صوفيا أندرييفنا عن تولستوي: يفهم الحياة السيكولوجية للبشر ولا يفهم زوجته وأولاده!

قالت إن كتفيها الضعيفين أوهن من أن يحملا عبء الاقتران برجل عبقري

صوفيا أندرييفنا وتولستوي
صوفيا أندرييفنا وتولستوي
TT

صوفيا أندرييفنا عن تولستوي: يفهم الحياة السيكولوجية للبشر ولا يفهم زوجته وأولاده!

صوفيا أندرييفنا وتولستوي
صوفيا أندرييفنا وتولستوي

لم تكن العلاقة العاطفية والأسرية التي جمعت بين صوفيا أندرييفنا والكاتب الروسي الشهير ليف تولستوي لتختلف، من حيث تعقيداتها ومفارقاتها الضدية، عن مسار العلاقات المماثلة التي جمعت بين كتاب العالم ومبدعيه ونسائهم الأثيرات اللواتي تقاسمن معهم في وقت لاحق مسرات الحياة ومشقاتها. لكن ما أكسب هذه العلاقة فرادتها وتميزها لا يقتصر على التباينات والخلافات الكثيرة التي عصفت بحياة الزوجين، بل على الطبيعة الإشكالية لشخصية الزوجة التي أخذ تولهها العاطفي بالزوج أشكالاً «مرضية» بالغة الخطورة، والتي حولت نفسها إلى أضحية حقيقية على المذبح المأساوي لغريزة التملك والاستئثار بالآخر المعشوق. وليس بالأمر المستغرب تبعاً لذلك ألا تكون الشخصية العاطفية المعقدة لصوفيا موضع إجماع النقاد والباحثين، بل محلاً دائماً للانقسام وتباين الآراء، بين مَن رأوا فيها صورة المرأة الأشد وفاءً لموهبة تولستوي التي كرست نفسها وحياتها لخدمة عبقريته ومنجزه الأدبي، ومَن رموها في المقابل بأبشع التهم، بدءاً من الأنانية والانهمام الكلي بالذات وصولاً إلى الغيرة القاتلة والرغبة غير المحدودة في الاستيلاء على الزوج وخنقه ومصادرة حريته.
تقدم صوفيا أندرييفنا في المذكرات التي أصدرتها بعيد رحيل تولستوي بسنوات قليلة، تحت عنوان «يوميات الكونتيسة صوفيا تولستايا»، صورة بانورامية وافية عن علاقتها الصعبة بصاحب «الحرب والسلام»، وما رافق حياتهما المشتركة من مسرات ومشقات. والواضح أن المؤلفة كانت تهدف من خلال مذكراتها المكتوبة على شكل يوميات إلى تأريخ تلك المسيرة الطويلة التي جمعتها بالزوج الاستثنائي، والتي ظلت طيلة نصف قرن تتراوح بين الصعود والهبوط، كما بين السعادة الخالصة والشقاء الكلي. ولعل أكثر ما يستوقف القارئ في هذا الإطار هو امتلاك أندرييفنا لكل العناصر التي تمكنها من إنجاح اقترانها بتولستوي، وتحويله إلى فسحة مديدة من السعادة والعطاء والتناغم الأسري. فقد نشأت صوفيا في كنف عائلة ميسورة، في أحد أجنحة قصر الكرملين الشهير، حيث كان والدها هو الطبيب الخاص للقيصر الروسي، وهو ما أتاح لها الحصول على كثير من الامتيازات، ومن بينها الاطلاع على الآداب العالمية، وتذوق كثير من الفنون، والعزف على البيانو، فضلاً عن إتقانها لكثير من اللغات. وإذا لم يكن ثمة ما يدفع الزوجة إلى الشعور بالنقص، أو يسوغ للزوج شعوره بالغربة أو المرارة التي رافقته على امتداد عقود من الزمن، فمن أين كانت تهب إذن تلك العواصف العاتية التي عكرت العلاقة بين الزوجين، والتي حولت حياتهما إلى سلسلة طويلة من المنغصات؟
إن قراءة متأنية ليوميات أندرييفنا التي تتجاوز الثمانمائة صفحة تُظهر بوضوح أن ليس ثمة خلاف يُذكر بين الزوجين حول طبيعة اهتمامات كل منهما على المستوى الثقافي والأدبي، بل كان هناك تناغم واضح بين الطرفين، حتى إن لم تكن آراؤهما حول بعض المفاهيم المتعلقة بشؤون الفن والإبداع متطابقة تماماً. وإذ كانت صوفيا هي من تتولى نسخ أعمال زوجها وطباعتها على الآلة الكاتبة، فإنها حرصت في الوقت نفسه على ألا تكون مجرد «أداة» ناقلة لهذه الأعمال، بل كانت تبدي رأيها الشخصي في كل عمل جديد، مستندة إلى ثقافتها الواسعة وذائقتها المرهفة. وفيما كان الزوج يصغي إلى ملاحظاتها، السلبية منها والإيجابية، باهتمام ملحوظ، كانت ترى في ذلك الإصغاء مدعاة للغبطة والاعتزاز البالغ، إلا أن الأمور لم تجر دائماً على هذا النحو، فإذا كان من حق صوفيا أن تفصل بين العاطفة الشخصية والنقد الموضوعي، وهو ما تمت ترجمته في كثير من نصوص اليوميات، فإن هذه القاعدة سرعان ما يجري اختراقها حين تصل المناكفات بين الزوجين إلى ذروتها. ولا تتحرج المؤلفة في هذه الحالة من القول عن زوجها الكاتب: «استنسخت كثيرًا من أعمال ليف نيقولايفيتش؛ لا تعجبني مقالاته، وهذا يحزنني كثيراً؛ ثمة حدة منفرة، وحتى حاقدة، في مقالاته. وأنا أشعر بأنه يهاجم عدواً خفياً في خياله».
والطريف في الأمر أن أندرييفنا التي تسببت غيرتها المرضية على زوجها بإفساد حياتهما معاً، لا تتردد في رد كرة الغيرة إلى مرمى الزوج نفسه، معتبرة أن مصدر تلك الحدة في أسلوبه هو غيرته القاتلة من الموسيقي الروسي سيرجي إيفانوفيتش. وهو أمر لا يَرد بشكل عرضي في يوميات الكاتبة، بل يتكرر باستمرار، وبشكل متعسف مفتعل في بعض الأحيان. ومع أن صوفيا لا تترك مناسبة تمر دون أن تشير إلى ولائها المطلق للرجل الذي اقترنت به، فهي لا تكف عن الإشارة إلى اهتمام إيفانوفيتش بها، وإلى مبادلتها ذلك الاهتمام بمثله. ولعلها ترمي من خلال ذلك إلى إصابة عصفورين بحجر واحد: الأول يتعلق بإرضاء غرورها بصفتها أنثى جميلة مرغوبة لم يفلح الزوج المنصرف إلى شؤونه الشخصية في إعطائها حق قدرها، فيما يهدف الثاني إلى إثارة غيرة تولستوي الذي ما يلبث أن يخرج غير مرة عن بروده العاطفي ليظهر قلقه وتبرمه الواضح بالعلاقة «المريبة» التي تجمع بين الزوجة الشابة التي تصغره بستة عشر عاماً والموسيقي الموهوب، وهو ما يعتقد بعضهم بأن ظلاله وتأثيراته لم تكن بعيدة تماماً عن رواية تولستوي المعروفة «أنَّا كارنينا».
لكن السبب الحقيقي للعطب الذي أصاب العلاقة بين الزوجين في صميمها هو أن كل واحد من الطرفين أراد من هذا الزواج ما يلبي احتياجاته وتطلعاته الشخصية. فتولستوي، شأنه شأن معظم المبدعين، كان يدرك في قرارته بصفته كاتباً، أنه غير معني بتدبير شؤون المنزل أو الاعتناء بالأطفال، وأن الشيء الوحيد الذي يجيد القيام به هو الكتابة. على أن صوفيا، رغم اقتناعها بخصوصية الزوج وتفهمها لمزاجية الكتاب وحاجتهم الماسة إلى الحرية، لم تستطع أن تتقبل مسألة إهماله لحقوقها الطبيعية بصفتها زوجة وأنثى، أو إهماله لأطفاله، خاصة في حالات المرض. ورأت في تذرعه بالكتابة لتبرير انصرافه عنها، وعن أبنائها الكثر الذين بلغ عددهم ستة عشر، توفي 3 منهم فيما بعد، حجة غير مقنعة لأحد، لأنه كان يقضي كثيراً من أوقاته في مجالسة أصدقائه ومريديه. ومع أنها لم تعارض بعض أنشطة زوجها الاجتماعية والإنسانية، بل إنها شجعته على إنشاء مطاعم مجانية أو شبه مجانية للفقراء والمحتاجين، فإنها رفضت بإلحاح تخليه عن حقوقه المالية لناشري رواياته وأعماله، ورفضت بإلحاح أكبر توزيع ممتلكاته الشاسعة على الفلاحين، وعلى أتباعه من طائفة «الدوخوبوريين» الذين رأوا فيه معلمهم ومرشدهم الروحي.
لم تترك صوفيا أندرييفنا أي فرصة تُذكر دون أن تعترف بحبها المطلق لليف تولستوي. وهو ما عبرت عنه بالقول «الزواج من العبقري لا يتطلب كثيراً من العقل، بل كثيراً من الحب»، أو القول في مكان آخر: «نحن النساء لا نستطيع أن نحيا من دون معبود، وقد كان ليف معبودي، ولكنه لم يرَ ذلك». وهذا الحب لم يقتصر بالنسبة لها على الأقوال، بل عبر عن نفسه من خلال تكريس حياتها لتدبير شؤون العائلة، والسهر على صحة الجميع وسعادتهم، وصولاً إلى نسخ روايات الزوج ومقالاته، ومناقشة أفكاره وطروحاته المختلفة، بل إنها لم تتردد، بما لعائلتها من وزن اجتماعي، في زيارة القيصر نقولا الأول مناشدة إياه الإفراج عن بعض أعمال تولستوي التي صادرتها الرقابة، مخففة من وطأة بعض آرائه «المتطرفة» حول بعض شؤون السياسة والدين، مطالبة إياه بالعمل على حماية الزوج بعد أن تلقى غير مرة تهديدات جدية بالقتل.
