تحولات في نظرة الديمقراطيين والجمهوريين إلى أولويات السياسة الخارجية الأميركية

تحولات في نظرة الديمقراطيين والجمهوريين إلى أولويات السياسة الخارجية الأميركية

خسارة الرئيس للأكثرية في الكونغرس «تمرين» انتخابي أرساه المؤسسون لمنع الحكم المطلق
السبت - 27 محرم 1443 هـ - 04 سبتمبر 2021 مـ رقم العدد [ 15621]

بعيداً عن المناكفات السياسات الحزبية الضيقة في الولايات المتحدة، فإنه من الممكن القول بقليل من الحذر، إن مساءلة الرئيس الأميركي جو بايدن والتشكيك بمكانته وبقراراته، بل حتى بمستقبله السياسي وحزبه الديمقراطي، ما كانت قضايا تطرح في هذه الفترة القصيرة من عهده الرئاسي، لولا «التخبط» الذي ظهرت فيه عملية الانسحاب الأميركي من أفغانستان.

لعل الإجماع يكاد يكون كاملاً بأن صورة أميركا تعرّضت للخدش في ظل الارتباك الذي عانته إدارة بايدن، مع صور الفوضى التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، أكان في مطار كابُل أو المطارات الأميركية التي كانت تستقبل قوافل المرحّلين الأفغان. ولكن من بين الأسئلة الرئيسة المطروحة الآن، سواءً في الولايات المتحدة أو لدى الحلفاء والخصوم معاً: هل كان خطأ تمسك بايدن بموعد 31 من أغسطس (آب) لإنهاء الانسحاب، أم كان كلفة ارتضاها في هذه المرحلة المبكرة، ليتجنب خسارات كان من الممكن أن تكون كلفتها أكبر في مرحلة متقدمة من عهده؟

وهل ما جرى يعكس انزياحاً أميركياً مفصلياً، يؤشر إلى عهد جديد دخلته سياسات الولايات المتحدة على قاعدة الشعار إياه... «أميركا أولاً»، في علاقتها ونظرتها نحو مصالحها في العالم؟

نعم، لقد خلّف الانسحاب الأميركي من أفغانستان، بعد الحملة العسكرية السريعة التي شنتها حركة «طالبان» وأحكمت فيها قبضتها على عموم البلاد، أسئلة كثيرة أخرى طُرحت وسيُطرح غيرها الكثير. وقد يحتاج الأمر إلى أشهر أو إلى سنوات، لمعرفة ما سترسو عليه المعادلات الجديدة التي بدأت ترتسم على الأرض. إذ إن الارتباك لم يُصب إدارة الرئيس جو بايدن الديمقراطية وحدها، بل أصاب أيضاً خصومه السياسيين في الداخل، وحلفاءه وخصومه الخارجيين على حد سواء.

وفي حين يراهن أنصار الرئيس بايدن على «ذاكرة الأميركيين القصيرة»، وانجذاب الرأي العام عادة للسياسات الداخلية، للحكم على أدائه، فإن الانقسام داخل تيارات الحزبين الديمقراطي والجمهوري، يظهر وجهات نظر أكثر جذرية تجاه السياسة الخارجية. وهي انقسامات حقيقية تشير إلى أن المؤسسة السياسية الأميركية بضفتيها، لا تزال تبحث عن صيغة موحّدة حولها، خلال ابتعادها عن الأزمات الدولية والإقليمية التي طبعت شراكاتها مع حلفائها الأوروبيين، منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم.

- بين بايدن وترمب

في مراجعة سريعة لما أنجزه بايدن خلال الأشهر السبعة التي انقضت من عهده، يمكن القول إنه لا يزال ملتزماً بشكل لافت بأجندة الرئيس الجمهوري السابق دونالد ترمب. إذ نفّذ الانسحاب السريع والكامل من أفغانستان الذي تفاوض عليه العام الماضي مع حركة «طالبان». وأبقى على التعريفات الجمركية كلها ضد الصين، وكذلك على واردات البلاد من المعادن. أيضاً واصل بايدن سياساته التي تسمح بالترحيل السريع لطالبي اللجوء بحجة الأخطار الصحية الناجمة عن جائحة «كوفيد - 19».

من ناحية أخرى، كان بايدن قد خطّط أيضاً للحفاظ على الحد الأقصى السنوي المنخفض الذي وضعه ترمب لقبول اللاجئين عند 15 ألفاً، ورفعه إلى 62 ألفاً، فقط، بعد احتجاج التيار اليساري. وذكرت صحيفة «بوليتيكو» الشهر الماضي، أن إدارة بايدن دعمت انتهاء صلاحية بعض التأشيرات، وأيّدت متطلبات أكثر صرامة للبطاقة الخضراء، ودعمت رفض الإقامة الدائمة لآلاف المهاجرين القانونيين، ودافعت عن عدد من قضاة المحكمة الذين عيّنهم ترمب في ملف الهجرة. كما اتُهمت إدارة بايدن بانتهاك الحماية للأطفال المهاجرين المحتجزين لدى الحكومة، تماماً كما فعلت إدارة ترمب. وحتى قراراته بإلغاء سياسة «البقاء في المكسيك» ألغتها المحكمة العليا التي كان ترمب قد مدّدها لعام واحد وانتهت في 31 أغسطس المنصرم.

وفي حين حقق بايدن، داخلياً، هدف ترمب المتمثل في صفقة إنفاق ضخمة على البنية التحتية بقيمة تقارب 4 تريليونات دولار، وواصل سياسة الإنفاق المفرط وزيادة العجز، فإنه على الصعيد الخارجي، لم يتخل عن دعم أصدقاء الولايات المتحدة في منطقة الخليج. إذ وافق على مواصلة صفقة الطائرات لدولة الإمارات بقيمة 23 مليار دولار، وأعطى موافقته على مواصلة مد خط الأنابيب الروسي إلى ألمانيا، لكنه فرض عقوبات على روسيا بسبب هجماتها الإلكترونية على «المصالح الأميركية».

أيضاً في مجال السياسة الخارجية، لم يرفع الرئيس الديمقراطي سياسات ترمب المتشددة ضد كوبا، التي رفض قادتها الجدد الانضمام إلى مظلة المصالح الأميركية، رغم اليد التي مدّها إليهم أوباما قبيل مغادرته منصبه. وفي الشأن الإيراني لم يُعد تلقائيا وببساطة إلى الاتفاق النووي مع إيران. ثم رغم عودته إلى منظمة الصحة العالمية، كانت استجابة إدارته بطيئة لمشاركة فائض اللقاحات التي تفوقت في اختراعها الولايات المتحدة، والمواد الخام مع العالم. ولقد تجاهل بايدن نداءاتها بأن الجرعة المعززة الثالثة من اللقاح يمكن أن تنتظر قليلاً، حتى إكمال تطعيم مزيد من شعوب العالم درءاً لوقف تحوّر الفيروس على الأقل.

ولكن لماذا هذا الانتقاد لسياسات بايدن؟ وهل السياسات الشعبوية، اليمينية واليسارية، هي المسؤولة عن هذا الاختناق الذي يقسم المجتمع الأميركي؟

مما لا شك فيه أن قصوراً لوجيستياً قد وقع خلال تنفيذ الانسحاب من أفغانستان. وسقوط 13 جندياً أميركياً في الهجوم الإرهابي الذي نفذه تنظيم «داعش» في الأيام الأخيرة، زاد الانتقادات حدة. وبالتالي، يمكن القول إنه قلما شهدت الولايات المتحدة انقساماً داخلياً أمام خطر خارجي يداهمها، وتعالت فيها الدعوات لعزل الرئيس. وللتذكير، لم يدع معارضو الرئيس الأسبق رونالد ريغان إلى إقالته، عندما سقط نحو 240 جندياً أميركياً في التفجير الانتحاري قرب مطار بيروت عام 1983.

- «أميركا أولاً» والعالم

أغلب الظن أن الهجمات المكثفة التي يتعرّض لها بايدن اليوم، تعود إلى الحزبية الضيقة ومحاولة التركيز على «الصفات» الشخصية ومقارنته بترمب. فالجمهوريون اليوم بغالبيتهم، مُغرمون بأسلوب ترمب الشعبوي في مهاجمة المؤسسات والإدارة عبر تغريداته وكلامه العنيف، وخصوصاً دفاعه عن الأميركيين البيض. إلا أنهم غافلون عن - أو على الأقل لا يريد قادتهم الاعتراف بعمق - التحولات العميقة التي تشهدها السياسات الأميركية منذ أكثر من عقد، والتي بدأت مع عهد باراك أوباما، واستمرت مع ترمب... وها هي تتعزز وتتوضح بشكل أكبر مع بايدن.

وفي حين لا تزال رؤية «أميركا أولاً» التي روّجها ترمب - الذي أبرم الاتفاق مع «طالبان» كجزء من تعهده بإنهاء «الحروب الأبدية» - قوية في معظم أركان الحزب الجمهوري وقاعدته، تبقى بعض الأصوات المؤثرة مستمرة في تبني نهج تدخل قوي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحقبة جورح بوش الابن و«حربه على الإرهابـ«.

في بداية أغسطس الفائت، عكس استطلاع للرأي أجرته شبكة «سي بي إس نيوز»، مدى الارتباك والتشويش لدى قاعدة الحزب. وأوضح الاستطلاع، أن 94 في المائة من الناخبين المؤيدين لترمب، يعارضون سياسات بايدن، بينهم 86 في المائة يعارضونه بشدة. كما أعلن 61 في المائة منهم أنهم لا يوافقون على الانسحاب الذي تفاوض عليه ترمب من أفغانستان. حتى زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس النواب، كيفين مكارثي، قال الأسبوع الماضي، إن «الطريقة الوحيدة التي نريدها هي أن يكون هناك قوات في أفغانستان للتأكد من عودة الأميركيين بأمان». وبعد ذلك بدقائق قليلة، اقترح مكارثي أنه كان سيقوم «بفحص وصيانة قاعدة بأغرام الجوية» شمال كابُل، كموقع أمامي دائم «للنظر في الأفق» لردع أي نشاط إرهابي في المستقبل. وعن هذه الخطوة قال مسؤولو البنتاغون إنها تتطلب نشر آلاف أخرى من القوات على الأرض لحماية القاعدة.

ويوم الثلاثاء الماضي قال مكارثي، إنه سيذعن لما تقترحه قيادة البنتاغون بشأن وجود عسكري طويل الأمد في أفغانستان. وفي نهاية المطاف، أضاف «علينا أن ندع الجيش يتخذ هذا القرار».

ومع أن مكارثي، الذي تولّى منصبه عام 2007 كمؤيّد قوي لبوش - وحافظ على علاقات وثيقة مع شخصيات روّجوا لرؤيته عن الإرهاب في واشنطن - قد غادر تلك السياسات، فإن الارتباك الجمهوري يتبدّى أكثر في مجلس الشيوخ، حيث يتبنى البعض نهج «الصقور» التقليدي الذي جسّده السيناتور الراحل جون ماكين. إذ إن السيناتور ميتش ماكونيل، زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ، الذي اصطدم بترمب بشأن تلك الرؤية، ما زال يدعو إلى دور «أكثر قوة» في الشؤون الخارجية، وانتقد بشدة تعامل ترمب وبايدن مع أفغانستان. وقال يوم الثلاثاء في بيان، إن «هذه المعركة لن تنتهي لمجرّد أن سياسيينا يريدون التخلص منها».

في أي حال، نبرة بايدن القوية يوم الثلاثاء وتحديه منتقدي انسحابه من أفغانستان، اعتبرت مؤشراً، على الأرجح، لإدارة الانقسامات وتأجيجها بين الجمهوريين، إذا ما واصلوا انتقاده. لكن تصريحات لافتة للنائب الجمهوري اليميني المتشدد مات غايتز (من ولاية فلوريدا، وهو أحد غلاة مؤيدي ترمب) أشارت إلى التبدلات التي يشهدها الحزبان الجمهوري والديمقراطي، في النظر إلى كيفية «تغيير العالم» و«تعميم الديمقراطية»... التي قال بايدن إنها ليست مهمتنا. فلقد قال غايتز «إذا كان هناك أي شيء، فإن إخفاقاتنا الأخيرة في أفغانستان تظهر الإخفاقات المنهجية لفكرة بناء الدول... لقد كان من الممكن أن نبقى في أفغانستان لخمسة أيام أخرى، أو خمسة أسابيع، أو خمسة أشهر، أو خمس سنوات، ولن نغير النتيجة النهائية».

في سياق موازٍ، بينما يدعم الناخبون الديمقراطيون بايدن لأنه أعاد «الهدوء والاستقرار إلى واشنطن»، وأوقف «تهشيم» المؤسسات الديمقراطية، وألغى العديد من سياسات ترمب في مجالات مثل تغير المناخ والحقوق المدنية والاستجابة للفيروس، فإنهم – وبالأخص، أنصار الجناح اليساري – يشعرون بخيبات أمل إزاء العديد من سياساته، في ظل احتفاظه بالعديد من سياسات ترمب الشعبوية، في مجالات كالحمائية التجارية والإنفاق الكبير، وحتى في سياسة سحب القوات، التي لطالما طالبوا بإلغائها حتى من قبل ظهور ترمب.

- خسارة الانتخابات النصفية «تقليد» رئاسي

إلا أن خيبات الأمل تلك قد لا تكون هي السبب المباشر عن احتمال خسارة الديمقراطيين لانتخابات التجديد النصفية العام المقبل. فالتجارب والشواهد التاريخية التي توضح كيفية اشتغال «النموذج الأميركي» في تداول السلطة، تظهر أن غالبية الرؤساء كانوا يخسرون الغالبية، سواء في مجلس الشيوخ أو النواب، بعد سنتين من بداية عهودهم.

هكذا خسر بيل كلينتون وجورج بوش الابن وباراك أوباما ودونالد ترمب الغالبية في مجلس النواب بعد سنتين من رئاساتهم. ويردّ البعض هذا «التمرين» الانتخابي الذي يقبل عليه الأميركيون، إلى أصول وتقاليد عقائدية بروتستانتية، أرساها المؤسسون الأميركيون الأُول. إذ إن السلطات الهائلة التي يمنحها الدستور الأميركي للرئيس، قد تمنحه سلطة هائلة ومطلقة، وهو ما لم يرده المؤسسون إطلاقاً. ولذا؛ فإنهم سعوا إلى تقليص هذه السلطات وتشتيتها عبر منحهم مجلسي الشيوخ والنواب سلطات كبيرة ومعطلة في سنّ القوانين وإقرارها.

لقد كان الانسحاب من أفغانستان، الذي تعرض لانتقادات شديدة، تحدياً كبيراً وخطيراً للديمقراطيين وخطتهم للتركيز على القضايا المحلية. لكنه كشف في المقابل عن مدى فشل الجمهوريين في طرح رؤية واضحة للعالم، عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية والتدخل العسكري، بما يتجاوز إدانتهم الموحّدة لبايدن. ولعل هذا الأمر يكشف عن تحوّلات استراتيجية لا بد من مراقبتها مستقبلاً، في ظل قلة «الكتابات الأميركية» والنظريات الجديدة التي سيجري اعتناقها، مع هجر الولايات المتحدة سياساتها «الكولونيالية» التقليدية المتأثرة بالفكر الأوروبي، الذي هيمن على العقل الغربي والعالمي لقرون، وكان الأميركيون قوته العسكرية المقاتلة منذ 100 سنة... وحتى اليوم.

- أوروبا و«شهر العسل»

عاشت أوروبا «شهر العسل» مع واشنطن بعد وصول بايدن إلى السلطة. ومن «قمة بروكسل» الأطلسية خلال يونيو (حزيران) الماضي، وأيضاً من قول رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال، لبايدن أمام وسائل الإعلام «عادت أميركا إلى الساحة العالمية... إنها أخبار رائعة لتحالفنا وأخبار رائعة أيضاً للعالم»، تراجعت الحماسة في ضفة الأطلسي الأوروبية. والسبب أن بايدن لم يتراجع عن سياسة «أميركا أولاً»، مع احتفاظه بالترويج لعلامته التجارية الخاصة من الشعبوية الاقتصادية، والإبقاء بشكل كامل على قائمة الرسوم الجمركية على السلع الأوروبية التي فرضها ترمب.

حتى المعاملة بالمثل فيما يتعلق بتنقل الأميركيين والأوروبيين في ظل جائحة «كوفيد - 19»، عكست إحباطاً أوروبياً واسع النطاق من رفض بايدن رفع حظر السفر العقابي المتعلق بالجائحة على مواطني الدول الأوروبية. ولعل السخط الأوروبي من المعاملة «المجحفة» في مواجهة الجائحة، ليس إلّا عينة بسيطة عن تنامي السخط والتشكيك داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو) نفسه. وهنا يقول فرنسوا هايسبورغ، كبير مستشاري أوروبا في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، قد يُنظر إلى الأمر على أنه «تصويت أوسع بنزع الثقة في الإدارة الأميركية».

ولعل الطامة الكبرى التي خيّمت على العلاقات الأميركية الأوروبية، تكشّفت في المداولات بعد استيلاء «طالبان» المفاجئ على أفغانستان والتعامل الفوضوي مع الانسحاب الأميركي، الأمر الذي زعزع ثقة الأوروبيين بقرارات بايدن وأولوياته. فقد ضغط القادة الأوروبيون ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون على بايدن لتأجيل الموعد النهائي للانسحاب. لكن الرئيس الأميركي لم يتزحزح، مُصرّاً على إنجازه لإنهاء أطول حرب أميركية: «لم يعُد لها أي مبرّر». واختتم خطاباته لتبرير إصراره على قرار الانسحاب يوم الثلاثاء، بنبرة فيها الكثير من الحدة، تجاه الداخل والخارج معاً.

- الانعكاسات السلبية أوروبياً لقرار الانسحاب من أفغانستان

> بالنسبة إلى الأوروبيين، لا سيما في البلدان التي استثمرت في دعم مهمة «ناتو» في أفغانستان، كانت أحداث الأسابيع الماضية اختباراً داخلياً لمناعة الحلف ولحقيقة الأهداف الأميركية مستقبلاً. وفي حين أعرب المسؤولون الأوروبيون عن مخاوفهم بشأن المحنة الإنسانية في أفغانستان، فضلاً عن احتمال حدوث تدفقات جديدة ضخمة من اللاجئين الأفغان، فإنهم أنهم شكوا أيضاً من غياب التشاور الحقيقي مع إدارة بايدن. ولعل تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في بغداد عندما قال «إن فرنسا باقية في العراق مهما كان القرار الأميركي»، وقيامه بجولة استعراضية في أحياء بغداد ومدينة الموصل، تعكس تلك المخاوف من أن يكون أي انسحاب أميركي جديد من المنطقة على حساب الأوروبيين، فضلاً عن تذكيرها باستعراضات المستعمرين الأوروبيين الأوائل وزياراتهم لمستعمراتهم.

كذلك نقلت «واشنطن بوست» عن كونستانزي شتيلزنمولر، الخبير في الشؤون الألمانية في معهد بروكينغز، القول لصحيفة «وورلد فيو» يبهجه عتاب «نحن لسنا جزراً. قرارات حلفائنا لها عواقب على حلفائهم... هناك انطباع بأن الناس يضعون السياسة في فراغ عندما لا يكون هناك تنسيق».

أكثر من هذا، أضاف الشعور بالكارثة جراء ما جرى في أفغانستان، إلى المناقشات المستمرة منذ فترة طويلة، حول حاجة أوروبا إلى سياسات استراتيجية أكثر استقلالية عن واشنطن. وهذا ما عبّر عنه أرمين لاشيت، المرشح الديمقراطي المسيحي لخلافة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، عندما قال في مناظرة تلفزيونية الأسبوع الماضي «يجب أن نعزز أوروبا بحيث لا نضطر أبداً إلى ترك الأمر للأميركيين». وبينما وصف لاشيت الانسحاب من أفغانستان بأنه كان «أكبر كارثة يعاني منها (الناتو) منذ تأسيسه»، تساءلت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي «هل اعتقدنا فقط أنه كان علينا أن نتبع الولايات المتحدة ونأمل أن يكون كل شيء على ما يرام في الليل؟»...

لقد كانت الحرب في أفغانستان أول مهمة في تاريخ «ناتو» تطبيقاً للمادة الخامسة من بند الدفاع الجماعي للحلف. لكن تجاهل بايدن لتبعات الانسحاب على الحلف، قد يترك آثاراً مدمّرة على مكانة أوروبا. وحسب شتيلزنمولر «ما سيتغاضى عنه الناس هو أن جيلاً كاملاً من الغربيين، بما في ذلك عسكريون ودبلوماسيون ومسؤولو استخبارات وصحافيون، مروا بأفغانستان. هذه هي أكثر مهام (ناتو) شرعية، وهي المهمة الأكثر أهمية في فهمنا لأنفسنا».


أميركا أخبار أفغانستان

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة