روسيا وبيلاروسيا تواجهان الضغوط الغربية بتعزيز مسار «التكامل المعمّق»

استعدادات لتوقيع 28 «خريطة طريق» في إطار اتفاق دولة الاتحاد

الرئيسان بوتين ولوكاشينكو خلال اجتماعهما في سانت بطرسبورغ بروسيا في يوليو الماضي (إ.ب.أ)
الرئيسان بوتين ولوكاشينكو خلال اجتماعهما في سانت بطرسبورغ بروسيا في يوليو الماضي (إ.ب.أ)
TT

روسيا وبيلاروسيا تواجهان الضغوط الغربية بتعزيز مسار «التكامل المعمّق»

الرئيسان بوتين ولوكاشينكو خلال اجتماعهما في سانت بطرسبورغ بروسيا في يوليو الماضي (إ.ب.أ)
الرئيسان بوتين ولوكاشينكو خلال اجتماعهما في سانت بطرسبورغ بروسيا في يوليو الماضي (إ.ب.أ)

بدأت موسكو ومينسك بوضع اللمسات الأخيرة، تحضيراً لتوقيع رزمة من الوثائق في إطار تعزيز مسار «التكامل العميق» بين عمل المؤسسات في البلدين في مختلف المجالات. وتزامن الإعلان عن تحديد التاسع من الشهر الحالي لتوقيع 28 «خريطة طريق» تم التوافق بشأنها خلال مفاوضات استمرت لسنوات بين الجانبين، مع تصاعد المواجهة بين بيلاروسيا والغرب، فقد أعلنت واشنطن، أمس، تقليصاً جديداً للعلاقات الدبلوماسية مع مينسك، فيما رأى خبراء روس أن الضغوط المتزايدة على نظام الرئيس ألكسندر لوكاشينكو تدفعه أكثر نحو ترسيخ التحالف مع الكرملين.
وأعلن سفير بيلاروسيا في موسكو، فلاديمير سيماشكو، أن الرئيسين، الروسي فلاديمير بوتين والبيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، سيوقعان في 9 سبتمبر (أيلول) الحالي على كل «خرائط الطريق» التي تم وضعها في إطار برنامج واسع لـ«التكامل» بين طرفي اتفاقية الاتحاد الروسي - البيلاروسي.
وقال خلال لقاء مع مسؤولين روس أمس: «لقد وصلنا إلى نقطة النهاية بعد 3 سنوات من المفاوضات، وبقي من أصل 28 خريطة طريق واحدة فقط. وأعتقد أننا سننجز التوصل إلى تفاهم بشأنها في السابع من سبتمبر (أيلول) الحالي، وسوف يجتمع الرئيسان في موسكو بعد ذلك بيومين، حيث سيتم التوقيع على جميع خرائط الطريق وخرائط تطوير التكامل العميق».
وكان الكرملين والرئاسة البيلاروسية قد أعلنا في وقت سابق أن الرئيسين «سوف يناقشان البرامج التي أعدتها حكومتا البلدين، والقضايا الدولية، بالإضافة إلى قضايا الساعة على جدول الأعمال الثنائي». ومع الإعلان عن قرب توقيع الوثائق، تغدو للقمة الثنائية أهمية خاصة لأنها ستضع أساساً للشروع في برامج التكامل التي تشمل إطلاق عمل مجموعات مشتركة في كل المجالات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية، في إطار اتفاق «الاتحاد» بين البلدين الذي وقع في عام 1996، لكن الطرفين فشلا منذ ذلك الوقت في إطلاق مسار التكامل وتنفيذ بنوده بسبب مخاوف بيلاروسية من قيام الشركات الكبرى الروسية بـ«التهام الاقتصاد البيلاروسي»، وفقاً لتعبير لوكاشينكو في أكثر من مناسبة في السابق.
ومع اقتراب موعد الاستحقاق الكبير، لفت خبراء روس إلى أن تصاعد التوتر في علاقات مينسك مع العواصم الغربية، دفع لوكاشينكو إلى تسريع عملية التوصل إلى اتفاقات لإطلاق مسار التكامل. وكانت علاقات مينسك قد تعرضت لهزة قوية مع الغرب على خلفية قمع الاحتجاجات الداخلية التي تواصلت لشهور، ما دفع إلى فرض عدة رزم من العقوبات الأوروبية والأميركية على السلطات البيلاروسية.
وشهدت الأزمة المتصاعدة تطوراً لافتاً مع تنشيط موسكو ومينسك تحركاتهما العسكرية على طول الحدود البيلاروسية مع أوروبا، رداً على التحركات التي يقوم بها حلف شمال الأطلسي في الجانب الأوروبي من الحدود. وأسفرت الأزمة عن تدهور واسع أسفر عن إغلاق الحدود البيلاروسية مع عدد من البلدان الأوروبية، والشروع بإقامة جدار عازل أوروبي على المناطق الحدودية لمنع تسلل اللاجئين من بيلاروسيا إلى أوروبا.
وقال نائب وزير الداخلية والإدارة في بولندا، ماتشي فاشيك، إن السلطات البولندية نشرت ألف جندي على حدود البلاد مع بيلاروسيا بسبب تدفق المهاجرين غير الشرعيين. وزاد فاشيك أنه «تم تعزيز الحدود. وبولندا تعتزم بناء أسوار إضافية على الحدود».
وكانت الخارجية البولندية قد أعلنت قبل أيام أنه «حتى الآن، تم تجهيز نحو 100 كيلومتر من الحدود بسياج من الأسلاك الشائكة في المنطقة التي تحرسها الوحدة الإقليمية لحرس الحدود في بودلاسكي». ومن المخطط كذلك تجهيز 50 كيلومتر أخرى بسياج في المنطقة الخاضعة للحراسة عن طريق قوات الجيش.
وكانت بولندا وليتوانيا المجاورة قد اتهمتا بيلاروسيا بالسماح للمهاجرين بعبور الحدود لدخول الاتحاد الأوروبي انتقاماً من فرض عقوبات اقتصادية شاملة على مينسك. وفي تطور جديد على العلاقة مع واشنطن، أعلنت السفارة الأميركية في بيلاروسيا، أمس، في بيان، أنها خفضت عدد الموظفين العاملين في البعثة الدبلوماسية في مينسك. وذكرت السفارة أنها فعلت ذلك بطلب من الجانب البيلاروسي.
وأضاف البيان أنه «للمرة الثانية خلال 3 أشهر، اضطر دبلوماسيون أميركيون لمغادرة بيلاروسيا بسبب القرار المؤسف من جانب النظام بخصوص تقليص التعاون والحوار. نحن نودعهم (الدبلوماسيون)، وهم يودعون الشعب البيلاروسي الذي عملوا بتفاني لدعم تطلعاته الديمقراطية».
وأكدت السفارة أن «الدبلوماسيين الأميركيين سيواصلون هذا العمل الحيوي، سواء في مينسك أو من أي مكان آخر».
وكانت الخارجية البيلاروسية قد دعت، في وقت سابق، الجانب الأميركي لخفض عدد العاملين في سفارة الولايات المتحدة في مينسك إلى 5 أشخاص بحلول الأول من سبتمبر (أيلول)، رداً على فرض واشنطن قبل أسابيع رزمة عقوبات إضافية على أكثر من 40 فرداً وكياناً في بيلاروسيا.
وعلى الرغم من هذه الأجواء المحيطة بعلاقات بيلاروسيا مع الغرب، برز الجدل مجدداً لدى الأوساط الروسية فور الإعلان عن اقتراب الطرفين الروسي والبيلاروسي من توقيع رزمة الوثائق حول التكامل، وكان لافتاً أن تعليقات خبراء روس حملت تساؤلاً حول «ما إذا كان يمكن الوثوق بوعود لوكاشينكو بالسير بنشاط في مسار تكامل بيلاروسيا مع روسيا».
وشكك خبراء في نيات لوكاشينكو الذي كان قد أعلن في الجلسة العامة للمنتدى الثامن لأقاليم بيلاروسيا وروسيا أخيراً عن تطوير «استراتيجية طويلة الأجل للتكامل في دولة اتحادية»، مع إشارة إلى أنه في عام 2022 سوف يتم، وفقاً لكلامه «الانتهاء من تحقيق الاتجاهات ذات الأولوية، والمهمات الأساسية لتطوير دولة اتحادية، سيتم المصادقة على تمديد الاتفاق بشأنها دورياً كل 4 سنوات».
لكن المدير العام لمجلس الشؤون الدولية الروسي، أندريه كورتونوف، رأى أن «استراتيجية لوكاشينكو الجديدة للتكامل مع روسيا نجمت عن الضغط الخارجي على البلاد. وفي السابق، كانت بيلاروسيا تتمسك دائماً بمفهوم سياسة خارجية مستقلة وتجارة متعددة النواقل».
وزاد أن أوساطاً روسية لا تراهن كثيراً على التحول في مواقف الزعيم البيلاروسي بشأن التقارب مع موسكو، وأنه «إذا ما ظهرت لديه فرصة لاستعادة العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، فإنه بالتأكيد سيستغلها، ويحاول العودة إلى السياسة متعددة النواقل».
ورأى الخبير أنه «بمعنى ما، تم حشر لوكاشينكو في الزاوية. والسؤال الآن هو: إلى أي مدى تريد موسكو الإفادة من مأزق شريكها؟ هل ستحث لوكاشينكو بإصرار على إلغاء القرارات الاقتصادية السابقة التي تشكل حتى الآن عقبة أمام التكامل؟».
وبحسب كورتونوف، فإنه إذا نجحت الاستراتيجية الجديدة، فقد يطال التكامل بين روسيا وبيلاروسيا مجالات مثل الصناعة والتكنولوجيا العالية.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...