تسعة أيام غيّرت تاريخ مصر

عماد أبو غازي يروي تفاصيلها في «1919... حكايات الثورة والثوار»

تسعة أيام غيّرت تاريخ مصر
TT

تسعة أيام غيّرت تاريخ مصر

تسعة أيام غيّرت تاريخ مصر

صدر حديثاً عن «دار الشروق» بالقاهرة كتاب «1919 - حكايات الثورة والثوار»، من تأليف الباحث الدكتور عماد أبو غازي وزير الثقافة المصري الأسبق، وهو عبارة عن مجموعة من المقالات أعاد أبو غازي صياغتها لتصدر مجمعة تحت هذا العنوان، وقد كتبها ونشرها متفرقة على مدى 15 عاماً.
يبدأ الكتاب بمشهد افتتاحي بعنوان «قبل الثورة»، يليه أربعة فصول، ثم مشهد ختامي بعنوان «ميلاد مصر جديدة». وخصص أبو غازي الفصل الثاني للحديث عن التفاعلات التي جرت بين فصائل الشعب المصري وقتها، وبين قائد الثورة سعد زغلول وزملائه، وجاء بعنوان «شعب وقائد»، وتضمن 6 حكايات: الأولى كانت «حكاية بيت الأمة»، وهو الاسم الذي اشتهر به منزل سعد زغلول بمنطقة المنيرة (وسط القاهرة)، وأصبح فيما بعد متحفاً ومركزاً ثقافياً. وقال أبو غازي إن للتسمية حكاية ترتبط بالفترة التي سبقت قيام ثورة 1919، وهي فترة تأسيس الوفد المصري، وحشد الجماهير خلف مطلب تحقيق الاستقلال التام، وكانت بدايتها يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 1918، اليوم الذي يعرف بعيد الجهاد الوطني. وقتها، توجه سعد زغلول وعلي شعراوي وعبد العزيز فهمي لمقابلة السير «ونجت»، المعتمد البريطاني في مصر، لمطالبته بإنهاء الأحكام العرفية، ورفع القيود على سفر المصريين حتى يتمكنوا من الانضمام لمؤتمر الصلح بباريس الذي كان يُفترض أن يقرر مصير العالم بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. وأشار المؤلف إلى أنه بين يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) الذي جرت فيه المقابلة التاريخية ويوم 23 نوفمبر (تشرين الثاني)؛ يوم الإعلان عن تصديق أعضاء الوفد على قانونه، كانت مصر كلها تتحرك حركة هادئة.
وذكر أبو غازي أن سعد زغلول عندما شعر ببوادر الانقسام بين الوطنيين، اتجه لضم عناصر جديدة للوفد المصري، من مجموعة الحزب الوطني، ومن القريبين إلى الأمير عمر طوسون، فدخل في مفاوضات مع الحزب الوطني، لكنها انتهت بالفشل بسبب الخلاف على الأسماء، فتصرف سعد من نفسه، وضم مصطفى النحاس بك والدكتور حافظ عفيفي بك، بصفتهما يمثلان الحزب الوطني، ودعا عناصر أخرى للمشاركة في الوفد، منهم حمد الباسل باشا، وإسماعيل صدقي باشا، ومحمود بك أبو النصر، وسنيوت حنا بك، وجورج خياط بك، وواصف غالي بك، وحسين واصف باشا، وعبد الخالق مدكور باشا.

التوكيل وبيت الأمة

وقال أبو غازي إن الخطوة التالية التي ينبغي أن يتحرك الوفد في اتجاهها كانت اكتساب الشرعية لوجوده، وذلك من خلال الحصول على توكيل من الأمة بتمثيلها، وكانت صيغة التوكيل تقول: «نحن الموقعين على هذا أنبنا عنا حضرات سعد زغلول باشا وعلي شعراوي باشا وعبد العزيز فهمي بك ومحمد علي بك وعبد اللطيف المكباتي بك ومحمد محمود باشا وأحمد لطفي السيد بك، ولهم أن يضموا إليهم من يختارون، في أن يسعوا بالطرق السلمية المشروعة حيثما وجدوا للسعي سبيلاً في استقلال مصر استقلالاً تاماً».
لكن تلك الصيغة لم تكن هي ما اقترحه أعضاء الوفد في البداية، إذ كانت تتضمن عبارة «تطبيقاً لمبادئ الحرية والعدل التي تنشر رايتها دولة بريطانيا العظمى وحلفاؤها، ويؤيدون بموجبها تحرير الشعوب». ولفت أبو غازي إلى أن «لتعديل الصيغة قصة طريفة يرويها المؤرخ عبد الرحمن الرافعي بالتفصيل، ويقول إنه (لما نُشرت الصيغة، وتم تداولها، لاقت اعتراض الجناح الراديكالي في الحركة الوطنية، وكان يمثله الحزب الوطني، وتركزت الاعتراضات على ثلاث نقاط: الأولى إغفال صيغة التوكيل للنص صراحة على الاستقلال التام، بصفته هدفاً لسعي حاملي التوكيل عن الأمة؛ والثانية عدم الإشارة إلى السودان من قريب أو بعيد، حيث كان قطاع كبير من الحركة الوطنية يعتبر مصر والسودان بلداً واحداً، أما الأمر الثالث الذي أثار الاعتراض فكان العبارة التي تذكر بريطانيا العظمى، وتشير إليها باعتبارها تنشر راية الحرية والعدل، في الوقت الذي كانت تحتل فيه مصر لأكثر من ستة وثلاثين سنة، وتحمس أربعة من أعضاء الحزب الوطني، هم عبد المقصود متولي ومصطفى الشوربجي ومحمد زكي علي ومحمد عبد المجيد العبد، وذهبوا إلى بيت سعد لمناقشته في صيغة التوكيل، وإبداء اعتراضهم عليها. وقد استقبلهم سعد، ودار بينهم حوار حول التوكيل وصيغته، وسرعان ما احتدم النقاش بين سعد وضيوفه، فغضب وقال لهم (كيف تسمحون لأنفسكم بهذه الحدة؟ وكيف تهينوني في منزلي؟)، فأجابه محمد زكي، قائلاً: (إننا نعتبر أنفسنا في بيت الأمة، لا في بيت سعد الخاص)، فسُر سعد من التسمية، وراقت له الفكرة، وابتسم لمحدثيه، وقال لهم (لقد تنازلت عن ملاحظاتي)».

إثبات الموقف

وأما الحكاية الثانية التي ركز عليها المؤلف، فجاءت بعنوان: «إثبات الموقف»، وتناول فيها جزءاً من قصة التوكيلات التي قام المصريون بمقتضاها بإعطاء سعد زغلول حق الحديث باسمهم مع الإنجليز. وقد لعبت حملة جمع التوكيلات للوفد المصري الدور الأساسي في تشكيل حزب الوفد وبنائه على أرض الواقع، فقد كانت خطوة ضرورية لاكتساب الشرعية لوجوده، من خلال الحصول على توكيل من الأمة بتمثيلها، وكان جمع التوقيعات من المصريين فرداً فرداً سبيل الوفد إلى توحيد الشارع المصري سعياً نحو الاستقلال، وكان بداية الطريق إلى ترسيخ قيادة الوفد للأمة، وإبراز سعد زغلول زعيماً للحركة الوطنية المصرية.
وقد تضمن الفصل الثاني أيضاً حكايات أخرى، منها «حكاية سعد في المنفى»، وحكاية «حوار مع سعد زغلول في لندن»، والحكاية الخامسة عن «سنوات الشدة والإرهاب». وفي ختام الفصل، حكي أبو غازي حكاية «وزارة سعد الأولى والأخيرة».

مؤرخ الثورة

في الفصل الثالث من الكتاب، يستعرض أبو غازي مجموعة من وجوه الثورة، وحكاية كل واحدة أو واحد فيهم، ومنهم عبد الرحمن فهمي الرجل الذي قاد سعد الثورة من خلاله، وهدى شعراوي، وفخري عبد النور الوطني الغيور كما سماه سعد، فضلاً عن مؤرخ الثورة الأول محمد صبري، الشهير بالسربوني. وحكي أبو غازي قصته مع سعد زغلول، وقال: «عندما اشتعلت الثورة في مصر في التاسع من مارس (آذار) عام 1919، احتجاجاً على قيام سلطات الاحتلال البريطاني بالقبض على سعد زغلول وصحبه من قادة الوفد المصري، ونفيهم إلى مالطة، كان محمد صبري لم يزل شاباً في مقتبل العمر (1894 - 1978)، وقد اشتهر فيما بعد بالسوربوني، وأصبح واحداً من أهم مؤرخي المدرسة القومية المصرية. كان أيام ثورة 19 طالباً يدرس التاريخ في جامعة السوربون، وكان منضماً للجمعية المصرية بباريس، وأحد الناشطين البارزين فيها. ومن خلال نشاطه في الجمعية المصرية، تعرف على قادة الوفد عندما فرضت الثورة على سلطات الاحتلال إطلاق سراح سعد ورفاقه، وسمحت لهم بالسفر لباريس، وأصبح محمد صبري وقتها سكرتيراً لزعيم الوفد المصري في باريس.
وقال أبو غازي إن السوربوني كتب كتاباً صغيراً بالفرنسية صدر في باريس سنة 1919، بعنوان «الثورة المصرية من خلال وثائق حقيقية وصور التقطت أثناء الثورة»، كان يهدف من خلاله إلى الدعاية للقضية المصرية، وتعريف الرأي العام الأوروبي بها، وقد كتب السوربوني كتابه والأحداث مشتعلة، وزوده بمجموعة من الوثائق والصور الفوتوغرافية التي تسجل جرائم الاحتلال الإنجليزي، واختار مؤلفه مخاطبة الرأي العام الغربي بلغته، ودعم وجهة نظره بالوثيقة والصورة، وما كان ينشر في الصحف الإنجليزية والأميركية والفرنسية ليكون أكثر إقناعاً للرأي العام الغربي، كما استعان ببعض ما نشرته الصحف في مصر بالفرنسية والإنجليزية، والصحف الموالية للاحتلال الصادرة بالعربية، ولم يتوقف السوربوني عند حدود كتابه الأول، بل أصدر جزءاً ثانياً منه بالفرنسية في باريس سنة 1921، وتتبع فيه تطورات الوضع في مصر خلال العامين التاليين على أحداثها.
ومن حكاية السوربوني، انتقل أبو غازي لحكاية حسين رشدي باشا، رئيس الحكومة الذي ساند الثورة، ثم «حكاية ابن القباقيبي... حكاية طفل ساند الثورة». أما الحكاية الأخيرة، فقد نقلها أبو غازي عن الكاتب فتحي رضوان الذي حكاها عن أخته التي شاركت في الثورة وهي تلميذة في المرحلة الثانوية. أما الفصل الرابع (الأخير)، فيتناول فيه أبو غازي «ثورة 1919 والإبداع»، من خلال أعمال عدد من الفنانين والمبدعين المصريين، ومنهم الموسيقار سيد درويش والمثال محمود مختار وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ.


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً