«أرض محروقة» في درعا البلد

«الشرق الأوسط» ترصد عودة النازحين بموجب اتفاق رعته روسيا جنوب سوريا

سوريون يزيلون آثار القصف من شوارع درعا البلد (تجمع أحرار حوران)
سوريون يزيلون آثار القصف من شوارع درعا البلد (تجمع أحرار حوران)
TT

«أرض محروقة» في درعا البلد

سوريون يزيلون آثار القصف من شوارع درعا البلد (تجمع أحرار حوران)
سوريون يزيلون آثار القصف من شوارع درعا البلد (تجمع أحرار حوران)

بعض النازحين وجدوا بيوتهم مدمَّرة أو «أرضاً محروقة»، وآخرون وجدوها فارغة لدى عودتهم إلى درعا البلد، بموجب اتفاق رَعَتْه ونفّذته روسيا في جنوب سوريا. لكن الجميع فرحون بإنجازٍ رئيسي، وهو «البقاء» في مدينتهم بعيداً عن التهجير، فعادوا ينفضون الغبار والركام، ويصنعون الخبز حيث تعمّ رائحته في الشوارع ممزوجة مع رائحة البارود جراء القصف.
و«القصف الشديد لم يُبقِ شيئاً على حاله»، حسب قول «أبو جهاد» لـ«الشرق الأوسط». وأضاف: «انظر حولك. بيوت استوت على الأرض، ومناطق تغيرت ملامحها. بالأمس كنا نازحين ومقاتلين ومفاوضين واليوم نحن بناة للأرض. كلنا بدأنا بتنظيف المدينة والبيوت التي دمّروها». لكن «أبو جهاد» يقول: «سنعيد للمدينة جمالها وسنعيد للجامع العمريّ رمزيته، نحن نأسف لما حصل، فنحن شعب مسالم نريد العيش بكرامة من دون قبضة أمنية أو حكم عسكري ودفعنا ثمن ذلك في درعا البلد كثيراً. فُرض علينا الواقع الحالي ولا نعلم الأيام القادمة ماذا تحمل للمدينة بعد هذا الوجود العسكري الكثير الممثّل بتسعة نقاط محيطة بالمدينة».
- إنجاز البقاء
ويقول أحد أعضاء اللجنة المركزية في درعا لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي درعا «استطاعوا المحافظة على بقائهم في أرضهم وأفشلوا مشروع التغير الديموغرافي الذي كان يحاك لها، بصمود أبنائها بوجه قوات الفرقتين الرابعة والسادسة والميليشيات الإيرانية واللواء 16 وسط والقصف المستمر ومحاولات الاقتحام اليومية للأحياء المحاصرة لمدة 73 يوماً على التوالي». ويضيف أن «انسحاب الميليشيات الإيرانية صباح الخميس من محيط مدينة درعا البلد وحي طريق السد والمخيمات بعد حصار استمر 78 يوماً، وبقاء الأهالي في أرضهم هو أكبر انتصار للأهالي، وأن ما جرى في درعا البلد من مفاوضات وقرارات كانت محلية الصنع ولا تتبع لأي أجندة أو دولة أو حتى للمعارضة، أهالي درعا ليسوا دعاة حرب وسلاح ولكن فُرضت عليهم الآلة العسكرية والحصار وجلب الميليشيات الإيرانية إلى تخوم مناطقهم فدافعوا عن بقائهم وراح نتيجة ذلك 35 ضحية، وأبعدوا كل المخططات التي كانت تهدف إلى جرهم إلى استمرار التصعيد والحرب حتى إرغامهم على ترك الأرض والتهجير الجماعي».
في المقابل، أوضح الناشط رأفت أبازيد لـ«الشرق الأوسط»: «رافقت عودة الأهالي الكبيرة إلى مدينتهم درعا البلد مخاوف من وجود بعض قوات الفرقة الرابعة في طوق المدينة، والتي يجب أن تنسحب خلال أيام قليلة حسب الاتفاق الأخير بضمانة الجانب الروسي. أما بالنسبة للمخاوف من النقاط العسكرية التي نشرها النظام السوري في محيط درعا البلد فهي خالية من وجود الفرقة الرابعة، وعملها تفتيش السيارات والمارة بحثاً عن السلاح، وتعهد الضامن الروسي ووجهاء المنطقة واللجنة المركزية بألا تتعدى مهمة هذه النقاط التفتيش، وعدم القيام بأي حملات مداهمة أو اعتقال تحت طائلة المسؤولية، كما أنها بعيدة نسبياً عن المناطق الحيوية وتركز أغلبها في المناطق الجنوبية للمدينة المحاذية للأردن والخط الجمركي القديم مباشرة».
- رائحة الموت
ويشير إلى أن المدينة «أشبه بمدينة الأشباح، عندما تدخلها ترى ركام المنازل والتراب والأثاث كلها متناثرة في الشوارع والدمار ورائحة الموت في كل مكان، ولكن عزيمة الأهالي بدأت منذ أول ساعة عادت فيها للمدينة ففرحتهم ببقائهم في أرضهم وعدوتهم إلى مدينتهم لا تقارَن بأي ثمن، وبدأ أهالي المدينة للساعة الأولى من العودة بتنظيف المسجد العمري واجتمعوا دون نداء أو طلب، وتقاسموا كل شيء، وبدأت عمليات تنظيف البيوت وتجهيزها ضمن الإمكانيات التي بقيت للسكن، ومنهم من لم يجد بيته فسكن عند جاره، وآخر نصب خيمة فوق ركام منزله المدمَّر وسكنها، هذا يوضح مدى تمسك أهل المدينة بأرضهم رغم دمارها وخرابها».
وأشار «أبو محمد» أحد أعيان درعا البلد، إلى أن كل مقومات الحياة «معدومة في درعا البلد. لا مياه ولا كهرباء ولا حتى خبز منذ 75 يوماً حين بدأت الفرقة الرابعة والميليشيات الإيرانية حصار المدينة وحتى اليوم رغم الاتفاق وتطبيق شروطه التي تتضمن دخول المساعدات الإنسانية والخدمات، لكن النظام السوري فضّل إدخال الجيش وقواته ونشرها قبل دخول الخدمات للأهالي».
ويعتمد السكان في درعا البلد على توفير مياه الشرب من الآبار الزراعية الموجودة في محيطها ونقلها للمنازل بواسطة خزانات كبيرة ثم يتم توزيعها على البيوت، وذلك بجهود فردية وعلى نفقة الأهالي.
وبالنسبة إلى الكهرباء، فـ«هي أساساً معدمة في سوريا فكيف الحال بالنسبة لدرعا البلد منذ سنوات كانت المنطقة معاقَبة ولا تحصل على الكهرباء أكثر من ساعة أو ساعتين في اليوم، واليوم أصبحت معدمة بشكل كامل ويعتمد الأهالي على المولدات الكهربائية الخاصة وشراء وقودها من السوق السوداء بمبالغ باهظة، أو الاعتماد على الطاقة الشمسية ومخزنات الطاقة الصغيرة (البطاريات)».
وأضاف «أبو محمد» أن الأهالي كانوا يعتمدون «على توفير مادة الخبز من الفرن الوحيد في المدينة وكان سابقاً لا يغطي احتياجات 50 ألف نسمة. وكان الأهالي مضطرين للخروج من المدينة إلى مركز مدينة درعا المحطة للحصول على الخبز أو إلى إحدى القرى المجاورة، وتعرض الفرن خلال عمليات الفرقة الرابعة والميليشيات إلى القصف ما أحدث به أضراراً جسيمة ولا مدى محدداً لعودة العمل به أو إصلاحه، فرائحة الخبز الحوراني اليوم تنبعث من كل مكان والعائلات معظمها اعتمدت على شراء الطحين وعمل الخبز في المنزل على الحطب لأن مادة الغاز غير متوفرة ومن لديه قارورة يحافظ عليها للأيام باعتبار أن كل عائلة لا تحصل إلا على قارورة واحدة كل 40 يوماً، وحرمت الحكومة أهالي المدينة من هذه الخدمة فمنذ أكثر من ثلاثة أشهر لم تحصل العائلات على مخصصاتها».
- مخلفات الحرب