وحين ألقت الكنيسة الروسية الحُرْم الشامل على الكاتب، تولت الزوجة بنفسها قيادة حركة التضامن مع الزوج المتهم بالخروج على التعاليم المسيحية، وكتبت بنفسها الرسائل التي تستنكر القرار الجائر، ووزعتها في جميع أنحاء العالم. إلا أن صوفيا ظلت تحس في أعماقها بأن كل ذلك الحب وتلك التضحيات لم يشفعا لها لدى الزوج الذي كان يسْلم نفسه بالكامل لشؤون الكتابة من جهة، ولدعوته الاجتماعية والإصلاحية من جهة أخرى. كما لم تستطع الزوجة المثقلة بالوحشة التي لاحقها على امتداد حياتها هاجس الانتحار أن تجد تفسيراً مقنعاً لما رأت فيه نوعاً من السلوك الفصامي لذلك الذي «يطعم مئات الجياع، فيما يهمل أبناءه تماماً». وعلى مدى كتابها الضخم، يمكن لنا أن نقرأ عبارات وتساؤلات مريرة، من مثل: «كيف يفهم تولستوي الحياة السيكولوجية للبشر، ولا يفهم زوجته وأولاده؟!»، أو مثل: «إنه يكتب سيرته كقديس، ولن يعرف أحد ما فعله بعائلته»، بل إنها لا تتحرج في لحظات غضبها وسخطها العارمين من الطعن في مصداقيته الأخلاقية والأدبية على حد سواء، حيث «لا ينفك يدعو أتباعه إلى الفضيلة، والترفع عن الشهوات، فيما رواياته تدعو إلى الجنس والرذيلة، وتعاني من الحموضة الزائفة».
ولعل أكثر ما يلفت انتباه القارئ في أثناء تتبعه للمأزق المأساوي الذي أفسد حياة الزوجين، وأفضى بتولستوي إلى الرحيل عن المنزل الزوجي، هو أن الغيرة العمياء التي استبدت بأندرييفنا لم تكن تتعلق بعلاقات زوجها النسائية، إذ هي لم تُشر على الإطلاق إلى أي أمر من هذا النوع، بل انصبت غيرتها على كل المحيطين بالزوج، خاصة جامع التحف تشيرتكوف الذي رأت فيه صوفيا «معبود تولستوي ومنافسها الأخطر على قلبه»، خاصة أن الزوج الخائف على مصير إرثه الأدبي بعد رحيله قد عهد إليه من دون الجميع بحماية هذه المذكرات من السرقة أو التزوير. فقد كان صاحب «سلطان الظلام» متيقناً من أن أندرييفنا تتلصص بشكل دائم على مذكراته، بغية الوقوف على مشاعره الحقيقية تجاهها.
والواقع أن ما قرأته صوفيا خلسة في مذكرات الزوج قد أصابها بالهلع والصدمة التامة، إذ إنه يصفها تارة بالحمقاء، وتارة بالشريرة التي تضيق عليه الخناق، وتعمل على عزله عن أصدقائه كافة، وصولاً إلى وأد طاقته الإبداعية. وهي تعترف تبعاً لذلك بأن قرارها بكتابة مذكراتها، بكل ما تتضمنه من تفاصيل يومية صغيرة، كان يهدف إلى تقديم الرواية «الصائبة» عن العلاقة المضطربة، في مقابل رواية الطرف الآخر المليئة من وجهة نظرها بالتشوهات والافتئات على الحقيقة. إلا أنها ظلت تشعر في قرارتها بأن المعركة بينها وبين زوجها لم تكن متكافئة على الإطلاق، حيث استطاع تولستوي، بما له من سلطة، أن يفرض على العالم رؤيته الخاصة للأحداث، محولاً إياها إلى نسخة معدلة من كسانيتا، زوجة سقراط المتسلطة التي لم تتورع على الإطلاق عن معاقبته بقسوة، وصولاً إلى جَلده بالسوط. وإذ أدركت أندرييفنا فساد العدالة الأرضية، وانحيازها للأقوى والأكثر نفوذاً، لم تجد بدا من الاستنجاد بعدالة السماء، معفية نفسها من أي مسؤولية تُذكر عما لحق بزواجها من أعطاب، هاتفة بأسى مرير «يا إلهي، ساعدني على تحمل هذا الألم، إذ لا ينفك تولستوي يقدم نفسه للأجيال القادمة بصفته شهيداً، وبصفتي امرأته الخاطئة».



العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة
TT

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

قد يبدو السؤال عن سرديات الاقتصاد مفارقاً، ومثيراً، وباعثاً على الجدل حول علاقته بتسويق فرضية تقويض الأنماط المهيمنة للاقتصاد، والسياسات الساندة لها، وبطبيعة تغيراتها في التعاطي مع مفاهيم السوق والاستهلاك والإعلان، فضلاً عن علاقتها بمظاهر القوة والسيطرة المصرفية والمعلوماتية، فما حدث بعد الصدمة الأميركية عام 2001 أفقد العالم كثيراً من مألوفيته واطمئنانه، وجعله مكشوفاً على صراعات معقدة، انهارت معها الاقتصادات التقليدية، وبرزت الشركات العابرة للقارات كتمثيل استحواذي لـ«الزمن الأميركي» وتداعياتها على مستوى اختلاط التاريخ بالآيديولوجيا، والسياسة بالأمن، على نحوٍ جعلهما مهيئين للدخول إلى صياغة «تاريخ جديد»، بدا وكأنه معادل ثقافي وآيديولوجي لتمثلات الليبرالية الجديدة.

هذا التمثيل كان أكثر وضوحاً من التعبير عن نشوء تشكلات ثقافية معقدة، وتناقضات جيوسياسية صادمة، أثارت أسئلة فارقة حول توصيف الثنائيات القديمة لـ«الغرب والشرق» أو «الشمال والجنوب»، إذ كشفت هذه المفارقات عن معطيات بدا بعضها مصنوعاً، وبعضها الآخر مُصمَّماً في مختبرات سرية، تتعامل مع الأفكار مثلما تتعامل مع الفئران، لكن غاياتها تكمن بالخروج بنتائج تتوخى تحويل القوة إلى أدوات قاهرة، مقبولة وخادعة، وإلى أسواق غاوية للاستهلاك، وإلى انقلابات أو حركات أو أدلجات يمكن استعمالها في تكريس مفهوم الهيمنة في السوق والجغرافيا والآيديولوجيا، فضلاً عن توظيفها على طريقة «فوكوياما» في الترويج لإشاعة «الإنسان الأخير» بوصفه تمثيلاً آيديولوجياً لفكرة هيمنة المشروع العالمي للمركزية الأميركية.

ما حدث في العراق بعد عام 2003 ليس بعيداً عن ذلك، فسرديات الدولة الكبرى قد تقوضت، واقتصاد «القطاع العام» فقد قاعدته الإنتاجية، مثلما تعرضت سرديات آيديولوجيا المعسكر والحزب والقائد الرمز إلى انهيار كبير، لتصعد عبرها «سرديات صغيرة» وأدلجات غائمة ومضللة للجماعة والطائفة والهوية، على نحوٍ أعطاها زخماً وعنفاً ضاغطين، لم تعد فيهما توصيفات اليسار واليمين، والاشتراكية والقومية فاعلة، وما برز فيها تبدى عبر صعود سريع وحادّ لقوى لا وضوح طبقي لها، ولا تاريخ لها مع السلطة، فانشغلت بنزعات شعبوية، استغرقها كثير من مظاهر العنف والامتلاك والاستحواذ، لتصعد معها رساميل صغيرة عشوائية، تغذت عبر واقع اقتصادي وسياسي طفيلي وملتبس، لم تصنع منه «الدولة الجديدة» قوة فاعلة، لها برامجها ومشاريعها، ونظرتها لمفاهيم الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي. فرغم فشل تلك الرساميل في أن تتحول إلى رساميل كبرى، أو إلى شركات عابرة للقارات، فإن هامشيتها جعلت منها قوة عنيفة، تسلل كثير منها إلى منظومات السلطة الرسمية، لتدخل في نظامها الاقتصادي والأمني، وفي أدلجتها، ولتكوّن وجودها عبر فاعليات ضاغطة، أسهمت في تغيير كثير من سياسات الدولة، ومسارات اقتصادها الرخو. وهذا ما جعلها تلعب دوراً في صناعة الاقتصادات الطارئة، وفي تعطيل عجلة برامج التنمية البشرية والثقافية والمستدامة، وفي فشل نظامها المؤسسي، فضلاً عن تعرّض جهازها الإداري إلى التضخم والترهل والتشوه البنيوي.

استبدال السرديات القديمة بإعادة صياغة مفهومية لمركزيات الأمة والقومية والتاريخية أفرز أشكالاً هجينة لتلك السرديات الصغيرة، ولمظاهر عنفها واضطرابها في تمثيل المجال التداولي للمفاهيم المجاورة التي تخص الدولة والديمقراطية والحرية والعدالة والهوية والقانون، باتجاهٍ جعل من الاجتماع السياسي مخترقاً من خلال انتهاكات عميقة، فقد معه تمثيله «الوطني» مقابل تحول بعض الجماعات إلى قوى فاعلة وضاغطة، لا تجمعها سوى مصالح الاستملاك، ونزعات الاستهلاك الكبيرة، أي أن وجودها ظل رهيناً بنزعات تشييد مظاهر إدامة هذا الاستهلاك، من خلال تشييد مؤسسات أهلية عائمة، غير خاضعة إلى رقابة الدولة، ولا علاقة لها بالحاجات التنموية، بقدر ارتباطها بهيمنة الأنماط؛ مستشفيات أهلية، جامعات أهلية، مدارس أهلية، مولات، الشركات، نوادٍ، مقاولات، غيرها. وهذا ما أسهم في تمهيد الطريق إلى تضخم قوة هذه المؤسسات، وتحويل علاماتها التجارية إلى علامات رمزية في صناعة «المجتمع الظل» الذي يتغذى من خلال جماعات الفساد الكبير، والتمثلات الإيهامية للإشباع الرمزي، حتى من خلال التلويح بفرضية العنف الاقتصادي. تلك التي تكرست عبرها نزعات الانفلات عن النظام العام، وتغولت مظاهر التفرد بالاستهلاك، مقابل تعطيل فاعلية أدوات تشكيل الدول الناجحة، عبر ربطها بالسياسات الناجحة والإدارة المهنية الناجحة، وببرامج وخطط التنمية والأمن الاقتصاديين.

تضخم مظاهر الاستهلاك كشف عن كثير من مظاهر رثاثة التأسيس، وترسيم حدود التقدم والبناء الدولتي، فرغم أنها ارتبطت بنشوءات طارئة، وبتشوهات صنعها الاقتصاد الطفيلي، فإن تغولها ارتهن إلى ثقافات هشة، على نحو أسهم بجعل المجتمع العراقي أكثر استعداداً للانقسام الطبقي الداخلي، بين قوى نفعية تتمترس بمظاهر الاقتصاد الزائف، وحيازة رساميل غامضة، وعبر تشكلات طبقية غائمة، وسياسات مكرسة لحمايتها، حتى عبر أدلجات جعلت من العنف جزءاً من أنساقها الحاكمة، فبدت وكأنها طاردة ومتعالية على جماعات تعيش التهوين الطبقي والضآلة الاجتماعية، لكنها غارقة في صراعاتها وفي أوهامها النخبوية والشعبوية، ما أسهم في تحوير موضوع الاستهلاك ليبدو مضللاً، بعشوائية حيازة الثروة ونزعات الاستملاك.

سرديات الاستهلاك

تاريخ العراق مع الاقتصاد الريعي يرتبط بتاريخ التشوهات الآيديولوجية للدولة العراقية منذ قرار تأميم «الصناعة العراقية» عام 1964. فمع صعود الدولة القومية، وأنموذج حكمها الديكتاتوري، تحول هذا الاقتصاد إلى مظاهر للهيمنة، وإلى الخضوع لسياسات الدولة المركزية، وإدارتها المركزية، ليسهم في صناعة وتكريس دولة الاقتصاد، عبر تسميات زائفة، مثل «الاقتصاد الاشتراكي» أو «القطاع العام» فتعطلت معها أي ممارسات للاقتصاد الحر، ولفاعليات الاستثمار.

التلازم ما بين الدولة القومية المركزية وبين الاستحواذ المركزي على الإنتاج أسهم في تأطير أشكال معقدة للهيمنة، وصناعة نوع من رأسمالية الدولة، المحكومة بمركزية الأنموذج الآيديولوجي المتعالي للخطاب القومي، الذي يتغذى عبر شعار «الثروة ملك الشعب والأمة»، حيث القطاع العام أو «الاشتراكي» يكون هو المجال الناظم لمصالح القوى النافذة في الحكومة والحزب والمعسكر، بما فيها قطاعات التعليم والصحة والتجارة والثقافة.

مع تقويض هذه المركزية الديكتاتورية بعد الاحتلال الأميركي تقوض كثير من تلك المفاهيم، وكذلك تعثرت معها السياسات الناظمة، و«القوانين» التي فرضتها لتيسير أعمال القطاعات الاقتصادية والتجارية والتعليمية والصحية، ما أسهم في تحويل البيئة السياسية والاقتصادية العراقية إلى مجال للتشظي، وخلخلة موازين وسياقات العمل، إذ تحولت الدولة الى «مصرف» بعد أن انهارت القطاعات التقليدية الأهلية والعامة، ليبرز «الاقتصاد الاستيرادي» السهل، بوصفه مجالاً تعويضياً، لكنه كان من أكثر مظاهر الاقتصاد تشوهاً، على مستوى رثاثته، واغترابه عن استحقاقات التنمية والبناء، وعلى مستوى إدارته من قبل جماعات هامشية، لها علاقة بالجهاز السياسي، لا بالجهاز الاقتصادي، ولا بفكرة الدولة واستحقاقاتها.

كما أن صعود نوع من «الزبائنية» المتمردة على النظام، كرّس بنية الاقتصاد العراقي الهشّ، وأفقد الموازنات العامة قيمتها الإجرائية، فأكثر من ثلثي هذه الموازنة يذهب إلى «الموازنة التشغيلية»، أي يسهم في تغطية المعاشات، وتغذية الطفيلية العائمة في القطاع العام، فضلاً عن تعطيل واضح في «الموازنة الاستثمارية» التي تكرست عبرها مظاهر غير فاعلة في التنمية، وفي توسيع الإنتاج المحلي، ولا سيما مجال الاستثمارات التكنولوجية والبشرية والمعرفية، فكانت السياسة الاقتصادية مؤسَّسة على أساس برامج محدودة التأثير، في مجال القروض المصرفية، ودعم المشاريع الصغيرة، مع غياب أي دعم واضح لمشاريع الاستثمار الثقافي، ولا سيما مجالي السينما والمسرح، وفي دعم اقتصاديات المعرفة والبحث العلمي.

لقد كرست هذه المظاهر كثيراً من سرديات النمط الاستهلاكي للاقتصاد العراقي، فتتحول المخيلة الشعبية إلى أداة لتبرير وهم التقوّض الطبقي، ولإشباع غرائز الامتلاك، ليكون دافعاً عشوائياً لتوسيع الثروة، عبر العمل الطفيلي، وعبر الفساد غير المُراقب، وعبر صناعة الجماعة السياسية وتمثلاتها فيما سمّي بـ«المكاتب الاقتصادية». بالمقابل، فإن الاقتصاد الريعي تحول إلى مجال لتغذية ذلك الفساد والضآلة الاقتصادية، ما يعني تحجيم البحث عن أي تعظيم لموارد الدولة، لتنمية سياقات عمل الإدارة الناجحة، والسعي إلى توظيف التدفقات المالية في إطار بنية الاقتصاد العام، بما يجعل الطبقة السياسية أكثر انهماماً بتطوير فاعلية الدولة وخطابها من خلال النجاعة الاقتصادية، ليكون الاقتصاد هو الوجه التمثيلي للسياسة، والتقليل من المديونية، على نحوٍ تتقوض معه مركزية الاقتصاد الريعي المشوه.

