نظم ذكاء صناعي تعيد صياغة الصوت الحقيقي للممثل فال كيلمر

وظفت مزايا الكلام والتعبير والنبرة لاستبدال حنجرته المتضررة بسبب السرطان

الممثل فال كيلمر
الممثل فال كيلمر
TT

نظم ذكاء صناعي تعيد صياغة الصوت الحقيقي للممثل فال كيلمر

الممثل فال كيلمر
الممثل فال كيلمر

استخدمت شركة «سونانتيك» البريطانيّة النّاشئة أفلامًا قديمة للممثّل فال كيلمر بهدف إعادة تكوين صوته. وفي مقطعٍ نُشر على يوتيوب الشهر الماضي ، أعلن صوتٌ يسهلُ التعرّف إليه على أنّه الممثّل فال كيلمر: «صوتي كما أعرفه أُخذ منّي، والنّاس من حولي يواجهون صعوبةً في فهمي عندما أتكلّم».
وكان الممثّل الهوليوودي قد فقد صوته بعد عمليّة جراحيّة أجراها لاستئصال سرطان الحنجرة عام 2015، أدّت إلى تعثر مهنته وتغيير طريقة تواصله مع النّاس إلى الأبد. ولكنّ الأمور تغيّرت في نهاية العام الماضي، عندما ساعدت شركة «سونانتيك» الناشئة المتخصصة بتطوير البرامج الإلكترونيّة التي تستنسخ الأصوات للممثلين والاستوديوهات، كيلمر على التكلّم من جديد.
أصوات «حقيقية»
تبدو أكثر الأصوات التي تنتجها نظم الذكاء الصناعي مثل مساعد سيري من آبل وأليكسا من أمازون، بالاعتماد على أشخاص حقيقيّين، مزيّفة. ولكنّ موجة من الشركات الناشئة توظّف اليوم الذكاء الصناعي لتقديم خدمات استنساخ الصوت لأجهزة المساعدة الصوتية وألعاب الفيديو واستوديوهات الأفلام.
ازدادت حقيقيّة الأصوات المنتجة تقنيًا في عهد تقنية «ديب فيك» (التزييف العميق) التي تستخدم الذكاء الصناعي للتلاعب بمحتوىً ما وجعله يبدو حقيقيًا بشكلٍ خادع. يتّسم هذا الوسيط التقني بجودة عالية تصعّب أحيانًا التفريق بين الأصوات البشرية ومثيلاتها المصطنعة.
وبعد خمس سنوات على جراحة كيلمر، تواصل ممثله القانوني مع شركة «سونانتيك» لإعادة تكوين صوته الضائع رقميًا. وقالت زينة قرشي، الرئيس التنفيذي والشريكة المؤسسة لـ«سونانتيك»: «وهذا ما فعلناه. أراد فريق فال منحه صوته من جديد ليتمكّن من الاستمرار بحياته المهنية».
بدأ المشروع في ديسمبر (كانون الأوّل) 2020 بعدما أنهى كيلمر وثائقي عنوانه «فال» حول حياته المهنية في هوليوود ومعركته مع السرطان. ولم يأتِ الوثائقي على ذكر تقنية الذكاء الصناعي التي طوّرتها «سونانتيك»، ولكنّها نشرت مقطعًا مصوّرًا عنه على يوتيوب حاز على أكثر من 18 ألف مشاهدة.
جاء مشروع كيلمر بعد شهرٍ واحدٍ من كشف صانع الوثائقيّات مورغان نيفيل عن استخدامه لبرنامجٍ لم يسمّه لاستنساخ صوت الطاهي الشهير الراحل أنتوني بوردين في فيلمه التجاري «رود رانر». وواجه نيفيل هجومًا من أوتافيا بوردين، أرملة الممثّل الراحل، التي اعترضت على عدم استشارتها قبل إعادة تكوين صوت زوجها بواسطة الذكاء الصناعي.
ترفض «سونانتيك»، التي تأسست قبل ثلاث سنوات، الكشف عن ممثلين آخرين تعمل معهم، وتركّز أكثر على علامات الألعاب الإلكترونيّة التجارية كـ«إكس بوكس غيم ستوديوز» و«أوبسيديان إنترتاينمنت» و«ريميدي غيمز»، وغالبًا ما ترخّص خدمات صوتيّة صناعية للاستوديوهات تتيح لها توليف وإخراج الأصوات الصناعية بما يشبه عمل المخرجين مع الممثلين البشر. وقال جون فلين، رئيس قسم التقنية في الشركة: «نرى هذه التقنية كأدة فوتوشوب للصوت، يمكنكم من خلالها العمل والتأثير في بعض المجالات الصغيرة».
ونقل دالفين براون المتخصص بالتطويرات التقنية في واشنطن في تقرير له، عن الشركة قولها إنّ مهندسيها سحبوا نماذج من مقاطع قديمة و«صفّوها» لإلغاء الضجيج في خلفيتها. لقد ابتكروا أيضًا سيناريو بناءً على المادّة، وربطوا الصوت والنصّ مع بعضهما بـ«قطع صغيرة» وشغّلوا البيانات بواسطة خوارزميّات «محرّك الصوت» التي تعلّمت الكلام من خلال الإنصات إلى التسجيلات، بحسب فلين.