ومن المشكلات الحالية في درعا البلد، يقول الناشط محمود المسالمة، هي مخلفات الحرب، كل المناطق والأحياء السكنية قُصفت بأنواع مختلفة من السلاح ومنها ما لم ينفجر بعد، وقُتل يوم الاثنين أحد المواطنين بعد عودته إلى المدينة نتيجة انفجار قذيفة من مخلفات الحرب بالقرب من منزله، ورغم أن وحدات الهندسة التابعة للنظام أجرت عملية تمشيط واحدة منذ عودة الأهالي إلى درعا البلد، فإن المدينة تحتاج إلى فريق مستمر لأيام للكشف عنها وإنهاء ضررها.
وقال أحد المدرسين في درعا البلد إن الطلاب «سيعودون إلى مقاعدهم من جديد، ولكن المدارس تعرضت لأضرار كبيرة لا تُحتمل في فصل الشتاء وقد لا تكون بنية المدرسة صالحة أساساً لاستمرار العملية التعليمية ووضع التلاميذ بها بعد ما تعرضت لرجّات قصف بصواريخ أرض - أرض أو ضربات عليها، ولن يشبه هذا العام الجديد الأعوام التي سبقته، لا سيما أن معظم سكان هذه المناطق نزحت مؤخراً بفعل التصعيد العسكري على المنطقة، ما ينذر بمشكلة التسرب التعليمي لأعداد كبيرة من طلاب هذه المناطق، أو أن التكاليف الدراسية ولوازم المدرسة سوف تبعد الفقراء عن التعليم، فالكثير سوف يفضّل بناء بيته الذي هُدم على عملية تعليم الأولاد».
وتتطلع آية، وهي في الصف الأول الإعدادي، لتجربة دراسية ناجحة وحماسية، يرافقها حلم أن تصبح معلمة. اشتكى والدها من صعوبة توفير مستلزمات الدراسة جراء الوضع الاقتصادي المتدهور، والغلاء الفاحش الذي ضرب كل مجالات الحياة، لا سيما مع مضاعفة الأسعار عن العام الماضي، فأصبح كل طالب يحتاج إلى ما يزيد على خمسين ألف ليرة سورية لتلبية احتياجات المدرسة من زي مدرسي وكتب ودفاتر وقرطاسية، وسيكون الاقتصاد بهده المستلزمات رفيق كل العائلات.
- جمعيات ومغتربون
وأوضح «أبو قاسم» وهو في الستينات من عمره من سكان درعا البلد أن أجور الأعمال الخاصة أو مرتب الوظيفة في القطاع العام لا تغطي كل حاجيات المعيشة وترميم البيوت وغيرها من الخدمات، «الحل بكل بساطة؛ سنعتمد على الجمعيات الخيرية الموجودة في درعا وما تقدمه من إعانات، أو على المبادرات المجتمعية من مغتربين وميسورين التي ترسل إلى العائلات الفقيرة»، وهذه الحلول وفق تعبيره ناتجة عن تجارب سابقة خلال السنوات الماضية.
وتعد درعا البلد مهد الاحتجاجات ضد النظام، ومنها انطلقت المظاهرات التي طالبت بإسقاط النظام في 2011، وتمت مواجهتها بالقمع، قبل اندلاع نزاع دامٍ في البلاد لا يزال مستمراً. وهي المنطقة الوحيدة التي لم يخرج منها كل مقاتلي المعارضة بعد استعادة النظام السيطرة عليها في يوليو (تموز) 2018 باتفاق تسوية رعته موسكو بعد العمليات العسكرية بين قوات النظام والفصائل المعارضة، ونصّ الاتفاق على أن تسلم الفصائل سلاحها الثقيل، لكن بقي عدد كبير من عناصرها في مناطقهم على عكس ما حصل في مناطق أخرى استعادها النظام. واحتفظوا بأسلحة خفيفة، ومنعت قوات النظام من الدخول إلى المدينة، ولكن عادت روسيا بخريطة حل جديدة لمناطق التسويات جنوب سوريا لتغير الحالة القديمة، وتعيد السيطرة الفعلية للمناطق بإدارتها ووفقاً لمصالحها وتطلعاتها الدولية والإقليمية.



تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام»، الذي ترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بحضور عربي إسرائيلي وغياب للسلطة الفلسطينية، فتح الباب لأفكار عديدة، اختصرتها واشنطن في أموال إعمار قطاع غزة، ونزع سلاح حركة «حماس»، بينما كانت المطالب العربية مرتبطة بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع كاملاً ونشر قوات الاستقرار الدولية وتمكين لجنة التكنوقراط من عملها دون عراقيل من تل أبيب.

تلك المخرجات لهذا الاجتماع الذي حضره ممثلون من أكثر من 40 دولة، ومراقبون من 12 دولة أخرى، يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، قد لا تنجح في اختبار التنفيذ، لأن هناك عراقيل عديدة أبرزها عدم الانسحاب الإسرائيلي، وعدم الوصول إلى تفاهمات واضحة بشأن نزع سلاح «حماس»، وهو ما سيعقد التنفيذ بصورة كبيرة وقد تقود الاتفاق لتعثر أو تجميد.

مخاوف

وأكد الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، ضرورة توخي الحذر من جهود يمكن أن تقوض عملية السلام في غزة، حسب ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية»، عن وكالة «أنتارا نيوز» الإندونيسية، الجمعة.

ويحمل التحذير الإندونيسي مخاوف من التنفيذ غداة مشاركته في تدشين ترمب «مجلس السلام»، الذي شهد تركيزاً على إعادة إعمار قطاع غزة الذي مزّقته الحرب الإسرائيلية، وتشكيل قوة استقرار دولية فيه.

وأعلن ترمب أن بلاده ستتبرع بمبلغ 10 مليارات دولار للمجلس، مشيراً إلى أن السعودية وكازاخستان وأذربيجان والإمارات والمغرب والبحرين وقطر وأوزبكستان والكويت ساهمت بأكثر من 7 مليارات دولار للحزمة الإغاثية لغزة.

وشدّد ترمب على نزع سلاح «حماس»، بقوله إن الحركة ستسلم أسلحتها كما وعدت، محذراً من «ردّ قاسٍ» إذا لم تفعل. وقال: «العالم الآن ينتظر (حماس) وهي العقبة الوحيدة التي تقف في طريقنا حالياً».

ولم يختلف معه وزير خارجية إسرائيل، جدعون ساعر، في كلمته، باجتماع مجلس السلام، معلناً دعمه خطة نزع سلاح «حماس» وغيرها من الفصائل، وسبقه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتأكيد قبل الاجتماع أنه «لن يكون هناك إعادة إعمار قبل نزع سلاح غزة».

فيما أعلن الجنرال جاسبر جيفرز، قائد قوة الاستقرار الدولية التي تم تشكيلها حديثاً، في كلمته بالاجتماع، أن إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا تعهدت جميعاً بإرسال قوات للمشاركة في الجهود. بالإضافة إلى ذلك، وافقت مصر والأردن، البلدان المحاذيان لقطاع غزة، على تدريب قوات الشرطة والأمن.

