رواية الانشطار الدامي بين جحيم المنفى ولعنة المكان الأصلي

«عين حمورابي» للكاتب الجزائري عبد اللطيف ولد عبد الله

رواية الانشطار الدامي بين جحيم المنفى ولعنة المكان الأصلي
TT

رواية الانشطار الدامي بين جحيم المنفى ولعنة المكان الأصلي

رواية الانشطار الدامي بين جحيم المنفى ولعنة المكان الأصلي

قليلون جداً في العالم العربي هم الروائيون الذين يمتلكون ناصية السرد، المشوق والمحكم، كما هو حال الكاتب الجزائري الشاب عبد اللطيف بن عبد الله في عمله المميز «عين حمورابي». إذ لا يكاد قارئ ولد عبد الله يفرغ من قراءة الصفحات الأولى من الرواية، حتى يشعر أنه أمام عمل محكم السبك وبالغ الإتقان، وأن عليه أن يتابع القراءة حتى نهاية العمل. كما أن قدرة المؤلف على إبقاء الحدث الروائي في حالة توتر وإبهام دائمين، لا يترك أمام القارئ أي فرصة للتراخي أو التقاط الأنفاس. وفي أفق ملبد بالتوتر والخوف والمنعطفات غير المتوقعة، يظهر المؤلف قدرة عالية على الجمع الحاذق بين عناصر التشويق والحبكة البوليسية، وتوظيف الأساطير والخرافات، والمعتقدات الشعبية المترسخة عبر الزمن في النفوس والأذهان.
يعمد ولد عبد الله في «عين حمورابي» إلى إيلاء مهمة السرد لبطل الرواية وحيد حمراس، اللائذ بإحدى الثكنات العسكرية، هرباً من غضب الحشود التي راحت تطارده بدعوى اعتدائه على ضريح الولي الصالح «المجدوب» وسرقته وتخريبه. أما العرض اللافت الذي قدمه الضابط المسؤول عن الثكنة للبطل المطارد، والذي قضى بتوفير الحماية لهذا الأخير مقابل تزويد السلطة بالرواية الكاملة للأحداث، فقد وفر للمؤلف الحيلة الملائمة لتنفيذ مخططه السردي، بقدر ما وفر للراوي الفرصة الموازية لإعادة تركيب حياته المخلعة وانتشالها من عهدة النسيان. ولعلهم لم يجانبوا الحقيقة في شيء أولئك الذين أشاروا إلى النسب «الشهرزادي» لرواية ولد عبد الله، ليس فقط لأن أحداث هذه الرواية يتناسل بعضها من البعض الآخر، كما هو حال الرواية المشرقية المؤسسة، ولا لأنها تجمع بشكل شديد التداخل بين الواقعي والمتخيل، بل لأن قاعدة «تكلم أو مت» التي انبنت على أساسها «ألف ليلة وليلة»، هي ذاتها القاعدة الأساس التي أعطت للرواية الثانية مسوغها، بحيث بدا الضابط المسؤول معادلاً لشهريار، بقدر ما بدا وحيد حمراس بمثابة النسخة الذكورية المعاصرة من شهرزاد. ولأن بطل ولد عبد الله هو نفسه الراوي، فقد أمكن لضمير المتكلم أن يكسب العمل قدراً عالياً من الحرارة والتوهج، بقدر ما أتاح للقارئ فرصة التماهي مع البطل، والتعاطف الوجداني مع ما يواجهه من مخاطر ومكابدات. وإذا كانت الرواية، رغم طابعها الملتبس وأحداثها المعقدة، تبتعد عن التعسف التأليفي، فإن ذلك لا يتنافى مع الدلالات المقصودة للأسماء، بحيث يعيدنا عنوان الرواية إلى شريعة الملك البابلي المعروف، القائمة على القصاص المتناسب مع العمل الجرمي، لا المسامحة والإفلات من العقاب. كما أن اختيار اسم البطل لم يكن وليد الصدفة، بل أراده المؤلف أن يكون تعبيراً رمزياً عن المعاناة المزدوجة للإنسان العربي، المتناهب بين الوحدة القاتلة و«الاستحمار» التام.
لم يكتف وحيد حمراس خلال التحقيق معه بإعطاء المعنيين ما يفيدهم من شهادته الشخصية حول ما حدث له مع مطارديه، بل بدا كما لو أنه وجد الفرصة الملائمة لاستعادة حياته بكاملها، ولتصفية الحساب مع الماضي، ومع المكان الذي ظل يطارده كاللعنة أينما ذهب. فقد روى حمراس بتدفق متواصل، لم تقطعه سوى استفسارات المحققين وتنبيهاتهم المتفرقة، قصة هجرته إلى فرانكفورت وإقامته هناك لثماني سنوات كاملة، متخصصاً في علم الآثار، قبل أن يطلب إليه صديقه دونالد هاردي، أن يعود إلى وطنه الأم ضمن البعثة التي أنيط بها الكشف عن اللقى الثمينة التي كان عالم الآثار الألماني هاينريش والتسان قد أشار إلى وجودها في أحد الأضرحة «المقدسة» في مسقط رأسه المهاجر الجزائري. وخلال السرد يكشف الراوي عن أن الحراق والمجدوب اللذين أعطيا اسميهما لقريتين متقابلتين أقيمتا هناك، قبل أن تباعد بينهما المشاحنات والأسلاك الشائكة، لم يكونا وليين صالحين في حقيقة الأمر، بل هما اسمان مختلقان اخترعتهما مخيلة العالم الألماني والتسان للحيلولة دون اكتشاف الكنوز واستخراجها. وهو أمر لا تنحصر دلالاته بالكشف عن تحويل التفوق الثقافي والفكري الغربي إلى أداة للسيطرة وإحكام النفوذ، بل يتعدى ذلك إلى النفخ في أبواق المشاعر الدينية، واختلاق «مقدسات» لا وجود لها، لتأبيد حالة التخلف والجهل، ولصرف الناس عن التصدي لمشكلاتهم الحقيقية.
منذ لحظة عودة حمراس إلى مسقط رأسه، الخاوي سوى من كوابيس الماضي، تأخذ أحداث الرواية وتائر معقدة وصادمة وبالغة القسوة. أما شخصيات العمل فتكاد تبدو على اختلاف وجوهها، تجليات لوجه واحد محكوم بالاضطراب واللاسوية والانحراف السلوكي. فإلى الانشطار الفصامي لشخصية وحيد حمراس، هناك «أ» القاتل المتخفي الذي يطارد الشاب العائد إلى قريته من مكان إلى مكان مرتكباً العديد من الجرائم. وهناك الألمانية هيلين بلانك التي تعترف لوحيد، رغم إعجابها به وزيارتها له في بيته، بأنها اختارت مرافقة البعثة لتعلقها العاطفي بـ«ك»، رئيس البعثة الذي يتابع مع حمراس مغامرة نبش الضريحين والعثور على الكنز، قبل ملاحقتهما الشرسة من قبل الأهالي. وهناك فاطمة، الجارة التي تقطن مع ابنتها وابنها الطفلين إلى جانب منزل حمراس العائلي، والتي استقبلته في بيتها دون تحرج، ولم تتردد في اطلاعه على تعرض أمه المتكرر للإهانة والعنف الجسدي من قبل أبيه، وصولاً إلى هربها واختفائها اللاحقين. وفي عالم القسوة هذا، ما يلبث وحيد أن يحاط علماً بشأن الجريمة التي ارتكبها والده «الافتراضي» بحق أمه، وبتهمة خيانتها له، قبل أن يعمد شيخ القرية عبد الوهاب القرشي إلى إلباس الجريمة لبوسها «الشرعي» وتزويج القاتل من إحدى بناته. كما يلتقي حمراس بنجاة عزرا، حبيبته السابقة، التي أثارت ريبة أهل القرية بسبب إقامتها في منزل الحمداوي، المتخصص بشؤون الرقى والتعاويذ والتداوي بالأعشاب، والذي أكد لوحيد علاقته العاطفية بأمه المقتولة، مؤكداً له أنه والده الحقيقي، قبل أن تتسارع الأحداث بشكل دراماتيكي، حيث يتم رجم الحمداوي وعزرا حتى الموت بتهمتي الشعوذة والزنا. وفي هذه الأثناء يقوم قاتل مجهول بتنفيذ العديد من الجرائم الأخرى، مقتلعاً بشكل وحشي الأعضاء التناسلية لضحاياه الذكور.
على أن الأمور ما تلبث أن تختلط على القارئ في القسم الأخير من الرواية، ليجد نفسه مرة أخرى إزاء مسار مغاير للأحداث، حيث تظهر له الطبيعة الفصامية لشخصية البطل الراوي، وحيث نكتشف أن فاطمة التي ادعى حمراس زيارته لها مع ولديها، لم تكن سوى زوجته التي تعرضت للاغتصاب والقتل قبل سنوات عدة، وأن الزيارة تلك كانت واحدة من بنات أوهامه. أما هيلين بلانك فكانت من جهتها ثمرة تشوشه الذهني الذي جعله يخلط بينها وبين صديقته الألمانية ماتيلدا، التي ربطته بها علاقة عاطفية سابقة، وكذلك الأمر بالنسبة لـ«ك» الذي لم يتأكد وجوده الفعلي، وللقاتل الغامض الذي يشير اختزاله بالحرف «أ» إلى هويته الملتبسة والمتأرجحة بين «أنا» الأب غير البيولوجي، والساعي إلى الانتقام لـ«شرفه المطعون»، وبين «أنا» الابن المنفصمة إلى حدود التشظي.
لقد نجح عبد اللطيف ولد عبد الله، أخيراً، في تسليط الضوء على الحقبة الأشد هولاً من حقب التاريخ الجزائري، حيث بلغت المواجهة الدامية بين السلطة الحاكمة وبين قوى الظلام التكفيري حدودها القصوى، بقدر ما بدا أفق الخروج من النفق مسدوداً تماماً. وقد استطاع المؤلف أن يطرح بمهارة وحذق أكثر الأسئلة المتعلقة بالواقعين الجزائري والعربي إشكاليةً وعمقاً. إذ ثمة ما يتعلق بالهوية المثلومة التي تحاول ترميم نفسها في مرآة الغرب الاستحواذي. وثمة ما يتعلق بالأساليب العنفية وغير الأخلاقية التي لجأ إليها كل من الطرفين الرسمي والتكفيري، بهدف الانتصار على الآخر، ولو تطلب الأمر ارتكاب الكثير من المجازر وعمليات السرقة والنهب المنظم. وثمة ما يتعلق برسم الحدود المفتعلة بين الدول، لحماية المصالح الخاصة وشبكات التهريب. وثمة ما يتعلق باختراع مقدسات وأولياء مزورين لتوفير خطوط آمنة للصوص الداخل والخارج. وثمة ما يتعلق بالصراع الأبدي والضاري بين الهوية المتحققة والهوية العصية على التحقق، بين لعنة المكان الأصلي وجحيم المنفى. وهو ما حول عمل عبد اللطيف ولد عبد الله إلى سلسلة متواصلة من الألغاز، وحول بالقدر نفسه شخصية بطلها الرئيسي إلى بؤرة من الضياع وحفنة من الهلوسات.



لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس
TT

لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس

خصّص برنامج «المكتبة الكبرى» (La Grande Librairie) على قناة «فرنس 5» حلقتَه الأسبوعية لسؤال يبدو في ظاهره خفيفاً، لكنه يمسّ في حقيقته أعمق ما يطرحه الوجود الإنساني من تساؤلات: لماذا نحتاج إلى الضحك؟ هذا السؤال الذي شغل الفلاسفة والأدباء منذ أرسطو إلى يومنا هذا عاد ليطفو بقوة على السطح الثقافي في هذه المرحلة تحديداً، وكأن الزمن يُلحّ عليه من جديد، حيث لم يعد الضحك من الذات والعالم ترفاً ثقافياً، بل بات شكلاً من أشكال المقاومة الصامتة في عصر القلق الجماعي والأزمات السياسية والاجتماعية.

رابليه

استقبل المقدّم أوغوستان ترابنار في برنامج «المكتبة الكبرى» نخبةً من الكتّاب والروائيين، وعلى رأسهم ديفيد فونيكينوس الحاصل على جائزة «رونودو»، الذي قدّم روايته الجديدة «أنا مضحك» (Je suis drôle)، (دار غاليمار). وأول ما لفت الانتباه هو شعار الإهداء الذي اختاره الكاتب وهي مقولة صموئيل بيكيت: «لا شيء أكثر إضحاكاً من الشقاء». هذه الجملة، على وجازتها، تلخّص فلسفة كاملة في الضحك: إنه ليس نقيض الألم، بل هو أحياناً وجهه الآخر، وقناعه القابل للارتداء. وقد أكد فونيكينوس في حواراته حول الرواية أن للضحك اليوم «قيمة تشبه الملاذ، لا غنى عنها»، وأن العصر الذي نعيشه، بكثافته وتوتراته، يجعل الفكاهة «أقصر الطرق لخلق المشاعر ولتوثيق الروابط بين البشر».

غير أن هذا السؤال لم ينتظر فونيكينوس ليُطرح. فقد تأمله رابليه في القرن السادس عشر حين صاغ عبارته الخالدة في مقدمة «غارغانتوا»: «الضحك خاصية الإنسان»، معلناً بذلك ثورة جمالية ومعرفية تجاوزت حدود الفكاهة لتمسّ صميم التعريف الإنساني، ولم يكن رابليه يقرّر ظاهرةً بيولوجية، بل كان يُعلن موقفاً فلسفياً وهي أن قدرة الإنسان على الضحك تفصله عن الحيوان، وهي الدليل على حريته في مواجهة الضرورة. في رواية «غارغانتوا» لا يضحك الملك العملاق غارغانتوا لمجرد التسلية، بل يكشف بسخريته الشعبية الصاخبة التناقضات الاجتماعية والفلسفية لعصره. ولهذا عدّ ميلان كونديرا الروائي الفرنسي التشيكي المعروف أن تاريخ الرواية الأوروبية بأسره قد بدأ مع ضحك رابليه، عادّاً بأنه «لحظة استثنائية في ميلاد فن جديد». أما جورج برنارد شو، الكاتب الآيرلندي المعروف فقد جعل من السخرية سلاحه الأدبي الأبرز، حيث استخدمهما لفضح المجتمع البرجوازي ومؤسساته. في مسرحيته «بيجماليون»، يستخدم السخرية ليبين كيف تُصنع الفردية والقيمة الإنسانية من قبل المجتمع، فالبروفسور هيغينز يحول الفتاة الفقيرة إلى «سيدة» ليس بسبب مواهبها الخاصة، بل بأدوات المجتمع وقيمه المصطنعة، والضحك هنا يكشف النفاق الاجتماعي وأثره. أما في «السلاح والرجل»، فيستخدم الفكاهة الحادة ليناقش موضوع الخير والشر، من خلال قصّة مصنع السلاح الذي يصبح أكثر فاعلية في مكافحة الفقر من جميع المؤسسات الخيرية، وهنا تصبح السخرية أداة لتشخيص مرض الحضارة المعاصرة. هذه الرؤية تحمل تناقضها الداخلي: الضحك يحرر لكنه يقيد، يجدد لكنه يلزم بالمعيار. وقبل برنارد شو، كان بودلير قد تناول في مقالة نقدية بالغة الأهمية بعنوان «جوهر الضحك»، (Essence du rire) أنواع الضحك التي يراها إما: «كوميديا معنوية» أخلاقية تنقد المجتمع، وإما «كوميديا مطلقة» تتخطى المعيار الأخلاقي لتكشف تناقضات الوجود بعيداً عن أي مصلحة في الإصلاح. وهذا التمييز البودليري يُضيء لنا سرّ الكتّاب الذين يضحكون دون أن يسعوا إلى إضحاك أحد: إنهم يستخدمون الكوميديا المطلقة لتشريح العالم لا لتجميله.

جورج برناردشو

وفي التراث العربي، خطّ المتنبي عبارته التي تختزل الأدب الساخر برمّته في بيته الشهير: «وكم ذا بمصر من المضحكات... ولكنه ضحك كالبكاء» فالضحك العربي، في أعمق تجلياته الأدبية، لم يكن يوماً ضحك الراضي ولا ضحك المنتصر، بل كان في الغالب ضحك المجروح الذي وجد في السخرية طريقه الوحيد للتعبير عن وجعه دون أن ينكسر. وقد أدرك الجاحظ، الذي يعدّه كثير من النقاد مؤسسَ الأدب الساخر في العربية، هذه الحقيقة حين صاغ «البخلاء»، ذلك العمل الذي يبدو في سطحه سرداً فكاهياً لحياة البخلاء ونفسياتهم، لكنه في جوهره تشريح اجتماعي دقيق للنفس الإنسانية في مواجهة المال والجشع والوهم. كما وظّف نجيب محفوظ الفكاهة الاجتماعية في أعماله بوصفها عدسةً كاشفة للفوارق الاجتماعية والطبقية في المجتمع المصري، حتى إن السخرية في «ميرامار» أو «اللص والكلاب» تبلغ أحياناً حدّ المأساة، وتُذكّرنا بأن الحدّ الفاصل بين الكوميديا والتراجيديا في الأدب الكبير في أوقات كثيرة ما يكون وهمياً.

