هجرة الغزلان.. توفير طرق آمنة في البراري الأميركية

تقنيات مطورة لتتبع حركتها وتأمين سلامتها

هجرة الغزلان.. توفير طرق آمنة في البراري الأميركية
TT

هجرة الغزلان.. توفير طرق آمنة في البراري الأميركية

هجرة الغزلان.. توفير طرق آمنة في البراري الأميركية

بينما تنتظر مجموعة صغيرة من العلماء والمتطوعين على جانب طريق من الحصى هنا، في صحراء ريد ديزيرت في وايومنغ، تهبط مروحية حاملة بالحبال اثنين من الغزلان الأذانية أو «غزال البغل»، mule deer معصوبة العينين (نوع من الغزلان التي تستوطن طبيعيا مناطق غرب الولايات المتحدة، وقد أطلقت عليها هذه التسمية لأن آذانها كبيرة مثل آذان البغال، ولها عدة أجناس منها الغزال ذو الذيل الأسود - المحرر). وتحلق المروحية للحظة وسط دوامة عنيفة من الثلج أحدثتها حركة ريش المروحية، بينما يتم فك الحبال. ومع ارتفاع الطائرة وابتعادها، يركض الفريق وسط السحاب الكثيف.
ويحمل أفراد الفريق الحيوانين على ناقلة من القماش إلى مكان حيث يمكن وزنهما وإجراء الفحوص اللازمة لهما. وسحب الفريق من كل واحد من الحيوانين عينة دم، وشعرة من الشارب، وفحصوا الطوق المزود بجهاز رصد وتتبع حول عنقه، أو وضعوا واحدا جديدا، وقاموا بقياس درجة الحرارة، وأخذوا عينة من البراز، وأجروا تصويرا بالموجات فوق الصوتية، وحقنوا كل منهما بمخدر محلي في الفك، وخلعوا أحد أسنانه.

* غزلان طليقة
بعد 10 دقائق من الفحص والاختبارات، تم إطلاق سراح الغزال الذي انطلق في طريقه وإن كان فمه مخدرا، وفي جسده جرعات من المضاد الحيوي، وربما كان يتساءل ما الذي حدث. كان العلماء يلتقطون صورا لصحة الغزال وينزلون بيانات عن حركاتها من الطوق الرقمي لها، في إطار محاولة أكبر لتتبع طريق هجرته، والحفاظ عليه.
ولم يكتشف الباحثون هذا الطريق إلا أخيرا، ويعرف باسم طريق الهجرة من ريد ديزرت إلى هوباك، وهي أطول رحلة هجرة معروفة في الولايات الأميركية المتجاورة حيث يبلغ طولها 150 ميلا، وتتم مرتين سنويا. وألهمت تلك الرحلة الكثير من جماعات حماية البيئة بالعمل معا من أجل حماية طريق الغزلان من الغزو العمراني. ويأمل بعض المهتمين بالحفاظ على البيئة أن يكون هذا التعاون غير المعتاد سابقة مفيدة يمكنها أن تساعد في حماية الأنواع الأخرى، والبراري. وقالت ليزلي دانكان، مديرة الأراضي العامة في صندوق «بيو تشاريتبال»: «نعتقد أن هناك إمكانية أن يصبح هذا نموذجا لما تفعله الهيئات التابعة للولايات والهيئات الفيدرالية في الغرب».
الهجرة الموسمية بحثا عن طعام، ضرورية لبقاء الكثير من الحيوانات. وتبحث قطعان سيرنجيتي الشهيرة عن الأمطار، وفي الغرب ينتقل الكثير من الظباء، والغزلان، والطرائد الكبيرة الأخرى، إلى المنحدرات الجبلية من أجل الطعام خلال الربيع والصيف وينتظرون فصل الشتاء في المناطق الأكثر انخفاضا ودفئا. وقال هال سوير، عالم الأحياء والباحث لدى شركة «ويسترن إيكوسيستمز تكنولوجي» للاستشارات، الذي اكتشف طريق الغزلان: «الهجرة هي الآلية التي تتيح لهذه المساحة دعم الغزلان». ونظرا لما يمكن أن تمثله المنازل، والطرقات، والأسوار، وآبار الغاز، والطرق المزدحمة المخصصة للشاحنات، من عوائق للحيوانات في رحلتها، اكتشف المهتمون بحماية البيئة منذ وقت طويل أن الحفاظ على طرق الهجرة ضروري من أجل الحفاظ على الحياة البرية.
وينتقل نحو 500 غزال 150 ميلا من ريد ديزرت، حيث تقضي الشتاء إلى حوض نهر هوباك بالقرب من جاكسون في ولاية وايومنغ حيث تمضي فصلي الربيع والشتاء. وهناك قطعان أخرى يصل عددها إلى 5 آلاف غزال تتخذ هذا الطريق بالكامل أو جزءا منه. ويمر هذا الطريق بأراض عامة وخصوصا، ويقول العلماء إنه مميز، بالنظر إلى طوله كطريق خال نسبيا بالنسبة للغزلان. مع ذلك رأى حماة البيئة أن حماية الطريق ستتطلب تعاونا غير عادي بين الجماعات الحكومية والخاصة، فضلا عن الوصول إلى مستوى جديد من الفهم العلمي لتوجيه التعديلات في اللوائح والقوانين.
ويقول ستيف كيلبارتيك، رئيس فرع «اتحاد الحياة البرية» في وايومنغ، إن النبأ السار هو مشاركة جماعات الحفاظ على البيئة في مساعدة الغزلان على نحو لم يره من قبل. وأوضح قائلا: «أعتقد أن هذا أمر مميز ونادر الحدوث. ليس لدي علم بأي موقف حدث فيه ذلك من قبل». والجدير بالذكر أن مجموعته استعانت بمنسق لهذا التحالف غير الرسمي.

* صيادون من الجو
بدأت محاولة تتبع هجرة الغزلان من ريد ديزرت إلى هوباك عام 2011. وكان سوير يعمل على عقد من مكتب إدارة الأراضي لمراقبة الحياة البرية ووضع أطواق تتبع حول أعناق 40 غزالا في ريد ديزرت وهي من المناطق الأكثر انفتاحا واتساعا في ولاية تزخر بهم. ولا يعلم أحد على وجه الدقة ما فعلته غزلان ريد ديزرت في الربيع والصيف، رغم مشاهدة بعضها طوال العام. وتهاجر أكثر الغزلان، في حين يبقى البعض لأسباب غير مفهومة تماما. وقال ماثيو كوفمان، عالم الأحياء المتخصص في الحياة البرية لدى هيئة الاستطلاع الجيولوجي الأميركي، والأستاذ في جامعة وايومنغ والمسؤول عن دراسات هجرة ريد ديزرت وهجرات أخرى: «إذا لم تضع طوقا حول أفراد القطيع، يكون من الصعب جدا معرفة ما إذا كانت هاجرت أم لا».
يبدو الإمساك بالحيوانات ووضع أطواق حول أعناقها مثل مسابقات رعاة البقر للغزلان. وتوصل سكان نيوزلاندا إلى طريقة لإلقاء الشبكة على الغزال من مروحية يحلق فيها الطيار مثلما يمتطي راعي البقر حصانا يفرق أفراد القطيع. ويطارد الطيار أحد الغزلان، ويحاول عزله عن باقي القطيع، ويطير على مسافة قريبة تسمح بإطلاق شبكة وبسطها على الغزال للإيقاع به. ويحلق الطيار بعد ذلك على ارتفاع منخفض بحيث يتمكن «المهاجم»، الذي قد يكون هو من ألقى الشبكة أو فرد آخر من أفراد الفريق، من القفز على الأرض. ويركض المهاجم نحو الغزال ويمسك به بحيث يكون في وضع يمكنه من عصب عينيه ولفه بحبل لرفعه. وتتأرجح المروحية إلى الخلف بعد ذلك بحيث تتيح للمهاجم ربط الحبال بالجانب السفلي من المروحية قبل أن يعود على متنها.
وقد تكون هذه العملية قاسية على الغزال، ووقوع الحوادث يعد أمرا حتميا. ويقول كيفين مونتيث، عالم الأحياء المتخصص في الحياة البرية بجامعة وايومنغ الذي يعمل مع سوير، «إن نسبة تتراوح بين 1 و3 في المائة من الغزلان تهلك أو تصاب عند إلقاء الشباك عليها وأسرها»، مشيرا إلى أن هذا يجب أن يتوقف. مع ذلك يقول باحثون إن «الإمساك بالغزلان بهذه الطريقة يتيح لهم دراسة الغزلان التي تسكن المناطق النائية؛ وإنه لولا تلك الدراسات لظل طريق رحلة الهجرة مجهولا حتى الآن. ولا يحشد العلماء الجهود من أجل الدفع باتجاه تغيير السياسات أو اتخاذ موقف بيئي، لكنهم يدركون أهمية ذلك. لذا عندما أصدروا منشورا بشأن طريق ريد ديزرت - هوباك، أوردوا التحديات العشر الكبرى التي يواجهها طريق الهجرة، والتي يمكن لحماة البيئة العمل على حل بعضها.

* ائتلاف الهجرة
التقت جماعات الحفاظ على البيئة في يوليو (تموز) من أجل مناقشة طريق ريد ديزرت، ومن بينها صندوق الحفاظ على البيئة التي يشتري الأراضي، وجمعية البراري، ومجلس «وايومنغ» للأماكن الخارجية، الذي يركز على الأمور التي تتعلق بالقوانين واللوائح، واتحاد وايومنغ للحياة البرية، ومؤسسة «مولي فاناتيك»، التي لديها قاعدة قوية بين الصائدين. وركز التحالف على التحدي الأكبر الذي يتمثل في حماية طريق الهجرة، والذي يشبه عنق الزجاجة بالقرب من بحيرة فيرمونت.
وتعبر الغزلان في طريق يبلغ عرضه نحو ربع ميل، لكنه يضيق في بعض الأجزاء بحيث لا يتسع إلا لمرور صف واحد. ويقول الائتلاف «إن هذه واحدة من أفضل رحلات الهجرة الباقية».
ويعد الهدف الأصعب طويل المدى بالنسبة إلى الائتلاف هو تغيير إدارة الأراضي المملوكة للدولة من أجل زيادة قيمة طرق الهجرة. وإذا اختار المكتب حماية طريق الهجرة بأكمله، فقد يمثل ذلك سابقة هي الأولى من نوعها تشجع المكتب وهيئات حكومية أخرى على اتخاذ قرارات أخرى مماثلة.
* خدمة «نيويورك تايمز»



حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».