وأوضحت الشركة في بيانٍ أنّ «محرّك الصوت يستمدّ المعنى من الكلمات المكتوبة ويمكن استخدام هذه الدلالات» لتوضيح حالةٍ من الغضب الشديد والمعاناة العاطفية. واستعرضت «سونانتيك» في أبريل (نيسان) الماضي كيف يمكن للخدمة الصوتية إقناع المستمع بأنّ شخصين يخوضان جدلًا محمومًا. في ذلك العرض، يدخل الصوتان في محادثة عاديّة تتصاعد بسرعة لتتحوّل إلى صراخ. تشرح الشركة في تصريح صحافي أنّ هذا السيناريو، إن حصل في الحياة الحقيقية، يحفظ «حبال الممثلين الصوتية» ويتيح لهم «الحصول على دخلٍ غيابيّ».
«صناعة» الصوت
وتضيف الشركة أنّها صنعت 40 نسخة من صوت كيلمر واختارت الأعلى جودةً منها لأنّها تلتقط أسلوب الممثّل في التعبير. وكانت النتيجة، بحسب «سونانتيك»، برنامجًا كومبيوتريًا يحوّل النص إلى خطاب ويستطيع تقليد مستويات لفظ مقاطع الكلمات والعواطف لدى كيلمر.
يستطيع البرنامج الإلكتروني قراءة سطور النصّ بصوتٍ عالٍ، ملتقطًا مزايا كيلمر السابقة في الكلام والتعبير والنبرة. وتقول الشركة إنّ كيلمر الذي أحبّه النّاس في دور الرجل الجليدي في فيلم «توب غان» يستطيع استخدام التقنيّة متى أراد. وأوضحت قرشي أنّ «هذا النموذج يعود له حصرًا. يستطيع استخدامه في حياته الخاصّة أو المهنيّة إذا أراد».
وكما في حالة كيلمر، يمكن استخدام هذه التقنية من قبل الأشخاص الذين يعانون من صعوبة في الكلام أو الممثلين الذين يحتاجون لإراحة أحبالهم الصوتية بعد جولات صراخٍ طويلة في الاستوديو.
مخاوف قانونية
في المقابل، تشعل التقنية مخاوف قانونيّة وأخلاقيّة واقتصاديّة خصوصًا في صفوف ممثلّي الصوت الذين باتوا يخشون على مصدر دخلهم. وقد استُخدمت تقنية «ديب فيك» لصناعة فيديوهات لسياسيّين مثل دونالد ترامب وباراك أوباما، مسلّطةً الضوء على مخاطر التقنية المصمّمة لتصوير أشخاصٍ وكأنّهم يقولون أشياء لم يقولوها يومًا.
اعتبر جاي بريتون، ممثّلا صوتيا يؤدّي دور شخصيّات في «غو!غو!كوري كارسون» وغيرها من ألعاب الفيديو التي تنتجها نتفليكس: «عندما أكون ممثلًا، أستطيع أن أقرّر ما إذا كنتُ سأدعم المحتوى أم لا. إنّ نسخ صوت ممثلٍ وهو يقول أشياء قد لا يدعمها ،هو أمرٌ مدمّر».
تشير شركة «سونانتيك» إلى أنّ منتجها ليس مصمّمًا ليحلّ محلّ الممثلين، وتروّج له كحلّ «يقلّص أوقات الإنتاج من شهر إلى دقائق». وتعدُ أيضًا «بأداء مقنع وحقيقيّ في ألعاب الفيديو والأفلام بأصواتٍ بارعة في التعبير من إنتاج الذكاء الصناعي»، ما سيؤسّس لمنتج يقلّل ساعات العمل المدفوعة التي يمضيها الممثلون في الاستوديوهات.
تجدر الإشارة إلى أنّ الولايات المتّحدة لا تملك قوانين تمنع الشركات من فبركة أصواتٍ صناعيّة. ولكنّ يوجد في المقابل إطار عملٍ قانونيّ وُضع لصدّ أولئك الذي يسعون لكسب المال بالاعتماد على التشبّه بأحد المشاهير. ففي حادث سرقة صوت وقعت في التسعينات، قاضى المغنّي توني وايت دوريتو لاي الذي استخدم صوتًا يشبه صوته في إعلان، وحصل على تعويض بقيمة 2.6 مليون دولار.
وأشار بيتر رايموند، محامٍ متخصص بالملكية الفكرية في شركة «ريد سميث» في نيويورك، إلى أنّه «إذا استمرّت الشركات في إنتاج أصواتٍ لأشخاصٍ معروفين دون إذن، يمكن لهذا العمل أن يُصنّف كتعدٍ على الخصوصيّة، وقد يعرّضها لملاحقات قانونيّة. أمّا في حال استخدمت التقنية في مجال الفكاهة والسخرية أو الروتين الفنّي، عندها لن تعتبر تعديًا إلّا في حال تحقيق مكاسب تجاريّة». وحصل برنامج «سونانتيك» على تقدير كيلمر وإشادته وقال في تصريح إنّ «هذه الشركة الناشئة أعادت له صوته بشكلٍ احترافيّ وبطريقة لم يتخيّلها من قبل».


مقالات ذات صلة

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

تكنولوجيا نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

باحثو «MIT» يطورون طريقة تمكّن الذكاء الاصطناعي من تفسير قراراته بدقة ووضوح، ما يعزز الشفافية والثقة دون التضحية بالأداء.

تكنولوجيا تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

غوغل تطلق «الذكاء الشخصي» لربط بيانات المستخدم عبر خدماتها بهدف تقديم إجابات مخصصة مع الحفاظ على الخصوصية والتحكم الكامل للمستخدم.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يفتح الابتكار المجال لتطبيقات مستقبلية في التنقل والبيئات الواقعية المعقدة (شاترستوك)

روبوتات الدرّاجة تحقق توازناً ديناميكياً وتتجاوز العقبات

روبوت دراجة يحقق توازناً ديناميكياً ويتجاوز العقبات بسرعة مستفيداً من تصميم بسيط وتحكم متكيف يحاكي مهارات الإنسان في بيئات معقدة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)

تقرير بالأرقام: الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات

الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات معززا الكفاءة والابتكار، لكن تحديات البيانات والتكلفة تعيق التوسع رغم زيادة الاستثمارات الكبيرة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص مع وفرة الذكاء والتحليل عبر الآلة تنتقل القيمة من المعرفة إلى إنتاج المعنى والعمق الإنساني

خاص كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل قدرات الإنسان الذهنية؟

يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف الذكاء وينقل القيمة للمعنى مهدداً الهوية والتفكير النقدي فارضاً إعادة تصور التعليم والاقتصاد ودور الإنسان مستقبلاً

نسيم رمضان (لندن)

دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
TT

دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)

مع ازدياد استخدام روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في المحادثة وتقديم النصائح وحتى الدعم العاطفي، بدأت أبحاث جديدة تدرس تأثير هذه الأنظمة على المستخدمين مع مرور الوقت. وتكشف دراسة حديثة لباحثين مرتبطين بجامعة ستانفورد الأميركية عن خطر أقل وضوحاً، يتمثل في ميل هذه الأنظمة إلى تعزيز بعض المعتقدات بدلاً من تحديها.

تعتمد الدراسة على تحليل واسع لتفاعلات حقيقية، بهدف فهم كيفية استجابة نماذج اللغة في المحادثات الممتدة، وما الذي قد تعنيه هذه الاستجابات على إدراك المستخدم وصحته النفسية.

تحليل واسع النطاق

استندت الدراسة إلى تحليل أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة مع روبوتات الدردشة. ويتيح هذا الحجم الكبير من البيانات رصد أنماط متكررة، بدلاً من الاكتفاء بحالات فردية. وضمن هذه البيانات، حدد الباحثون نسبة من المحادثات التي تضمنت مؤشرات على تفكير وهمي. ووفقاً للدراسة، فإن نحو 15.5في المائة من رسائل المستخدمين أظهرت هذه الخصائص، ما أتاح فرصة لفهم كيفية استجابة الأنظمة لهذه الحالات.

التحدي يكمن في تحقيق توازن بين دعم المستخدم وتعزيز التفكير النقدي دون ترسيخ معلومات مضللة (أدوبي)

أنماط تأكيد متكررة

أحد أبرز النتائج يتمثل في تكرار ميل روبوتات الدردشة إلى تأكيد ما يقوله المستخدم. فقد أظهرت البيانات أن الأنظمة غالباً ما تستجيب بطريقة داعمة أو متوافقة مع طرح المستخدم، بدلاً من التشكيك فيه. ورغم أن هذا الأسلوب قد يكون مفيداً في سياقات الدعم، فإنه يصبح إشكالياً عندما يتعلق الأمر بمعتقدات غير دقيقة أو وهمية، حيث قد يؤدي إلى تعزيز هذه الأفكار بدلاً من تصحيحها.

دوامات وهمية متصاعدة

يصف الباحثون هذه الظاهرة بمصطلح «الدوامات الوهمية»، حيث تؤدي التفاعلات المتكررة بين المستخدم والنظام إلى ترسيخ المعتقدات الخاطئة تدريجياً. ولا يحدث التأثير نتيجة استجابة واحدة، بل يتشكل مع مرور الوقت. فكلما استمر النظام في تأكيد وجهة نظر المستخدم، زادت قوة هذا الاعتقاد. وتتيح طبيعة المحادثة المستمرة لهذا النمط أن يتطور بشكل تدريجي دون انقطاع واضح.

تشير الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يخلق هذه المعتقدات من الصفر، بل يتفاعل مع أفكار موجودة مسبقاً لدى المستخدم.

وتزداد المخاطر في المحادثات الطويلة، حيث تتراكم أنماط التأكيد عبر الزمن. وفي هذه الحالة، يتحول النظام من مجرد أداة استجابة إلى عنصر مؤثر في توجيه مسار الحوار.

نحو 15.5 % من رسائل المستخدمين أظهرت مؤشرات على تفكير وهمي أو معتقدات غير دقيقة (غيتي)

تحديات في التصميم

تعكس هذه النتائج تحدياً أساسياً في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي. إذ يتم تطوير كثير من روبوتات الدردشة لتكون مفيدة ومهذبة وداعمة، ما يدفعها إلى تبني أسلوب قائم على التوافق مع المستخدم. لكن هذه الخصائص نفسها قد تقلل من قدرتها على تصحيح الأخطاء أو تقديم وجهات نظر نقدية. ويظل تحقيق التوازن بين الدعم والتفكير النقدي تحدياً رئيسياً.

تتجاوز دلالات هذه الدراسة الجانب التقني لتصل إلى قضايا تتعلق بالسلامة. فمع استخدام هذه الأنظمة في مجالات تتضمن تقديم نصائح أو دعم شخصي، تصبح طريقة استجابتها أكثر حساسية.

وفي بعض الحالات، قد يؤدي تعزيز المعتقدات غير الدقيقة إلى تأثيرات فعلية على قرارات المستخدم أو حالته النفسية، ما يطرح تساؤلات حول كيفية تصميم هذه الأنظمة ومراقبتها.