بودلير

والواقع أن الكاتب الذي يلجأ إلى الضحك لا يفعل ذلك لأنه فوق الجرح أو بمنأى عنه. بل إنه في أحيان كثيرة يلجأ إليه لأنه غارق في الجرح إلى الحدّ الذي لا يرى معه مخرجاً سوى تحويل الوجع إلى لغة قابلة للتداول. وهذا ما لاحظه فونيكينوس حين قال في حواره مع برنامج «المكتبة الكبرى»: «كثيراً ما يربط الظرفاء بين طفولتهم القاسية والرغبة في إضحاك الآخرين. وكأن الضحك هو وسيلة لشفاء الأحزان وملء غياب ما...». فبطل رواية فونيكينوس طفل يتيمٌ في الخامسة من عمره، يكتشف أن الضحك هو الطريق الأقصر إلى المحبة وإلى الاعتراف، لكنه يكتشف أيضاً، بعد سنوات من المحاولة، أن الضحك حين يصبح مهنةً وهويةً يتحوّل إلى فخّ يلتصق بصاحبه كالقناع بالوجه، يستحيل خلعه. وهذه الصورة ليست اختراعاً روائياً خالصاً، فتاريخ الكوميديا الكبرى مليء بالكتّاب الذين عاشوا هذا التناقض بأجسادهم: من موليير الذي كتب «المريض بالوهم» وهو يحتضر فعلاً على الخشبة، إلى تشيخوف الذي تناول الأوضاع الاجتماعية بالسخرية في قصصه القصيرة، وصولاً إلى بيكيت الذي قرّر في مسرحياته أن الشقاء نفسه هو المادة الكوميدية الأكثر خصوبة، فأبطال مسرحيته الشهيرة «في انتظار غودو» يضحكون لأنهم لا يجدون ما يفعلونه، ويضحكون لأن الضحك أهوَن على النفس من الاعتراف بأن الانتظار لن ينتهي.

العصر الذي نعيشه وتوتراته يجعل الفكاهة أقصر الطرق لتوثيق الروابط بين البشر

فونيكينوس

وما يُلاحظه المتابعون لصناعة الأدب في السنوات الأخيرة هو ارتفاع حادّ في الأعمال التي تتخذ من الفكاهة والتهكم أدواتٍ رئيسية، في مرحلة يصفها كثيرون بأنها من أشدّ مراحل القلق الجماعي وتراجع الثقة بالمستقبل. وهذا ليس مصادفةً؛ إذ أشار الفيلسوف الأميركي سايمون كريتشلي في كتابه «حول الفكاهة» (On Humour) إلى أن الفكاهة الحقيقية تنطوي دائماً على اعتراف بالهشاشة، وأنها تُنشئ مسافةً بين الذات والواقع، لكي تجعل الواقع قابلاً للاحتمال دون إلغائه. بيد أن الأدب، بخلاف الفكاهة الرقمية الآنية التي تملأ منصات التواصل الاجتماعي بنكاتها السريعة، لا يكتفي بهذه المسافة الوقائية. إنه يسأل عن التكلفة، وعن الثمن، وعما يُخفيه الضحك وما يُفصح عنه في الآن ذاته. ولهذا تبقى الكتابة الساخرة أقرب إلى التشخيص منها إلى الترفيه: إنها لا تُلطّف الجرح بل تُضيئه.


