«شظايا في عينك»... هجوم مؤرخ على مفكري مدرسة فرانكفورت

بدأوا من خنادق الثوار وعاشوا بين أحضان الرأسمالية

«شظايا في عينك»... هجوم مؤرخ على مفكري مدرسة فرانكفورت
TT

«شظايا في عينك»... هجوم مؤرخ على مفكري مدرسة فرانكفورت

«شظايا في عينك»... هجوم مؤرخ على مفكري مدرسة فرانكفورت

يعد مؤرخ الثقافة الأميركي مارتن جاي مرجعيّة لا غنى عنها في أي جهد لفهم السياق التاريخي لمساهمة التيار الفكري الموصوف بـ«النظريّة النقديّة» (أو مدرسة فرانكفورت) في صياغة الحياة الثقافيّة في الغرب عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً، ولا تزال أطروحته للدكتوراه من جامعة كولومبيا التي نشرها كتاباً بعنوان «Dialectical Imagination» (الخيال الجدلي) - 1973 أهم مرجع إلى الآن عن سنوات نشأة هذا التيار الأولى، بداية من ألمانيا، ومن ثمّ انتقال رموزها اليهود - بعد سيطرة النازيين على السلطة هناك - إلى الغرب الأميركي. وقد استمرّ جاي لعقود صوتاً عالياً في المنافحة عن أهميّة تراث تلك المدرسة، وتحديداً أعمال كبيرها ثيودور أدورنو، رغم أنّه أصيب بصدمة قاسية عندما وجد أن أدورنو في إحدى مراسلاته -التي اكتُشفت بعد ثلاثين عاماً من وفاة صاحبها- خصّه بالشتيمة، متهماً إياه بالتكسّب من وراء التحدث عن مدرسة فرانكفورت، داعياً المقربين منه إلى مقاطعته والامتناع عن التعاطي معه.
جاي الذي كتب مقالاً حول شعوره حينئذ بعنوان «أن يجحدك الموتى»، صوّر فيه شعوره بالمرارة بعد أن قضى حياته المهنية برمتها في الترويج للإرث الفكري لـ«شخص يطعنك بعد ذلك في ظهرك من وراء القبر»، لا يبدو أنه استسلم، وها هو يعود في خضم حروب ثقافيّة شاملة تعصف بالعالم بمجموعة مقالات عنونها بـ«شظايا في عينك: جدل بشأن مدرسة فرانكفورت - فيرسو 2020»، يحاجج فيها بأن كتابات مفكري ذلك التيار ليست مهمة كمرحلة مفصلية في السياق التاريخي للفكر المعاصر فحسب، بل أيضاً كأدوات تحليليّة لا غنى عنها لفهم بعض جوانب واقعنا الحالي زمن الرأسماليّة المتأخرّة، وتفكيك منهجيات الهيمنة الثقافيّة على المجتمعات الغربية، سواء في الديمقراطيّات الجوفاء أو في الشموليّات الفاشيّة.
اكتسب كتاب جاي الجديد راهنية إضافية، إلى جانب تنويهه بديمومة فعالية العدّة النقديّة لأعمال مفكري مدرسة فرانكفورت: راهنية متأتية من طبيعة الجدل السياسي بعد صعود تيارات اليمين الفاشية الطابع في الغرب، والاستقطاب الذي صاحبها في مجتمعات عدة، لا سيما الولايات المتحدة التي عاشت ظاهرة الترمبيّة، وما ترتب عليها في النصف الثاني من العقد الماضي من نزاعات ثقافيّة. وقد عمد أنصار ترمب في أدبياتهم ووسائل إعلامهم إلى إلقاء اللوم على تلك المجموعة من المفكرين اليهود الألمان في مدرسة فرانكفورت بـ«إطلاق حروب الثقافة التي دمرت القيم الأميركية». وبحسب مذكرة كتبها المسؤول في مجلس الأمن القومي ريتش هيغنز -وأرسلها الرئيس دونالد ترمب لوالده وأتباعه- فإن «الماركسية الثقافية والبرامج والأنشطة التي تنشأ عن الأفكار الغرامشية (نسبة إلى المفكر الإيطالي غرامشي) والاشتراكية الفابيّة (نسبة إلى نتاجات الجمعيّة الفابيّة)، وبشكل أوضح أعمال مدرسة فرانكفورت، تنادي باستراتيجية تحت عنوان (النظريّة النقدية) تهدف إلى تفكك المجتمعات الغربية من خلال الهجمات على قيمها الثقافية، وفرض جدليات وتناقضات على أذهان الشبان لا يمكن حلها». وادعى هيغنز في مذكرته تلك أن «الجماعات المعارضة لدونالد ترمب، بما في ذلك حركة «احتلوا»، وحياة السود مهمّة، والاتحاد الأميركي للحريات المدنية، ومجلس العلاقات الأميركية - الإسلامية، والأكاديميين، ووسائل الإعلام، والديمقراطيين، والعولمة، والمصرفيين الدوليين، والكوميديين التلفزيونيين، والجمهوريين المعتدلين، جميعها مجرّد دمى قش يتلاعب بها أتباع مدرسة فرانكفورت».
وبالطبع، فإن هذا الطرّح الشعبوي عديم القيمة المستند بكليته إلى نظرية مؤامرة مكتملة الأركان ضد ثلّة من المفكرين اليهود الماركسيين الألمان -الذين ارتبطوا بمعهد البحوث الاجتماعيّة بجامعة فرانكفورت وانتقلوا إلى المنافي في أثناء حكم هتلر- بصفتهم خونة متآمرين على شعب الولايات المتحدّة التي استقبلتهم وآوتهم ومنحتهم فرصاً غير مسبوقة للبحث والنشر والتدريس في أرقى المؤسسات الأكاديميّة، ليمثل عند مارتن جاي مساحة هائلة للسّخريّة اللاذعة، فيقول: و«هنا اخترقنا بوضوح زجاج النافذة التي نطلّ منها على العالم، ودخلنا كوناً موازياً تم فيه تعليق القواعد العادية للاعتماد على الأدلة وعقلانيّة التفكير». ومن الجلي لأي عاقل بالطبع أن يلحظ أن أولئك الماركسيين الراحلين متهمون بعد غيابهم بامتلاك سلطة وتأثير يتجاوزان أكثر طموحاتهم تطرفاً على الإطلاق.
وللمفارقة، فإن مدرسة فرانكفورت ظلّت دائماً أسيرة الأبراج العاجيّة وحلقات المثقفين، دون أي تأثير فعلي يذكر في العالم الحقيقي. نشأت بداية العشرينيات من القرن الماضي كمعهد للبحث الأكاديمي ملحق بجامعة فرانكفورت أنفق على تأسيسه ثري ألماني كانت أفكاره يسارية سعياً لتفسير فشل الثورة الماركسيّة في ألمانيا عام 1919. وكان الاستنتاج الأساسي الذي توصل إليه الباحثون في المعهد -وكان أغلبهم يهوداً بحكم أن كثيرين من أبناء الطائفة المضطهدة حينها وجدوا في التنظيمات الماركسية الهوى متنفساً سياسياً لهم كأقلية- هو أن التفسير الاقتصادي للتاريخ وفق أفكار ماركس غير كاف بحد ذاته، ولا بدّ من تحليل ثقافي معمّق للسلطوية والعنصرية والترفيه الجماهيري كوسائل لإخضاع الجماهير برغبتها لسيطرة النخب. لكن تلك الأبحاث لم تستكمل نظراً لأجواء الرعب التي نشرها بين اليهود وصول النازيين إلى السلطة في 1933، إذ فرّ ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر وإريش فروم وهربرت ماركوس إلى الولايات المتحدّة، مستفيدين -بعضهم على الأقل- من علاقات بأثرياء اليهود الأميركيين الذين يسروا لهم سبل الالتحاق بجامعات ومراكز أبحاث مرموقة، فيما اختار والتر بينجامين الانتحار في منفاه الإسباني عام 1940 خوفاً من إعادته إلى ألمانيا.
وفي المنفى، استكملت هذه المجموعة من المفكرين أبحاثها الاجتماعية، فأخضعت كل تمظهرات الآيديولوجيا إلى الفحص المعمّق: من أعمدة التنجيم في الصحف إلى منتجات هوليوود، ومن الموسيقى الشعبية إلى المذيعين الغوغائيين، ومن الرّوايات الأدبية إلى النّزعات الاستهلاكية. وانتهت مختلف هذه الأبحاث والتحليلات إلى ثيمة واحدة عامة: أن الجماهير تخضع برضاها للنخب الحاكمة نتيجة نظام متكامل من الأوهام المتراكبة التي تعيشها، وتجعل من الإطاحة بالرأسماليّة عملاً أقرب إلى الاستحالة. وقد تلاقت تلك الاستنتاجات حينها مع انتشار ترجمات أوليّة عن دفاتر سجن الفيلسوف الماركسي الإيطالي غرامشي، كان بدوره حلل فيها أساليب الهيمنة الثقافيّة التي تتبناها الطبقات الحاكمة، وأظهرها نظاماً شديد التعقيد، مما أحبط الجماهير كما يقول بعضهم، إذ بدل أن يقدّموا لهم مناهج للتغيير انطلاقاً من فهم الواقع، انتهوا إلى شبه إعلان للعجز التام. وعدت الحركات الطلابيّة نهاية الستينيات أدورنو جزءاً من منظومة القمع السلطوي، بعدما نهى طلابه عن المشاركة بالمظاهرات، واستدعى قوات الشرطة لطردهم من مبنى معهد البحوث الاجتماعيّة عندما احتلوه عام 1969.
ربّما كانت لأدورنو وجهة نظر منطقيّة بشأن أوجه القصور في الانتفاضات الطلابيّة تلك المرحلة، لكنه في المحصّلة أعطى انطباعاً سلبياً عن مدرسة فرانكفورت، بصفتها ارتكاسة بنيوية عن الصراع، والتحاق كلّي بدوائر التنظير المحض، والتجاء من جحيم العيش اليومي إلى أبراج عاجيّة.
ربما يكون المسرحي الألماني الشهير برتولت بريخت أكثر من وصف مدرسة فرانكفورت بإنصاف، دون انحيازات شعبويي اليمين السافرة. بالنسبة له، فقد بدأت هذه المجموعة من المفكرين من خنادق الثوار الساعين إلى الإطاحة بالرأسمالية، لكنهم بعد هجرتهم إلى العالم الجديد تحوّلوا إلى مثقفين منفصلين عن النضال، وأمضوا حياتهم في وصف العالم ومحاولة تفسيره لدائرة نخبوية من المثقفين البرجوازيين في الغرب، ولم يغيروا العالم بصفته مهمّة ثوريّة كما كان توجيه ماركس، ذلك بغضّ النّظر دائماً عن التهويل الذي يجتره أعضاء مجلس الأمن.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.


صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار
TT

صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل وفكرته الأساسية تقول: «صمتُ المظلوم ليس استسلاماً، بل شروعٌ في صياغة لغةٍ جديدة، أشدُّ فتكاً من الصراخ، إنه الصمتُ الصاخب».

تدور أحداث الرواية، الصادرة أخيراً عن «دار تشكيل» بالقاهرة، داخل أسوار أحد السجون، تحديداً بين عدد كبير من المثقفين والمفكرين وقادة الرأي العام على غرار ما كان يحدث في حقب زمنية سابقة من اعتقال سياسي بهدف تكميم الأفواه حين تختلف السلطة مع معارضيها وتقرر التنكيل بهم، فلا تجد أمامها سوى الزج بهم بشكل جماعي وراء الأسوار.

يركز النص على استبطان الحالة النفسية للشخصيات الرئيسية مثل الراوي و«الصول مسعود» ومأمور السجن وبعض النزلاء الجنائيين، وكيف أن الصمت المشحون بانفجار قادم يشكل لغزاً يستعصي على الفهم، فيما يسخر المأمور من الشعراء ويتهمهم بالتخاذل والعيش في عوالم وهمية بعيداً عن الواقع.

اتسمت اللغة السردية بالإيقاع السريع والمشاعر المتأججة بين السطور، دون استطراد يوقع العمل في شراك الرتابة، كما عمد المؤلف للدخول في بؤرة الصراع النفسي بين جميع الأطراف دون تمهيد، ما جعل الرواية تفيض بالتشويق والإثارة النفسية منذ الصفحة الأولى.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«بالأمس، وما إن غادرني الجميع متجهين إلى العمل بالورش، حتى انفتح باب العنبر ودخل الصول مسعود، كبير السجّانين وأقدمهم هنا. بيني وبينه علاقة بدأت عادية، ثم تحوّلت بمرور السنوات إلى ما يشبه الرفقة الحذرة التي تجمع رجلين يحترقان في فرنٍ واحد، اقترب مني بخطواته الثقيلة، ثم ألقى بجسده الضخم إلى جواري، برم شاربه الكثيف كعادته، وفرك فروة رأسه الكبيرة قبل أن يخرج صندوق سجائره، أشعل لنفسه سيجارة، ثم مدّ إليّ أخرى بصمت، بلا كلمة منه ولا مني، كأنما يدرك أن الكلام عندي أصبح شحيحاً، نادراً كقطرة ماء في صحراء قاحلة، نفث دخانه الأول، ثم بدأ يمطرني بأسئلة متلاحقة، كلها تدور حول ما بعد الصمت، ماذا نُخفي؟ وإلى أين سيقودنا هذا الهدوء المريب؟ أكمل سيجارته دون أن ينتزع مني جواباً واحداً، ورغم يقيني بإخلاصه، فالحيطة في أيام الحرب واجبة، فنحن نحارب قائده الجلّاد، ومن السهل أن تنزلق أسرارنا من فم مسعود تحت ضغط المأمور، مهما كان قلبه معنا، وحين أنهى سلسلة أسئلته، مال نحوى وقال بصوت خفيض:

ـ أريدك أن تأتي معي إلى مكتب المأمور.

رفعت يدي دون تفكير، وقاطعته بنظرة حادة كحدّ السكين:

ـ ماذا يريد مني المأمور؟

ابتسم ابتسامة باهتة، ثم عاد يلوّي شاربه كما لو أنه يبحث عن وقت إضافي قبل أن ينطق:

- من المؤكّد أنّه سيُعيد عليك أسئلته التي تؤرّقه حول أسباب صمتكم، وإلى أيّ مدى سيطول، فثمة ما ينهش يقينه بأنّ أمراً جللاً يوشك أن يقع داخل السجن عقب هذا الصمت المفاجئ».