الجاسر: التعافي الفوري من الجائحة أولوية قصوى

رئيس البنك الإسلامي يؤكد لـ«الشرق الأوسط» توسيع الشراكات لبناء القدرة على الصمود وحشد الموارد

اجتماعات مجموعة البنك الإسلامي للتنمية انتهت أخيراً في العاصمة الأوزبكستانية طشقند
اجتماعات مجموعة البنك الإسلامي للتنمية انتهت أخيراً في العاصمة الأوزبكستانية طشقند
TT

الجاسر: التعافي الفوري من الجائحة أولوية قصوى

اجتماعات مجموعة البنك الإسلامي للتنمية انتهت أخيراً في العاصمة الأوزبكستانية طشقند
اجتماعات مجموعة البنك الإسلامي للتنمية انتهت أخيراً في العاصمة الأوزبكستانية طشقند

قال الدكتور محمد الجاسر، رئيس مجموعة البنك الإسلامي للتنمية، إن أولوية البنك خلال الفترة المقبلة ستكون التعافي الفوري من جائحة «كورونا»، والسعي الحثيث لإعادة الأوضاع الاقتصادية في الدول الأعضاء (57 دولة) إلى حالتها الطبيعية.
وكشف الجاسر الذي تقلد رئاسة البنك قبل أسابيع قليلة، في حوار موسع مع «الشرق الأوسط»، أن 21 بلداً من الدول الأعضاء مصنفة ضمن البلدان الأقل نمواً في العالم، وهو ما يجعل محاربة الفقر تمثل تحدياً رئيسياً وأولوية قصوى في خطط البنك، على حد تعبيره.
وعلى الرغم من أن كثيراً من دول العالم أنجز الكثير لمواجهة جائحة كورونا منذ نشوبها، فإن الطريق طويل من أجل استعادة الحياة الطبيعية، كما يرى الدكتور الجاسر الذي يرى وجوب تحصين الدول ضد مثل هذه الصدمات مستقبلاً، عن طريق التعاون على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية كافة.
وتحدث رئيس البنك الإسلامي أيضاً في الحوار عن الطرق التي استخدمها البنك في الاستجابة والتصدي لجائحة كورونا، والخطط المستقبلية لدعم الدول الأعضاء ومشاريعها التنموية، إلى جانب الدروس المستفادة من الجائحة، وضرورة تضافر الجهود العالمية للخروج من الأزمات بأقل الأضرار.. وإلى نص الحوار:
> بداية، كيف ترون أهمية عقد مجموعة البنك الإسلامي للتنمية لاجتماعاتها السنوية في طشقند، بحضور وزراء مالية واقتصاد ومحافظي البنوك المركزية في 57 دولة عضواً؟
- الاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الإسلامي للتنمية التي استضافتها مدينة طشقند، عاصمة جمهورية أوزبكستان، الأسبوع الأول من سبتمبر (أيلول) الحالي، لها كثير من الدلالات المهمة، ليس للبنك وحده، بل لمجتمع التنمية الدولي بأسره. فهذه الاجتماعات هي الأولى من نوعها التي يتم تنظيمها حضورياً على مستوى مؤسسات التمويل التنموي متعددة الأطراف بعد جائحة كورونا. وكما تعلمون، ظلت كل هذه المؤسسات خلال الجائحة تعقد اجتماعاتها السنوية عن بعد عبر الوسائط الإلكترونية، في سياق الإجراءات الوقائية المتبعة.
ومن خلال اجتماعاته السنوية في أوزبكستان، يفتح البنك الإسلامي للتنمية الباب لمؤسسات التمويل التنموي الدولية للعودة للحياة الطبيعية بعد الجائحة بإذن الله، مع الأخذ بالإجراءات الصحية والوقائية المتعارف عليها كافة، ويكرس البنك كل ما يملك من خبرات إدارية وتنظيمية وفنية وشبكة علاقات وشراكات متنوعة لإنجاح هذه الاجتماعات، لتصبح نموذجاً يحتذى به.
إن حرص البنك على عقد الاجتماعات حضورياً نابع من الأهمية القصوى التي يوليها للتواصل المباشر مع الدول الأعضاء لتلمس احتياجاتها من كثب، وللاطلاع على اهتماماتها وأولوياتها، لتكون هي محور خطط البنك وبرامجه المستقبلية. كما أن البنك يغتنم دائماً فرصة هذه الاجتماعات لينهل من معين الآراء التي يقدمها له محافظو مجموعة البنك في هذه المناسبات.
> من واقع خبرتكم، كيف يمكن التعامل مع التحديات الراهنة التي أفرزتها جائحة كورونا على اقتصادات الدول الأعضاء، وتجاوزها بأقل الخسائر بناء على ما ترونه من آفاق الاقتصاد العالمي وتأثره بالجائحة؟
- لا شك أن الجائحة أفرزت ظروفاً اقتصادية واجتماعية صعبة في جميع أنحاء العالم، ومن أهم الدروس المستفادة من الجائحة تعزيز القناعة بضرورة تضافر الجهود العالمية للخروج من الأزمات بأقل الأضرار، وبوسائل جديدة مبتكرة تدعم القدرة على الصمود، لا سيما في الدول النامية عامة، وفي الدول الأقل نمواً على وجه الخصوص. وقد أثبتت هذه الأزمة أن مثل هذه الجوائح حين تقع يتضرر منها الجميع دون استثناء.
ومنذ نشوب الجائحة، أنجز العالم الكثير من أجل مواجهتها، ولا يزال الطريق طويلاً من أجل استعادة الحياة الطبيعية، بل وتحصينها ضد مثل هذه الصدمات مستقبلاً، عن طريق التعاون على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية كافة.
وقد بادر البنك منذ بداية الجائحة بوضع خطة متكاملة، بمبلغ أولي قدره 2.3 مليار دولار أميركي، تستهدف بناء القدرة على الصمود في البلدان الأعضاء عن طريق 3 محاور: المحور الأول، الاستجابة الفورية للاحتياجات المستعجلة للدول الأعضاء، عن طريق عمليات تبادل الخبرات والمعارف فيما بين بلدان الجنوب، وكذلك فيما بين بلدان الجنوب وبلدان الشمال، وتم التركيز على تعزيز أنظمة الصحة من أجل تقديم الرعاية للمصابين، وبناء القدرات في مجال تصنيع أجهزة الاختبارات وإنتاج اللقاحات، وبناء القدرات للتأهب لمواجهة الجائحة. أما المحور الثاني، فتمثل باستعادة النشاط الاقتصادي، عن طريق دعم الأنشطة المتوسطة الأجل، وتمويل التجارة والمنشآت الصغيرة والمتوسطة. وركز المحور الثالث على الانطلاق من جديد، عن طريق وضع خطط طويلة الأجل تساعد على بناء اقتصادات على أسس متينة، لتكون قادرة على الصمود، وحفز الاستثمار الخاص لدعم التعافي الاقتصادي. وقد تم توسيع البرنامج، ليصبح المبلغ 4.5 مليار دولار، للمساهمة في مساعدة الدول الأعضاء في شراء وتصنيع اللقاحات.
ويعمل البنك كذلك على توسيع قاعدة شراكاته من أجل بناء القدرة على الصمود، وحشد الموارد عن طريق شبكة الإنمائيين والشركاء غير التقليديين، على غرار المؤسسات المانحة، والقطاع الخاص، والمستثمرين الاجتماعيين، وهذا سيساهم في دعم البلدان الأعضاء للاستجابة بفاعلية وكفاءة للتحديات المطروحة. وعلى سبيل المثال، تم حشد 10 مليارات دولار من قبل مجموعة التنسيق والصناديق العربية في الشهور الأولى من انتشار الجائحة.
ويظل البنك يدعو في كل المنابر لتحقيق استجابة دولية منسقة متضافرة من شأنها أن تقضي على هذه الجائحة. كما ظل البنك يحث الدول الأعضاء على تكثيف التعاون فيما بينها، وتعزيز التكامل في أنشطتها الاقتصادية والتجارية، ومشاركة تجاربها الإنمائية، والعمل على النطاق الداخلي على تعزيز الحوكمة، وتحقيق الشفافية من أجل تحقيق مناخ يساعد على سرعة التعافي والنهوض من جديد.
> هل تعتقدون أن الانتعاش الاقتصادي لفترة ما بعد كورونا سيأخذ وقتاً؟
- لا شك أن عودة الحياة الاقتصادية إلى طبيعتها، ومن ثم تحقيق الانتعاش على مستوى العالم يتوقف إلى حد كبير على جانبين: الأول هو مآلات الجائحة، والقدرة على احتوائها؛ والثاني مدى التضامن العالمي من أجل إزالة الأضرار التي خلفتها على مستوى آليات العمل والإنتاج، والعمل على بناء اقتصادات تتسم بالمرونة والقدرة على الصمود.
ولعل الدول الأكثر تضرراً هي الدول الأقل نمواً، حيث حدثت مستويات متباينة من التأثير السلبي على قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد عليها اقتصادات الدول الفقيرة، ويتبع ذلك التأثير السلبي على القطاع الصحي الذي تضرر بشدة في بعض الدول، وكذلك قطاع التعليم، حيث لا تستطيع تلك الدول توفير البدائل التي تضمن لها استمرار العملية التعليمية بشكل منتظم.
ومن أجل ذلك، تركز مجموعة البنك كل جهودها عن طريق برنامجها الاستراتيجي للتأهب والاستجابة لجائحة كورونا، لضمان عودة تلك الدول لحياتها الاقتصادية العادية، بل ومساعدتها لتحقيق المرونة المطلوبة لمواجهة مثل هذه الظروف الصعبة والتصدي لها مستقبلاً.
ولذلك، فإن الانتعاش الاقتصادي العالمي لن يتحقق في وقت واحد، ولا بالمستوى نفسه في الدول المختلفة. ولكن من الجيد أن نرى هناك عزيمة قوية على مستوى جميع دول العالم للخروج من الأزمة بأقل الأضرار، والاستفادة من تجربتها الصعبة في العمل على بناء مستقبل أكثر مرونة واستقراراً.
> إذن، كيف يساعد البنك الإسلامي للتنمية الدول الأعضاء، لا سيما منخفضة الدخل، في عملية العودة التدريجية لاقتصاداتها، وما المطلوب من هذه الدول للمساهمة في هذه العودة؟
- مساهمة البنك ستكون بتعزيز التواصل بينه وبين تلك الدول. وبما أني توليت مؤخراً زمام قيادة مجموعة البنك، فإن من أبرز الجوانب التي سأركز عليها اهتمامي السعي الحثيث، بالتعاون مع شركاء البنك التنمويين، لإعادة الأوضاع الاقتصادية في دولنا الأعضاء إلى حالتها الطبيعية. وفي هذا الصدد، وفي أول يوم عمل لي بالبنك، خاطبت الموظفين حول آفاق المرحلة المقبلة، وأكدت لهم أنه لا توجد أولوية لنا أكبر من التعافي الفوري من جائحة كورونا، وشددت على أن تحقيق ذلك يحتاج منا للعمل على مواجهة كثير من التحديات غير المسبوقة التي تتطلب من مجموعة البنك أن تكون أكثر قوة واستجابة للتحديات الماثلة، خاصة تلك المترتبة على الجائحة. وقد تمت معالجة كثير من هذه التحديات في برنامج المجموعة الاستراتيجي للتأهب والاستجابة، وستكون الأولوية لتطوير هذه الاستراتيجية بشكل أكبر، وتنفيذها لتؤتي أكلها.
أما بالنسبة للمطلوب من الدول الأعضاء لدعم هذا التوجه، فهو بلا شك تعزيز التعاون والشراكة فيما بينها، فالتحديات العالمية الحالية لا يمكن لدولة أن تواجهها بمفردها. لكن دولنا الأعضاء تزخر بالموارد البشرية والطبيعية، وهو ما يؤهلها لتحقيق النهضة المطلوبة، والتغلب على التحديات، لا سيما إذا ما استطاعت الإفادة القصوى من تلك الموارد، وتسخيرها لتحقيق النمو والازدهار لشعوبها، وعملت على تعزيز التعاون والتكامل فيما بينها.
> ما التحديات التنموية التي تواجه الدول الأعضاء، وما خططكم لمواجهتها خلال السنوات المقبلة؟
- التحديات التي تواجه دولنا الأعضاء كثيرة، وأزمة كورونا جاءت لتزيد من حجم تلك التحديات، وتستحث الجهود لمواجهتها. فمن بين دوله الأعضاء الـ57، يضم البنك 21 بلداً مصنفاً ضمن البلدان الأقل نمواً في العالم. لذلك، فإن محاربة الفقر تمثل تحدياً رئيسياً، وأولوية قصوى في خطط البنك. وتعاني كثير من الدول الأعضاء من ضعف قدراتها التنافسية في المجال التجاري، وعجز في موازينها التجارية، وضعف قطاعاتها الإنتاجية والخدمية، مما أدى إلى ارتفاع نسب البطالة.
وأود التأكيد على أنني وزملائي في مجموعة البنك نقوم حالياً بصياغة رؤية متكاملة تستهدف مجابهة تلك التحديات خلال السنوات الخمس المقبلة، وستتم صياغة هذه الرؤية من خلال البناء على النجاحات السابقة لمجموعة البنك، ودراسة الواقع الحالي، والتنبؤ بالمستقبل من أجل الخروج ببرنامج متكامل يعمل على تحقيق أهداف البنك بفاعلية، من حيث التكلفة وسرعة الإنجاز. وسيكون هذا الاجتماع فرصة مناسبة للاستماع للدول الأعضاء لمعرفة أولوياتها واهتماماتها، وتعزيز التعاون مع شركاء التنمية، وبحث أفضل السبل للعمل على ضمان استدامة البنك، وتطوير قدراته للاستجابة للتحديات بشكل أفضل، والمساهمة في جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة والمستدامة بشكل أكثر فاعلية.
> بحسب تجربتكم الشخصية، كيف تنظرون لدور الشباب في مستقبل تنمية اقتصادات الدول الأعضاء، خاصة في مجالات الابتكار وخلق فرص العمل؟
- حسب إحصاءات منظمة التعاون الإسلامي، فإن الشباب في الدول الأعضاء يمثلون 27 في المائة من حجم شريحة الشباب في العالم. وبحلول عام 2050، يتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى 35 في المائة. وهذه النسبة العالية من الشباب تمثل طاقات بشرية هائلة يمكنها أن تغطي الفجوة التنموية التي تعيشها هذه الدول، إذا أحسنا تأهيل هؤلاء الشباب وتوجيههم الوجهات التي تخدم قضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية في بلدانهم.
وبما أن الشباب هم أساس التنمية ووقودها، يخصص البنك نسبة كبيرة من موارده للتعليم والتأهيل وبناء القدرات، كما يدعم البنك كثيراً من برامج التمكين الاقتصادي للشباب من الجنسين، ويدعم بشكل خاص برامج ريادة الأعمال للشباب، وله شراكات مع كثير من المصارف في الدول الأعضاء يتم من خلالها تقديم التمويل الأصغر الذي يساعد في دمج الشباب في عمليات الإنتاج، مما يدعم النمو الاقتصادي، ويعالج كثيراً من التحديات التي تواجه الشباب، مثل الفقر والبطالة ونقص أو انعدام التمويل، فضلاً عن ضعف عمليات التدريب والتأهيل التي تساعد الشباب على تطوير أعمالهم.
وستهتم استراتيجيتنا الجديدة بزيادة التركيز على القضايا المتعلقة بالشباب حتى يكون البنك من أبرز المبادرين لدعم هذه الفئة الاجتماعية المهمة، في سياق تسخير الطاقات البشرية الضخمة للدول الأعضاء، وتوجيهها نحو البناء والتنمية.
> هل تتوقعون زيادة في تمويل المشاريع للدول الأعضاء من قبل البنك في الفترة المقبلة؟
- لا شك أن حجم التمويل سيكون محكوماً بعدد من العوامل، على رأسها البرنامج الاستراتيجي للتأهب والاستجابة للجائحة، ومحفظة البنك مع الدول الأعضاء، والبرامج والأولويات التنموية لتلك الدول، إلى جانب برنامج البنك للشراكة الاستراتيجية مع الدول الأعضاء الذي تتم صياغته عبر دراسات دقيقة مع الدول الأعضاء، يتم فيها تحديد الأولويات التنموية. وبناء على ذلك، يتم وضع خطة تمويلية بين مجموعة البنك والدولة العضو المعنية.
إن أولويتنا القصوى، كما ذكرت، هي التصدي للجائحة، وهدفنا استعادة الأوضاع الاقتصادية لما كانت عليه، ومن ثم الانطلاق بخطوات أسرع لتعويض ما فات من وقت وجهد واستثمارات خلال العامين الماضيين.
> شخصياً، ما نظرتكم المستقبلية لزيادة دور البنك، وهو واحد من أكبر بنوك التنمية في العالم، على المستويات الإقليمية والدولية؟
- إذا عدنا لاستراتيجية البنك حتى عام 2020، نجد أنها استهدفت أن يصبح البنك الإسلامي للتنمية بنكاً إنمائياً عالمي الطراز إسلامي المبادئ، وأن يكون قد ساهم كثيراً في تغيير وجه التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة في العالم الإسلامي. وقد استطاع البنك أن يحقق قدراً كبيراً من هذه الرؤية في المرحلة الماضية، فقد صار أكثر اندماجاً في مجتمع التنمية، وله شراكات واسعة مع كثير من المؤسسات والمنظمات ذات الأهداف المماثلة. كما زادت قدرته على حشد الموارد، ونقل الخبرات والتجارب المحلية والعالمية، وتسخيرها لقضايا التنمية في دوله الأعضاء.
وعلى المستوى الإقليمي والدولي، واصل البنك جهوده في تعزيز الشراكة مع جميع الأطراف الفاعلة في مجال التنمية، وبالتالي أصبح أقرب إلى أصحاب المصلحة، وأكثر فاعلية في المشاركة في قيادة العمل التنموي الجماعي، محققاً في هذا الشأن نصيباً كبيراً من النجاح.
وفي المرحلة المقبلة، سيواصل البنك انفتاحه وتعاونه مع الجميع، إيماناً منه بأن الشراكة الإيجابية ستحقق أضعاف ما يمكن أن يحققه البنك منفرداً من نتائج، وذلك خدمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بالدول الأعضاء.