«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب
TT

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

تتخذ مجموعة «المسافة صفر»، للقاص والروائي المصري محمد رفيع من آثار الحروب موضوعاً لها، ليس فقط الحرب الأخيرة في غزة، رغم حضورها بقوة بدءاً من عنوان المجموعة الذي يحيل إليها بجلاء، وكذا تبرز هذه الحرب في بعض القصص، لكن الأهم على مدار معظم النصوص هو الحرب بوصفها فكرة، ومن ثم يمكن إزاحة الدلالات من كونها تخص حرباً محددة، إلى فكرة إبادة الإنسان للإنسان، منذ بدء الخليقة إلى الآن، فضلاً عن آليات مقاومة الفناء، ومجابهة الموت، فقد استطاع الكاتب أن يوسع الفكرة، ويضفي عليها أبعاداً فلسفية ووجودية، عن الحق والخير والجمال، الوجود والعدم، الحرب والسلام، الجلاد والضحية، الشر والخير، وفي سعيه لهذا التوسع الدلالي، لم يحدد مدينة بعينها، بل كان حريصاً على أن تكون الفضاءات المكانية بلا اسم، كأن يقول المدينة أو القرية، لتنسحب الأحداث على أي مدينة تشهد حروباً وقصفاً يصيب أطفالاً ونساء عُزلاً، ولا قدرة لهم على خوض حرب، بل لم يستشرهم أحد في إشعال فتيلها، لكنهم أول من يكتوي بنيرانها.

كل أبطال قصص المجموعة تقريباً يعيشون على التخوم بين الحياة والموت، يمارسون حياتهم على حافة الخطر، في انتظار رصاصة طائشة أو شظية، بينما الموتى حاضرون رغم غياب أجسادهم، فثمة تبادل واضح للحضور والغياب يتبدى في أكثر من نص قصصي. ففي ثنايا السرد يتمكن الموتى وضحايا الحروب من الكلام، من التعبير، من الغناء حتى في قبورهم، في مقابل أن الأحياء يلتحفون الصمت المشحون بالخوف والرهبة، وتوقع الانتقال العبثي إلى الضفة الأخرى من الوجود، دون ذنب اقترفوه، يرحلون بوصفهم ضحايا لصراعات أكبر منهم، وحياتهم مثقلة بالتوتر.

المجموعة صادرة عن دار «روافد» للنشر والتوزيع في القاهرة، وتتكون من خمس وعشرين قصة قصيرة متراوحة الطول والعوالم. تبدأ بقصة «لن تموت جوعانَ»، التي يرويها طفل، مندهشاً من حرص أبيه على أن يطعمه هو وأخوته كل ليلة طعام العشاء، حتى لو كان قطعاً من الخبز الناشف، يقول الطفل: «أنا لا أفهم، كل شيء في هذه المدينة بلا معنى: الموت، القنابل، البرد، الأخبار، صمت الأمم. فلماذا يصر أبي على أن نأكل كل مساء؟»، هذا التساؤل الاستنكاري من الطفل، الذي لا يفهم حكمة تصرف الأب إلا حين يصيب القصف بيتهم، ويموت أبوه، ويخرج هو من تحت الركام وفي يده قطعة خبز، فيعرف حرص الأب على أن يحمي أولاده، على الأقل من الجوع، ما دام أنه لا يستطيع أن يحميهم من الموت، فعلى الأقل لا يموتون وهم جوعى.

وفي إطار التوسع الدلالي، تأتي قصص أخرى بعيداً عن الحرب، لكنها لا تخلو من دلالات القهر والعسف، ومنها قصة «أرض بلا ظل»، التي تأخذ منحى أقرب إلى العوالم الغرائبية، عبر فكرة فانتازية، مع ترك المكان دون تحديد، عن مدينة لا أحد فيها يملك ظلاً، فأهلها جميعاً بلا ظلال، رغم أن الشمس فيها لا تغيب، لكنها تسقط عليهم عمودية فوق الرؤوس، لكن في يوم غائم شهدت المدينة مولد طفل خرج من رحم أمه، وحين رأته القابلة وجدته يحمل ظلاً، وعاش حياته وظله لا يفارقه، فصار منبوذاً بوصفه خارجاً على قواعد المدينة، وخضع لتحقيقات من السلطات التي اعتبرته خطراً؛ لأن ظله يربك السكان، ويجعلهم يتذكرون ما لا يجب تذكره، وفي نهاية التحقيقات «طلبوا منه أن يتخلى عنه، أن يخلع ظله، كما يخلع الحذاء على العتبات، أن يسلّمه في كيس مختوم، ويعود نظيفاً. رفض فعوقب. نُفي إلى الجهة المظلمة من المدينة، حيث الشمس لا تشرق». في نقد واضح وتفكيك للأفكار الشمولية، التي تريد أن تسرق من الإنسان حتى ظله، وتحيله معنوياً إلى جثة في قبر، تميته وتقتل قدرته على الاختيار، فالجثث والموتى ليسوا نتيجة الحروب فقط، بل يمكن أن يكونوا نتيجة الظلم والقهر أيضاً.

تحفل المجموعة بكثير من القصص التي تتخذ مثل هذا المنحى الغرائبي، عبر أفكار مبتكرة وطازجة، وكلها تنحاز للإنسان، ومفعمة بالحمولات الرمزية، ومنها قصص «وردة في الحرب»، و«مدينة السعال»، و«الدرس الأخير في المدينة الأخيرة»، و«مهرب الضحك»، و«نشرة القصص»، و«الموتى يلعبون النرد» و«قتل الحواس»، وغيرها من القصص التي تتراوح بين ثنائية قتل المعاني والقيم الإنسانية، وصولاً إلى تصفية الإنسان وإفراغه من وجوده، مثل قتل حواسه في إحدى القصص، وهناك قصص أخرى تقدم معاني المجابهة، ومحاولة الحفاظ على هذه القيم، مثلما يتبدى في قصة «كتاب ما لم يحدث»، التي تروي حكاية عن مجموعة من الأطفال يكتبون وصاياهم الأخيرة، استعداداً للموت في أي لحظة، وكلها وصايا تليق بطفولتهم البريئة، مثل «لو مت خلوا بابا يضحك شوية، قولوا لأخويا إني مش زعلان منه، ادفنوني بالحذاء الأحمر، خلوا ماما تنام على سريري يوم بس»، فتنتشر في المدينة كتابة الأطفال لوصايا على هذا المنوال في أوراق وقصاصات صغيرة، وسرعان ما تتحول إلى الكتابة على الجدران، ثم تنتشر حمى كتابة الرسائل من الصغار إلى الكبار، وتنتهي القصة نهاية غرائبية كعادة قصص المجموعة، لكنها شديدة الاتصال بالواقع وقضاياه، يقول الراوي: «وفي صباح خريفي رمادي، استيقظ الجميع على صوت في السماء، طيور من ورق، ملونة، تحمل في مناقيرها القصيرة قصاصات صغيرة... واحدة فقط سقطت على رأسي. فتحتها، فوجدت مكتوباً بخط رفيع جداً: لو مت اكتبوا لنا نهاية غير دي».

إلى جنب الغرائبية، نهضت المجموعة على قدر كبير من عدم التحديد، فإذا كان المكان عائماً وغير متعين في الأغلب، فإن الزمان أيضاً بدا غير محدد، باستثناء الزمن الفلكي من صباح ومساء ونهار وليل، لكن لا يوجد زمن تاريخي مرجعي محدد، يمكن أن يستدل منه القارئ على حقبة زمنية بعينها، كما أن الشخوص أيضاً تبدو في كثير من النصوص بلا أسماء، بل أقرب إلى أدوار وظيفية أو دوال رمزية، أطفال أو كبار، أو شخصيات تعرف بأعمالها ووظائفها، أو جثث غير مسماة. وهذا النزوع نحو عدم التحديد المكاني والزماني، وكذا في الشخصيات المروي عنها، يجعل الدلالة غير محددة بحادثة واحدة ولا حرب بعينها، بل أقرب إلى نقد وتفكيك فكرة الحرب والدمار ذاتها، انحيازاً للإنسان وحياته في كل مكان وزمان.


الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين
TT

الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين

يكشف كتاب «سلطة الكلمة - مسالك لدراسة أدب طه حسين وفكره»، الذي يضم عدداً من الدراسات القيمة لثلاثة من النقاد والباحثين التونسيين هم منجي الشملي وعمر مقداد الجنمي ورشيد القرقوري، عن موقف عميد الأدب العربي من فكرة الحرب وكيف تطورت، حيث أصبح يرى فيها أداة لتخريب البلدان والحضارات، بعد أن كان يعتقد أنها ميدان لإظهار الشجاعة والدفاع عن النفس.

ويشير القرقوري إلى أن صاحب رواية «الأيام» تأثر في ذلك بمجريات الحرب العالمية الثانية، وما شهدته من دمار واسع ودماء سالت حتى كادت تغطى كوكب الأرض، فعبر عن نفوره منه عبر روايته «أحلام شهرزاد»، والتي ساق فيها موقفه من القتال غير المبرر والعنف غير المشروع على لسان شخصية «فاتنة».

تسعى تلك الشخصية حثيثاً إلى تجنب الحرب مع أعدائها كما صورها، وبعد أن اضطرت إلى الحرب تحاول جاهدة الابتعاد بالمعارك عن مدنها ومدن أعدائها حفاظاً على حضاراتها وعمرانها بل إنه أجرى على لسانها أنها «لن تغزو أحداً في مستقره، ولكنها ستغزوهم حول هذه المدينة».

ويواصل طه حسين على لسان بطلته في الرواية إبراز خطورة الحرب على الناس والحضارة، ملحاً على أن دور الجيوش ليس التحطيم والتهديم، بل البناء والتشييد، ذلك أن الجيش في تصوره عنصر حضارة وتطور.

تقول «فاتنة» لقادة جيشها المتشوقين للقتال: «إن الجيوش وسيلة لاتقاء الحرب لا لابتغائها، وأداة لدفع الشر لا لاجتلابه، أفإن جُنبتم الحرب وضُمنت لكم السلامة تضجون وتعجبون؟ من شاء منكم أن يغامر فليغامر بنفسه لا بالأبرياء من جنده».

هكذا أضحت شخصية «فاتنة» التي بعثها طه حسين إبان الحرب العالمية الثانية وسيلة للتعريض بالحاكم الذي لا يقي شعبه ويلات الحروب، وهي بمواقفها هذه تعلمه الرفق بالناس، وتدعوه إلى نبذ المغامرات العسكرية التي تزينها له شهواته الجامحة ومصالحه الذاتية، والتي تعود بالوبال على الإنسان وعلى الحضارة عموماً.

وتخاطب «فاتنة» أباها منددة بسلوك أعدائه من الملوك فتقول:

«ولكن الملوك أثاروا حرباً ظالمة لم تقتضها مصلحة عامة، ولم تدع إليها منفعة عاجلة أو آجلة لأمة من أممهم أو شعب من شعوبهم، إنما اتبع كل منهم هواه وركب رأسه وانقاد لشهوته الجامحة».

ولعل المؤلف يشير ضمنياً بكلام «فاتنة» إلى قادة النازية وقادة الفاشية الذين أشعلوا نيران الحرب العالمية الثانية خدمة لمصالحهم العاجلة فألحقوا الدمار بالكون كله، وأضروا بالفكر والحضارة، فكانوا شبيهين بالذين اتحدوا لحرب «فاتنة»، بقصد إخضاعها لمشيئتهم وضم مدينتها إلى مدنهم، ولكنها رغم ما أتاها من ضيم تأبى أن تعرض الناس والحضارة إلى الأذى ولا تستثني من ذلك مدن أعدائها وسكانها.

دعت البطلة الروائية إلى حماية الشيوخ والأطفال والنساء من تبعات الحرب، ولا يكون ذلك ممكناً في رأيها إلا إذا ابتعد المحاربون بحربهم إلى الصحاري والقفار وتركوا المدن الآهلة بالسكان مطمئنة، وفي هذه الدعوة دون شك نقد بأسلوب الرمز لقصف الطائرات الألمانية للمدن المصرية وخاصة القاهرة التي لم يكن سكانها طرفاً في هذه المعركة بين الإنجليز والألمان.

واعتبر طه حسين هذا القصف عملاً حريباً يضر أشد الضرر بحضارة مصر، وخاصة بآثارها؛ لذلك أصر على أن ينال مقترفه عقاباً رادعاً، فجعل «فاتنة» تقترح على أبيها وعلى قائد جيشها إنزال أشد العقوبات بالحاكم الذي يزج بشعبه في حرب لا طائل من ورائها تضر بعمرانه وحضارته.

تقول «فاتنة» لقائد جيشها: «فإذا مثلوا بين يديك أو بين يدي وكلائك فخيرهم بين الموت أو بين أن يشهدوا على أنفسهم بالطغيان وإهدار حقوق الشعوب، فأيهم اختار الموت فجرّعه كأسها وأيهم اختار الحياة، وكلهم سيختارونها، فليشهد على نفسه أنه طاغية مهدر لحق شعبه».

وقد عبر طه حسين عن هذا الموقف ذاته ودون رمز في مقال له، عنوانه «مستقبل الديمقراطية»، دعا فيه إلى اقتحام حدود ألمانيا وإذاقة الألمان طعم الهزيمة عقاباً لهم على ما اقترفوه من آثام في حق البشرية، فهم في رأيه قد خربوا العمران وأضروا بالحضارات.