شراكة أمنية بين واشنطن وكانبيرا ولندن تنذر بأزمة دبلوماسية مع باريس

خيبة فرنسية من فسخ أستراليا صفقة غواصات ضخمة لصالح أميركا

بايدن أثناء حديثه مع جونسون وموريسون الأربعاء (أ.ف.ب)
بايدن أثناء حديثه مع جونسون وموريسون الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

شراكة أمنية بين واشنطن وكانبيرا ولندن تنذر بأزمة دبلوماسية مع باريس

بايدن أثناء حديثه مع جونسون وموريسون الأربعاء (أ.ف.ب)
بايدن أثناء حديثه مع جونسون وموريسون الأربعاء (أ.ف.ب)

«طعنة في الظهر»، «خيانة»، «خيبة»، «قرار مؤسف»، «إخلال بالالتزامات»... هذه بعض العبارات التي استخدمها كبار المسؤولين الفرنسيين، أمس، تعليقاً على قرار رئيس الوزراء الأسترالي فسخ عقد «صفقة القرن» المبرم عام 2016 بين باريس وكانبيرا، الذي بموجبه تقوم شركة الصناعات البحرية بتوفير 12 غواصة تعمل بالدفع التقليدي «ديزيل - كهرباء» بقيمة 56 مليار يورو، والذي وصف وقتها بـ«صفقة العصر».
والحال، أن الجانب الأسترالي قرر التخلي عن صفقته مع باريس لصالح حيازة 8 غواصات أميركية الصنع تعمل بالطاقة النووية، الأمر الذي كان بمثابة «مفاجأة» لباريس. وتفيد معلومات متوافرة في العاصمة الفرنسية أن الجانب الفرنسي علم بالنبأ المحبط عبر الصحافة، وأن باريس لم تخطر به من قبل كانبيرا، وفق ما تقضي أعراف التعامل بين الدول، وخصوصاً التي يرتبط بعضها بعلاقات صداقة وثقة.

- انتقادات فرنسية حادّة
الرد الفرنسي جاء عنيفاً. وسهام باريس لم تستهدف أستراليا فقط، بل أيضاً لندن، وخصوصاً واشنطن، إذ إنها تعتبر أن القرار الأسترالي ما كان ليحصل من غير تشجيع أميركي. وقد أعلن القرار الأسترالي عقب قمة عبر تقنية الفيديو ضمّت الرئيس الأميركي ورئيسي وزراء بريطانيا وأستراليا. وما زاد من إحباط باريس أنه كان من المفترض أن يجتاز الاتفاق مرحلة مهمة مع نهاية الشهر الحالي، من خلال التوافق على «الهندسة الأساسية» للغواصات الـ12 مع بناء نموذج تجريبي عام 2023. وسارع وزير الخارجية الفرنسي إلى التعبير عن غضب بلاده في حديث صباحي لإذاعة «فرانس أنفو» بقوله: «كنا أقمنا علاقة مع أستراليا، والطرف الأسترالي خان الأمانة». وأضاف أن ما أصاب باريس هو «طعنة في الظهر، وأنا أشعر بالغضب، لأن أمراً كهذا لا يجب أن يحصل بين حلفاء». وصوّب لو دريان مباشرة على الرئيس الأميركي جو بايدن بقوله إن «هذا القرار أحادي الجانب، الفظّ، وغير المتوقع، يذكّرنا بما كان يقوم به السيد ترمب»، في إشارة إلى سياسة الرئيس الأميركي السابق الذي لم يكن يأخذ بعين الاعتبار مواقف ومصالح شركاء أميركا وحلفائها من الأوروبيين.
وما يزيد من قلق باريس أن ما تعتبره «فضيحة» دبلوماسية وسياسية واقتصادية يأتي بعد مأساة الانسحاب الفوضوي والكارثي من أفغانستان، الذي أمر به بايدن، ولم يستجب لنداءات الأوروبيين الذين طالبوه بتأخير إنهاء عمليات الإجلاء لما بعد نهاية أغسطس (آب)، وهو ما رفضه بشكل قطعي.

- شراكة أمنية تاريخية
لم يأتِ القرار الأسترالي من فراغ، بل جاء نتيجة توافق المثلث الأميركي - البريطاني - الأسترالي، لإقامة «شراكة أمنية» تاريخية، هدفها غير المعلن هو «احتواء» ما تعتبره الدول الثلاث «تمدداً» صينياً في منطقة استراتيجية متواصلة ما بين المحيطين الهندي والهادي. وليس سراً أن بايدن يسعى لإقامة تحالفات إقليمية مع بلاده، أحدها «الشراكة المثلثة»، ورافدها الثاني مشروع التحالف الرباعي الذي يضم الولايات المتحدة والهند وأستراليا وكوريا الجنوبية، والمسمى «كواد». ومن المرتقب أن يستضيف بايدن قمة تجمع الزعماء الأربعة في 24 من الشهر الحالي، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وصدر بيان مشترك وبالغ التشدد عن وزارتي الخارجية والدفاع الفرنسيتين، أمس، جاء فيه أن قرار فسخ العقد «مخالف لروحية ونصوص التعاون بين فرنسا وأستراليا القائمة على علاقة موسومة بالثقة سياسياً، وعلى تطوير قاعدة صناعية وتكنولوجية عالية المستوى على الصعيد الدفاعي». ويضيف البيان أن الخيار الأميركي الذي يقود إلى «إبعاد شريك وحليف أوروبي كفرنسا من شراكة تأسيسية مع أستراليا، في الوقت الذي نواجه فيه تحديات غير مسبوقة في المنطقة... يعكس غياب الانسجام، وهو الأمر الذي تسجله فرنسا وتأسف له». ويشدد البيان على عزم فرنسا على الاستمرار في «العمل الطموح» الهادف إلى المحافظة على سيادة كل طرف، مؤكداً على أن باريس «شريك يمكن الوثوق به ومستمر في تنفيذ التزاماته في المستقبل وكما كان دائماً».
والخلاصة التي يتوصل إليها الوزيران هي أن قرار أستراليا «المؤسف» سيكون من نتائجه «تعزيز ضرورة التوصل إلى الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية التي هي الخيار الوحيد للدفاع عن مصلحنا وقيمنا في العالم، بما في ذلك في المنطقة المعنية».
وفي السياق عينه، أعلنت مجموعة «نافال غروب» المصنعة للغواصات أنها «أخذت علماً» بالقرار الأسترالي بتفضيل الحصول على غواصات تعمل بالطاقة النووية، بالتعاون مع الولايات المتحدة وبريطانيا، الأمر الذي «يشكل خيبة كبرى للمجموعة». ويشير بيان المجموعة إلى أنها كانت ستوفر للزبون الأسترالي «غواصة تقليدية متفوقة على المستوى الإقليمي مع كفاءات استثنائية»، إضافة إلى أن «نافال غروب» كانت ستوفر لأستراليا السيادة «الصناعية» بفضل نقل التكنولوجيا والمعارف وإيجاد فرص عمل محلية. أما بخصوص التبعات المالية المترتبة على فسخ العقد، فيشير البيان إلى أنها ستكون موضع درس «في الأيام المقبلة». وتقدر هذه التبعات بنحو 250 مليون يورو.