مقالات ذات صلة

الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

الاقتصاد افتتاح قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

تصدرت الرؤية السعودية مشهد التحولات الاقتصادية في انطلاق قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» بميامي، وسط تأكيدات على قدرة اقتصاد المملكة على إدارة الأزمات.

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد مقر «المجموعة السعودية» في مركز الملك عبد الله المالي (الشرق الأوسط)

«السعودية للأبحاث والإعلام»: مواصلة إعادة هيكلة الأصول ودعم التوسع الاستثماري

أعلنت «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام» (SRMG) نتائجها المالية لعام 2025، حيث بلغت إيراداتها 2.673 مليار ريال (712.8 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد وزير المالية السعودي يتحدث في إحدى جلسات قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

وزير المالية السعودي: اضطراب النفط قد يتجاوز أزمة «كوفيد» إذا استمرت الحرب

حذر وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، من تداعيات اقتصادية عالمية قد تفوق في شدتها أزمة جائحة «كوفيد-19»، وذلك في حال استمرار النزاع مع إيران.

«الشرق الأوسط» (ميامي)
الاقتصاد الرميان يتحدث خلال مشاركته في قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الرميان: «صندوق الاستثمارات» يرسّخ استراتيجية طويلة الأجل ويستعد لمرحلة جديدة

أكد محافظ صندوق الاستثمارات العامة، ياسر الرميان، أن الاقتصاد السعودي يواصل الحفاظ على متانته واستقراره، مدعوماً بسياسات مالية وهيكلية قوية.

مساعد الزياني (ميامي)
خاص عدد من المركبات تستكمل إجراءات العبور في جسر الملك فهد الرابط بين السعودية والبحرين (واس)

خاص السعودية تكسر حصار مضيق هرمز بمنظومة ربط عابرة للقارات

كشفت السعودية عن تفوق منظومتها للنقل التي تحولت إلى رئة بديلة وشريان حياة يضمن استدامة تدفق التجارة العالمية في مواجهة تعطل مضيق هرمز الحيوي.

ساره بن شمران (الرياض)

ارتفاع الدولار يجدّد مخاوف «التسعير العشوائي» للسلع في مصر

مصريون يشتكون من «التسعير العشوائي» للسلع مع ارتفاع الدولار (الشرق الأوسط)
مصريون يشتكون من «التسعير العشوائي» للسلع مع ارتفاع الدولار (الشرق الأوسط)
TT

ارتفاع الدولار يجدّد مخاوف «التسعير العشوائي» للسلع في مصر

مصريون يشتكون من «التسعير العشوائي» للسلع مع ارتفاع الدولار (الشرق الأوسط)
مصريون يشتكون من «التسعير العشوائي» للسلع مع ارتفاع الدولار (الشرق الأوسط)

عطّل ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه في مصر، أخيراً، خطة العشريني أحمد عطا الله (يعمل محاسباً) الذي يسكن في منطقة المقطم بالقاهرة، بشراء شقة ليتزوج فيها، بعدما زاد صاحب العقار 100 ألف جنيه (الدولار يساوي 52.8 جنيه) على سعرها دفعة واحدة، متعللاً بتداعيات الحرب الإيرانية، وارتفاع الدولار.

وقال عطا الله لـ«الشرق الأوسط» إن «عملية البيع توقفت رغم أنها كانت بالجنيه المصري. البعض يستغل ارتفاع الأسعار لزيادة قيمة ما يعرضه، ولا أستطيع تحمل هذه الزيادة، وذلك بسبب ضعف الرقابة».

وارتفع الدولار نحو 5 جنيهات في مصر منذ بدء الحرب الإيرانية، فبعدما كان يتراوح بين 47 و48 جنيهاً، ارتفع سعره تدريجياً إلى ما يقرب من 53 جنيهاً، في وقت طمأنت الحكومة المواطنين بتوفر الدولار لإمدادات الصناعات والقطاعات الأساسية في الاقتصاد، وذلك بعدما أعلنت في مارس (آذار) الحالي رفع أسعار المحروقات بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، بسبب ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً.

