حافظ الأسد هدّد بعمل عسكري رداً على تقارب الملك حسين وعرفات

«الحقيقة بيضاء»... مذكرات طاهر المصري توثق العلاقة الأردنية ـ الفلسطينية (1)

الملك حسين مستقبلاً حافظ الأسد... والمصري يصافح الضيف
الملك حسين مستقبلاً حافظ الأسد... والمصري يصافح الضيف
TT

حافظ الأسد هدّد بعمل عسكري رداً على تقارب الملك حسين وعرفات

الملك حسين مستقبلاً حافظ الأسد... والمصري يصافح الضيف
الملك حسين مستقبلاً حافظ الأسد... والمصري يصافح الضيف

تنشر «الشرق الأوسط» حلقات من مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق طاهر المصري، التي اختار لها عنوان «الحقيقة بيضاء»، كاشفاً عن معلومات وحقائق لمحطات من تاريخ الأردن السياسي، بعد تعاقبه على مناصب مختلفة منذ عام 1973، واشتباكه مع مركز القرار في عمر مبكر، وعلى مدى سنوات طويلة.
المصري، وهو أردني من أصول فلسطينية، عُرف عنه تمسكه بهوية وطنية جامعة، وشكّل جسراً في العلاقة بين البلدين، واستثمر الراحل الملك حسين فيه منذ اختياره وزيراً في 1973، ثم سفيراً في عواصم القرار، ثم وزيراً للخارجية في عقد الثمانينات من القرن الماضي، ثم نائباً في البرلمان عام 1989. ثم رئيساً للوزراء في 1991. ورئيساً لمجلس النواب في 1993. مختتماً سلسلة رئاساته رئيساً لمجلس الأعيان في 2009.
ويستعرض المصري في كتابه سلسلة من فصول حياته الشخصية والسياسية، مفرداً مساحات واسعة لحقائق يكشف عنها للمرة الأولى، ضمن كواليس صناعة القرار في المملكة بين عهدي الراحل الملك حسين والملك عبد الله الثاني، وسط سجالات في الأوساط النخبوية، طالت المصري في أكثر من مناسبة، مجتهداً في الدفاع عن نفسه، وتوضيح مواقفه من قضايا وطنية كانت مثار جدل على الساحة المحلية.
واختارت «الشرق الأوسط» مقتطفات من كتاب «الحقيقة بيضاء» الذي تناول بشرح مفصل فرصة إعادة بناء العلاقة بين الراحل الملك حسين، ومنظمة التحرير الفلسطينية ورئيسها ياسر عرفات في 1984. ومساعي صياغة اتفاق أردني - فلسطيني، بدعم عربي، يمهد للدعوة إلى عقد مؤتمر دولي للسلام، إذ وضع المصري لتلك الفترة التي كان فيها وزيراً للخارجية، الإطار التاريخي للاتفاق، وفشله لأسباب ارتبطت بخلافات داخل المنظمة، وصولاً إلى القرار الأردني بفكّ الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية، بعد قمة الجزائر في 1988، وهو القرار الذي عارضه المصري، محذراً من المساس بعمق الوحدة بين الشعبين الشقيقين.
في «الحقيقة بيضاء»، قدّم المصري عرضاً تفصيلياً للحظات اختياره رئيساً للحكومة التي استكملت مراحل التحول الديمقراطي عام 1989. لينجز ملفات شائكة في عمر حكومته القصير خلال 6 أشهر، قدّم بعدها استقالته، مؤثراً رحيل حكومته على خيار الراحل الملك حسين بحلّ مجلس النواب، بعد خلافات شهدتها المرحلة، على خلفية قرار المشاركة في مؤتمر مدريد للسلام.
مذكرات المصري التي جاءت في جزأين، توضح مواقف التبست قراءتها على المراقبين والسياسيين، كاشفاً عن حكايا عاشها في أروقة القصر بين عهدي ملكين، مسترجعاً سلسلة محاضر لجلسات كان قد دوّنها بخط يده، معلناً موعد نشرها. وفيما يلي نص الحلقة الأولى...
عندما تم تكليف أحمد عبيدات تشكيل الحكومة في شهر يناير (كانون الثاني) 1984، لتخلف حكومة مضر بدران، كانت رؤية الملك حسين المرنة سياسياً والبعيدة المدى، تتحين الفرص لتحسين وضع البلاد والتحضير للتحديات التي تفرضها الظروف الإقليمية.
وأشير هنا إلى أن رؤية الملك ترتكز على أن الأردن وفلسطين هما البلدان المعنيان بحل القضية الفلسطينية أكثر من غيرهما، وإذا ما تم التناغم أو التنسيق أو الاتفاق بينهما، فذلك سيسهل توحيد موقف عربي تجاه المفاوضات، عبر استقطاب دول كمصر والمغرب ودول الخليج، يهمّها وضع المنظمة وقوتها وعدم استثنائها، ما يشجعها على تحقيق الانسجام بين منظمة التحرير وياسر عرفات من جهة، والأردن من جهة ثانية.
في تلك الفترة، كان انعقاد مؤتمر المجلس الوطني الفلسطيني السابع عشر في عمان خطوة أولى وتمهيدية لما سيجري فيما بعد، وأظن أن أحمد عبيدات (رئيس الوزراء) لم يرَ ذلك الجانب المهم من تلك الصورة.
فقد كان خروج منظمة التحرير من بيروت سنة 1982 ذا أهمية قصوى بالنسبة إلى الأردن، ولا سيما مع «تشرد» رئيس منظمة التحرير ياسر عرفات بين العواصم العربية، وولّد عدم استقراره مرارة عند القيادة الفلسطينية، وأثّر على معنويات الفلسطينيين؛ خصوصاً أن الموقف السوري كان مع طرده من لبنان.
رأى الملك حسين أن الفرصة مناسبة في تلك المرحلة ليرمي خشبة النجاة من الغرق إلى ياسر عرفات الذي كان بحاجة ماسة إلى عقد المجلس الوطني الفلسطيني من أجل لملمة شؤون المنظمة، وتأكيد شرعيته ووجوده على الساحة السياسية والوطنية الفلسطينية مرة أخرى.
ولم يجد عرفات أي عاصمة عربية تقبل بعقد هذا المؤتمر على أراضيها، حتى إن دول الصمود والتصدي اعتذرت عن عدم استضافته. حينها تدخل الملك حسين عارضاً عليه استضافة الأردن اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني السابع عشر في عمّان.
وافق عرفات من دون تردد، وبدأت الترتيبات لعقده، ما أغضب سوريا غضباً شديداً، وحاول حافظ الأسد منع انعقاده بالوعيد والتهديد تارة، وبالترغيب طوراً، لكن محاولاته لم تستطع ثني الملك أو عرفات عن هذا الأمر.
عُقد المؤتمر في عمان في الفترة الممتدة من 22 إلى 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1984، وحضر الملك جلسة الافتتاح.
بالتزامن، كانت سوريا تحشد قواتها البرية على الحدود الشمالية الأردنية، مهددة بعمل عسكري ضد الأردن.
إلا أن الأمور سارت بشكل طبيعي. وارتاح عرفات كثيراً، وانتخبت لجنة تنفيذية جديدة، وتم انتخاب فهد القواسمي الذي كان يشغل منصب رئيس بلدية الخليل، عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بعد اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني، وأصبح مديراً لشؤون الأرض المحتلة، وهو محسوب على تيار الاعتدال وقريب من الأردن، وكان من الفريق السياسي الراغب في الانفتاح بين المنظمة وعمّان.
وبعد يوم من تعيينه، اغتيل أمام منزله في عمان يوم السبت، 29 ديسمبر (كانون الأول) 1984، أي في اليوم الذي انتهت فيه أعمال المجلس الوطني الفلسطيني في عمّان.
ولم يعارض أحمد عبيدات انعقاد المؤتمر ولم يوقفه، مع أنه لم يكن متحمساً له. وأظن أن السبب هو عدم رغبته بعودة منظمة التحرير إلى الأردن بأي شكل من الأشكال؛ خصوصاً بعد خروجها من لبنان، وفي ضوء الموقف السوري تجاهها، إذ لم يكن راغباً بإغضاب سوريا إلى هذا الحد.
إلا أن الملك حسين كان يخطط لتوظيف هذا الضعف الظاهر في وضع المنظمة، وفي وضع ياسر عرفات شخصياً، ليبدأ التحضير للمؤتمر الدولي الذي كان يدعو إليه لحل القضية الفلسطينية.
وكان يسعى إلى تأمين توافق عربي - فلسطيني برعاية دولية لتحقيق هدفه، إلا أن العقدة كانت في موقف المنظمة الرافض قرار مجلس الأمن 242، والعودة عن هذا الرفض كانت تشكل شرطاً لاعتراف الدول الغربية بمنظمة التحرير، بما فيها الولايات المتحدة. وكان الملك يدرك استحالة تجاهل الحضور السياسي والدولي لمنظمة التحرير، ووجد أن الطريق الوحيد لإنهاء الفيتو الأميركي - الإسرائيلي على منظمة التحرير لن يحصل إلا إذا اعترفت بالقرار 242.
وكان الملك مقتنعاً باستحالة تحقيق طلبات منظمة التحرير كاملة، وطلبات الولايات المتحدة وإسرائيل كاملة، فقرر إقناع الطرفين بأن يسير كل منهما خطوة إلى الأمام باتجاه الآخر، حتى يلتقيا في نقطة وسطى.
في تلك المرحلة، أعدت على مسامع المسؤولين الفلسطينيين وعلى الملك حسين، ما ذكره لي الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان خلال عملي سفيراً في باريس، وهو أن منظمة التحرير تظن حقاً أن قبولها بقرار 242 هو نهاية الطريق، بينما هو بدايتها في الحقيقة.
وبدأ الملك حسين باتخاذ خطوات جديدة باتجاه اتفاق أردني - فلسطيني، كان مقتنعاً بأنه حجر الأساس للوصول إلى المؤتمر الدولي، واعتمد في خطواته هذه على مشروع الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود الداعي إلى تسوية القضية الفلسطينية، والذي أعلن عنه خلال قمة فاس الثانية.
وحرص الملك حسين على وضع السعودية في ضوء خطواته المتعلقة بالاتفاق أول فأول. وكان مروان القاسم يتولى الاتصال مع وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل، أي أن القصر تولى الأمور المتعلقة بهذا الاتفاق مباشرة، وكنت أعرف أن هذا الإجراء شأن ملكي يقوم به رئيس الديوان الملكي، وليس وزير الخارجية، وكانت لهذا الترتيب دلالات مهمة تتعلق بالحكومة.
كان هدف الملك حسين من وراء الحصول على الدعم السعودي الواضح والمعلن لهذا الاتفاق، تقوية الموقفين الأردني والفلسطيني على حد سواء، وليقوم الملك فهد بإقناع إدارة الرئيس رونالد ريغان بالاستراتيجية الأردنية الجديدة.
بعد انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني ونجاح الملك حسين في هذه الخطوة المهمة، بدأت تتبلور ملامح الاتفاق الأردني - الفلسطيني الذي تخللته خلافات ومباحثات عدة للتوصل إلى شكله النهائي، ووقّعه عرفات بالأحرف الأولى في 11 فبراير (شباط) 1985. مدعياً أنه يريد أخذ رأي القيادة الفلسطينية فيه، ثم غادر إلى الكويت. ولم يعد إلى عمّان.
كان نص الاتفاق، قبل تعديله، يتضمن 5 بنود، وينص على أنه:
«انطلاقاً من روح قرارات قمة فاس المتفق عليها عربياً وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بقضية فلسطين، وتماشياً مع الشرعية الدولية، وانطلاقاً من الفهم المشترك لبناء علاقة مميزة بين الشعبين الأردني والفلسطيني، اتفقت حكومة المملكة الأردنية الهاشمية ومنظمة التحرير الفلسطينية على السير معاً نحو تحقيق تسوية عادلة لقضية الشرق الأوسط ولإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية المحتلة، بما فيها القدس، وفق الأسس والمبادئ الآتية...
1 - الأرض مقابل السلام، كما ورد في قرارات الأمم المتحدة، بما فيها قرارات مجلس الأمن.
2 - حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني؛ يمارس الفلسطينيون حقهم الثابت في تقرير المصير، عندما يتمكن الأردنيون والفلسطينيون من تحقيق ذلك ضمن إطار الاتحاد الكونفدرالي العربي المنوي إنشاؤه بين دولتي الأردن وفلسطين.
3 - حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بحسب قرارات الأمم المتحدة.
4 - حل القضية الفلسطينية من جميع جوانبها.
5 - وعلى هذا الأساس، تجرى مفاوضات السلام في ظل مؤتمر دولي، تحضره الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وسائر أطراف النزاع، بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ضمن وفد مشترك (أردني - فلسطيني)».
تم التوافق في ذلك اليوم (11 فبراير 1985) على النص والمحتوى، وتم الاتصال بالأمير سعود الفيصل وإعلامه بما تم التوافق عليه. واستأذن أبو عمار الملك برغبته إطلاع أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير على الاتفاق والحصول على موافقتهم تجنباً لأي اعتراضات رافضة له.
وتسربت أنباء عن خلافات داخل القيادة الفلسطينية حول بعض الكلمات الواردة في النص. فقد كان ياسر عرفات ومحمود عباس (أبو مازن) مع الاتفاق، في حين كان فاروق القدومي ضده. وبعد توقيعه بأسابيع قليلة، أعلنت قيادات فلسطينية مؤثرة رفضها للاتفاق وللملك حسين، وطلب المعترضون عدم الموافقة على الاتفاق.
لذلك، أرسل عرفات 3 أشخاص من القيادة، هم صلاح خلف (أبو إياد)، ومحمود عباس، وعبد الرزاق اليحيى الذي كان ممثلاً للمنظمة في عمان، لمناقشة الاتفاق معنا، وتم تعديل بندين فيه.
وافق الملك على التعديل، وكان يقيم آنذاك في قصر الندوة، وذهبت أنا ومروان القاسم وعدنان أبو عودة إلى مكتب أحدهما في الديوان الملكي المجاور للقصر لاستكمال الأمر، وأضفنا كلمتين أو 3 كلمات على بنود الاتفاق لطمأنة المعارضين في منظمة التحرير.
كانت اعتراضات المنظمة وتساؤلاتها تتمحور حول طلبها تفسيرات على ما ورد في البندين الثاني والخامس في الاتفاق، وتم تسجيل التعديل كملحق بالاتفاق، وأرسل الملك حسين رسالة إلى ياسر عرفات، جاء فيها...
«أبعث لأخي بأطيب التحيات وصادق التمنيات، وأشير إلى كتابكم المؤرخ في 14 فبراير 1985، وبعد، فقد سعدت بعد ظهر هذا اليوم باستقبال الإخوة أبو إياد وأبو مازن وعبد الرزاق اليحيى؛ حيث أوضحوا لنا دوافع رسالتكم المشار إليها، وتمنوا علينا باسمكم أن يتم تفسير ما جاء في البندين الثاني والخامس من اتفاق 11 فبراير 1985 لورقة العمل الأردني - الفلسطيني المشترك، وبعد التداول في الأمر مع الإخوة، توصلنا إلى التفسيرين المرفقين للبندين المذكورين، ونثبت فيما يلي نص هذين التفسيرين، ضارعاً إلى الله تعالى أن يوفقنا في تحرير القدس الشريف وفلسطين العزيزة وإنقاذ أهلنا في الأرض المحتلة من براثن الاحتلال، والله يحفظكم ويرعاكم».
وجاء في ورقة التفسيرين المرفقة برسالة الملك، ما يلي: «توضيحاً للمادتين الثانية والخامسة من الاتفاق، وتفسيرنا لهما كالآتي؛ البند الثاني؛ حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني في دولة فلسطينية متحدة كونفدرالياً مع المملكة الأردنية الهاشمية.
البند الخامس، وعلى هذا الأساس تجري مفاوضات السلام في إطار مؤتمر دولي تحضره الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وسائر أطراف النزاع، بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وتشارك في هذا المؤتمر الأطراف العربية المعنية، ويكون من بينها وفد أردني - فلسطيني مشترك، يضم بالتساوي ممثلين عن حكومة المملكة الأردنية الهاشمية ومنظمة التحرير الفلسطينية». وحملت رسالة الملك إلى ياسر عرفات بتاريخ 4 مارس (آذار) 1985.
وتجدر الإشارة إلى أن زيارة «أبو إياد» إلى عمان كانت بغاية الأهمية بالنسبة إلينا، فهو الرجل الثاني في منظمة التحرير بعد ياسر عرفات، ويمسك بيده خيوطاً أمنية كثيرة ومتعددة، فضلاً عن كونه منافساً قوياً لعرفات، ولم يكن مشاركاً في مباحثات الاتفاق الأردني - الفلسطيني، وحضوره إلى عمان اكتسب قيمة استثنائية عكست حجم الخلاف الكبير داخل منظمة التحرير حول بنود الاتفاق.
ربما يكون عرفات «المراوغ» قد استثمر موقف بعض القيادات الفلسطينية ليخفف من عبء هذا الاتفاق عليه. ففي تقديري أنه قَبِل بإرسال الوفد، مراهناً على إبرامه نهائياً إذا تمت الموافقة على صيغة أو تعديل جديد، وإن لم تتم، وعاد الوفد خالي الوفاض، فيقرّ حينها بفشل الاتفاق.
كانت سوريا ضد الاتفاق في إطار موقف ما كان يسمى آنذاك «دول الصمود والتصدي»، وهاجمته بقوة وبشدة، وكانت تعتقد أنه ينقل «الورقة» الفلسطينية من اليد السورية إلى اليد الأردنية، وأن الأردن يريد «خطف» منظمة التحرير لتصبح مؤيدة لسياساته، وتسعى إلى إجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة وإسرائيل لتبتعد نهائياً عن دمشق، وربما يؤدي إلى إضعاف الموقف التفاوضي لسوريا إذا انفرد الأردن بالمنظمة.
كان إبراهيم عزّ الدين، السفير الأردني في واشنطن، وكان عبد الإله الخطيب الملحق في السفارة. وأظهر (وزير الخارجية الأميركي جورج) شولتز حفاوة كبيرة بي، وكان يريد مني الخروج بتصريحات أمام الصحافة الأميركية، مفادها أن الأردن يرفض الإرهاب، وكان يستهدف بذلك منظمة التحرير الفلسطينية.
ولم أتجاوب مع طلب شولتز في الإدلاء بأي تصريح يتضمن إدانة للإرهاب الذي تحدث عنه وقصده، لأني جئت إلى واشنطن لتسويق المنظمة وتحويلها إلى شريك، ولأن الأردن كان يتحدث عن إنهاء الاحتلال، لذا لم يكن من الوارد قبول مشروع جورج شولتز وإسحاق شامير القائم على منح الفلسطينيين في الضفة الغربية الحكم الذاتي الواسع الصلاحيات.
شرحت لجورج شولتز هدفنا من الاتفاق الأردني - الفلسطيني، وغايتنا منه إدراج منظمة التحرير والحكومة الأميركية شركاء في الوصول إلى عقد المؤتمر الدولي.
أثناء لقاءاتي في وزارة الخارجية الأميركية، تساءل بعض المسؤولين الأميركيين، ومنهم ريتشارد ميرفي، مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط، عن دواعي دعمهم الاتفاق وإشاعة أنه يلقى تأييداً واسعاً في الأردن، فيما هم يعلمون أن مسؤولين أردنيين في مناصب عليا يعارضونه ويتكلمون ضده.
كان ميرفي يقصد بكلامه أحمد عبيدات، وإلى حدّ أقل نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية سليمان عرار، وأجبته بأن هذه المعلومات غير دقيقة، وأشرت إلى محاولات تحسين الاتفاق، وشدّدت على أن الملك حسين هو صاحب القرار الأول والأخير، وكلنا متفقون على أهمية الاتفاق.
فهمت من ملاحظة ريتشارد ميرفي أنه يريد إضعاف مفهوم الاتفاق، مدعياً وجود معارضة أردنية له من قبل مسؤولين كبار في الدولة.
عدت إلى عمان بتاريخ 24 مارس 1985، وكان مقرراً أن أرافق الملك حسين والملكة نور في اليوم التالي، في زيارة رسمية إلى إسبانيا. في الطائرة، تحدثنا عن نتائج زيارتي إلى واشنطن، وأثنى الملك على جهودي، ولأن الظرف على متن الطائرة لا يسمح بذلك، لم أشرح له كل التفاصيل والانطباعات. وبعد وصولنا إلى مدريد، انفرد الملك بي في جناحه الخاص، وطلب مني عرضاً كاملاً لزيارتي، فوضعته في صورة كل ما حدث، وذكرت له أن مسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية شككوا في دعم كل الأردنيين للاتفاق، ونقلوا معارضة مسؤولين أردنيين كبار له. انزعج الملك من هذه الملاحظة الأميركية، وبالتأكيد كان يعرف من المقصود بذلك.
من جهتي، شعرت حينذاك أني أصبحت جزءاً من صناعة السياسة الخارجية الأردنية، وبدأت العلاقة الحقيقية بيني وبين الملك حسين. لم تكن واضحة لي ماهية تحفظات عبيدات على الاتفاق في حينه، وأقدر أنه كان يريد إنهاء التشابك بين الوضعين الأردني والفلسطيني، وأن يعطي لكل منهما طريقاً مستقلاً، كما أنه لم يكن يريد للأردن أن ينهمك في مسائل منظمة التحرير ومشكلاتها وصراعاتها الداخلية المختلفة والمعقدة. وأظن أن ذكريات سبتمبر (أيلول) 1970 (الاشتباكات بين المنظمة والجيش الأردني) كانت لا تزال حاضرة في ذهنه، فضلاً عن عدم اتعاظ قادة المنظمة مما حلّ بهم في الأردن عام 1970. وفي لبنان عام 1982.
وأظن أن عبيدات لم يكن يريد توسيع دائرة العلاقات بين المنظمة والأردن بشكل يعود فيه التنافس أو التناحر الأردني - الفلسطيني مجدداً؛ خصوصاً داخل المجتمع الأردني. فقد كانت فصائل فلسطينية مدعومة أو ممولة من دول عربية مجاورة، تعمل سراً في الأردن، كما كان كثير من سكان مخيمات اللاجئين في الأردن يوالون بعض الفصائل الفلسطينية في الخارج، وصولاً إلى منظمة التحرير الفلسطينية نفسها، وياسر عرفات بشخصه، بالإضافة إلى دول عربية أخرى.
على الصعيد الدولي، كان الاتحاد السوفياتي هو الآخر معارضاً لهذا الاتفاق. وكانت موسكو تظن أن الأردن يقوم باستغلال الظروف الفلسطينية الصعبة التي تلت خروج المنظمة من بيروت سنة 1982 وتداعياتها، لتشجيع ياسر عرفات على نقل البندقية من كتف الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية إلى الكتف الأميركية.
تحليل موسكو دفعها إلى إعلان الحرب على الاتفاق، فنقلت المعركة إلى داخل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير التي شهدت خلافات عاصفة بين مؤيدي الاتفاق وبين رافضيه والمعترضين عليه، ودفع فهد القواسمي حياته ثمناً لذلك.
لقد تولى الملك حسين ورجال القصر التعامل مع منظمة التحرير للوصول إلى الاتفاق الأردني - الفلسطيني، وكنت في تلك الأثناء مشاركاً في هذا الملف أكثر من أحمد عبيدات، إلا أني كنت أطلعه على التطورات، كوني الوحيد المشارك من مجلس الوزراء في مباحثات هذا الاتفاق.
بعد استقالة حكومة عبيدات، استكملنا واجبنا مع حكومة زيد الرفاعي في الترويج للاتفاق الأردني - الفلسطيني. وذهبنا بوفد أردني - فلسطيني مشترك إلى الجزائر، ثم روما، فباريس ولندن.
وكان الوفد الأردني في كل هذه العواصم مؤلفاً من عبد الوهاب المجالي رئيساً للوفد، كونه نائباً لرئيس الوزراء، وأنا كوني وزيراً للخارجية، بينما كان الوفد الفلسطيني يتراوح بين وليد الخالدي، وعبد الرزاق اليحيى، والمطران إيليا خوري، وجويد الغصين.
كانت الجزائر الوجهة الأولى للوفد. وكان الوفد يضم كلاً من عدنان أبو عودة وزير البلاط، وعبد الرزاق اليحيى، وجويد الغصين. والتقينا بالرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، وأذكر أنني عند عودتي نبّهت زيد الرفاعي إلى أن هذا الوفد سيُعتبر وفداً فلسطينياً، كوني أنا وعدنان أبو عودة من مواليد نابلس، فقرر زيد الرفاعي تغيير تشكيلة الوفد واستبدال أبو عودة بعبد الوهاب المجالي.
كان سبب اختيار الجزائر محطة أولى للوفد الأردني - الفلسطيني أنها إحدى دول ما كان يسمى آنذاك بـ«جبهة الصمود والتصدي»، إلى جانب سوريا ودول عربية أخرى. وكانت هذه الجبهة تعارض معارضة شديدة الاتفاق الأردني - الفلسطيني. وكما حصل في أوقات لاحقة عندما زرنا عواصم أخرى، فقد كان الهدف هو التأكيد لهذه العواصم على أن هذا الاتفاق لا يستهدف إضعاف منظمة التحرير أو إلغاء الهوية الفلسطينية، حتى التدخل في شؤون الفلسطينيين الداخلية، بقدر ما كان الهدف هو التمهيد لانعقاد المؤتمر الدولي للسلام ضمن الإطار الذي يدعو إليه الأردن ودول عربية أخرى، وكنا نريد أن تسير الولايات المتحدة خطوة واحدة باتجاه منظمة التحرير، فقد كانت واشنطن حتى ذلك الوقت لا تعترف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.
أما السبب الذي دفعنا إلى القيام بزيارة إيطاليا، وبعدها زيارة الفاتيكان، فهو للقاء الزعيم الإيطالي الاشتراكي بيتينو كراكسي الذي يتمتع بعلاقات جيدة ومؤثرة مع دول المغرب العربي ومع الاتحاد السوفياتي ودول المنظومة الاشتراكية ودول «محور الصمود والتصدي» العربية، وكان في ذلك الوقت مؤمناً جداً بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، على رغم العمليات التي كانت تنفذها بعض المنظمات الفلسطينية في أوروبا من اغتيالات وهجمات على المطارات. وقد وضعت السلطات الإيطالية حولنا حراسة مشددة خوفاً من تعرضنا لهجمات من بعض تلك المنظمات.
لقد حملتُ رسائل ملكية حول أهداف الاتفاق الأردني - الفلسطيني إلى دول الخليج العربي، وطلبتُ منهم دعمه وتفهم أسبابه، فذهبتُ إلى قطر والبحرين وعمان، واليمنين الجنوبي والشمالي، ودولة الإمارات.

الملك حسين اجتمع سراً مع بيريز في لندن وصاغا اتفاقية (الحلقة الثانية)
المصري: فك الارتباط مع الضفة حسم خروجي من الحكومة واعتبرته إهانة شخصية (الثالثة والأخيرة)



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.