- بوادر أزمة دبلوماسية
بالطبع، سعى سكوت موريسون، رئيس الوزراء الأسترالي، إلى تبرير قراره، بتأكيد أن بلاده «لم تغير رأيها، بل إن ما تغير هو حاجاتها»، مضيفاً أن القرار المذكور كان «صعباً ويشكل خيبة لفرنسا». وتشير مصادر عسكرية إلى أن خيار الغواصات النووية سيوفر للبحرية الأسترالية تقنيات أميركية لم تحصل على مثلها سوى بريطانيا، وأن الغواصات ذات الدفع النووي قادرة على ممارسة الرقابة لمسافات بعيدة حتى بحر الصين ومقابل جزيرة تايوان.
أما الرئيس بايدن، فقد اكتفى بالقول إن لفرنسا «حضوراً مهماً في المنطقة، كما أنها شريك وحليف رئيسي»، من غير الإشارة إلى خيبة باريس التي تؤكد مصادر فرنسية أنها ستثير «أزمة دبلوماسيةّ» بين واشنطن وباريس. بل إن صحيفة «لو موند» المستقلة شبّهتها بالأزمة التي نشأت بين الطرفين عام 2003. عندما عارضت فرنسا غزو العراق. ولا شك أن الشراكة الأمنية الثلاثية، من شأنها تهميش الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً فرنسا التي لها الحضور الأكبر على المستوى الأوروبي بشرياً وعسكرياً في المنطقة. وكان من المتوقع أن يشير الرئيس ماكرون إلى هذه المسألة لدى استقباله المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في لقائهما ليلاً في قصر الإليزيه. ومما لا شك فيه أن «الضربة» الأميركية ستدفع باريس، أكثر فأكثر إلى الترويج لما تسميه «الاستقلالية الاستراتيجية»؛ حيث ترى أن سياسة بايدن كما ظهرت في الملف الأفغاني أو في ملف الغواصات هي «أميركا أولاً» وأن وعود سيد البيت الأبيض لا تتطابق دوماً مع ما يحصل ميدانياً.



قضايا توقيف الصحافيين: بين فبركة تهم التجسس وحالات الاختراق الفعلي

عندما تتحوّل البطاقة الصحافية إلى ورقة تفاوض... قضايا التوقيف الدولية تفتح ملفات الابتزاز السياسي والاختراق الاستخباري (بيكسلز)
عندما تتحوّل البطاقة الصحافية إلى ورقة تفاوض... قضايا التوقيف الدولية تفتح ملفات الابتزاز السياسي والاختراق الاستخباري (بيكسلز)
TT

قضايا توقيف الصحافيين: بين فبركة تهم التجسس وحالات الاختراق الفعلي

عندما تتحوّل البطاقة الصحافية إلى ورقة تفاوض... قضايا التوقيف الدولية تفتح ملفات الابتزاز السياسي والاختراق الاستخباري (بيكسلز)
عندما تتحوّل البطاقة الصحافية إلى ورقة تفاوض... قضايا التوقيف الدولية تفتح ملفات الابتزاز السياسي والاختراق الاستخباري (بيكسلز)

أعاد توقيف الصحافي الياباني يوكي إيماي، الثلاثاء، في روسيا، فتح ملف قديم تتداخل فيه حرية الصحافة وأجهزة الاستخبارات والمساومات بين الدول. فبين اتهام مراسلين كيداً لتوظيفهم كأوراق ضغط، وثبوت عمل آخرين لصالح أجهزة استخبارات، تتحول هذه القضايا إلى ساحة تتداخل فيها عمليات الابتزاز السياسي للصحافيين المهنيين، مع حالات التجسس الفعلي تحت غطاء الإعلام.

واعتُقل إيماي، مراسل «هوكايدو شيمبون»، في سخالين، واتهمته السلطات الروسية بالتجسس، بحسب صحيفة «الغارديان» البريطانية. ولا تثبت المعلومات المتاحة حتى الآن ارتباط قضيته بصفقة. غير أن توقيفه يستدعي سوابق خرج فيها صحافيون من السجون عبر مبادلات، إلى جانب حالات أخرى ثبت فيها تعاون أشخاص عملوا بالإعلام مع الاستخبارات.

قضية غيرشكوفيتش: صحافيون على طاولة المساومات الدولية

تُقدّم قضية الأميركي إيفان غيرشكوفيتش نموذجاً واضحاً لانتقال ملف صحافي إلى طاولة التفاوض. أُوقف مراسل «وول ستريت جورنال» في روسيا في مارس (آذار) 2023، واتُّهم بالتجسس لصالح «وكالة الاستخبارات المركزية» الأميركية (سي آي إيه) لجمع معلومات عن شركة أسلحة روسية، وهو اتهام نفاه الصحافي وصحيفته والحكومة الأميركية. وفي يوليو (تموز) 2024، صدر بحقه حكم بالسجن 16 عاماً.