بينما أكدت مصر في كلمتها التي ألقاها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أهمية الحفاظ على الارتباط بين الضفة الغربية وغزة، لتمكين السلطة الفلسطينية من استئناف مسؤولياتها في القطاع، داعياً لتمكين الفلسطينيين من مباشرة أمورهم، وتمكين «لجنة التكنوقراط»، من مباشرة أعمالها من داخل القطاع وبكل مناطقه.

وتعهد رئيس مجلس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في كلمته، بتقديم الدوحة مليار دولار لدعم مهمة المجلس للتوصل إلى حل نهائي، مؤكداً أن مجلس السلام تحت قيادة ترمب «سيدفع للتنفيذ الكامل لخطة الـ20 بنداً دون تأخير».

الملاكمة الفلسطينية الهاوية النازحة فرح أبو القمسان أمام أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويرى المحلل في الشؤون الإسرائيلية في مركز الأهرام للدراسات، الدكتور سعيد عكاشة، أن ما تم طرحه في «مجلس السلام» لا يحمل خططاً واضحة، وسيقود لارتباك في تنفيذ الاتفاق وربما تعثر وجمود، مشيراً إلى أن ترمب سارع في تحقيق إنجاز بتدشين المجلس دون التركيز على إنهاء العقبات والوصول إلى تفاهمات لها أولاً.

ويتفق معه المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، مشيراً إلى أن «تعهدات المجلس قد تتعثر في اختبار التنفيذ لأنه مُصَر على المضي في نقاط اقتصادية مثل جلب أموال للإعمار دون إعلان خطة واضحة أو نقاط أمنية مثل نزع سلاح (حماس) دون الحديث عن انسحاب إسرائيل أو مستقبل الحركة».

وتابع: «هذا البعد عن الالتزامات السياسية للمجلس يعد إشكالية وسيصطدم بتعقيدات أمنية تؤخر تنفيذ البنود الشائكة مثل نشر قوات الاستقرار أو انسحاب إسرائيل أو تمكين (لجنة التكنوقراط)».

أولوية «حماس»

بالمقابل، واصلت «حماس» عدم الصدام مع تصريحات ترمب التي يصدرها بشأن نزع سلاحها الأيام الأخيرة، معلنة في بيان الخميس، أن أي ترتيبات في قطاع غزة يجب أن تبدأ بـ«وقف كامل للعدوان الإسرائيلي».

وتعقيباً على الاجتماع، أكدت «حماس»، في بيان، مساء الخميس، أن «أي مسار سياسي أو ترتيبات تُناقش بشأن قطاع غزة ومستقبل شعبنا الفلسطيني يجب أن تنطلق من وقف كامل للعدوان ورفع الحصار وضمان الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا، وفي مقدمتها حقه في الحرية وتقرير المصير».

فيما قال الوسيط الأميركي بشارة بحبح في تصريحات صحافية الخميس، إن نزع سلاح «حماس» مرهون بتقديم ضمانات وحماية عناصرها.

ويستبعد عكاشة أن يتوقف العدوان في غزة، كما تريد «حماس»، طالما لم يتم نزع السلاح، حسب ما تكشف عنه التصريحات الأميركية والإسرائيلية، مشيراً إلى أن «هذا المسار التي ترسمه الحركة يقول إنها تريد البقاء وهو ما لن يسمح باستكمال بنود الاتفاق وقد نفاجأ بعودة للحرب، في ظل عدم حسم واشنطن صلاحيات وموعد نشر قوات الاستقرار».

ويعتقد نزال أنه «لا يمكن التفاوض مع (حماس) على انتهاء وجودها وتقبل، لا بد أن يتم بحث مستقبلها، وإنهاء معادلة المقايضات والتوجه لتفاهمات حقيقية وجادة».


الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
TT

الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)

شهدت خمس محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية تعطيل عدد من المشاريع الخدمية الحيوية، في تطور وصفته مصادر حقوقية بأنه سعي من الجماعة الانقلابية لمفاقمة المعاناة الإنسانية والضغوط المعيشية على ملايين السكان.

وشملت عمليات الإيقاف والتعطيل مشاريع مياه وطرق رئيسية كانت تمثل شريان حياة لآلاف الأسر اليمنية، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الفقر.

وتشير إفادات محلية إلى أن مشاريع عدة وصلت إلى مراحل متقدمة من التنفيذ بجهود مجتمعية وتمويلات محلية أو خيرية، قبل أن تتوقف بصورة مفاجئة نتيجة تدخلات مباشرة أو غير مباشرة من قبل مشرفين تابعين للجماعة الحوثية، الأمر الذي تسبب في حرمان آلاف المواطنين من خدمات حيوية، وفي مقدمتها مياه الشرب ووسائل التنقل الآمنة.

ويرى مراقبون أن تعطيل هذه المشاريع يأتي في توقيت تواجه فيه البلاد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل تدهور الاقتصاد وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل أي توقف في الخدمات الأساسية عاملاً مضاعفاً لمعاناة السكان.

نساء وأطفال في محافظة حجة يتدافعون للحصول على مياه للشرب تبرع بها فاعلو خير (فيسبوك)

في هذا السياق، تحولت أزمة المياه في محافظة عمران (50 كيلومتراً شمال صنعاء) إلى محور احتجاجات شعبية متواصلة في قرية ضحيان التابعة لمديرية خارف، حيث خرج السكان في مظاهرات غاضبة تنديداً بتعطيل مشروع مياه عمومي يخدم نحو ثلاثة آلاف نسمة. ورفع المحتجون لافتات تطالب بإعادة تشغيل المشروع ومحاسبة المتسببين في تعطيله، مؤكدين أن انقطاع المياه حوّل حياتهم اليومية إلى معاناة مستمرة.

وبحسب شهادات محلية، فإن المشروع توقف منذ أشهر طويلة نتيجة صراع بين مشرفين حوثيين على الإيرادات المالية الخاصة به، بعد اتهامات متبادلة بنهب العائدات وتحويلها لمصالح شخصية. وأدى ذلك الخلاف إلى توقف كامل للخدمة، تاركاً السكان دون مصدر منتظم لمياه الشرب.

ويؤكد أحد أبناء المنطقة (تحدث باسم مستعار) أن تجاهل مطالب الأهالي يعكس حجم الإهمال الذي تعانيه المناطق الريفية، محذراً من تداعيات صحية خطيرة مع استمرار انقطاع المياه، خصوصاً في ظل غياب البدائل وارتفاع أسعار نقل المياه من مناطق بعيدة.

وتشير مصادر حقوقية إلى أن أزمة المياه في عمران نموذج متكرر لواقع الخدمات في مناطق عدة، حيث تتحول المشاريع العامة إلى أدوات نفوذ وصراع، بدلاً من كونها وسائل لتحسين حياة السكان.

ابتزاز وتعطيل في إب

في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) أفادت مصادر محلية بتوقف مشروع مياه يخدم عشرات القرى في مديرية العدين غرب المحافظة، بعد ضغوط وعمليات ابتزاز تعرض لها القائمون على المشروع من قبل نافذين حوثيين. ويخدم المشروع سكان نحو خمسين قرية في عزلة «بني هات»، وكان يوفر المياه بأسعار منخفضة تتناسب مع الظروف الاقتصادية المتدهورة للأهالي.

وأوضحت المصادر أن القائمين على المشروع رفضوا دفع إتاوات مالية مفروضة عليهم، الأمر الذي أدى إلى إيقاف المشروع منذ مطلع الشهر الحالي. ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه السكان أصلاً من نقص مزمن في الخدمات الحكومية، ما جعل المشروع يمثل شرياناً أساسياً للحياة اليومية.

الحوثيون يستهدفون بالطيران المسيّر معدات لشق طريق للسكان جنوب تعز (إكس)

ويقول سكان محليون إن توقف المشروع أجبر كثيراً من الأسر على شراء المياه بأسعار مرتفعة، ما استنزف دخولهم المحدودة، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف النقل والوقود. كما حذر ناشطون من أن استمرار تعطيل المشاريع المجتمعية قد يدفع المبادرات المحلية إلى التراجع خوفاً من الضغوط أو الخسائر.

ويرى مراقبون أن فرض الإتاوات على المشاريع الخدمية يهدد بوقف المبادرات التنموية القائمة على الجهود المجتمعية، والتي أصبحت تمثل بديلاً شبه وحيد لتعويض غياب المؤسسات الحكومية الفاعلة.

استهداف الطرق

في محافظة تعز (جنوب غربي) توقفت أعمال شق طريق حيوي في مديرية سامع جنوب المدينة عقب استهداف معدة هندسية بطائرة مسيّرة، ما أدى إلى توقف كامل للمشروع الذي كان من المنتظر أن يسهم في ربط عدد من القرى المعزولة وتسهيل حركة السكان والبضائع.

وأثار الحادث موجة استياء واسعة بين الأهالي، الذين رأوا أن استهداف المشاريع الخدمية يمثل تهديداً مباشراً لحياتهم اليومية، مطالبين بتوفير حماية للمبادرات التنموية وضمان عدم تعرضها لأي أعمال عسكرية أو استهداف مباشر.

أما في محافظتَي ريمة وحجة (جنوب غربي وشمال غربي)، فقد اتهم مواطنون وناشطون الجماعة الحوثية بعرقلة مشاريع مياه وصيانة طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في تفاقم عزلة القرى الجبلية وارتفاع تكاليف التنقل والحصول على المياه. ويعاني أكثر من 120 ألف نسمة في حجة من شح حاد في مياه الشرب، في حين يواجه سكان ريمة صعوبات يومية بسبب تهالك الطرق ووعورة التضاريس.

جانب من احتجاجات سابقة أمام مبنى محافظة عمران الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأجبر تدهور الطرق كثيراً من المرضى على قطع مسافات طويلة للوصول إلى المرافق الصحية، كما عاق وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق نائية، ما فاقم الوضع الإنساني والصحي للسكان.

ويؤكد محللون أن تعطيل مشاريع المياه والطرق لا يقتصر أثره على الخدمات المباشرة فحسب، بل يمتد ليؤثر على قطاعات الصحة والتعليم والتجارة، ويعمق حالة الاعتماد على المساعدات الإنسانية.

وفي ظل هذه التطورات، دعا ناشطون ووجهاء محليون إلى تحييد المشاريع الخدمية عن الصراعات السياسية والعسكرية، والسماح باستكمالها باعتبارها ضرورة إنسانية مُلحّة.


«الرئاسي اليمني» يتوعد بالتصدي لعناصر التخريب والفوضى

عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
TT

«الرئاسي اليمني» يتوعد بالتصدي لعناصر التخريب والفوضى

عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)

على خلفية محاولة عناصر موالية لما كان يُعرف بـ«المجلس الانتقالي الجنوبي» اقتحام القصر الرئاسي في عدن، شدد مجلس القيادة الرئاسي اليمني على أنه لن يسمح بحدوث فوضى في المدينة أو في سائر المحافظات الجنوبية، متهماً قوى إقليمية بالضلوع في تحركات مشبوهة لزعزعة الاستقرار وتقويض وحدة الصف.

وقال مصدر مسؤول في رئاسة مجلس القيادة، إن قيادة الدولة تابعت بأسف بالغ ما أقدمت عليه عناصر خارجة عن النظام والقانون من أعمال تحريض، وحشد مسلح ومحاولات متكررة للاعتداء على مؤسسات الدولة في العاصمة المؤقتة عدن، وما نجم عنها من سقوط ضحايا غداة انعقاد أول اجتماع للحكومة الجديدة التي شرعت في تحديد أولوياتها للنهوض بأوضاع المحافظات المحررة، وتحسين الخدمات، وتعزيز سُبل العيش الكريم للمواطنين.

وأوضح المصدر أن الأجهزة الأمنية تعاملت مع هذا التصعيد غير المسؤول بأقصى درجات ضبط النفس، وعملت على تفريق التجمعات التي حاولت قطع الطرقات وإثارة الشغب، واستهداف قوات الأمن بينما كانت تقوم بواجباتها الوطنية في حماية المنشآت السيادية وحفظ الأمن العام، وفقاً للقانون.

قوات الأمن تواجه أنصار «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل خلال اشتباكات أمام القصر الرئاسي في عدن (أ.ب)

وأعرب المصدر عن بالغ الأسف لسقوط ضحايا جرّاء هذا التصعيد المنظم، مؤكداً أن الجهات التي قامت بالتمويل، والتسليح، والتحريض، ودفع عسكريين بزي مدني إلى المواجهة مع قوات الأمن، تتحمل كامل المسؤولية السياسية والأخلاقية والقانونية عن إراقة مزيد من دماء اليمنيين، والمقامرة بأمن العاصمة المؤقتة، ومصالح أبنائها.

وأكد المصدر الرئاسي أن قيادة الدولة، مع احترامها الكامل لحق التعبير السلمي المكفول دستورياً، تُشدد على أن أي اعتداء على مؤسساتها الوطنية أو تعطيل لعملها، أو استخدام الشارع وسيلة ضغط لتحقيق أهداف سياسية غير مشروعة، يُعد مساساً بالشرعية الدستورية ومصالح المواطنين، وسيُواجه بحزم، ولن يُسمح بتكراره تحت أي ظرف.

رسالة حاسمة

وأشار المصدر في مجلس القيادة الرئاسي اليمني إلى أن انعقاد الحكومة الجديدة في العاصمة المؤقتة عدن، يمثل رسالة حاسمة على مضي الدولة في استعادة انتظام جميع مؤسساتها من الداخل، وتكريس نموذج الاستقرار، والبناء على جهود السعودية في تطبيع الأوضاع، وتحسين الخدمات العامة، والشروع في حزمة مشروعات إنمائية سريعة الأثر، بما يؤسس لمرحلة واعدة في حياة المواطنين.

وأكد المصدر أن التوقيت المتزامن لهذا التصعيد مع التحسن الملموس في الخدمات، والتحضيرات الجارية للمؤتمر الجنوبي برعاية السعودية، يُثير تساؤلات جدية حول الدور المشبوه لبعض القوى الإقليمية التي تسعى لإعادة إنتاج الفوضى وتعطيل أي مساعٍ لتوحيد الصف الوطني في مواجهة التهديد الوجودي المتمثل في الميليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني.

الحكومة اليمنية الجديدة عقدت أول اجتماع لها في عدن (إكس)

وشدد المصدر على أن الدولة لن تسمح بتحويل عدن والمحافظات الجنوبية إلى ساحة للفوضى، وتنفيذ مشروعات إقليمية مشبوهة، وأنها ماضية، بدعم من السعودية، في حماية مواطنيها ومصالحهم العليا، وردع أي أنشطة تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار أو تعطيل مسار البناء وإعادة الإعمار، واستعادة مؤسسات الدولة.

كما دعا المصدر الرئاسي المواطنين في عدن وبقية المحافظات المحررة إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية لحماية المكتسبات المتحققة، وعدم الانجرار وراء دعوات الفوضى الصادرة عن عناصر فارين من وجه العدالة وكياناتها المنحلة المدعومة من الخارج، في إشارة إلى ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي».

واختتم المصدر الرئاسي تصريحه بالقول: «إن مستقبل الجنوب لن يُبنى بالاعتداء على مؤسسات الدولة أو تعطيلها، بل بإعادة إعمارها، وتحسين خدماتها، والمشاركة الواعية والمسؤولة في الحوار الجنوبي المرتقب».