السكاكين.. 3 ملايين سنة من التطور

من أبرز أدوات المطبخ وأهمها بالنسبة للطهاة

السكاكين.. 3 ملايين سنة من التطور
TT

السكاكين.. 3 ملايين سنة من التطور

السكاكين.. 3 ملايين سنة من التطور

صحيح أن تاريخ السكين جزء لا يتجزأ من تاريخ الأواني المطبخية حول العالم، لكنه أيضا جزء لا يتجزأ من تاريخ التحضر والتقدم والتطور التقني الذي شهدته البشرية منذ قديم الزمان. التنقيبات الحديثة تشير إلى أن بدايات استخدام الأداة المهمة تعود إلى ما قبل الإنسان العاقل، أي إلى 3 ملايين سنة على الأقل.
ولهذا التاريخ الطويل يعتبر البعض أن السكين من أهم التقنيات في تاريخ البشرية على الإطلاق، إذ مكنت البشر منذ البدايات من التفاعل مع العالم حولهم، وتغيير هذا العالم، والتلاعب به عبر ارتقاء أعلى السلسلة الغذائية، والصيد والزرع والحصاد إلى بناء المدن وغيره. وبكلام آخر، يمكن القول إن السكين من الأدوات التي مكّنت من بزوغ عالم التكنولوجيا وعالم الجيوش والحروب والثقافة والعلوم والعالم الذي نعيشه حاليا.
وتعد سكين جبل العركي الفرعونية من أقدم وأجمل وأشهر السكاكين في العالم. ويعود تاريخ هذه السكين المصنوعة من الصوان وعاج الفيل المحفور إلى 3450 سنة قبل الميلاد، أي أيام الحضارة النقادية الثانية. وفي وصف السكين التي عُثر عليها في أقدم مدن مصر القديمة، مدينة أبيدوس، يقول العالم اللغوي وعالم المصريات الفرنسي جورج هارون بانيديتي الذي اشتراها لمتحف اللوفر عام 1914، إنها «سكين قديمة ذات مقبض عاجي رائع الجمال. وهي تحفة من تحف النحت التي تعود إلى ما قبل الأسرات الحاكمة.. وقد صنعت ببراعة وأناقة ملحوظتين. هذا عمل ذو تفاصيل مذهلة. هناك مشهد الصيد على أحد الجوانب، وعلى الجانب الآخر مشهد حرب أو غارة».
لا شك أن استخدام السكاكين الحجرية المصقولة والحادة مع مقابض الخشب والعظم والعاج، التي عُرف بها المصريون القدامى، هو النقلة التقنية أو النوعية الثانية تاريخيا بعد استخدامات إنسان الكهف الأولية والبدائية التي اعتمدت على الحجارة المسننة والطراف، صدف البحر الحادة.
وما كان ينطبق على السكين والحجر قديما، كان ينطبق على معظم الأواني الطبخية.
إلا أن النقلة الثالثة والمهمة في تاريخ السكين، لم تحصل إلا مع بداية اكتشاف وتسخير المعادن في غرب آسيا 3000 سنة قبل الميلاد، حيث بدأ الناس إنتاج السكاكين المصنوعة من المعادن. وكانت البداية مع معدن النحاس.
وقبل العصر البرونزي، كانت السكاكين تزين بالريش وجلد الحيوانات، وكانت مصدر فخر كبيرا للمحاربين وشيوخ القبائل، ومع قدوم العصر البرونزي بعد التعرف على وسائل الجمع بين القصدير والنحاس، بدأنا نشهد السيوف والسكاكين البرونزية في بعض أنحاء آسيا وأوروبا. ورغم أن هذا النوع من السكين كان أكثر ديمومة من غيره من المواد، فقد احتاج إلى الشحذ المتواصل، مما أدى إلى تطوير وسائل وتقنيات الشحذ التي عرفها الإنسان لاحقا. وتعد حدة السكين وتصميمها في هذا العصر من الأمور الجاذبة لاقتنائها.
ولم تر السكين الحديدية التي نستخدمها حاليا النور، إلا بعد بزوغ العصر الحديدي واحتكار الحثيين في جبال الأناضول والهلال الخصيب لاستخدام الحديد في صناعتهم للأسلحة والسيوف، دخل الحديد والصلب عالم السكين من أبوابه العريضة، ولم يتركه حتى الآن.
لا شك أن القدرة على تسخير الحديد وتطويره منحت الحثيون والفلستيون التفوق العسكري على أعدائهم من البابليين والمصريين والعبرانيين، إلا أن النوعية العالية في الحديد وتقنياته جاءت عبر أهل اليونان وألكسندر المقدوني وسيفه المشهور.
وفي المحصلة، كان حصول الناس على مادة قوية ومتينة يمكنها الحفاظ على شكلها وأطرافها، في غاية الأهمية آنذاك، ونقلة نوعية في عوالم التصنيع البدائية.
إلا أن الانتقال من الاستخدام العسكري والدموي لتقنيات صناعة الحديد، إلى الاستخدام المنزلي والمطبخي، لم يحصل إلا لاحقا في فرنسا وألمانيا واليابان (هذه الدول تأثرت ببعضها في صناعة سكين الطباخ الحديثة).
فقد كانت هذه الدول من أهم المراكز الرئيسية لصناعة السيوف الممتازة، ومن نفس المصانع والمسابك في مدينتي سولينجين الألمانية وسيكي اليابانية، خرجت سكين الطباخ الحديثة والمتطورة.
تعود تقنيات صناعة الحديد في سولينجين بألمانيا إلى ألفي عام كما تشير التنقيبات الأثرية الأخيرة، إلا أن عالم السكين وصناعته وإنتاجه على نطاق واسع وحديث لم تبدأ إلا بداية القرن الـ18 مع منتجات مصانع بيتر هينكيلز من الأدوات المنزلية، وبشكل خاص السكين.
وقد كانت أول سكاكين الطباخين الألمانية الحديثة قوية وكبيرة وحادة وذات بطن منحني النصل الصالحة للتقطيع، على عكس اليابانية والفرنسية المصممة للتشريح.
ورغم أن اليابان غنية بالحديد والفحم ومعروفة جدا في تقنياتها العالية في عالم الحديد والسيوف منذ قرون طويلة، وأن سيوف الكتانة أو سيوف الساموراي تعد جزءا لا يتجزأ من ثقافتها وتاريخها، فإن انتشار السكين الحديث لم يحصل إلا مع وصول البرتغاليين وبدء زراعة التبغ، حيث بدأوا بصناعة السكاكين الخاصة لتقطيع نبتة التبغ. كما ساعد تحول كثير من المشاغل والمسابك عن صناعة السيوف إلى صناعة السكاكين نهاية القرن الـ19، بعد تحريم حمل سيوف الكتانة أو سيوف الساموراي، إلى انتشار صناعة السكاكين على نطاق واسع إلى أن صلنا إلى أشهر السكاكين الحالية، أو ما يُعرف بسكين الـ«غيوتو» وسكين «سانتوكو» المحفر البطن.
هناك بالطبع أنواع كثيرة من سكاكين المطبخ، مثل سكين المطبخ العادية وسكين تقطيع الخبز التي عادة ما تكون مسننة بشكل مناسب للتقطيع وسكين اللحم المروسة وسكين الجزار والساطور الخاص بالعظام وسكين المحار القصيرة وسكين الطاولة التقليدية.
في القرون الوسطى كانت السكاكين تصنع بمقابض من العاج والعظم، وكانت مدببة الرؤوس قادرة على الغرز والتقطيع. كما كانت قليلة، وكان الناس يتباهون باستخدامها أثناء الموائد.
لا بد من الذكر هنا أن دور السكين في أوروبا من أداة لتقطيع الطعام وتحضيره وخصوصا اللحوم، إلى أداة للأكل وجزءا لا يتجزأ من أدوات المائدة الأساسية لم يحصل إلا في القرون الوسطى وبين أبناء الطبقات العليا. وكان حمل السكين في القرن الـ15 حكرا على الأفراد الممنوعين من حمل السلاح. كما كانت السكاكين تباع كمجموعات من سكاكين الصيد وسكاكين المطبخ، ولم يتغير هذا الأمر إلى مع اختفاء حياة الصيد وانتشار الحياة المدنية. وعندها بدأت السكين تظهر إلى جانب الملعقة، وبعدها إلى جانب الملعقة والشوكة.
وقبل القرن الـ17، درجت العائلات المالكة والطبقات العليا من المجتمعات الأوروبية على استخدام السكين المصنوعة من الفضة، ولاحقا الذهب. وبدأت هذه العائلات تضع أختامها المحفورة على هذه السكاكين.
- في المستعمرات الأميركية الأولى، كان المستعمرون بشكل عام ينظرون بريبة إلى سكاكين المطبخ، لذا كان استعمالها قليلا، وكان الجالسون على المائدة أحيانا يتشاركون في استخدامها. وكان الناس يمسكون الملعقة باليد اليسرى والسكين باليد اليمنى لتقطيع اللحم إلى غيروا عادتهم، وبدأوا باستخدام الملعقة باليد اليمنى كما هو الوضع حاليا. ولاحقا بدأ الأميركيون الجدد بالعزوف عن السكاكين المسننة الرأس التي كان يرغب فيها الصيادون، إلى السكاكين الكليلة الرأس، وهو تقليد بدأه الكاردينال الفرنسي أرماند جان ريتشيليو منتصف القرن السابع عشر، ولذا يعتبره الكثير من البحاثة الأب الروحي لسكين الطاولة الحديث. ويعرف بأن ريتشيليو هو الذي نصح الملك لويس الـ14 بإصدار أحد القوانين القاضية بتحريم السكاكين الحادة المدببة على المائدة وفي الشارع، لتخفيف حدة العنف في المجتمع نهاية القرن السابع عشر. وفيما يعتقد البعض أن ريتشيليو على شاكلة كونفوشيوس كان يؤمن بأن السكاكين الحادة مثيرة للعنف والحروب، تقول القصة إن قراره المضاد للسكاكين الحادة جاء بعد استخدام وزير المالية آنذاك بيير سيغويير سكين الطعام على المائدة التي جمعتهما في منزله كعود لتخليل وتنظيف الأسنان. وكان هذا التصرف سائدا بين أبناء الطبقات العليا، إذ كان يصعب عليهم الفصل بين وظيفة السكين كأداة للتقطيع، وكأداة للغرز والتنظيف والحفر والقتل وما إلى ذلك.
لكن البعض يقول إن دخول الشوكة على خط أدوات المائدة الرئيسية آنذاك هو ما أدى إلى تراجع شعبية السكين المدبب الرأس، فقد استبدلت الشوكة بالسكين كأداة حادة لها قدرة أكبر على الغرز والتقاط قطع الطعام. بكلام آخر، فإن الشوكة وجدت مكانها وهويتها في سلسلة الأدوات المنزلية والمطبخية وأدوات الطاولة، بعدما لعبت السكين دورها لقرون طويلة.
من السكين الشخصية القصيرة إلى سكين الطاولة الطويلة النصل ومن الحجر إلى الحديد تطورت السكين ورافقت الإنسان في رحلته الطويلة وتأقلمت معه، لدرجة أن انتشرت وأصبحت جزءا لا يتجزأ من الأدوات البلاستيكية الحديثة والرخيصة التي يمكن العثور عليها في كل مكان.