التوصيف الثقافي للاقتصاد

ليس الاقتصاد الحرّ والسوق الحرة بدعتين، بعيدتين عن التخطيط وعلم الإدارة، وثقافات النظم الاجتماعية والتعليمية، فغياب الوعي بأهمية هذا التخطيط، وبجعل الاقتصادات خاضعة إلى سياسات الدولة، وإلى حرية الاستثمار، والجدية العلمية بتوظيف الثروات، وبمصادرها، وبقواها الفاعلة، تفقد الدولة كثيراً من مشروعيتها، ومن أهليتها في إدارة الشأن العام، وفي تطبيق العدالة الاجتماعية، وفي تنمية ذلك الاستثمار وتوسيع حلقاته، ليكون جزءاً من فاعليات التنمية المستدامة، ومن هوية الدولة الحديثة، فتوصيف الدولة الناجحة يكمن في قدرتها على التنمية، وفي صيانة مشاريعها الاستراتيجية، بما فيها المشروع الاقتصادي، وتطبيق السياسات التي من شأنها أن تمنح الاقتصاد قوة خلاقة، تربط تنمية الاقتصاد بمراكز متخصصة في الأكاديمية العراقية، وبمؤسسات الرقابة الوطنية، وبالجهازين المالي والمصرفي، لأن صياغة التوصيف الثقافي للاقتصاد يسهم في توطيد أركان بناء الدولة الحديثة، ويُعطي لاقتصاديات الثقافة أدواراً مهمة في تثبيت «القيم السيادية» للاستقرار والأمن والإشباع، ولمواجهة الأزمات والتحديات التي يواجهها العالم في ظل التحولات الكبرى، حتى الجاهزية إزاء التحديات الإقليمية ذات الأبعاد الجيوسياسية المعقدة.

لا تعني اقتصاديات الثقافة الاهتمام بصناعتها فقط، بقدر ما تعني الاهتمام العميق بعلاقة هذه الصناعة، وبفاعليتها الإجرائية، وبالأطر العملياتية والاستراتيجية التي تجعل من الثقافة عنصراً بارزاً وفاعلاً في الأمن الثقافي، وفي برامج التنمية، وفي مجال دعم برامج الموازنات العامة الخاصة بالمشاريع الثقافية، بوصفها مصدراً فاعلاً لإسناد مشروع الدولة الناجحة، وتوسع مساحات إنتاج مصادر المعرفة، وبالاتجاه الذي يجعلها تكتسب قوة الفعل من خلال إدامة فاعليات الاجتماع والثقافة والاقتصاد، عبر أطر تشريعية وقانونية تكفل التوصيف الثقافي وديمومته، من خلال ضمان الحقوق، بما فيها حقوق الملكية، وإنشاء الصناديق السيادية لدعم العمل الثقافي، وإدماج الثقافة بالنظام التعليمي والتنموي، على مستوى الموازنات العامة، أو على مستوى عمل الوزارات، وباتجاهات يعضدها القانون، بعيداً عن مزاج السلطة وفهمها للثقافة ومرجعياتها الآيديولوجية والفقهية.


الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
TT

الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»

لم تعد الحرب تُفتتح كما اعتدنا، لا لحظة إعلان، ولا انتقال واضح من السلم إلى الصراع. ما يحدث اليوم أقرب إلى انزلاق بطيء داخل حالة مستمرة، تتراكم فيها الأفعال دون أن تتكوَّن منها صورة واحدة واضحة. نحن لا نشهد بداية يمكن الإشارة إليها، ولا نعيش ذروة يمكن الاتفاق عليها، بل نتحرك داخل توتُّر ممتد، يتخذ أشكالاً متعددة دون أن يستقر على هيئة واحدة. هذا التحول لا يغير فقط طريقة اندلاع الحرب، بل يبدل أيضاً إدراكنا لها، ويجعل التمييز بينها وبين غيرها من حالات التوتر أمراً أكثر تعقيداً، وأقل قابلية للحسم أو التعريف المباشر.

