تحولات في نظرة الديمقراطيين والجمهوريين إلى أولويات السياسة الخارجية الأميركية

خسارة الرئيس للأكثرية في الكونغرس «تمرين» انتخابي أرساه المؤسسون لمنع الحكم المطلق

تحولات في نظرة الديمقراطيين والجمهوريين إلى أولويات السياسة الخارجية الأميركية
TT

تحولات في نظرة الديمقراطيين والجمهوريين إلى أولويات السياسة الخارجية الأميركية

تحولات في نظرة الديمقراطيين والجمهوريين إلى أولويات السياسة الخارجية الأميركية

بعيداً عن المناكفات السياسات الحزبية الضيقة في الولايات المتحدة، فإنه من الممكن القول بقليل من الحذر، إن مساءلة الرئيس الأميركي جو بايدن والتشكيك بمكانته وبقراراته، بل حتى بمستقبله السياسي وحزبه الديمقراطي، ما كانت قضايا تطرح في هذه الفترة القصيرة من عهده الرئاسي، لولا «التخبط» الذي ظهرت فيه عملية الانسحاب الأميركي من أفغانستان.
لعل الإجماع يكاد يكون كاملاً بأن صورة أميركا تعرّضت للخدش في ظل الارتباك الذي عانته إدارة بايدن، مع صور الفوضى التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، أكان في مطار كابُل أو المطارات الأميركية التي كانت تستقبل قوافل المرحّلين الأفغان. ولكن من بين الأسئلة الرئيسة المطروحة الآن، سواءً في الولايات المتحدة أو لدى الحلفاء والخصوم معاً: هل كان خطأ تمسك بايدن بموعد 31 من أغسطس (آب) لإنهاء الانسحاب، أم كان كلفة ارتضاها في هذه المرحلة المبكرة، ليتجنب خسارات كان من الممكن أن تكون كلفتها أكبر في مرحلة متقدمة من عهده؟
وهل ما جرى يعكس انزياحاً أميركياً مفصلياً، يؤشر إلى عهد جديد دخلته سياسات الولايات المتحدة على قاعدة الشعار إياه... «أميركا أولاً»، في علاقتها ونظرتها نحو مصالحها في العالم؟
نعم، لقد خلّف الانسحاب الأميركي من أفغانستان، بعد الحملة العسكرية السريعة التي شنتها حركة «طالبان» وأحكمت فيها قبضتها على عموم البلاد، أسئلة كثيرة أخرى طُرحت وسيُطرح غيرها الكثير. وقد يحتاج الأمر إلى أشهر أو إلى سنوات، لمعرفة ما سترسو عليه المعادلات الجديدة التي بدأت ترتسم على الأرض. إذ إن الارتباك لم يُصب إدارة الرئيس جو بايدن الديمقراطية وحدها، بل أصاب أيضاً خصومه السياسيين في الداخل، وحلفاءه وخصومه الخارجيين على حد سواء.
وفي حين يراهن أنصار الرئيس بايدن على «ذاكرة الأميركيين القصيرة»، وانجذاب الرأي العام عادة للسياسات الداخلية، للحكم على أدائه، فإن الانقسام داخل تيارات الحزبين الديمقراطي والجمهوري، يظهر وجهات نظر أكثر جذرية تجاه السياسة الخارجية. وهي انقسامات حقيقية تشير إلى أن المؤسسة السياسية الأميركية بضفتيها، لا تزال تبحث عن صيغة موحّدة حولها، خلال ابتعادها عن الأزمات الدولية والإقليمية التي طبعت شراكاتها مع حلفائها الأوروبيين، منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم.
- بين بايدن وترمب
في مراجعة سريعة لما أنجزه بايدن خلال الأشهر السبعة التي انقضت من عهده، يمكن القول إنه لا يزال ملتزماً بشكل لافت بأجندة الرئيس الجمهوري السابق دونالد ترمب. إذ نفّذ الانسحاب السريع والكامل من أفغانستان الذي تفاوض عليه العام الماضي مع حركة «طالبان». وأبقى على التعريفات الجمركية كلها ضد الصين، وكذلك على واردات البلاد من المعادن. أيضاً واصل بايدن سياساته التي تسمح بالترحيل السريع لطالبي اللجوء بحجة الأخطار الصحية الناجمة عن جائحة «كوفيد - 19».
من ناحية أخرى، كان بايدن قد خطّط أيضاً للحفاظ على الحد الأقصى السنوي المنخفض الذي وضعه ترمب لقبول اللاجئين عند 15 ألفاً، ورفعه إلى 62 ألفاً، فقط، بعد احتجاج التيار اليساري. وذكرت صحيفة «بوليتيكو» الشهر الماضي، أن إدارة بايدن دعمت انتهاء صلاحية بعض التأشيرات، وأيّدت متطلبات أكثر صرامة للبطاقة الخضراء، ودعمت رفض الإقامة الدائمة لآلاف المهاجرين القانونيين، ودافعت عن عدد من قضاة المحكمة الذين عيّنهم ترمب في ملف الهجرة. كما اتُهمت إدارة بايدن بانتهاك الحماية للأطفال المهاجرين المحتجزين لدى الحكومة، تماماً كما فعلت إدارة ترمب. وحتى قراراته بإلغاء سياسة «البقاء في المكسيك» ألغتها المحكمة العليا التي كان ترمب قد مدّدها لعام واحد وانتهت في 31 أغسطس المنصرم.
وفي حين حقق بايدن، داخلياً، هدف ترمب المتمثل في صفقة إنفاق ضخمة على البنية التحتية بقيمة تقارب 4 تريليونات دولار، وواصل سياسة الإنفاق المفرط وزيادة العجز، فإنه على الصعيد الخارجي، لم يتخل عن دعم أصدقاء الولايات المتحدة في منطقة الخليج. إذ وافق على مواصلة صفقة الطائرات لدولة الإمارات بقيمة 23 مليار دولار، وأعطى موافقته على مواصلة مد خط الأنابيب الروسي إلى ألمانيا، لكنه فرض عقوبات على روسيا بسبب هجماتها الإلكترونية على «المصالح الأميركية».
أيضاً في مجال السياسة الخارجية، لم يرفع الرئيس الديمقراطي سياسات ترمب المتشددة ضد كوبا، التي رفض قادتها الجدد الانضمام إلى مظلة المصالح الأميركية، رغم اليد التي مدّها إليهم أوباما قبيل مغادرته منصبه. وفي الشأن الإيراني لم يُعد تلقائيا وببساطة إلى الاتفاق النووي مع إيران. ثم رغم عودته إلى منظمة الصحة العالمية، كانت استجابة إدارته بطيئة لمشاركة فائض اللقاحات التي تفوقت في اختراعها الولايات المتحدة، والمواد الخام مع العالم. ولقد تجاهل بايدن نداءاتها بأن الجرعة المعززة الثالثة من اللقاح يمكن أن تنتظر قليلاً، حتى إكمال تطعيم مزيد من شعوب العالم درءاً لوقف تحوّر الفيروس على الأقل.
ولكن لماذا هذا الانتقاد لسياسات بايدن؟ وهل السياسات الشعبوية، اليمينية واليسارية، هي المسؤولة عن هذا الاختناق الذي يقسم المجتمع الأميركي؟
مما لا شك فيه أن قصوراً لوجيستياً قد وقع خلال تنفيذ الانسحاب من أفغانستان. وسقوط 13 جندياً أميركياً في الهجوم الإرهابي الذي نفذه تنظيم «داعش» في الأيام الأخيرة، زاد الانتقادات حدة. وبالتالي، يمكن القول إنه قلما شهدت الولايات المتحدة انقساماً داخلياً أمام خطر خارجي يداهمها، وتعالت فيها الدعوات لعزل الرئيس. وللتذكير، لم يدع معارضو الرئيس الأسبق رونالد ريغان إلى إقالته، عندما سقط نحو 240 جندياً أميركياً في التفجير الانتحاري قرب مطار بيروت عام 1983.
- «أميركا أولاً» والعالم
أغلب الظن أن الهجمات المكثفة التي يتعرّض لها بايدن اليوم، تعود إلى الحزبية الضيقة ومحاولة التركيز على «الصفات» الشخصية ومقارنته بترمب. فالجمهوريون اليوم بغالبيتهم، مُغرمون بأسلوب ترمب الشعبوي في مهاجمة المؤسسات والإدارة عبر تغريداته وكلامه العنيف، وخصوصاً دفاعه عن الأميركيين البيض. إلا أنهم غافلون عن - أو على الأقل لا يريد قادتهم الاعتراف بعمق - التحولات العميقة التي تشهدها السياسات الأميركية منذ أكثر من عقد، والتي بدأت مع عهد باراك أوباما، واستمرت مع ترمب... وها هي تتعزز وتتوضح بشكل أكبر مع بايدن.
وفي حين لا تزال رؤية «أميركا أولاً» التي روّجها ترمب - الذي أبرم الاتفاق مع «طالبان» كجزء من تعهده بإنهاء «الحروب الأبدية» - قوية في معظم أركان الحزب الجمهوري وقاعدته، تبقى بعض الأصوات المؤثرة مستمرة في تبني نهج تدخل قوي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحقبة جورح بوش الابن و«حربه على الإرهابـ«.
في بداية أغسطس الفائت، عكس استطلاع للرأي أجرته شبكة «سي بي إس نيوز»، مدى الارتباك والتشويش لدى قاعدة الحزب. وأوضح الاستطلاع، أن 94 في المائة من الناخبين المؤيدين لترمب، يعارضون سياسات بايدن، بينهم 86 في المائة يعارضونه بشدة. كما أعلن 61 في المائة منهم أنهم لا يوافقون على الانسحاب الذي تفاوض عليه ترمب من أفغانستان. حتى زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس النواب، كيفين مكارثي، قال الأسبوع الماضي، إن «الطريقة الوحيدة التي نريدها هي أن يكون هناك قوات في أفغانستان للتأكد من عودة الأميركيين بأمان». وبعد ذلك بدقائق قليلة، اقترح مكارثي أنه كان سيقوم «بفحص وصيانة قاعدة بأغرام الجوية» شمال كابُل، كموقع أمامي دائم «للنظر في الأفق» لردع أي نشاط إرهابي في المستقبل. وعن هذه الخطوة قال مسؤولو البنتاغون إنها تتطلب نشر آلاف أخرى من القوات على الأرض لحماية القاعدة.
ويوم الثلاثاء الماضي قال مكارثي، إنه سيذعن لما تقترحه قيادة البنتاغون بشأن وجود عسكري طويل الأمد في أفغانستان. وفي نهاية المطاف، أضاف «علينا أن ندع الجيش يتخذ هذا القرار».
ومع أن مكارثي، الذي تولّى منصبه عام 2007 كمؤيّد قوي لبوش - وحافظ على علاقات وثيقة مع شخصيات روّجوا لرؤيته عن الإرهاب في واشنطن - قد غادر تلك السياسات، فإن الارتباك الجمهوري يتبدّى أكثر في مجلس الشيوخ، حيث يتبنى البعض نهج «الصقور» التقليدي الذي جسّده السيناتور الراحل جون ماكين. إذ إن السيناتور ميتش ماكونيل، زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ، الذي اصطدم بترمب بشأن تلك الرؤية، ما زال يدعو إلى دور «أكثر قوة» في الشؤون الخارجية، وانتقد بشدة تعامل ترمب وبايدن مع أفغانستان. وقال يوم الثلاثاء في بيان، إن «هذه المعركة لن تنتهي لمجرّد أن سياسيينا يريدون التخلص منها».
في أي حال، نبرة بايدن القوية يوم الثلاثاء وتحديه منتقدي انسحابه من أفغانستان، اعتبرت مؤشراً، على الأرجح، لإدارة الانقسامات وتأجيجها بين الجمهوريين، إذا ما واصلوا انتقاده. لكن تصريحات لافتة للنائب الجمهوري اليميني المتشدد مات غايتز (من ولاية فلوريدا، وهو أحد غلاة مؤيدي ترمب) أشارت إلى التبدلات التي يشهدها الحزبان الجمهوري والديمقراطي، في النظر إلى كيفية «تغيير العالم» و«تعميم الديمقراطية»... التي قال بايدن إنها ليست مهمتنا. فلقد قال غايتز «إذا كان هناك أي شيء، فإن إخفاقاتنا الأخيرة في أفغانستان تظهر الإخفاقات المنهجية لفكرة بناء الدول... لقد كان من الممكن أن نبقى في أفغانستان لخمسة أيام أخرى، أو خمسة أسابيع، أو خمسة أشهر، أو خمس سنوات، ولن نغير النتيجة النهائية».
في سياق موازٍ، بينما يدعم الناخبون الديمقراطيون بايدن لأنه أعاد «الهدوء والاستقرار إلى واشنطن»، وأوقف «تهشيم» المؤسسات الديمقراطية، وألغى العديد من سياسات ترمب في مجالات مثل تغير المناخ والحقوق المدنية والاستجابة للفيروس، فإنهم – وبالأخص، أنصار الجناح اليساري – يشعرون بخيبات أمل إزاء العديد من سياساته، في ظل احتفاظه بالعديد من سياسات ترمب الشعبوية، في مجالات كالحمائية التجارية والإنفاق الكبير، وحتى في سياسة سحب القوات، التي لطالما طالبوا بإلغائها حتى من قبل ظهور ترمب.
- خسارة الانتخابات النصفية «تقليد» رئاسي
إلا أن خيبات الأمل تلك قد لا تكون هي السبب المباشر عن احتمال خسارة الديمقراطيين لانتخابات التجديد النصفية العام المقبل. فالتجارب والشواهد التاريخية التي توضح كيفية اشتغال «النموذج الأميركي» في تداول السلطة، تظهر أن غالبية الرؤساء كانوا يخسرون الغالبية، سواء في مجلس الشيوخ أو النواب، بعد سنتين من بداية عهودهم.
هكذا خسر بيل كلينتون وجورج بوش الابن وباراك أوباما ودونالد ترمب الغالبية في مجلس النواب بعد سنتين من رئاساتهم. ويردّ البعض هذا «التمرين» الانتخابي الذي يقبل عليه الأميركيون، إلى أصول وتقاليد عقائدية بروتستانتية، أرساها المؤسسون الأميركيون الأُول. إذ إن السلطات الهائلة التي يمنحها الدستور الأميركي للرئيس، قد تمنحه سلطة هائلة ومطلقة، وهو ما لم يرده المؤسسون إطلاقاً. ولذا؛ فإنهم سعوا إلى تقليص هذه السلطات وتشتيتها عبر منحهم مجلسي الشيوخ والنواب سلطات كبيرة ومعطلة في سنّ القوانين وإقرارها.
لقد كان الانسحاب من أفغانستان، الذي تعرض لانتقادات شديدة، تحدياً كبيراً وخطيراً للديمقراطيين وخطتهم للتركيز على القضايا المحلية. لكنه كشف في المقابل عن مدى فشل الجمهوريين في طرح رؤية واضحة للعالم، عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية والتدخل العسكري، بما يتجاوز إدانتهم الموحّدة لبايدن. ولعل هذا الأمر يكشف عن تحوّلات استراتيجية لا بد من مراقبتها مستقبلاً، في ظل قلة «الكتابات الأميركية» والنظريات الجديدة التي سيجري اعتناقها، مع هجر الولايات المتحدة سياساتها «الكولونيالية» التقليدية المتأثرة بالفكر الأوروبي، الذي هيمن على العقل الغربي والعالمي لقرون، وكان الأميركيون قوته العسكرية المقاتلة منذ 100 سنة... وحتى اليوم.
- أوروبا و«شهر العسل»
عاشت أوروبا «شهر العسل» مع واشنطن بعد وصول بايدن إلى السلطة. ومن «قمة بروكسل» الأطلسية خلال يونيو (حزيران) الماضي، وأيضاً من قول رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال، لبايدن أمام وسائل الإعلام «عادت أميركا إلى الساحة العالمية... إنها أخبار رائعة لتحالفنا وأخبار رائعة أيضاً للعالم»، تراجعت الحماسة في ضفة الأطلسي الأوروبية. والسبب أن بايدن لم يتراجع عن سياسة «أميركا أولاً»، مع احتفاظه بالترويج لعلامته التجارية الخاصة من الشعبوية الاقتصادية، والإبقاء بشكل كامل على قائمة الرسوم الجمركية على السلع الأوروبية التي فرضها ترمب.
حتى المعاملة بالمثل فيما يتعلق بتنقل الأميركيين والأوروبيين في ظل جائحة «كوفيد - 19»، عكست إحباطاً أوروبياً واسع النطاق من رفض بايدن رفع حظر السفر العقابي المتعلق بالجائحة على مواطني الدول الأوروبية. ولعل السخط الأوروبي من المعاملة «المجحفة» في مواجهة الجائحة، ليس إلّا عينة بسيطة عن تنامي السخط والتشكيك داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو) نفسه. وهنا يقول فرنسوا هايسبورغ، كبير مستشاري أوروبا في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، قد يُنظر إلى الأمر على أنه «تصويت أوسع بنزع الثقة في الإدارة الأميركية».
ولعل الطامة الكبرى التي خيّمت على العلاقات الأميركية الأوروبية، تكشّفت في المداولات بعد استيلاء «طالبان» المفاجئ على أفغانستان والتعامل الفوضوي مع الانسحاب الأميركي، الأمر الذي زعزع ثقة الأوروبيين بقرارات بايدن وأولوياته. فقد ضغط القادة الأوروبيون ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون على بايدن لتأجيل الموعد النهائي للانسحاب. لكن الرئيس الأميركي لم يتزحزح، مُصرّاً على إنجازه لإنهاء أطول حرب أميركية: «لم يعُد لها أي مبرّر». واختتم خطاباته لتبرير إصراره على قرار الانسحاب يوم الثلاثاء، بنبرة فيها الكثير من الحدة، تجاه الداخل والخارج معاً.
- الانعكاسات السلبية أوروبياً لقرار الانسحاب من أفغانستان
> بالنسبة إلى الأوروبيين، لا سيما في البلدان التي استثمرت في دعم مهمة «ناتو» في أفغانستان، كانت أحداث الأسابيع الماضية اختباراً داخلياً لمناعة الحلف ولحقيقة الأهداف الأميركية مستقبلاً. وفي حين أعرب المسؤولون الأوروبيون عن مخاوفهم بشأن المحنة الإنسانية في أفغانستان، فضلاً عن احتمال حدوث تدفقات جديدة ضخمة من اللاجئين الأفغان، فإنهم أنهم شكوا أيضاً من غياب التشاور الحقيقي مع إدارة بايدن. ولعل تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في بغداد عندما قال «إن فرنسا باقية في العراق مهما كان القرار الأميركي»، وقيامه بجولة استعراضية في أحياء بغداد ومدينة الموصل، تعكس تلك المخاوف من أن يكون أي انسحاب أميركي جديد من المنطقة على حساب الأوروبيين، فضلاً عن تذكيرها باستعراضات المستعمرين الأوروبيين الأوائل وزياراتهم لمستعمراتهم.
كذلك نقلت «واشنطن بوست» عن كونستانزي شتيلزنمولر، الخبير في الشؤون الألمانية في معهد بروكينغز، القول لصحيفة «وورلد فيو» يبهجه عتاب «نحن لسنا جزراً. قرارات حلفائنا لها عواقب على حلفائهم... هناك انطباع بأن الناس يضعون السياسة في فراغ عندما لا يكون هناك تنسيق».
أكثر من هذا، أضاف الشعور بالكارثة جراء ما جرى في أفغانستان، إلى المناقشات المستمرة منذ فترة طويلة، حول حاجة أوروبا إلى سياسات استراتيجية أكثر استقلالية عن واشنطن. وهذا ما عبّر عنه أرمين لاشيت، المرشح الديمقراطي المسيحي لخلافة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، عندما قال في مناظرة تلفزيونية الأسبوع الماضي «يجب أن نعزز أوروبا بحيث لا نضطر أبداً إلى ترك الأمر للأميركيين». وبينما وصف لاشيت الانسحاب من أفغانستان بأنه كان «أكبر كارثة يعاني منها (الناتو) منذ تأسيسه»، تساءلت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي «هل اعتقدنا فقط أنه كان علينا أن نتبع الولايات المتحدة ونأمل أن يكون كل شيء على ما يرام في الليل؟»...
لقد كانت الحرب في أفغانستان أول مهمة في تاريخ «ناتو» تطبيقاً للمادة الخامسة من بند الدفاع الجماعي للحلف. لكن تجاهل بايدن لتبعات الانسحاب على الحلف، قد يترك آثاراً مدمّرة على مكانة أوروبا. وحسب شتيلزنمولر «ما سيتغاضى عنه الناس هو أن جيلاً كاملاً من الغربيين، بما في ذلك عسكريون ودبلوماسيون ومسؤولو استخبارات وصحافيون، مروا بأفغانستان. هذه هي أكثر مهام (ناتو) شرعية، وهي المهمة الأكثر أهمية في فهمنا لأنفسنا».



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.