هل يمكن اعتبار باكستان المنتصر الأكبر في أفغانستان؟

قراءة في المشهد الإقليمي بعد الانسحاب الأميركي

هل يمكن اعتبار باكستان المنتصر الأكبر في أفغانستان؟
TT

هل يمكن اعتبار باكستان المنتصر الأكبر في أفغانستان؟

هل يمكن اعتبار باكستان المنتصر الأكبر في أفغانستان؟

مع انتهاء الحرب في أفغانستان رسمياً وانسحاب الولايات المتحدة من الأراضي الأفغانية تاركة وراءها كميات ضخمة وثمينة من المعدات والآلات العسكرية بمليارات الدولارات وتولي جماعة «طالبان» المسؤولية، فإن السؤال الحقيقي الذي يمكن طرحه الآن هو مَن كان المنتصر الحقيقي في هذه «اللعبة» الدامية؟
مما لا شك فيه أن المحللين ومراكز الفكر تحدثوا بكثير من صراحة عن «الهزيمة المهينة» للولايات المتحدة والقوات المتحالفة معها. بيد أن هؤلاء طرحوا كذلك تقييمات للمكاسب والخسائر التي يلحقها – أو قد يلحقها - استيلاء «طالبان» على السلطة بالعديد من الأطراف المعنية في المنطقة، وبالأخص باكستان والصين، وهما الدولتان «الجارتان» اللتان تزعمان أن الصداقة بينهما أقوى من كل الظروف.
يرى مراقبون أن انتصار حركة «طالبان» يحمل أخباراً سعيدة للمؤسسة الأمنية والسياسية الباكستانية، ويرتبط هذا الانتصار الأخير بصلات تاريخية مع إسلام آباد وصراعها ضد السوفيات. واللافت، أنه حتى رئيس وزراء الباكستاني، عمران خان، بدا عاجزاً عن إخفاء فرحته باستيلاء «طالبان» على كابُل، وخرج على الملأ ليعلن أن أفغانستان بذلك «كسرت أغلال العبودية».
راهناً، يعكف صانعو السياسة في إسلام آباد بجد لتطوير الشرعية الدولية للحكومة الأفغانية الجديدة. وفي هذا الإطار، أجرى وزير الخارجية الباكستاني شاه محمود قريشي جولة عبر الدول المجاورة لأفغانستان، وبالتحديد، تاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان وإيران؛ سعياً لحشد الدعم للاعتراف بحكومة «طالبان». كذلك، حذر مؤيد يوسف، مستشار الأمن الوطني الباكستاني، خلال مقابلة أجرتها معه الصحافية كريستينا لامب من صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية في وقت قريب، من أن الغرب يجازف بوقوع هجمات 11 سبتمبر (أيلول) جديدة ما لم «يعترف على الفور» بـ«طالبان». ومع ذلك، تراجع عن هذا التصريح لاحقاً، في الوقت الذي نفت لامب مزاعم يوسف بشأن «سوء توصيف تصريحاته»، مؤكدة أن المقابلة مسجلّة.
- دور باكستان المزعوم
من جهة أخرى، هناك اعتقاد يسود أوساط المؤسسات الدبلوماسية والاستخباراتية في مختلف أنحاء العالم بأن انتصار «طالبان» ما كان ليتحقق من دون مساعدة فاعلة من باكستان. وفي هذا السياق، غرّد محمود سيكال، نائب وزير خارجية أفغانستان السابق والسفير لدى الأمم المتحدة وأستراليا، عبر «تويتر» هذا الأسبوع، قائلاً، إن باكستان خلقت «طالبان» في محاولة للتصدي للهند، مستشهداً في ذلك بتصريح للرئيس الباكستاني السابق الجنرال برويز مشرف.
وأشار سايكال أيضاً إلى ورقة بحثية بعنوان «شمس في السماء: العلاقة بين وكالة الاستخبارات الباكستانية والمتمردين الأفغان» وضعها مات والدمان من مركز كار لسياسات حقوق الإنسان التابع لكلية كينيدي للإدارة الحكومية بجامعة هارفارد. ثم قال في تغريدة لاحقة «فقط سياسة الضغط - العقوبات والتقارب على أساس شروط مع باكستان يمكن أن حدث تغييراً إيجابياً حقيقياً في أفغانستان ويحافظ على السلام والأمن الدوليين». وأردف، إن تقريراً جديداً صدر عن الأمم المتحدة يكشف العلاقات التكافلية بين تنظيمات «داعش - خراسان» وحركة «طالبان» و«القاعدة».
من ناحيته، صرح الجنرال ديفيد بتريوس، المدير العام السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، لـ«إن بي آر» في وقت سابق من الشهر، بأن عودة «طالبان» لم تكن لتتحقق لولا مساندة الداعم الرئيس للجماعة المسلحة... باكستان. وتبدو استجابة باكستان لانهيار الحكومة الأفغانية منسقة للغاية مع «طالبان»، إن لم يكن متفقاً عليها. وينبع هذا الاعتقاد من العلاقة الطويلة بين باكستان و«طالبان»، منذ مولد الجماعة المسلحة عام 1994، ودعم باكستان لاستيلائها المرة الأولى على السلطة في أفغانستان عام 1996، ووصولاً إلى إيواء مقاتليها وقادتها في أعقاب الغزو الأميركي بعد هجمات 11 سبتمبر، رغم ادعاء باكستان في الوقت ذاته دعمها للولايات المتحدة في «الحرب على الإرهاب».
على صعيد متصل، انضم إلى الاحتفالات بسيطرة «طالبان» على أفغانستان غالبية وسائل الإعلام الباكستانية والمسؤولون العسكريون المتقاعدون، وحتى مسؤولون بارزون في حزب عمران خان الحاكم، بجانب سخريتهم من الهند للهزيمة التي مُنيت بها في أفغانستان. وشارك كثيرون منهم في نشر مقابلة مع رئيس وكالة الاستخبارات الباكستانية السابق، الجنرال حميد غول، الذي يعتبر «الأب الروحي» لجميع الحركات المقاتلة يتحدث فيه عن «طالبان» ويسلط الضوء على قيم المساواة داخل الجماعة.
في الواقع، كان حميد غول مغرماً بالتباهي بأنه «عندما تجري كتابة تاريخ أفغانستان، فإنه سيسجل أن وكالة الاستخبارات الباكستانية، بمساعدة الولايات المتحدة، هزمت الاتحاد السوفياتي». وعلى هذا، علقت الصحافية البارزة نيروباما بالقول «لقد كان (الجنرال غول) محقاً في القول، إن تكتيك وكالة الاستخبارات الباكستانية في رعاية المسلحين والإرهابيين - الذين جرى تسليحهم وتزويدهم بالعتاد وتمويلهم من قِبل الولايات المتحدة - ضد الجيش الروسي في أفغانستان أجبر الكرملين على الانسحاب بشكل مخزٍ».
- العلاقة العميقة بـ«طالبان»
أدى غضب واشنطن بعد 11 سبتمبر إلى الإطاحة بـ«طالبان» ونفي أسامة بن لادن، الذي اختبأ في باكستان. أما القيادة السياسية لـ«طالبان» فاحتشدت داخل مدينة كويتا، عاصمة إقليم بلوشستان الباكستاني، والمناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية بشكل عام. ومن ثم، تحولت مناطق جنوب وشمال وزيرستان إلى ما يشبه الباب الدوار لمقاتلي «طالبان» الأفغانية و«شبكة حقاني» المرتبطة بها، إلى جانب «القاعدة» ومجموعة من الجماعات المقاتلة الأخرى، وعبر هؤلاء المقاتلون من وإلى أفغانستان كما يحلو لهم.
وفي هذا الصدد، قال الدكتور شاشي ثارور، وزير الدولة الهندي السابق للشؤون الخارجية، والنائب البرلماني في الوقت الحالي «مع سأم واشنطن من التخبط في المستنقع اللامتناهي في أفغانستان، ومعاونة وكالة الاستخبارات الباكستانية عملاءها من (طالبان) على إعادة تسليح أنفسهم وإعادة تنظيم صفوفهم واستئناف عملياتهم ضد النظام المدعوم من الولايات المتحدة في كابُل، تحوّل المشهد العام لصالح باكستان». وأردف ثارور «كانت الولايات المتحدة على علم بذلك، لكن حاجتها إلى باكستان كساحة خلفية لوجستية للحرب في أفغانستان كانت كبيرة، لذلك لم تضغط على الجيش الباكستاني بما يكفي للعمل ضد مثل هذه الملاذات الآمنة للمسلحين».
- تحديات رغم الابتهاج
ومع ذلك، يعتقد كثيرون أنه على الرغم من ابتهاج باكستان بنجاح «طالبان» في ضوء نظرية «العمق الاستراتيجي» ضد الهند، فإن القيادة الباكستانية ستواجه صعوبة في ترويض الحركة. وفي هذا السياق، أعرب المحلل الأمني الهندي الميجور غوراف آريا عن اعتقاده بأنه «طوال السنوات، كانت باكستان تؤوي «طالبان» ، ولم تسمح الدولة الباكستانية لـ«طالبان» باتخاذ قرار محاورة الحكومة الأفغانية أو الولايات المتحدة من دون موافقتها. وأخطأ زعيم «طالبان» الملا عبد الغني برادر في التواصل مع حامد كرزاي بشكل مستقل، إبان رئاسة الأخير لينتهي به الحال إلى الاحتجاز في أحد سجون باكستان. ثم إن مقاتلي «طالبان» يعرفون جيداً مَن دفع رفاقهم إلى خليج غوانتانامو - حيث لم يعد البعض منهم حتى الآن. ودعونا نقتبس هنا من الغلاف الخلفي لكتاب لسيرة الذاتية للجنرال مشرف، المكتوبة عام 2006 عندما كان لا يزال في منصبه «لقد أسرنا 672 وسلمنا 369 إلى الولايات المتحدة. وكسبنا مكافآت بلغ مجموعها ملايين الدولارات».
وأضاف المحلل الهندي «لا يمكن أن تتلاشى هذه الذكريات بسهولة، على الرغم من أن المنتصر حديثاً قد لا يطيل التفكير في مثل هذه الأمور في الوقت الحالي». وتابع «(طالبان) تتحدى بالفعل مصالح باكستان. على سبيل المثال، شعرت إسلام آباد بالإحباط بسبب إحجام (طالبان) عن التحرك ضد الآلاف من مقاتلي (طالبان باكستان) في شرق أفغانستان». وقال المتحدث باسم «طالبان» ذبيح الله مجاهد، إن على إسلام آباد التعامل مع «طالبان باكستان»؛ لأن هذه الجماعة ليست مشكلتهم. ويتضح من تصريحات المتحدث باسم «طالبان» أن الحركة لن تظل دمية في يد باكستان. ولذا؛ قد تواجه باكستان مثل أي دولة أخرى في المستقبل نفس التهديد من «طالبان».
أكثر من هذا، في صدمة لباكستان، أدلى قادة من «طالبان» بعدد من التصريحات الإيجابية إزاء الهند. وكمثال، شدد شير محمد ستانيكزاي، رئيس اللجنة السياسية لـ«طالبان»، على اهتمام الحركة بمواصلة الشراكة مع الهند سياسياً واقتصادياً. ونشير هنا إلى أن شير محمد - المعروف شعبيا باسم «شيرو» في الدوائر العسكرية الهندية – كان قد تدرب في أكاديمية عسكرية هندية باعتباره مجنداً في الجيش الأفغاني إبان فترة حكومة نجيب الله، قبل أن يحوّل ولاءه إلى «طالبان». ومن اللافت أن «طالبان» أكدت للهند مرة أخرى أنها ستعالج مخاوف نيودلهي إزاء الأنشطة «المعادية للهند» والإرهاب على نحو إيجابي، وذلك خلال اجتماع بين السفير الهندي لدى قطر ديباك ميتال وشير محمد في السفارة الهندية بالدوحة.
ووفق المحلل الباكستاني قمر شيما، الذي يدير قناة على «يوتيوب»، «ثمة مشكلة أخرى وشيكة، هي أنه بعد استقرار (طالبان) في السلطة، ستطفو قضية الحدود الباكستانية - الأفغانية وخط دوراند من جديد على السطح. وثمة شعور داخل باكستان بأن (طالبان) لن تفعل الكثير لتبديد المخاوف الاستراتيجية لباكستان. ومثل الحكومات الأفغانية السابقة، رفضت (طالبان) الاعتراف بخط دوراند كحدود دولية بين أفغانستان وباكستان. بل وأعلنت (ذراع) «طالبان) الأفغانية في باكستان، حركة (طالبان باكستان)، أنها تقاتل من أجل أفغانستان أكبر».
- مصالح الصين وباكستان
من جهة أخرى، منذ استيلاء «طالبان» على كابُل، كثفت الصين وباكستان اتصالاتهما وسط شعور بالبهجة تجاه «الهزيمة المهينة» للولايات المتحدة. ويذكر أن سفاراتي البلدين تعملان بشكل كامل في أفغانستان. ومع اعتماد «طالبان» الأفغانية على إسلام آباد في حشد دعم جيرانها نيابة عنها، يرى البعض أن نظام «طالبان» في كابُل قد يعني أن أفغانستان قد تسقط في «فلك» باكستان، وبالتبعية... الصين.
في هذا الشأن، يمكن الرجوع إلى البيان الأخير للمتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية هوا تشون ينغ، التي صرحت يوم 19 أغسطس (آب) الماضي بأنه يتوجب على المجتمع الدولي «الحكم على حركة (طالبان) الأفغانية بموضوعية». وأضافت، أن «طالبان» «لن تكرر الماضي، وهم الآن أكثر حكمة وعقلانية»، مقارنة بآخر مرة حكموا فيها أفغانستان وفي وقت سابق، استضافت بكين كبار قادة «طالبان» وسط اهتمام إعلامي كبير.
وفي المقابل، قال غوتام موخوبادهايا، سفير الهند السابق لدى كابُل، إنه «بعد تعرضها لانتقادات واسعة النطاق بشأن أصل فيروس (كوفيد – 19)، اغتنمت الصين فرصة إذلال الولايات المتحدة إثر (هزيمتها) المتمثلة بانسحاب القوات الأميركية من أفغانستان». من وجهة نظر بكين، فإن تعثر القوات الأميركية في أفغانستان له فوائد جيوسياسية كبيرة للغاية. ويعتقد البعض أن اعتماد «طالبان» على باكستان سيسمح للصين بتوسيع «مبادرة الحزام والطريق» الطموحة لتشمل أفغانستان. أما بكين، فيمكنها رد الجميل من خلال استخدام سلطتها كعضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للدفاع عن نظام «طالبان» في كابُل. وتعد حقيقة أن حركة «طالبان» تجلس الآن على كنز معادن يقدّر بتريليون دولار - خاصة الاحتياطيات الضخمة من الليثيوم - مصدر تفاؤل لدى كل من إسلام آباد وبكين. ومن المهم أيضاً أن نذكر هنا جهود الصين الحثيثة لتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط. وللعلم، فالصين ليست المشتري الرئيسي لنفط الشرق الأوسط فحسب، بل تمكنت شركات التكنولوجيا الصينية كذلك من تطوير شراكات استراتيجية مع عدد من أبرز دول المنطقة أيضاً».
بناءً عليه، يبدو واضحاً أن بكين ترى مخاطر وفرصاً واعدة وراء عودة «طالبان» إلى السلطة. ومع ذلك، يبقى لدى بكين مخاوف مشروعة من إمكانية تحول أفغانستان مرة أخرى إلى نقطة انطلاق للإرهابيين بسبب الروابط التاريخية لـ«طالبان» مع الجماعات المتشددة، بما في ذلك «الحركة الإسلامية في تركستان الشرقية»، التي تضم قوى إسلامية من شعب الأويغور الثائر ضد الحكم الصيني، والذين تتهمهم بكين بشن «الهجمات الإرهابية» في إقليم سنكيانغ (تركستان الشرقية).
ومع أن الملا عبد الغني برادر، أحد مؤسسي «طالبان»، أكد لوزير الخارجية الصيني وانغ يي، خلال زيارته للصين، الشهر الماضي، بأن «طالبان» لن تسمح للمقاتلين الأجانب بالعمل من داخل أراضي أفغانستان. تبقى بكين غير مقتنعة وغير مطمئنة. ثم إنه في الشهر الماضي فقط، قُتل تسعة عمال صينيين في تفجير انتحاري داخل باكستان، وألقت إسلام آباد في وقت لاحق باللوم على حركة «طالبان باكستان» عن الهجوم.
- ما هو خط دوراند؟
> جرى ترسيم «خط دوراند» لأسباب استراتيجية بريطانية بحتة، ويخترق هذا قلب أراضي الباشتون... أكبر المكوّنات الأفغانية. ومن جانبها، لم تقبل أفغانستان، الدولة التي أسسّها الباشتون (الباثان أو الأفغان) في منتصف القرن الميلادي الثامن عشر، قط هذه الحدود. وعندما أسدل الستار عن الحكم البريطاني في شبه القارة الهندية، عام 1947، رفضت الحكومة الأفغانية في البداية الاعتراف باستقلال باكستان ما لم تتخل باكستان عن «خط دوراند» وتسلم أراضي الباشتون إلى أفغانستان. وما كان مستغرباً أن ترفض باكستان ذلك.
وهكذا، واصلت الحكومات الأفغانية المتتالية رفض الاعتراف بـ«خط دوراند» كحدود قانونية، وحاولت من وقت إلى آخر إثارة النزعة الانفصالية الفئوية الباشتونية داخل باكستان.
ورداً على ذلك، حاولت باكستان على امتداد 70 سنة تقريباً إما التأثير على أفغانستان أو إضعافها من خلال مزيج من الضغوط الاقتصادية والإغراءات مع دعم عمليات التمرد داخل أفغانستان.
ومن ثم، شكلت هذه الاستراتيجية دافعاً رئيسياً وراء توفير باكستان الملاذ لـ«طالبان» الأفغانية، تماماً كما في الثمانينات (بالتحالف مع الولايات المتحدة). وكانت كذلك أحد الحوافز وراء الدعم الباكستاني لـ«المجاهدين» الأفغان ضد الدولة الشيوعية الأفغانية وداعميها السوفيات.
والمفارقة اللافتة، أنه على الرغم من هذا الدعم والمأوى الباكستاني، كانت القومية الأفغانية سبباً وراء رفض قيادة «المجاهدين» الأفغان و«طالبان» الأفغانية على نحو قاطع الاعتراف بـ«خط دوراند».
- نقطة الاشتعال في بلوشستان
> تواجه الحكومات الباكستانية حركة تمرد داخل إقليم بلوشستان الممتاد على الحدود الجنوبية لأفغانستان، منذ تأسيس باكستان عام 1947. ويذكر أن ميناء غوادر الشهير الذي بنته الصين يقع في هذا الإقليم. وتتضمن أسباب الصراع المشتعل بين بلوشستان وباكستان المشاعر القومية العرقية القوية في الإقليم، جنبا إلى جنب مع مشاعر الإقصاء الاقتصادي والسياسي.
وتتهم باكستان منذ زمن الهند باستغلال مشاعر متمردي بلوشستان ضدها، وتزعم أنها وفرت ترسانة لمهاجمة المصالح الباكستانية.
يقع إقليم بلوشستان في جنوب غربي باكستان ويشكل نصف إجمالي أراضي باكستان. ومع أن سكان الإقليم المتاخم لأفغانستان لا يشكلون سوى 3.6 في المائة من إجمالي سكان باكستان، يحظى الإقليم بأهمية استراتيجية كبيرة بسبب التركيز العالي للموارد الطبيعية فيه، بما في ذلك الغاز والنفط والنحاس والذهب. كما أنه رغم وفرة الموارد الطبيعية فيه، لا يزال بلوشستان أفقر أقاليم باكستان.



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.