نحو استخدام مسؤول

تشير الدراسة إلى ضرورة تطوير آليات أفضل للتقييم والضبط. فبدلاً من التركيز فقط على دقة الإجابات، ينبغي أيضاً فهم كيفية تصرف الأنظمة في المحادثات الطويلة والمعقدة.

ويشمل ذلك تحديد متى يجب على النظام التشكيك في بعض الطروحات أو تقديم توضيحات أو تجنب تأكيد معلومات غير موثوقة. ويعد تحقيق هذا التوازن خطوة أساسية في تطور الذكاء الاصطناعي.

الحاجة لمزيد من البحث

رغم أهمية النتائج، تؤكد الدراسة الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم تأثير هذه التفاعلات على المستخدمين على المدى الطويل.

فمع تحول الذكاء الاصطناعي من أداة تقدم معلومات إلى نظام يشارك في الحوار، يصبح من الضروري ضمان أن هذه التفاعلات تدعم الفهم ولا تعزز أنماطاً ضارة. وفي هذا السياق، لم يعد التحدي مقتصراً على تطوير أنظمة أكثر ذكاءً، بل يشمل أيضاً ضمان أن تكون أكثر وعياً بتأثيرها على الإنسان.


نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
TT

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)

مع تزايد اندماج أنظمة الذكاء الاصطناعي في قطاعات حساسة، مثل الرعاية الصحية والأنظمة ذاتية القيادة، يبرز سؤال أساسي: هل يمكن الوثوق بقراراتها؟

فعلى الرغم من أن النماذج الحديثة تحقق دقة عالية، فإن طريقة تفكيرها تظل في كثير من الأحيان غير واضحة. هذه «الصندوق الأسود» أصبحت واحدة من أبرز التحديات في هذا المجال. يقدّم باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) نهجاً جديداً يهدف إلى معالجة هذه المشكلة، من خلال تمكين أنظمة الذكاء الاصطناعي من تفسير قراراتها بطريقة مفهومة للبشر.

ما وراء الصندوق

في التطبيقات الواقعية، لا تكفي الدقة وحدها. فعندما يحدد نظام ذكاء اصطناعي مرضاً من صورة طبية أو يتخذ قراراً مرتبطاً بالسلامة، يحتاج المستخدم إلى فهم الأسباب التي قادت إلى هذا القرار. ومن دون هذه الشفافية، قد تفشل الأنظمة الدقيقة في كسب الثقة. وقد سعت تقنيات سابقة إلى فتح هذا «الصندوق الأسود»، لكنها غالباً ما قدّمت تفسيرات معقدة أو يصعب فهمها لغير المتخصصين. وهنا يكمن التحدي في تقديم تفسيرات دقيقة وفي الوقت نفسه واضحة.

الطريقة الجديدة تحسن التفسير دون التضحية بدقة الأداء بل قد تعززها (شاترستوك)

تفكير واعد

أحد الاتجاهات الواعدة يُعرف بنماذج «عنق الزجاجة المفاهيمي». في هذا النهج، يُجبر النظام على بناء قراراته على مفاهيم يمكن للبشر فهمها. فبدلاً من الانتقال مباشرة من البيانات الخام إلى النتيجة، يمرّ النموذج بمرحلة وسيطة يحدد فيها خصائص أو مفاهيم محددة قبل الوصول إلى القرار. لكن هذا الأسلوب واجه سابقاً بعض التحديات، إذ إن تحسين قابلية التفسير كان أحياناً يأتي على حساب الدقة، أو يؤدي إلى تفسيرات غير واضحة بما يكفي.

نهج جديد

طوّر فريق «MIT» طريقة محسّنة تهدف إلى تجاوز هذه القيود. يعتمد النظام على مكونين من التعلم الآلي يعملان معاً. الأول يستخرج المعرفة من نموذج موجود، والثاني يحول هذه المعرفة إلى مفاهيم مفهومة للبشر. يتيح هذا الإطار المزدوج «ترجمة آلية» لآلية عمل النماذج المعقدة إلى صيغة قابلة للفهم. والأهم أن هذه التقنية يمكن تطبيقها على نماذج رؤية حاسوبية مدرّبة مسبقاً، ما يجعلها قابلة للتعميم على نطاق واسع.