* سكاكين كوركي
يقول المهراجا بادما رانا الذي كان رئيس وزراء النيبال في الأربعينات من القرن الماضي في وصف سكين الكوركي، إن «الكوركي هي السلاح الوطني والديني للجورخيين (جنود نيبال)، ويتعين على الجورخي حملها وهو مستيقظ ووضعها تحت الوسادة بعد التقاعد». وبكلام آخر أنه يصعب الفصل بين الكيوكي والجورخي وهما وجهان للعملة نفسها.
وتعد هذه السكين التي يمكن استخدامها كالسيف، من أكثر السكاكين فعالية من ناحية التقطيع والرمي والشطب. وقد درج النيباليون على استخدامه في المنزل وفي عمليات الزرع والحصاد وفتح العلب وسلخ الحيوانات والتحطيب والحفر وغيرها، والأهم من ذلك في عمليات القتال والقضاء على العدو بضربة واحدة، إذ يمكن صاحبه من إلحاق أضرار بالغة بغريمه بسبب شكل الشفرة المنحني.
وقد بدأت شهرة السكين التي تعد سكينا وطنية ورمزا للجندي النيبالي المقدام أيام البريطانيين في الهند، ومحاولات قمع حركات التمرد هناك، بدايات القرن التاسع عشر. إلا أن تاريخ هذه السكين الفعالة والقاتلة التي تستخدم في شتى الطقوس والاحتفالات الشعبية، يبدو أطول بكثير ويعود إلى أكثر من 2500 سنة، مما يجعلها واحدة من أقدم السكاكين المعروفة في العالم. وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن شكل شفرة السكين الفريد ينحدر من شكل السيف اليوناني الذي كان يعرف بسيف «الكوبيس»، وأن شكل سكين الكوركي يشبه كثيرا شكل سيف الخيالة المقدوني المعروف بالـ«مشيرة». وهو السيف الذي حمله معهم خيالة وجنود ألكسندر المقدوني عندما غزوا شمال غربي الهند في القرن الرابع قبل الميلاد. ويبدو أن الحدادين في نيبال استوحوا هذا الشكل وعملوا عبر العصور على تطوير ما يناسب حاجاتهم عبر العصور. ويعود شكل السيف اليوناني أيضا إلى شكل السيف الفرعوني المعروف بـ«خوبيش» (Khopesh) الذي عُثر على نموذج منه في قبر توت عنخ آمون، وقبله السيف الآشوري «سبارا».



«جارك».. تجمع الغرباء للأكل على مائدة واحدة

جلسة دافئة تستحدثها «جارك» حول مائدة غيدا حلو (الشرق الأوسط)
جلسة دافئة تستحدثها «جارك» حول مائدة غيدا حلو (الشرق الأوسط)
TT

«جارك».. تجمع الغرباء للأكل على مائدة واحدة

جلسة دافئة تستحدثها «جارك» حول مائدة غيدا حلو (الشرق الأوسط)
جلسة دافئة تستحدثها «جارك» حول مائدة غيدا حلو (الشرق الأوسط)

على مائدة طعام، يتحلّق 14 شخصاً لا يعرفون بعضهم بعضاً، تدور مبادرة «جارك» التي أطلقتها غيدا حلو.

في لبنان، أمثلة كثيرة تُظهر أهمية العلاقات بين الجيران، إذ لطالما شكَّلت الأحياء والعمارات مساحة تواصل إنساني. كان الجيران يتبادلون الزيارات و«الصبحيات»، ويتشاركون موائد الغداء والعشاء. وحتى عند تحضير طبق لذيذ أو حلوى منزلية، لا يغيب الجار عن البال، فيُخصَّص له صحن محمّل بالمحبة.

من هذه الخلفية الاجتماعية تنطلق غيدا حلو، التي اعتادت في قريتها رؤية الجيران في منزل أهلها كجزء من الحياة اليومية. ومع انتقالها إلى بيروت لمتابعة دراستها الجامعية، قررت نقل هذا التقليد إلى المدينة. وتروي: «لم أكن أعرف أحداً في بيروت، كانت حياتي تسير بوتيرة روتينية. وفي أحد الأيام، في أثناء عودتي من الجامعة إلى المنزل في سيارة أجرة، اكتشفت أن زميلة لي تسكن في الحي نفسه وفي العمارة عينها. كنا جارتين من دون أن نعلم».

جلسة دافئة تستحدثها «جارك» حول مائدة غيدا حلو (الشرق الأوسط)

تساءلت غيدا: لماذا لا نستحدث مساحات نتعرّف فيها إلى أشخاصٍ جددٍ ونتبادل خبراتنا الحياتية، ونخلق علاقات تشبهها وصديقتها: «فكرت بإقامة نشاطات ومعارض وورشات تعليمية صغيرة. فأكوِّن بذلك مجتمعاً يكون بمثابة نموذج للشراكة وتبادل علاقات إنسانية مفيدة، يسهم في تطوير المهارات على أنواعها».

مع صديقتها، قررتا في عام 2018 المشاركة في مسابقة أطلقتها جامعة «ESA» في بيروت. وتوضح غيدا: «كان الهدف من المسابقة تقديم مشروع يسهم في تحريك وتطوير المدينة. لكنني وصديقتي رغبنا في طرح فكرة تتعلّق بالعلاقات الاجتماعية».

وتتابع: «فزنا بالمسابقة وحصلنا على مبلغ 5 آلاف دولار، على أمل ترجمة المشروع إلى واقع تحت اسم (جارك). لكن الأزمة الاقتصادية سرعان ما نسفت الحلم، بعد الاستيلاء على أموال المودعين من قبل المصارف».

وُلدت مبادرة «جارك» خلال جائحة «كورونا» (الشرق الأوسط)

تمسَّكتْ غيدا بمشروعها رغم هجرة صديقتها، لتتبلور فكرته بشكل أوضح خلال فترة الجائحة. وفي أثناء إقامتها في قريتها، أطلقت صفحةً إلكترونيةً خاصةً بالمبادرة، وبدأت من خلالها بدعوة الأصدقاء إلى التلاقي.

تقول: «تعرَّفت عبرها إلى مجموعات كبيرة من الناس انضمّت إلى (جارك) أونلاين».

وخلال سنتيّ الجائحة، تطوّر المشروع ونما، وتوسعت حلقات التلاقي لتشمل لبنانيين مقيمين في كندا وأوروبا وبلدان عربية.

ومع عودة الحياة تدريجياً إلى طبيعتها، راحت غيدا تنظّم ورش عمل، وتدعو الأصدقاء للمشاركة فيها. وتوضح: «هي ورش فنية وثقافية تتضمَّن معارض، إضافة إلى دعوات على الغداء أو العشاء».

كبرت هذه الحلقات لتخصّص لها أسواق مونة، وأخرى تُقام في مناسبات الأعياد. ومن موسم لآخر، تدعو غيدا 14 شخصاً إلى مائدة عشاء؛ بهدف توطيد العلاقات الاجتماعية في المدينة. وتشرح: «كنت أهدف إلى توثيق العلاقات الإنسانية عبر (جارك)، فصرت أدعو بين فترة وأخرى أشخاصاً لا يعرفون بعضهم بعضاً لتناول العشاء في منزلي. يساعدني في تحضير المائدة شيف لبناني، مع اختيار لائحة طعام ذات طابع محدّد».

مائدة «جارك» لتعزيز التواصل الإنساني بعيداً عن الـ«سوشيال ميديا» (الشرق الأوسط)

في التجربة الأولى، أعدّت غيدا إفطاراً مغربياً في شهر رمضان. وفي مرة أخرى، حضَّرت أطباقاً لبنانية كلاسيكية وتقليدية. وتروي: «منذ أيام قليلة، أعددنا مائدة طعام ترتكز على الحمضيات، فنحن في موسم الشتاء، وهي تنمو فيه، كما تساعد على التصدّي للرشح وأمراض البرد».

وتألّفت لائحة الطعام من حساء بالحوامض مع العدس، وطبق أساسي لبناني شهير هو «الكبّة الأرنبية»، المُحضَّرة بصلصة الطحينة والحامض أو «البوصفير»، وكانت محشوة بجبن الشنكليش. كما ضمَّت المائدة طبق سلطة من خضار موسم الشتاء، فيما جاءت الحلوى على شكل كيك نباتي مع صلصة بنكهة الليمون الحامض. ووقّع هذه الأطباق الشيف هشام أسعد.

تعلّق غيدا: «تعرَّفت إلى الشيف هشام منذ أيام الجائحة، وعندما طلبت منه مشاركتي في العشاء الأخير وافق من دون تردّد».

وتنوي غيدا تنظيم مائدة طعام جديدة مع أشخاص جدد مع بداية فصل الربيع. أما المدعوون، فتختارهم بعناية ليكونوا متجانسين ويشعروا بالراحة، بعضهم ينتمي إلى مشروع «جارك» فيدعون بدورهم أصدقاء لهم.

تقول: «في النهاية، أنا أدعوهم إلى منزلي في منطقة الأشرفية، وأحب أن يشعروا وكأنهم يتناولون الطعام في بيوتهم الخاصة».

وخلال هذه اللقاءات، يحصل التعارف بين الضيوف. فتُطرح أحياناً أسئلة تستحضر ذكريات بيروت الجميلة. وأحياناً أخرى يتم التعرّف إلى عادات وتقاليد رائجة في بلدات لبنانية.

وتضيف غيدا حلو: «أغتنم الفرصة أيضاً لتقديم أطباق بمكوّنات صحية، وأستعين بمجموعة من الحرفيين اللبنانيين العاملين في تحضير المونة، وآخرين يملكون مواهب في الرسم والتطريز وغيرها من الأعمال اليدوية. فهدفي الأساسي من مبادرة (جارك) هو تمكين التواصل المباشر بين الناس، بعيداً عن وسائل التواصل الاجتماعي».

وتضيف غيدا متحدثة عن حصيلة هذه المبادرة الإنسانية: «حقّقت ربحاً معنوياً ومادياً في آن. هناك أصحاب إنتاجات محلية وحرفيون يقدِّمون أعمالاً رائعة لكنهم غير معروفين. سلّطت الضوء عليهم وأسهمت في التعريف بهم من خلال الأسواق والمعارض».

وتختم: «كما أحرص دائماً على الاعتماد على أسواقنا المحلية لإعداد الطعام بمكوّنات عضوية. كل ذلك يشعرني بالامتنان، وبأن (جارك) تشقّ طريقها بقوة، تماماً كما تمنّيت».


«سُو فيلينديو».. أندر معكرونة في العالم تتحدى الزمن بين جبال سردينيا

باستا نادرة جداً تصنع بواسطة اليد (نيويورك تايمز)
باستا نادرة جداً تصنع بواسطة اليد (نيويورك تايمز)
TT

«سُو فيلينديو».. أندر معكرونة في العالم تتحدى الزمن بين جبال سردينيا

باستا نادرة جداً تصنع بواسطة اليد (نيويورك تايمز)
باستا نادرة جداً تصنع بواسطة اليد (نيويورك تايمز)

في أعماق جبال جزيرة سردينيا الإيطالية، لا تزال واحدة من أندر أنواع المعكرونة في العالم تُصنع يدوياً وفق تقاليد تعود إلى قرون. ويُعرف هذا الطبق باسم «سو فيلينديو»، ويُنظر إليه باعتباره أندر أشكال المعكرونة بين أكثر من 350 شكلاً معترفاً به رسمياً في إيطاليا.

وتُعد باولا أبرايني واحدة من قلة قليلة ما زالت تتقن هذه الحرفة النادرة، مؤكدة أن اندثارها سيعني فقدان جزء من هوية الجزيرة الثقافية.

فمن خلال عملية شدّ يدوية دقيقة، تتحول كرة واحدة من العجين إلى 256 خيطاً بالغ الرقة، وهي عملية متقنة أثبتت صعوبة نقلها إلى الأجيال الشابة. وكل تفصيل في «سو فيلينديو» له أهميته، بما في ذلك ارتباطها الوثيق ببيئتها المتوسطية المحيطة. وقالت أبرايني: «عندما تُجفف تحت أشعة الشمس تصبح خفيفة وذات لون ذهبي».

الباستا النادرة في إيطاليا (نيويورك تايمز)

وقبل عشرين عاماً فقط، كانت أبرايني من بين آخر الحراس لهذا التقليد المهدد بالاندثار، إلا أن جهودها الدؤوبة في تعليم الأجيال الجديدة أسهمت في إنقاذه من حافة الاختفاء.

وعلى مدى معظم تاريخها الممتد لقرون، انتقلت أسرار صناعة «سو فيلينديو» عبر مجموعة من النساء في مدينة نوورو الواقعة في الداخل الجبلي للجزيرة، حيث تعلمت أبرايني هذه الحرفة من حماتها وهي في السادسة عشرة من عمرها.

وبينما تُفرد معظم أنواع المعكرونة اليدوية في إيطاليا باستخدام عصا خشبية تُعرف باسم «ماتاريلو»، فإن كل عملية شدّ لعجين «سو فيلينديو» تقلل عرض الخيوط إلى النصف وتضاعف عددها.

من مراحل تصنيع الباستا النادرة في إيطاليا (نيويورك تايمز)

وبعد تكرار العملية ثماني مرات، يصل العدد إلى 256 خيطاً كما تقتضي الوصفة. ويتطلب هذا المستوى من الدقة مكوناً أساسياً غير سري تماماً هو الملح، الذي يقوي شبكة الغلوتين في الدقيق ويمنح العجين المرونة اللازمة لتمديده إلى هذا الحد من الرقة.

ولا يمكن تعلم هذه الحرفة من خلال الوصفات المكتوبة وحدها، بل تتطلب سنوات من الممارسة والخبرة العملية حتى تتمكن أطراف الأصابع من التمييز بين الدرجة المثالية والخطأ البسيط.

كما يتطلب إتقانها السيطرة على متغيرات كثيرة، منها تأثير المياه العسرة مقارنة بالمياه غير العسرة، وتوقيت إضافة محلول الملح، وكيفية التكيف مع الظروف الجوية. وقد جعل هذا المستوى من الالتزام كثيراً من الشابات المحليات يعزفن عن تعلمها.

وقد جاء كثيرون إلى نوورو لتعلّم هذه الصناعة الدقيقة، لكن القليل فقط تمكنوا من النجاح فيها. وحتى خبراء شركة بارِيلا، أكبر شركة معكرونة في العالم، لم يتمكنوا من فك أسرار هذه الخيوط.

باستا نادرة تصنع بواسطة اليد (نيويورك تايمز)

وترتبط «سو فيلينديو» ارتباطاً وثيقاً بموطنها في سردينيا، وهي بيئة قليلة السكان تزخر بالنباتات الخضراء والمتحدرات الصخرية الحادة والطعام الريفي والإيمان الراسخ.

وقد تشكّل جزء كبير من تاريخ الجزيرة وثقافتها بفعل العزلة، ولا يظهر ذلك بوضوح أكبر من مدينة نوورو، التي وصفتها الكاتبة غراتسيا ديليدا، الحائزة على جائزة نوبل للآداب عام 1926، بأنها «أكثر مدن الجزيرة ثقافة ونضالاً».

وفي قلب هذه الثقافة تقف رحلة حج كاثوليكية تُقام مرتين سنوياً، وتنطلق من كنيسة روزاريو في نوورو خلال شهري مايو (أيار) وأكتوبر (تشرين الأول).

فعند منتصف ليل الأول من مايو، ينطلق مئات الحجاج من نوورو، ويقطعون معاً أكثر من 20 ميلاً عبر تضاريس جبلية للوصول إلى كنيسة سان فرانشيسكو دي لولا في قرية لولا. ويسافر بعضهم ضمن مجموعات من الأقارب والأصدقاء يتبادلون القصص والأحاديث حتى ساعات الليل المتأخرة، بينما يفضل آخرون خوض رحلة تأمل فردية في الظلام.

هذا النوع من الباستا مرتبط بتقاليد إيطالية تاريخية (نيويورك تايمز)

وتصل أولى مجموعات الحجاج إلى مزار سان فرانشيسكو دي لولا مع شروق الشمس فوق القمم الكلسية لسلسلة مونتي ألبو الجبلية، لتغدو الرحلة الروحية مغمورة بضوء النهار.

وتقول الروايات المحلية إن قاطع طريق في القرن السابع عشر اتُّهم زوراً بجريمة قتل. وبعد تبرئته، بنى كنيسة خارج قرية لولا وكرسها للقديس فرنسيس الأسيزي، المدافع عن الفقراء وحامي الطبيعة.

وتثير الرحلة الليلية طيفاً واسعاً من المشاعر لدى حجاج سردينيا، من الفرح والأمل إلى الوقار والتطهر الروحي. ويحتمل الحجاج مشقة الطريق، فيما يرد المجتمع المحلي بكرم ضيافة يعيد إليهم نشاطهم عبر الماء والقهوة وحمامات القدمين، وأخيراً طبق من المعكرونة.

وإذا سألت الحجاج عن سبب قيامهم بهذه الرحلة، فستحصل على إجابات مختلفة: من أجل الإيمان، أو الفخر، أو شخص عزيز، أو الرياضة، أو بالطبع من أجل المعكرونة. لكن أمراً واحداً يكاد يجمع عليه معظمهم: هنا تبلغ «سو فيلينديو» أفضل مذاق لها.

ولقرون طويلة، كانت هذه المعكرونة تُقدم حصرياً في سان فرانشيسكو دي لولا. لكن بعض مطاعم سردينيا بدأت في السنوات الأخيرة بتقديمها خارج إطار الحج. ومع ذلك، يبقى للسياق أهميته؛ فالمذاق لا يكون نفسه عندما تُؤكل في أي وقت آخر بعيداً عن مسيرة جبلية استمرت طوال الليل. فالعبرة تكمن في الجهد المبذول، سواء في إعداد المعكرونة أو في الرحلة للوصول إليها.

ويفوق عدد الأغنام، التي يعيش كثير منها في تلك الجبال نفسها، عدد سكان سردينيا بنسبة اثنين إلى واحد.

وتؤدي الأغنام دوراً محورياً في ثقافة الجزيرة ومطبخها، بما في ذلك استخدامها أساساً لمرق «سو فيلينديو».

ويتطلب إعداد الطبق جهود مجتمع كامل، لكن توزيع الأدوار في مطبخ سان فرانشيسكو دي لولا واضح: الرجال يُعدون المرق، والنساء يطهين المعكرونة ويباركنها. وقبيل التقديم مباشرة تُضاف مكعبات طرية من جبن حليب الأغنام إلى المرق. والنتيجة النهائية أكثر نعومة مما قد يوحي به هذا المزيج؛ فهي عطرية ولطيفة وتميل إلى الحلاوة الخفيفة.

وعلى مدى ثلاثة قرون، ظل الحج وطبق «سو فيلينديو» مرتبطين ارتباطاً لا ينفصم. وتكمن قوة هذه الرحلة في التوازن بين العزلة والتواصل، والتضحية والضيافة، والألم والبهجة. وبينما واظب بعض الحجاج على تناول عشرات الأطباق من «سو فيلينديو» على مدى عقود، يبدأ آخرون اليوم أولى خطواتهم في هذه الرحلة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


المطاعم اللبنانية في لندن بين الإغلاق والافتتاح... والبقاء للأقوى

أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)
أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)
TT

المطاعم اللبنانية في لندن بين الإغلاق والافتتاح... والبقاء للأقوى

أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)
أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)

مشهد المطاعم اللبنانية حالياً في لندن متقلب وغير مستقر، حيث سمعنا منذ أيام قليلة عن إقفال عدد كبير من مطاعم «مروش» التي تُعد من أبرز الأسماء التي ساهمت في ترسيخ حضور المطبخ اللبناني في العاصمة البريطانية على مدى أكثر من أربعة عقود. وجاء هذا الخبر بعد اختفاء أسماء معروفة أخرى من الساحة اللندنية مثل «عبد الوهاب» و«نورا»، وهي مطاعم لعبت دوراً أساسياً في التعريف بالمطبخ اللبناني واستقطاب أجيال من الزبائن من العرب والبريطانيين على حد سواء.

ديكورات تذكرك ببيوت لبنان العتيقة (الشرق الأوسط)

لكن الصورة ليست سوداوية بالكامل، فبالتوازي مع هذه الإغلاقات، تشهد لندن افتتاح مطاعم لبنانية جديدة تسعى إلى تقديم تجربة مختلفة تجمع بين الأصالة والحداثة، ومن بينها مطعم «كينز» وغيره من المشاريع التي تعكس استمرار جاذبية المطبخ اللبناني وقدرته على التجدد. وبين أفول أسماء صنعت تاريخاً طويلاً وولادة علامات جديدة تحمل رؤى مختلفة، يبرز سؤال جوهري حول التحولات التي يشهدها قطاع المطاعم اللبنانية في لندن ومستقبله في سوق تتغير ملامحه باستمرار، مع إقرار بأن البقاء سيكون للأقوى بينها. وفي ظل هذا المشهد، أصبح افتتاح أي مطعم لبناني جديد يحمل رؤية واضحة حدثاً يستحق التوقف عنده. من هنا يأتي مطعم «كينز» (Kinz) في منطقة نوتينغ هيل، الذي يسعى إلى إعادة تقديم المطبخ اللبناني كما يعرفه أبناؤه: مطبخاً قائماً على المشاركة والكرم والنكهات الأصيلة، ولكن ضمن إطار عصري يواكب الذائقة اللندنية المعاصرة.

الكبة من الأكلات اللذيذة في "كينز" (الشرق الأوسط)

كنا من بين أوائل الزوار الذين قصدوا «كينز» بعد يومين فقط من افتتاحه. والمفارقة أن اللافتة الخارجية للمطعم لم تكن قد رُكبت بعد، إلا أن ذلك لم يمنع عشاق الطعام من العثور على العنوان الجديد. فالمكان كان مكتظاً بالكامل، فيما تنوعت جنسيات الحاضرين في مشهد يعكس الفضول الكبير الذي أثاره المطعم منذ أيامه الأولى.

ويحتل المطعم مبنى تاريخياً كان سابقاً فرعاً لبنك «لويدز» يعود إلى ثلاثينات القرن الماضي، من تصميم المعماري البريطاني الشهير السير إدوارد موف. وقد نجح القائمون على المشروع في الحفاظ على الكثير من الملامح المعمارية الأصلية للمبنى، مع إعادة توظيفها ضمن تصميم داخلي أنيق يجمع بين الحداثة والتراث، واللافت هو أن هناك تفاصيل صغيرة تعيد إلى ذاكرة اللبنانيين حيثيات صغيرة يرونها كل يوم في شوارع بيروت ودكاكينها مثل الخيم المقلمة التي تظلل مدخلها وواجهاتها وأرضية وبلاط بيوتها القديمة الأملس من كثرة المشي عليه، فيُخيَّل للناظر أن الزمن أذابه من كثرة المشي عليه، والزهرة التي رسمت على فناجين القهوة التراثية التي حولها «كينز» إلى شعار على شكل دبوس يضعه الندل على زيهم وأسياخ توضع عليها المشويات.

ديكور بسيط وجميل (الشرق الأوسط)

منذ اللحظة الأولى يلفت الانتباه المدخل الواسع والأسقف المرتفعة التي تمنح المكان إحساساً بالرحابة. كما جرى الحفاظ على عدد من التفاصيل الأصلية في الجدران، ومنها بقايا كلمات إنجليزية تعود إلى متجر كان ملاصقاً للبنك في الماضي، في لمسة تضيف بعداً تاريخياً للمكان.

ويقود سلم طويل إلى الطابق العلوي حيث تتوزع جلسات مريحة تطل على القاعة الرئيسية، بينما يوفر الطابق الأعلى مساحة أكثر خصوصية للراغبين في أجواء هادئة. وعلى امتداد السلم تتزين الجدران بصور فوتوغرافية كبيرة توثق مشاهد من لبنان بعدسات مصورين محليين.

جلسات جميلة ومتوزعة بشكل مريح (الشرق الأوسط)

أما أبرز مفاجآت التصميم فتتمثل في غرفة الطعام الخاصة الموجودة في الطابق العلوي، والتي تتسع لمجموعة محدودة من الضيوف. وتلفت الأنظار فيها وحدات الإضاءة المصممة على شكل أزهار بيضاء، والتي قامت شركة لبنانية بتصميمها وتنفيذها في بيروت خصيصاً لهذا المشروع.

وعند العودة إلى الطابق الأرضي، تبدو العناية بالتفاصيل واضحة في توزيع الطاولات؛ إذ تفصل بينها مساحات مريحة تتيح للزبائن الاستمتاع بوجباتهم من دون الشعور بالازدحام. كما تسود المكان ألوان هادئة مستوحاة من طبيعة البحر المتوسط وحقول الزيتون.

أما لمن يرغب في استكشاف تاريخ المبنى، فيمكنه اختيار الجلوس داخل الغرفة الخلفية التي كانت في السابق خزنة البنك. ولا يزال الباب الحديدي السميك والثقيل قائماً حتى اليوم، شاهداً على الوظيفة الأصلية للمكان قبل تحوله إلى أحد أكثر العناوين الجديدة إثارة للاهتمام في نوتينغ هيل.

أصحاب مطعم "كينز" الجديد (الشرق الأوسط)

ويقف وراء المشروع رشا خوري بروزو، الشريكة المالكة لمطعم «أكوب»، بالتعاون مع الشقيقين جاد وكريم لحود، في رؤية مشتركة ترتكز على الكرم والدفء العائلي وتقاليد الضيافة اللبنانية الأصيلة.وتعتمد قائمة الطعام على مفهوم المشاركة، حيث تنقسم الأطباق بين مجموعة من المقبلات اللبنانية التقليدية وأطباق رئيسية أكبر حجماً مستوحاة من وصفات توارثتها الأجيال.

وفي حديث مع رشا خوري بروزو وجاد لحود، أوضحت رشا أن الفكرة الأساسية للمطعم تقوم على تقديم أطباق لبنانية تشبه «أكل البيت» بأسعار معقولة. وقالت إنها لا تؤمن بالمبالغة في أسعار الطعام إلى درجة تحول دون تمكين الناس من الاستمتاع بمكونات جيدة وأطباق محضرة بعناية.

من جهته، أوضح جاد لحود أن معظم الوصفات المدرجة على قائمة الطعام تعود إلى والدته إيلين لحود، التي لا تزال تشرف بنفسها على إعداد عدد من الأطباق داخل المطبخ، بمساعدة فريق متعدد الجنسيات، حفاظاً على النكهة المنزلية الأصيلة التي يقوم عليها مفهوم المطعم.

ويولي «كينز» اهتماماً خاصاً بالأطباق النباتية المستوحاة من مطبخ القرى اللبنانية. ومن أبرزها فتة الباذنجان الغنية باللبن والرمان والمكسرات والخبز المقرمش، إضافة إلى الملفوف المحشي.

وعند المدخل، سيكون بإمكان الزوار شراء المأكولات الجاهزة مثل الكبة والفطاير وخلطات التوابل والمعلبات المنزلية.

ديكورات جميلة وبسيطة بنفس الوقت (الشرق الأوسط)

وعندما سألنا رشا وجاد عن شعورهما بعد الإقبال الكبير الذي شهده المطعم خلال أيامه الأولى، بدت الدهشة واضحة على وجهيهما. وقالت رشا: «الأمر لا يصدق. لا توجد حتى الآن لافتة تحمل اسم المطعم فوق الباب، ومع ذلك لم نكن نتوقع هذا الكم من الزبائن. بعض الأطباق نفدت اليوم لأننا لا نخزن الطعام ولا نثلجه، وكل شيء يُحضّر طازجاً وفي وقته».

ومن التفاصيل المحببة أيضاً أن المطعم يحيي جانباً من الثقافة الاجتماعية اللبنانية من خلال دمج طاولات الزهر والطاولة في تصميم البار وبعض المساحات المشتركة، في استحضار لذكريات الجلسات الطويلة التي تجمع الأهل والأصدقاء.

غرفة طعام خاصة للمجموعات الباحثة عن الخصوصية (الشرق الأوسط)

ويحمل المطعم اسم «كينز» أو «كِنز» بكسر الكاف، في إشارة إلى الكنز الثقافي والغذائي الذي يمثله المطبخ اللبناني. وهو اسم يعكس فلسفة المشروع القائمة على الحفاظ على الوصفات التقليدية والنكهات الأصيلة، مع تقديمها برؤية معاصرة تناسب جمهور لندن المتنوع.

في وقت أصبحت فيه المطاعم اللبنانية المتميزة أقل عدداً مما كانت عليه في السابق، يبدو «كينز» إضافة مرحَّباً بها إلى المشهد الغذائي في العاصمة البريطانية. فالمطعم لا يراهن على الفخامة أو الاستعراض بقدر ما يراهن على وصفات عائلية صادقة، ومكونات جيدة، وأجواء تذكر بزمن كانت فيه مائدة الطعام اللبنانية مساحة للقاء والمشاركة والكرم. وربما لهذا السبب بالتحديد، امتلأت طاولاته منذ أيامه الأولى.