وبحسب إذاعة «أوروبا الحرة/راديو ليبرتي»، أُطلق سراح غيرشكوفيتش في الأول من أغسطس (آب) 2024، ضمن مبادلة شملت أيضاً صحافيتها الروسية - الأميركية ألسو كورماشيفا، التي كانت قد حُكم عليها بالسجن ست سنوات ونصف سنة بتهمة نشر معلومات «كاذبة» عن الجيش الروسي.

وكان بين العائدين إلى روسيا فاديم كراسيكوف، الذي وصفته السلطات التركية بأنه عقيد في جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، وكان يقضي حكماً بالسجن المؤبد في ألمانيا لإدانته بقتل القائد الشيشاني السابق زليمخان خانغوشفيلي في برلين عام 2019.

وجاء الإفراج عبر مفاوضات حصلت موسكو بموجبها على أشخاص أرادت استعادتهم، وهو ما يجعل قضية غيرشكوفيتش مرجعاً أساسياً في نقاش استخدام المحتجزين للضغط السياسي، والخيارات الصعبة التي تواجه الحكومات الساعية إلى تحريرهم.

غونزاليس: من الاحتجاز في بولندا إلى الاستقبال في روسيا

في الصفقة نفسها، عاد إلى روسيا بابلو غونزاليس، المعروف أيضاً باسم بافيل روبتسوف، بعدما احتجزته بولندا في فبراير (شباط) 2022 للاشتباه في تجسسه لحساب موسكو. وكان يعمل صحافياً لوسائل إعلام إسبانية، بينها صحيفة «بوبليكو» وقناة «لا سيكستا».

وتناولت «الغارديان» قضيته في تحقيق عن الشبهات المحيطة بعلاقاته بالاستخبارات العسكرية الروسية، واستقبال فلاديمير بوتين له عند عودته. لكن هذه القرائن لا تقوم مقام حكم قضائي، وغونزاليس يرفض اتهامات التجسس.

مطرقة القضاء في لحظة النطق بالحكم... حكم فيدرالي أميركي قضى بسجن توماس باوكن سنتين بعد إقراره بالعمل لصالح بكين تحت غطاء إعلامي (بيكسلز)

باوكن: العمل لحساب الحكومة الصينية

أقرّ الأميركي توماس باوكن الثاني، في يونيو (حزيران) 2026، بالعمل لحساب حكومة أجنبية داخل الولايات المتحدة، وصدر بحقه في الأول من سبتمبر (أيلول) حكم بالسجن سنتين، وفق وزارة العدل الأميركية. وكان باوكن قد عمل صحافياً لدى وسائل إعلام حكومية صينية، بحسب مجلة «بيبول» الأميركية.

وبحسب وثائق القضية التي عرضتها وزارة العدل، عمل باوكن بتوجيه أشخاص يعلم ارتباطهم بالحكومة الصينية، وسهّل اتصالات مع مصادر محتملة، وزوّدها بأجهزة للتواصل، ونقل تقارير إلى امرأة كانت تتولى توجيه نشاطه، لقاء مبالغ بلغت مائة ألف دولار على الأقل.

صفقة أميركية إيرانية تنهي احتجاز رضائيان

وفي إيران، يقدّم جيسون رضائيان، مراسل صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، مثالاً آخر على ارتباط مصير الصحافي بالتفاوض بين الدول. فقد اعتُقل في يوليو 2014، وواجه اتهامات شملت التجسس والتعاون مع حكومات معادية، وخضع لمحاكمة مغلقة.

وتوثق «لجنة حماية الصحافيين» - وهي منظمة مستقلة مقرها نيويورك تدافع عن حرية الصحافة حول العالم - قول محاميته إن ملف القضية لم يتضمن أدلة تبرر الاتهامات، وتم الإفراج عنه في يناير (كانون الثاني) 2016 ضمن اتفاق لتبادل السجناء بين واشنطن وطهران.

الصحافي جيسون رضائيان بعد الإفراج عنه من السجون الإيرانية في يناير 2016 (أ.ب)

فبركة تهم التجسس في إطار الحرب الباردة

تعود سوابق توقيف الصحافيين بتهم التجسس بشكل خاص إلى الحرب الباردة. ففي تشيكوسلوفاكيا، اعتُقل ويليام أوتيس، رئيس مكتب وكالة «أسوشييتد برس» في براغ، في أبريل (نيسان) 1951، وحُكم عليه بالسجن عشر سنوات. وبحسب تقرير نشرته الوكالة عام 2012، تعرّض أوتيس للعزل والحرمان من النوم والطعام لإجباره على الاعتراف، فيما كانت شهادات المحاكمة ونتيجتها معدّة سلفاً.

وأثار اعتقاله أزمة مع واشنطن، التي فرضت قيوداً تجارية وعلى السفر ضد تشيكوسلوفاكيا. وبعد ضغوط دبلوماسية واقتصادية، صدر عفو عنه في مايو (أيار) 1953، فعاد إلى الولايات المتحدة واستأنف عمله لدى الوكالة في تغطية الأمم المتحدة.

وفي موسكو عام 1986، اعتُقل نيكولاس دانيلوف، مراسل مجلة «يو إس نيوز آند وورلد ريبورت»، بعدما سلّمه أحد مصادره الصحافية، الذي كان يعرفه منذ سنوات، حزمة تبيّن أنها تحتوي على خرائط وصور عسكرية تحمل تصنيفاً سرياً. وجاء توقيفه عقب اعتقال عميل سوفياتي في نيويورك، وانتهت الأزمة بترتيبات أفضت إلى الإفراج عن الرجلين وعودتهما إلى بلديهما.

الاستخبارات تحت غطاء الصحافة

جمع البريطاني كيم فيلبي بين العمل الصحافي والنشاط الاستخباري؛ إذ عمل في جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني «إم آي 6»، ونقل معلومات إلى الاتحاد السوفياتي. وخلال إقامته في بيروت، عمل مراسلاً لـ«الأوبزرفر» و«الإيكونوميست» البريطانيتين. وتوثّق ملفات الأرشيف الوطني البريطاني مواجهته بأدلة عمالته في يناير (كانون الثاني) 1963، وتقديمه اعترافاً جزئياً، قبل فراره إلى موسكو في العام نفسه، بحسب الأرشيف الوطني البريطاني.

الدبلوماسي والصحافي البريطاني السابق كيم فيلبي خلال مؤتمر صحافي في منزل والديه بلندن - نوفمبر 1955 (أ.ب)

وفي ديسمبر (كانون الأول) 1968، نشرت صحيفة «إزفيستيا» السوفياتية وثائق قالت إنها تكشف عن صلات صحافيين ومحررين بريطانيين بـ«إم آي 6»، وهي اتهامات قوبلت بالنفي آنذاك. وبعد عقود، أعاد تحقيق أعدّه الكاتب جيريمي دانز لـ«بي بي سي»، ونُشر عام 2013، فحص تلك الوثائق، ونقل عن مؤرخين وصحافيين سابقين تأكيدهم صحتها. وأقرّ المؤرخ أليستير هورن للبرنامج بأنه أدار ثلاثة عملاء لحساب الاستخبارات البريطانية في أثناء عمله مراسلاً لـ«ديلي تلغراف» في ألمانيا خلال الخمسينات. ورجّح الباحث في تاريخ الاستخبارات ستيفن دوريل أن يكون العميل المزدوج جورج بليك قد نقل الوثائق إلى السوفيات.

وفي الولايات المتحدة، عمل الكاتب والصحافي ويتاكر تشامبرز ضمن شبكة تجسس سوفياتية خلال الثلاثينات، ثم انفصل عنها عام 1938. وفي العام التالي، التحق بمجلة «تايم» الأميركية، حيث تولّى لاحقاً منصب محرر بارز، وفق السيرة المنشورة على الموقع المخصص له.

بين تهم التجسس المفبركة وحالات الاختراق الفعلي

تؤكد الشواهد التاريخية أن العلاقة بين عالم الصحافة وأروقة الاستخبارات تظل واحدة من أكثر ملفات العلاقات الدولية تعقيداً وحساسية. فمن جهة، يدفع صحافيون مهنيون أثماناً باهظة نتيجة تهم تجسس باطلة تُفبركها بعض الأنظمة لتوظيفهم كرهائن استراتيجيين وأوراق ضغط على طاولة المفاوضات والمبادلات السياسية. ومن جهة أخرى، تثبت الشواهد التاريخية والأحكام القضائية أن أجهزة مخابرات استخدمت بالفعل، في حالات معيّنة، غطاء الصحافة وبطاقاتها لتمرير أنشطة سرية. وبين فبركة الاتهامات بغرض الابتزاز السياسي وحالات العمالة الفعلية، تظل قضايا توقيف الصحافيين ملفات معقّدة تتداخل فيها حسابات الأمن القومي مع تكتيكات الدبلوماسية الدولية.


بيل غيتس: الهجمات الإلكترونية المدعّمة بالذكاء الاصطناعي أخطر تهديد وشيك

بيل غيتس (د.ب.أ)
بيل غيتس (د.ب.أ)
TT

بيل غيتس: الهجمات الإلكترونية المدعّمة بالذكاء الاصطناعي أخطر تهديد وشيك

بيل غيتس (د.ب.أ)
بيل غيتس (د.ب.أ)

حذّر المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، بيل غيتس، اليوم الأحد، من أن الذكاء الاصطناعي غير المنظم يشكل تهديداً متزايداً، متوقعاً تصاعد الهجمات الإلكترونية المدعومة بالذكاء الاصطناعي خلال العام المقبل.

وقال الملياردير الأميركي إن خطر خروج الذكاء الاصطناعي «عن السيطرة» لا يزال أمراً يلوح في أفق سنوات مقبلة، مؤكداً أن مصدر القلق الفوري يتمثل في «الأشخاص السيئين» الذين يستخدمون الأنظمة الحالية من دون ضوابط أو إجراءات حماية.

وقال غيتس في مقابلة مع شبكة «إيه بي سي نيوز» إن «الجبهة التي سنشهد على الأرجح تأثيرها الأكبر خلال العام المقبل هي الهجمات الإلكترونية».

وقال: «الخطر الحقيقي في الوقت الراهن لا يتمثل في خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة. صحيح أننا بحاجة إلى العمل على هذه المسألة، لكن تأثيرها الكبير المحتمل لا يزال على بُعد سنوات».

وأضاف: «إن المشكلة الحقيقية تتمثل في استخدام أشخاص سيئي النية للذكاء الاصطناعي، ولا سيما عندما يكون بالإمكان إزالة جميع الضوابط وإجراءات الحماية المدمجة فيه».

وقال أيضاً: «لكن في الوقت الراهن، يُسمح بإزالة جميع هذه الضوابط وإجراءات الحماية. وعندما يجتمع أشخاص سيئو النية، ومن دون أي ضمانات، مع أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي، فهنا تحديداً سنواجه، خلال العام المقبل، الكثير من المفاجآت السلبية، لا سيما في مجال الهجمات الإلكترونية».

وينضم غيتس بذلك إلى رواد آخرين في قطاع التكنولوجيا يدقّون ناقوس الخطر بشأن التهديدات التي تطرحها تقنيات الذكاء الاصطناعي، وكان قد حذّر في تدوينة مطوّلة نشرها في أغسطس (آب) من أن العالم غير مستعد بشكل خطير للاضطرابات التي قد يُحدثها الذكاء الاصطناعي، لا سيما في سوق العمل.

وفي مقابلته، رفض فكرة أن التنظيم الذاتي من جانب شركات الذكاء الاصطناعي هو أمر كافٍ للحفاظ على سلامة العالم، وهي الفكرة التي يدافع عنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وقال غيتس إن «فكرة أن التكنولوجيا الأكثر خطورة التي ابتكرها البشر على الإطلاق يمكن ضبطها من خلال التنظيم الذاتي فقط، وأن الشركات نفسها هي الجهة الوحيدة التي تراقبها نيابة عن المجتمع... تعكس أننا لا نبذل ما يكفي من الجهد».


ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
TT

ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)

كشف «الكرملين» أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزوجته ميلانيا، قدما التهنئة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعيد ميلاده، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وتمنى ترمب لبوتين النجاح والرفاهية خلال اتصال هاتفي يوم الجمعة، كما حرص على نقل تحيات زوجته ميلانيا. وأعرب بوتين عن شكره لترمب على التهنئة، وفقاً لما نقلته وكالة أنباء «تاس» عن مستشار الرئاسة الروسية للشؤون الخارجية، يوري أوشاكوف.

وصرح أوشاكوف بأن الاتصال - الذي يعد السادس بين الرئيسين هذا العام وفقاً لـ«الكرملين» - قد سار بشكل جيد، مشيراً إلى أن كلاً من بوتين وترمب لم يكن يرغب في أن يكون البادئ بإنهاء المكالمة.

وبعد اتصاله الأخير مع بوتين، أعلن ترمب عن اتفاق سيتم بموجبه توفير أكثر من 300 ألف طن من الديزل على الفور للولايات المتحدة والسوق العالمية.

وقال أوشاكوف إن بوتين وترمب ناقشا أيضاً الحرب في أوكرانيا. وأوضح بوتين أن موقف روسيا بشأن أهداف ما تسميه موسكو «عمليتها العسكرية الخاصة»، لم يتغير.

وأضاف أن بوتين أعرب عن تقديره لتركيز ترمب وفريقه على الحوار مع روسيا. وربما يجتمع الرئيسان في قمة منظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) بالصين في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني)، على الرغم من أنه لم يتم الاتفاق على موعد بعد.

يذكر أنه في يوم الأربعاء، الذي كان يوافق عيد ميلاد بوتين الـ74، شنت روسيا هجمات قوية بشكل خاص على أوكرانيا، مما أسفر عن مقتل 25 شخصاً على الأقل، وفقاً للسلطات الأوكرانية.

بوتين يقلل من أهمية استئناف المحادثات مع أوكرانيا

كما قال «الكرملين» إن بوتين أبلغ ترمب أمس (الجمعة)، بأن كييف قوضت إمكانية الاستئناف ​الفوري لمحادثات السلام الثلاثية بشأن أوكرانيا، بعد أن شنت هجمات بطائرات مسيرة على موسكو خلال الانتخابات التي جرت الشهر الماضي، وفقاً لوكالة «رويترز».

وحاول ترمب حتى الآن، دون جدوى، التوسط للتوصل إلى اتفاق سلام لإنهاء الحرب في أوكرانيا، التي اندلعت مع الغزو الروسي للبلاد في فبراير (شباط) 2022.

وقال وزير ‌الخارجية الأميركي ‌ماركو روبيو، يوم الخميس، إن ​الحرب الروسية ‌في ⁠أوكرانيا ​وصلت إلى ⁠مأزق خطير، وإن الولايات المتحدة ستواصل العمل من أجل التوصل إلى تسوية لإنهاء الصراع.

وذكر بوتين أن موسكو كانت مستعدة لاستئناف المفاوضات مع كييف بعد الانتخابات البرلمانية الروسية التي جرت الشهر الماضي، لكن أوكرانيا شنت هجمات على موسكو واستهدفت ⁠مراكز التصويت، مضيفاً أن ذلك عرّض عملية ‌السلام للخطر.

وأفاد ‌أوشاكوف ​تعليقاً على الاتصال الهاتفي مع ‌ترمب: «من خلال شن هجوم واسع النطاق بالطائرات المسيرة ‌على موسكو ومدن أخرى ومراكز التصويت، فضلاً عن استهداف أفراد معينين شاركوا في تنظيم الانتخابات، في يوم الانتخابات الرئيسي، أدى النظام في كييف فعلياً إلى تعطيل ‌إمكانية الاستئناف الفوري لعملية التفاوض».

وأضاف: «والآن، كما قال الرئيس، سننظر في موعد استئناف ⁠تلك المفاوضات»، ⁠في إشارة إلى المفاوضات الثلاثية التي تضم الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا».

وكان ترمب قد ذكر أمس (الجمعة)، بعد الاتصال مع بوتين، أن روسيا وافقت على توريد الديزل فوراً إلى الأسواق الأميركية والعالمية، في محاولة لخفض أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية الشهر ​المقبل، على الرغم ​من أن المحللين قالوا إن الكميات لن تؤدي على الأرجح إلى انخفاض كبير في الأسعار.