ومن أبرز ما يميز هذا النهج أنه لا يضحي بالأداء من أجل الشفافية. بل تشير النتائج إلى أنه يمكن أن يحسن دقة التنبؤ وجودة التفسير في الوقت نفسه. وهذا يتحدى افتراضاً شائعاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو أن التفسير يأتي دائماً على حساب الأداء. يمثل الجمع بين الاثنين خطوة مهمة نحو تطبيقات عملية موثوقة.

باحثو جامعة «MIT» يطورون نهجاً جديداً يمكّن النماذج من تفسير تنبؤاتها بطريقة مفهومة (شاترستوك)

تفسيرات أوضح

يتميز النظام بجودة التفسيرات التي يقدمها. فبدلاً من مخرجات تقنية معقدة، ينتج أوصافاً مبنية على مفاهيم واضحة يمكن للمستخدم فهمها بسهولة. وتكتسب هذه الميزة أهمية خاصة في البيئات الحساسة، حيث تحتاج القرارات إلى مراجعة وتقييم. فالتفسير الواضح يتيح للمستخدم التأكد من منطق القرار.

الهدف الأوسع لهذا البحث هو تعزيز الثقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي. فعندما يتمكن المستخدم من فهم كيفية اتخاذ القرار، يصبح أكثر قدرة على تقييم دقته واكتشاف الأخطاء المحتملة. ويبرز هذا الأمر بشكل خاص في مجالات، مثل الرعاية الصحية، حيث قد تكون لأي خطأ عواقب كبيرة. فالتفسير لا يعزز الفهم فقط، بل يدعم الاستخدام المسؤول للتقنية.

أثر عملي واسع

تمتد آثار هذا التطور إلى ما هو أبعد من تطبيق واحد. مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، تتزايد الحاجة إلى الشفافية من قبل المستخدمين والجهات التنظيمية على حد سواء. وقد تلعب هذه التقنيات دوراً محورياً في تلبية هذه المتطلبات، من خلال جعل قرارات الذكاء الاصطناعي أكثر وضوحاً وقابلية للمساءلة.

يعكس هذا النهج خطوة ضمن اتجاه أوسع في أبحاث الذكاء الاصطناعي. فلم يعد التركيز مقتصراً على بناء نماذج عالية الأداء، بل يتجه نحو تطوير أنظمة قادرة على تفسير قراراتها. هذا التحول يعكس فهماً أعمق لدور الذكاء الاصطناعي في الواقع. فالأداء وحده لم يعد كافياً، بل يجب أن تكون الأنظمة مفهومة وموثوقة ومتوافقة مع التوقعات البشرية. وفي هذا السياق، تصبح القدرة على تفسير القرارات ليست مجرد ميزة إضافية، بل شرطاً أساسياً للجيل القادم من أنظمة الذكاء الاصطناعي.


«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
TT

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)

أعلنت شركة «غوغل» عن توسع جديد في قدرات الذكاء الاصطناعي لديها تحت مفهوم أطلقت عليه «الذكاء الشخصي» (Personal Intelligence) في خطوة تهدف إلى جعل أنظمة البحث والمساعدات الرقمية أكثر فهماً للسياق الفردي لكل مستخدم، بدلاً من الاكتفاء بإجابات عامة. هذا التوجه الذي جاء في مدونة رسمية عبر موقع الشركة يمثل تحولاً في طريقة عمل الذكاء الاصطناعي، من تقديم معلومات موحدة إلى تقديم استجابات مخصصة تستند إلى بيانات المستخدم ونشاطه عبر خدمات «غوغل» المختلفة.

تحول في البحث

لطالما اعتمدت محركات البحث على مطابقة الكلمات المفتاحية لتقديم نتائج ذات صلة. إلا أن «غوغل» ترى أن هذا النموذج لم يعد كافياً في ظل تنوع احتياجات المستخدمين. وبحسب ما أوضحته الشركة، فإن «الذكاء الشخصي» يهدف إلى تقديم إجابات تأخذ في الاعتبار السياق الفردي، بحيث يحصل كل مستخدم على نتائج تتناسب مع اهتماماته وتاريخه الرقمي.

يعتمد هذا النهج على ربط المعلومات بين عدد من تطبيقات «غوغل»، مثل «جيميل» و«صور غوغل» و«يوتيوب» وسجل البحث، وذلك في حال موافقة المستخدم على تفعيل هذه الميزة. ويتيح هذا التكامل لأنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل (جيميناي) «Gemini» ووضع الذكاء الاصطناعي في البحث، الاستفادة من هذا السياق لتقديم إجابات أكثر دقة وارتباطاً باحتياجات المستخدم.

«غوغل» تطلق مفهوم «الذكاء الشخصي» لتقديم استجابات تعتمد على السياق الفردي لكل مستخدم (أ.ف.ب)

تجربة أكثر تخصيصاً

وفقاً لـ«غوغل»، يمكن للنظام الجديد «ربط النقاط» بين بيانات المستخدم المختلفة، ما يسمح بتقديم توصيات وملخصات واقتراحات أكثر تخصيصاً. فعلى سبيل المثال، بدلاً من تقديم اقتراحات عامة للسفر، يمكن للنظام الاستناد إلى اهتمامات المستخدم السابقة أو نشاطه الرقمي لتقديم خيارات أكثر ملاءمة. ويمثل ذلك انتقالاً من الذكاء الاصطناعي كأداة عامة إلى ما يشبه المساعد الشخصي الذي يتكيف مع المستخدم بمرور الوقت.

التحكم بيد المستخدم

أكدت «غوغل» أن استخدام هذه الميزة يعتمد على موافقة المستخدم، حيث يمكنه اختيار التطبيقات التي يرغب في ربطها، أو إيقاف الميزة بالكامل. وأوضحت الشركة أن البيانات الشخصية من خدمات مثل «جيميل» و«صور غوغل» لا تُستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تُستعمل لتوفير سياق ضمن التفاعل مع المستخدم فقط.

توازن مع الخصوصية

يبرز هذا التوجه تحدياً معروفاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو تحقيق التوازن بين التخصيص والخصوصية. فكلما زادت قدرة النظام على الوصول إلى البيانات، زادت دقة التوصيات، لكن ذلك يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول حدود استخدام البيانات الشخصية. وتحاول «غوغل» معالجة هذا التحدي من خلال نموذج يعتمد على الشفافية ومنح المستخدم تحكماً أكبر في بياناته.

التحدي الرئيسي يتمثل في تحقيق توازن بين التخصيص العميق وحماية الخصوصية (شاترستوك)

ما بعد الإجابات

يعكس إطلاق «الذكاء الشخصي» توجهاً أوسع في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الهدف مجرد الإجابة عن الأسئلة، بل فهم نية المستخدم والسياق المحيط به. ومن خلال دمج البيانات الشخصية، يمكن للأنظمة الانتقال من تقديم إجابات ثابتة إلى تفاعلات أكثر ديناميكية. من المتوقع أن ينعكس هذا التطور على الاستخدام اليومي للتكنولوجيا، حيث يمكن للأنظمة المخصصة أن تسهم في تسريع إنجاز المهام مثل التخطيط للسفر، أو العثور على معلومات سابقة، أو اتخاذ قرارات مبنية على بيانات شخصية. كما قد تقل الحاجة إلى إدخال نفس المعلومات بشكل متكرر، إذ يصبح النظام قادراً على استنتاج السياق من التفاعلات السابقة.

اتجاه مستقبلي

يمثل «الذكاء الشخصي» خطوة أولى نحو جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تجمع بين البحث والمساعدة الرقمية والتخصيص العميق. ومع ذلك، يبقى نجاح هذا النهج مرتبطاً بمدى ثقة المستخدمين، إذ ستلعب الشفافية والتحكم في البيانات دوراً حاسماً في تبني هذه التقنيات. في المحصلة، لا يتعلق هذا التوجه بجعل الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً فحسب، بل بجعله أكثر ارتباطاً بالمستخدم نفسه، في تحول قد يعيد تعريف كيفية تفاعل الأفراد مع التكنولوجيا في حياتهم اليومية.