وانعكست الزيادة في سعر الدولار على السلع والخدمات كافة، ويرى الخبير الاقتصادي علي الإدريسي أن «الزيادات التي حدثت تتجاوز القيم التي زاد بها الدولار أو المحروقات»، وأرجع ذلك إلى «سياسة التسعير العشوائي للسلع في مصر، مع ضعف الرقابة الحكومية على الأسواق».

ويفسر الإدريسي أن «أسعار السيارات شهدت زيادة من 30 ألف جنيه إلى 200 ألف جنيه، مع ارتفاع الدولار، رغم أن السيارات المعروضة كانت موجودة بالفعل لدى أصحاب المعارض قبل ارتفاعات الدولار، ومُحدداً لها هامش ربحهم، لكنهم استغلوا ارتفاع الدولار لرفع الأسعار، بحجة أنهم سيحتاجون لشراء سيارات جديدة بالأسعار المرتفعة».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «المنطقي رفع سعر السيارات التي سيتم استيرادها بعد الزيادة وليس العكس»، ويوضح: «لو كان هناك رقابة على الأسواق لتم منع التسعير العشوائي»، ويشير إلى أن «البعض يحقق مكاسب ضعفين نتيجة هذه الزيادات».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توفر العملة الصعبة استمرت عدة سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثرت الأزمة حينها على توفر السلع والخدمات وعمل عديد من القطاعات، ما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

مواطنون في سوق العتبة الشعبية بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

الباحث في أسواق المال محمد مهدي عبد النبي، يُرجع ارتفاع سعر الدولار في مصر مقابل الجنيه أخيراً إلى عدة أسباب، في مقدمتها خروج بعض «الأموال الساخنة» من السوق المصرية، وهي تدفقات أجنبية يستثمر أصحابها عادة في أدوات الدين من أذون وسندات خزانة، بحثاً عن أعلى فائدة وفرق أسعار العملات، ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «تخارجها من السوق المصرية يظل أقل من أزمات سابقة، وفي مقدمتها الحرب الأوكرانية عام 2022».

سبب آخر تحدث عنه عبد النبي، وهو زيادة الضغط على الموازنة العامة في عمليات الاستيراد المفتوحة حالياً، والتي تتطلب مزيداً من الدولارات بعد ارتفاع الأسعار العالمية، ما يعني زيادة الطلب، بالإضافة إلى الفجوة المزمنة بين الصادرات والواردات، وتراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وغيرها من القطاعات التي تُدر عملة صعبة.

وتوقع أن «يرتفع سعر الدولار إلى 55 جنيهاً أو أكثر إذا ما استمرت الحرب لفترة أطول، في المقابل يستبعد أن ينخفض الدولار إلى ما دون 50 في المائة قريباً، حتى لو توقفت الحرب»، داعياً إلى «مزيد من الرقابة على الأسواق».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

ويرى الإدريسي أن «المواطن هو أول من يتحمل تبعات ارتفاع الدولار أو المحروقات، ويعمق أزمته فكرة (التسعير العشوائي) التي لا تقتصر فقط على منطقة معينة، بل يتم عرض نفس السلعة بأسعار مختلفة من بائع إلى آخر في نفس المنطقة... البائع يُرجع الزيادة إما للدولار أو لحرب إيران أو لارتفاع الوقود».


«وول ستريت» تتراجع وسط تقييم المستثمرين لفرص التهدئة

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتراجع وسط تقييم المستثمرين لفرص التهدئة

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تراجعت المؤشرات الرئيسية في «وول ستريت»، الخميس، بعد مكاسب حققتها في الجلسة السابقة، وسط حذر المستثمرين بشأن التطورات في الشرق الأوسط وتقييم احتمالات خفض التصعيد في الصراع.

وأوضح الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن إيران تسعى جاهدةً للتوصل إلى اتفاق لإنهاء القتال، وحث طهران على «التعامل بجدية» مع المقترح الأميركي. ونقلت وكالة أنباء «تسنيم» الإيرانية عن مصادر مطلعة، أن طهران ردت رسمياً على اقتراح الولايات المتحدة المكون من 15 نقطة، في حين نفت إيران علناً أي مفاوضات حالية مع واشنطن، وفق «رويترز».

وأثارت الإشارات المتضاربة من كلا الجانبين حالة ترقب في الأسواق، حيث ظلت الآمال معلقة على تحقيق انفراجة تُعيد حركة الملاحة عبر مضيق هرمز الحيوي.

وقال جاك هير، كبير محللي الاستثمار في شركة «جايدستون»: «مع تضارب التصريحات، تحاول السوق فهم ما يجري بالضبط. نراقب أسعار النفط... وما زلنا حذرين بعض الشيء؛ لأن بعض السيناريوهات السلبية لا تبشر بالخير للاقتصاد العالمي». وأضاف: «لكن بشكل عام، إذا تمكنا من التوصل إلى حل سريع، فإن الظروف مهيأة لعام آخر جيد في السوق، مدعوماً ببعض المؤشرات الأساسية وأرقام النمو التي نشهدها».

وفي تمام الساعة 9:40 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، انخفض مؤشر «داو جونز» الصناعي 250.43 نقطة، أو 0.54 في المائة، ليصل إلى 46.179.06 نقطة، في حين خسر مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» ما مقداره 56.82 نقطة، أو 0.86 في المائة، ليصل إلى 6.535.08 نقطة، بينما تراجع مؤشر «ناسداك» المركب 262.81 نقطة، أو 1.20 في المائة، ليصل إلى 21.667.02 نقطة.

وكانت أسهم شركات التكنولوجيا الأكثر تراجعاً، حيث انخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» للقطاع بنسبة 1.3 في المائة. واستمرت عمليات بيع أسهم شركات تصنيع رقائق الذاكرة، مع تراجع أسهم «مايكرون تكنولوجي» و«سانديسك» و«ويسترن ديجيتال» بين 3.3 في المائة و4.8 في المائة. كما خسرت أسهم «ميتا بلاتفورمز» و«ألفابت» 3.2 في المائة و2 في المائة على التوالي؛ ما أثر على مؤشر خدمات الاتصالات، في حين تراجع مؤشر «فيلادلفيا لأشباه الموصلات» نحو 2 في المائة.

وحذَّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، الخميس، من أن تصاعد الصراع في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى انحراف الاقتصاد العالمي عن مساره التصاعدي، مع تهديد إغلاق مضيق هرمز برفع التضخم بشكل حاد.

وقد وضعت هذه التطورات البنوك المركزية في موقف صعب بشأن أسعار الفائدة؛ إذ لم يعد المشاركون في سوق المال يتوقعون أي تخفيف للسياسة النقدية من جانب «الاحتياطي الفيدرالي» هذا العام، بينما كانت التوقعات تشير إلى احتمال خفض أسعار الفائدة مرتين قبل اندلاع الصراع الإيراني، وفقاً لأداة «فيد ووتش».

وأظهرت البيانات ارتفاعاً طفيفاً في طلبات إعانات البطالة الأسبوعية في الولايات المتحدة الأسبوع الماضي؛ ما يشير إلى استقرار سوق العمل، ويسمح لـ«الاحتياطي الفيدرالي» بالإبقاء على أسعار الفائدة ثابتة مع مراقبة تأثير الحرب الإيرانية.

ومن بين الشركات التي شهدت تحركات ملحوظة، قفزت أسهم «أولابليكس» بنسبة 50 في المائة بعد موافقة «هنكل» الألمانية على شراء العلامة التجارية للعناية بالشعر في صفقة بلغت قيمتها 1.4 مليار دولار.

وتراجعت أسهم شركات تعدين الذهب المدرجة في الولايات المتحدة مع انخفاض أسعار الذهب بأكثر من 1 في المائة، حيث خسرت «سيباني ستيلووتر» 2.2 في المائة، وتراجعت أسهم «هارموني غولد» 1.1 في المائة.

وسجل عدد الأسهم المتراجعة تفوقاً على الأسهم المرتفعة بنسبة 2.78 إلى 1 في بورصة نيويورك، وبنسبة 2.38 إلى 1 في بورصة ناسداك. وسجل مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» تسعة مستويات قياسية جديدة خلال 52 أسبوعاً، بالإضافة إلى مستوى قياسي منخفض جديد، بينما سجل مؤشر «ناسداك المركب» 14 مستوى قياسياً جديداً و75 مستوى قياسياً منخفضاً جديداً.

ارتفاع عوائد سندات الخزانة

ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية في وقت مبكر من صباح الخميس، ووصل عائد سندات الخزانة الأميركية القياسية لأجل 10 سنوات إلى 4.37 في المائة بزيادة قدرها 4.2 نقاط أساس، في حين ارتفع عائد السندات لأجل عامين بمقدار 5.4 نقاط أساس ليصل إلى 3.934 في المائة.

وكتب توم دي غالوما، المدير الإداري لتداول أسعار الفائدة العالمية في شركة الوساطة المالية «ميشلر فاينانشال غروب»، في مذكرة يوم الخميس: «أدت التوترات في الشرق الأوسط إلى ارتفاع عوائد السندات نتيجة ارتفاع أسعار النفط، حيث بلغ سعر خام برنت 106 دولارات بزيادة 4 دولارات خلال الليل». وأضاف: «ارتفعت العوائد خلال جلسات التداول في آسيا وأوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، حيث قامت البنوك ومديرو الأموال بتصفية حيازاتهم من السندات تحسباً للغارات الجوية المتوقعة في نهاية الأسبوع».

وسجل آخر مستوى لجزء من منحنى عوائد سندات الخزانة الأميركية، الذي يقيس الفجوة بين عوائد سندات السنتين وعشر سنوات ويُنظر إليه بوصفه مؤشراً على التوقعات الاقتصادية، 43.59 نقطة أساس.


الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

افتتاح قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)
افتتاح قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)
TT

الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

افتتاح قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)
افتتاح قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

تصدرت الرؤية السعودية مشهد التحولات الاقتصادية في انطلاق قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» بميامي، حيث قدّمت المملكة خطاباً متوازناً يجمع بين «التحذير الاستراتيجي» و«اليقين الاستثماري».

وفيما دقّ وزير المالية، محمد الجدعان، ناقوس الخطر حيال اضطرابات جيوسياسية قد تفوق في وطأتها أزمة «كوفيد-19» مع تأكيده على أن اقتصاد المملكة مرن وقادر على إدارة الأزمات، رسم محافظ صندوق الاستثمارات العامة، ياسر الرميان، ملامح مرحلة جديدة من النمو عبر استراتيجية خماسية مرتقبة، مؤكداً أن متانة الاقتصاد السعودي تحوّلت من «بناء الداخل» إلى منصة عالمية تدعو رؤوس الأموال للمشاركة في فرص تاريخية غير مسبوقة.

ففي وقت تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والجيوسياسية عالمياً، وتزداد فيه وتيرة انتقال الاستثمارات والأفكار عبر الحدود والقطاعات، انطلقت يوم الخميس في ميامي النسخة الرابعة من قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار - الأولوية» تحت شعار «رأس المال المتحرك»،

هذا الحدث الذي يستمر حتى يوم الجمعة، ويختتم بكلمة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، يجمع أكثر من 1500 مشارك من قادة الأعمال وصنَّاع القرار والمستثمرين من الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط وأوروبا وآسيا وأفريقيا، في منصة تُعنى بإعادة رسم خريطة تدفقات رأس المال العالمي، وتعزيز فرص النمو المستدام والشامل.

وتأتي هذه القمة في لحظة «يشهد فيها العالم إعادة توزيع وتسعير وإعادة تصور لرأس المال»، بحسب مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار»، التي أوضحت أن «فهم هذه التحولات وصياغتها بشكل مسؤول هو ما يجمع هذا المجتمع العالمي».

الجدعان

حذّر الجدعان خلال جلسة حوارية، من أن التوترات الجيوسياسية الراهنة قد تؤدي إلى تداعيات اقتصادية عالمية تفوق في شدتها جائحة «كوفيد-19». وأكد أن استمرار هذه النزاعات واضطراب سلاسل الإمداد يستدعي تحركاً دولياً سريعاً لاحتواء الموقف.

وأوضح الجدعان أن «ضجيج الإعلام» قد لا يعكس دائماً الصورة الكاملة لما يجري على أرض الواقع، مشيراً إلى أن الأنشطة الاقتصادية اليومية لا تزال مستمرة رغم وجود تأثيرات محتملة تستدعي الحذر. ولفت إلى أن الأسواق العالمية استوعبت جزءاً من هذه التوترات، لكن استمرارها يهدد قطاعات حيوية تتجاوز النفط الخام، لتشمل المنتجات المكررة، والأسمدة، والصلب، والألومنيوم، والبتروكيميائيات.

استثمار الخمسين عاماً يحمي الحاضر

وفي سياق استراتيجية المملكة لإدارة الأزمات وتأمين الطاقة، سلّط الجدعان الضوء على الرؤية الاستباقية للمملكة، مشيراً إلى أن «خط أنابيب شرق - غرب» الذي استثمرت فيه السعودية مبالغ هائلة على مدار 50 عاماً دون عائد مباشر آنذاك، أثبت اليوم فاعليته القصوى كبديل استراتيجي ومسار آمن. وأكد أن هذا الخط يُستخدم حالياً بكفاءة عالية لإدارة الإمدادات النفطية العالمية والحدّ من تداعيات أزمة الطاقة الحالية، ما يجسد دور المملكة كصمام أمان لإمدادات الطاقة الدولية.

وأكد الجدعان أن الاقتصاد السعودي أثبت أنه قادر على إدارة الأزمات بكفاءة عالية، بفضل المصدات المالية القوية والمرونة الهيكلية التي وفّرتها «رؤية 2030»، ما يجعله نموذجاً لليقين في ظل بيئة عالمية مضطربة.

وزير المالية السعودي يتحدث في جلسة حوارية في قمة ميامي (الشرق الأوسط)

نموذج «اليقين» والمرونة

وشدّد الجدعان على أن المستثمرين يركزون في الظروف الراهنة على 3 عناصر رئيسية: «اليقين، والمرونة، وآفاق النمو»، مؤكداً أن السعودية تقدم نموذجاً فريداً بفضل استقرارها المالي وقدرتها المثبتة على إدارة الأزمات. وأشار إلى أن المرونة الاقتصادية لم تعد مجرد خيار، بل أصبحت «نهجاً استراتيجياً» مدمجاً في السياسات السعودية، مدعوماً بالاستثمار في رأس المال البشري والتقنيات الحديثة، ما مكّن المملكة من الحفاظ على معدلات نمو إيجابية رغم التقلبات العالمية.

التحول الخليجي: قوة اقتصادية متكاملة

وعلى الصعيد الإقليمي، أشاد الجدعان بالتحول النوعي في مستوى التنسيق والمرونة الاقتصادية بين دول مجلس التعاون الخليجي، مبيناً أنها أظهرت قدرة فائقة على التكيف ككتلة اقتصادية موحدة. وأضاف أن هذه المرحلة أسهمت في بناء قدرات جديدة جعلت الفرص الاستثمارية في المنطقة أكثر جاذبية ووضوحاً مما كانت عليه في السابق، ولا سيما القطاعات اللوجستيات، والدفاع، والعقار، والتكنولوجيا.

وأكد أن استقرار الاقتصاد العالمي مرهون باستقرار المنطقة وتأمين سلاسل التوريد للصناعات الأساسية، داعياً المجتمع الدولي إلى العمل المشترك، ومؤكداً أن الاقتصادات التي تتبنى سياسات استباقية وتستثمر في الإنسان والتكنولوجيا ستكون الأكثر قدرة على تحقيق النمو المستدام في بيئة عالمية متغيرة.

متانة الاقتصاد السعودي

من جهته، أكّد محافظ «صندوق الاستثمارات العامة»، ياسر الرميان، أن الاقتصاد السعودي يواصل الحفاظ على متانته واستقراره، مدعوماً بسياسات مالية وهيكلية قوية، في وقت يعمل فيه الصندوق على تطوير استراتيجية جديدة تستهدف توسيع قاعدة الشراكات وجذب رؤوس الأموال العالمية.

وقال الرميان، إن الصندوق يتمتع بمحفظة استثمارية «متنوعة ومرنة هيكلياً»، مشيراً إلى أن نهجه الاستثماري يقوم على رؤية طويلة الأجل، حيث «لا تُقاس العوائد على أساس فصلي، بل على مدى عقود».

وأضاف أن الصندوق مرّ بعدة مراحل تحول منذ تأسيسه، حيث كان في بداياته يقوم بدور «بناء الاقتصاد الوطني»، قبل أن ينتقل منذ عام 2015 إلى تسريع تطوير قطاعات متعددة داخل المملكة، وصولاً إلى المرحلة الحالية التي تركز على تعزيز الاستثمار المحلي وتوسيع نطاق التأثير الاقتصادي.

الرميان يتحدث في جلسة حوارية في قمة ميامي (الشرق الأوسط)

وأوضح أن المرحلة المقبلة ستشهد تحولاً في الاستراتيجية، مع التوجه إلى إشراك المستثمرين المحليين والدوليين بشكل أكبر، بعد أن كان الصندوق يعتمد في السابق بشكل رئيسي على الاستثمار المباشر. وكشف عن قرب الإعلان عن استراتيجية جديدة تمتد لـ5 سنوات، تهدف إلى جذب رؤوس الأموال من أطراف ثالثة وتعزيز الشراكات الاستثمارية.

وأشار الرميان إلى أن الصندوق بدأ بالفعل في تحقيق نتائج ملموسة في هذا الاتجاه، من خلال التعاون مع مؤسسات مالية عالمية، مثل «بلاك روك» و«فرانكلين تمبلتون»، لإطلاق صناديق استثمارية مشتركة.

ولفت إلى أن التحدي الأكبر في السنوات الماضية كان يتمثل في التعريف بالصندوق عالمياً، وقال: «عندما زرت الولايات المتحدة في 2015، لم يكن كثيرون يعرفون من هو صندوق الاستثمارات العامة، أما اليوم فنحن في مرحلة ندعو فيها العالم للاستثمار في السعودية».

وأكد أن المملكة عملت خلال العقد الماضي على بناء بيئة استثمارية متكاملة، تشمل تطوير البنية التحتية وتهيئة الأطر التنظيمية، بما يعزز جاذبيتها للمستثمرين في قطاعات متعددة، من بينها التطوير العمراني، ومراكز البيانات، والصناعات الدوائية، والطاقة المتجددة.

وفي ما يتعلق بالمشروعات الكبرى، أشار إلى أن الصندوق يتبنى نماذج شراكة متنوعة لا تقتصر على الاستثمار المباشر، بل تشمل صيغاً مثل الشراكات التشغيلية ونماذج البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، إلى جانب اتفاقيات شراء الإنتاج، بما يتيح مشاركة أوسع للقطاع الخاص.

دور الذكاء الاصطناعي

وتطرق الرميان إلى دور الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أنه يمثل «أداة» لتعزيز الكفاءة وليس هدفاً بحد ذاته، مشيراً إلى أن المملكة تمتلك مقومات قوية للاستفادة من هذه التقنية، تشمل توفر الطاقة والبنية التحتية والبيئة التنظيمية الداعمة.

وأوضح أن الصندوق يعمل مع شركات تقنية عالمية، مثل «مايكروسوفت» و«أوراكل»، لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لافتاً إلى أن بعض الشركات في المملكة نجحت في خفض التكاليف بنحو 20 في المائة وتحسين كفاءة التنفيذ بنسبة 13 في المائة عبر استخدام هذه التقنيات.

وأكد الرميان على أهمية قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» كمنصة عالمية لا تقتصر على تبادل المعرفة، بل تسهم في بناء علاقات وشراكات استراتيجية، مشدداً على أن «التواصل وبناء الشبكات» يمثلان عنصراً أساسياً لتحقيق الأهداف الاستثمارية في المرحلة المقبلة.

أتياس

وأكد الرئيس التنفيذي بالإنابة وعضو مجلس إدارة مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» ريتشارد أتياس أن قمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي تمثل منصة عالمية لفهم تحولات الاقتصاد الدولي، في ظل تسارع حركة رأس المال والتكنولوجيا عبر الحدود، مشدداً على أن دور المؤسسة يتجاوز النقاش إلى التأثير العملي في مسارات الاستثمار.

وقال أتياس، في لقاء إعلامي، إن القمة استهلت أعمالها بجلسة خاصة حول «النظام الجديد لأميركا اللاتينية»، استجابة لاهتمام متزايد بدور المنطقة، لافتاً إلى أن ميامي باتت «نقطة التقاء استراتيجية بين شمال وجنوب القارة الأميركية»، ومركزاً لإعادة توجيه الاستثمارات. وأضاف أن الجلسات شهدت مشاركة قادة أعمال ومسؤولين سياسيين، إلى جانب اجتماعات مغلقة بين المستثمرين.

أتياس يتحدث على هامش القمة في ميامي (الشرق الأوسط)

جدول أعمال القمة

وتناقش جلسات القمة قضايا الاستثمار العالمي والعلاقات الاقتصادية، بما في ذلك: «كيف تؤدي الشراكة الاستثمارية بين الولايات المتحدة والخليج تحت الضغط؟» و«ما شكل الهيكل الجديد للاتفاقات بين الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية؟»، في إطار بحث إعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية.

وفي سياق التحولات التكنولوجية، تركِّز القمة على دور الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، عبر جلسات مثل: «أين عائد الاستثمار في الذكاء الاصطناعي؟»، و«التقارب الكبير: بناء البنية التحتية لاقتصاد الذكاء الاصطناعي»، إضافة إلى نقاشات حول: «هل تقود الحكومات أم تتبع في سباق الذكاء الاصطناعي؟».

كما تشمل الأجندة موضوعات الطاقة والموارد، من خلال جلسات مثل: «كيف ستعيد صفقات الطاقة تشكيل القوة والربحية؟»، و«سباق المعادن الحيوية»، إلى جانب قطاعات الطيران والسياحة، عبر جلسات مثل: «هل تحدد المحاسبة تنافسية قطاع الطيران؟»، و«أين تتجه الاستثمارات الذكية في البنية التحتية للسفر؟».

كما تتناول جلسات أخرى قضايا أوسع، مثل: «التوقعات الاقتصادية العالمية»، و«كيف تتدفق القوة ورأس المال؟»، و«كيف يمكن حل أزمة التخارج البالغة 3 تريليونات دولار؟»، إضافة إلى جلسات مغلقة لصنَّاع القرار لتحديد أولويات الاستثمار.