عن المعاناة المزدوجة للإنسان العربي، المتناهب بين الوحدة القاتلة و«الاستحمار» التام.
لم يكتف وحيد حمراس خلال التحقيق معه بإعطاء المعنيين ما يفيدهم من شهادته الشخصية حول ما حدث له مع مطارديه، بل بدا كما لو أنه وجد الفرصة الملائمة لاستعادة حياته بكاملها، ولتصفية الحساب مع الماضي، ومع المكان الذي ظل يطارده كاللعنة أينما ذهب. فقد روى حمراس بتدفق متواصل، لم تقطعه سوى استفسارات المحققين وتنبيهاتهم المتفرقة، قصة هجرته إلى فرانكفورت وإقامته هناك لثماني سنوات كاملة، متخصصاً في علم الآثار، قبل أن يطلب إليه صديقه دونالد هاردي، أن يعود إلى وطنه الأم ضمن البعثة التي أنيط بها الكشف عن اللقى الثمينة التي كان عالم الآثار الألماني هاينريش والتسان قد أشار إلى وجودها في أحد الأضرحة «المقدسة» في مسقط رأسه المهاجر الجزائري. وخلال السرد يكشف الراوي عن أن الحراق والمجدوب اللذين أعطيا اسميهما لقريتين متقابلتين أقيمتا هناك، قبل أن تباعد بينهما المشاحنات والأسلاك الشائكة، لم يكونا وليين صالحين في حقيقة الأمر، بل هما اسمان مختلقان اخترعتهما مخيلة العالم الألماني والتسان للحيلولة دون اكتشاف الكنوز واستخراجها. وهو أمر لا تنحصر دلالاته بالكشف عن تحويل التفوق الثقافي والفكري الغربي إلى أداة للسيطرة وإحكام النفوذ، بل يتعدى ذلك إلى النفخ في أبواق المشاعر الدينية، واختلاق «مقدسات» لا وجود لها، لتأبيد حالة التخلف والجهل، ولصرف الناس عن التصدي لمشكلاتهم الحقيقية.
منذ لحظة عودة حمراس إلى مسقط رأسه، الخاوي سوى من كوابيس الماضي، تأخذ أحداث الرواية وتائر معقدة وصادمة وبالغة القسوة. أما شخصيات العمل فتكاد تبدو على اختلاف وجوهها، تجليات لوجه واحد محكوم بالاضطراب واللاسوية والانحراف السلوكي. فإلى الانشطار الفصامي لشخصية وحيد حمراس، هناك «أ» القاتل المتخفي الذي يطارد الشاب العائد إلى قريته من مكان إلى مكان مرتكباً العديد من الجرائم. وهناك الألمانية هيلين بلانك التي تعترف لوحيد، رغم إعجابها به وزيارتها له في بيته، بأنها اختارت مرافقة البعثة لتعلقها العاطفي بـ«ك»، رئيس البعثة الذي يتابع مع حمراس مغامرة نبش الضريحين والعثور على الكنز، قبل ملاحقتهما الشرسة من قبل الأهالي. وهناك فاطمة، الجارة التي تقطن مع ابنتها وابنها الطفلين إلى جانب منزل حمراس العائلي، والتي استقبلته في بيتها دون تحرج، ولم تتردد في اطلاعه على تعرض أمه المتكرر للإهانة والعنف الجسدي من قبل أبيه، وصولاً إلى هربها واختفائها اللاحقين. وفي عالم القسوة هذا، ما يلبث وحيد أن يحاط علماً بشأن الجريمة التي ارتكبها والده «الافتراضي» بحق أمه، وبتهمة خيانتها له، قبل أن يعمد شيخ القرية عبد الوهاب القرشي إلى إلباس الجريمة لبوسها «الشرعي» وتزويج القاتل من إحدى بناته. كما يلتقي حمراس بنجاة عزرا، حبيبته السابقة، التي أثارت ريبة أهل القرية بسبب إقامتها في منزل الحمداوي، المتخصص بشؤون الرقى والتعاويذ والتداوي بالأعشاب، والذي أكد لوحيد علاقته العاطفية بأمه المقتولة، مؤكداً له أنه والده الحقيقي، قبل أن تتسارع الأحداث بشكل دراماتيكي، حيث يتم رجم الحمداوي وعزرا حتى الموت بتهمتي الشعوذة والزنا. وفي هذه الأثناء يقوم قاتل مجهول بتنفيذ العديد من الجرائم الأخرى، مقتلعاً بشكل وحشي الأعضاء التناسلية لضحاياه الذكور.
على أن الأمور ما تلبث أن تختلط على القارئ في القسم الأخير من الرواية، ليجد نفسه مرة أخرى إزاء مسار مغاير للأحداث، حيث تظهر له الطبيعة الفصامية لشخصية البطل الراوي، وحيث نكتشف أن فاطمة التي ادعى حمراس زيارته لها مع ولديها، لم تكن سوى زوجته التي تعرضت للاغتصاب والقتل قبل سنوات عدة، وأن الزيارة تلك كانت واحدة من بنات أوهامه. أما هيلين بلانك فكانت من جهتها ثمرة تشوشه الذهني الذي جعله يخلط بينها وبين صديقته الألمانية ماتيلدا، التي ربطته بها علاقة عاطفية سابقة، وكذلك الأمر بالنسبة لـ«ك» الذي لم يتأكد وجوده الفعلي، وللقاتل الغامض الذي يشير اختزاله بالحرف «أ» إلى هويته الملتبسة والمتأرجحة بين «أنا» الأب غير البيولوجي، والساعي إلى الانتقام لـ«شرفه المطعون»، وبين «أنا» الابن المنفصمة إلى حدود التشظي.
لقد نجح عبد اللطيف ولد عبد الله، أخيراً، في تسليط الضوء على الحقبة الأشد هولاً من حقب التاريخ الجزائري، حيث بلغت المواجهة الدامية بين السلطة الحاكمة وبين قوى الظلام التكفيري حدودها القصوى، بقدر ما بدا أفق الخروج من النفق مسدوداً تماماً. وقد استطاع المؤلف أن يطرح بمهارة وحذق أكثر الأسئلة المتعلقة بالواقعين الجزائري والعربي إشكاليةً وعمقاً. إذ ثمة ما يتعلق بالهوية المثلومة التي تحاول ترميم نفسها في مرآة الغرب الاستحواذي. وثمة ما يتعلق بالأساليب العنفية وغير الأخلاقية التي لجأ إليها كل من الطرفين الرسمي والتكفيري، بهدف الانتصار على الآخر، ولو تطلب الأمر ارتكاب الكثير من المجازر وعمليات السرقة والنهب المنظم. وثمة ما يتعلق برسم الحدود المفتعلة بين الدول، لحماية المصالح الخاصة وشبكات التهريب. وثمة ما يتعلق باختراع مقدسات وأولياء مزورين لتوفير خطوط آمنة للصوص الداخل والخارج. وثمة ما يتعلق بالصراع الأبدي والضاري بين الهوية المتحققة والهوية العصية على التحقق، بين لعنة المكان الأصلي وجحيم المنفى. وهو ما حول عمل عبد اللطيف ولد عبد الله إلى سلسلة متواصلة من الألغاز، وحول بالقدر نفسه شخصية بطلها الرئيسي إلى بؤرة من الضياع وحفنة من الهلوسات.



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».