في النموذج القديم، كانت الحرب تُفهم من خلال نقطة ارتكاز واضحة، جبهة يمكن تحديدها مكانياً، وخط يفصل بين من يقاتل ومن لا علاقة له بالمواجهة. هذا الشكل منح العالم قدرة على التمييز، حتى في أقسى الظروف، بين الداخل والخارج، بين منطقة القتال وبقية الحياة. كان بالإمكان أن يعيش الإنسان خارج الحرب، أو على الأقل أن يتوهَّم ذلك، لأن هناك حدوداً تفصل بين الفعل العسكري وبقية أنماط الوجود. هذه الحدود لم تكن دائماً صلبة، لكنها كانت كافية لإنتاج معنى واضح للحرب بوصفها حالة استثنائية، لها بداية ونهاية يمكن تصورهما.

في الحرب التي جسَّدها فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»، تتجلَّى هذه البنية بوضوح، خنادق متقابلة، مسافة مرئية بين الطرفين، وزمن للحرب يمكن تمييزه عن زمن الحياة اليومية. حتى العنف كان محصوراً داخل هندسة مكانية قابلة للفهم، وكان بالإمكان أن يُروى وأن يُفهم ضمن سياق محدد. الجبهة هنا ليست مجرد موقع، بل بنية تنظّم التجربة وتمنحها شكلاً يمكن إدراكه، وتضع حدوداً واضحة لما هو داخل الصراع وما هو خارجه.

لكن هذا الإطار لم يعد يعمل بالطريقة نفسها. ما كان يُفهم بوصفه جبهة تحوَّل إلى تداخل ممتد بين مستويات متعددة من الفعل. لم يعد هناك فصل واضح بين الضربة والرد، أو بين الفعل العسكري وبقية البنى الاقتصادية والسياسية المحيطة به. الأحداث لم تعد تتتابع في خط زمني يمكن تتبعه بسهولة، بل تتشابك في شبكة من التأثيرات التي يصعب فصل بعضها عن بعض. بهذا المعنى، لم تختفِ الحرب، بل فقدت شكلها القابل للرؤية، وأصبحت أقرب إلى بنية خفية تعمل من تحت السطح.

حين تتحرك الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، لا يبقى الصراع محصوراً في نقطة واحدة يمكن متابعتها بصرياً أو جغرافياً. الأثر ينتقل عبر مستويات متعددة، تتداخل فيها البنية العسكرية مع المالية والتقنية والإعلامية، بحيث يفقد الحدث وحدته الأولى. ما يبدو فعلاً محدوداً في مكان معيَّن، يمتد تأثيره عبر مساحات واسعة من النظام العالمي، ويعيد تشكيل توازنات لا ترتبط مباشرة بموقع الفعل نفسه، بل بتداعياته غير المباشرة. بهذا المعنى، لا تختفي الجبهة لأنها أزيلت، بل لأنها تفككت إلى عناصر صغيرة تعمل في مسارات متفرقة. لم يعد هناك خط واحد يمكن رسمه، بل مجموعة علاقات متغيرة لا تستقر على شكل ثابت. الجبهة لم تعد مكاناً، بل أصبحت نمطاً من التداخل، يتغيَّر بحسب السياق ويتشكَّل وفقاً لتفاعل قوى متعددة، لا يمكن اختزالها في صورة واحدة.

هذا التحوُّل يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالحرب. لم يعد بالإمكان الوقوف خارجها بوصفها حدثاً منفصلاً. حتى من لا يعيش في منطقة المواجهة المباشرة، يتأثَّر عبر تدفقات الاقتصاد، وأسعار الطاقة، وحركة الأخبار، وتبدُّل التوقعات السياسية. التجربة لم تعد مكانية فقط، بل أصبحت ممتدة داخل الحياة اليومية نفسها. الحرب لم تعد تقع في مكان بعيد، بل أصبحت جزءاً من الإيقاع العام للحياة، ومن تفاصيلها الصغيرة أيضاً.

في هذا السياق، لا يعود الأمان حالة مستقرة، بل يصبح نتيجة مؤقتة لتوازن قابل للاهتزاز في أي لحظة. الاستقرار لم يعد وضعاً قائماً بذاته، بل وضعاً مستمراً في التكوين. ما يبدو هدوءاً ليس نهاية للتوتر، بل شكلاً من أشكاله المؤجَّلة، التي يمكن أن تنقلب في أي وقت إلى تصعيد، أو إلى تحوُّلات غير متوقعة.

كما أن فكرة القرار الحاسم تتراجع. لم تعد الحرب تُدار من نقطة واحدة أو لحظة واحدة، بل عبر سلسلة أفعال جزئية، لا يبدو أي منها كافياً لتعريف الحالة ككل. هذا ما يجعل تتبع بدايتها أو نهايتها أمراً غير ممكن بالمعنى التقليدي، لأن الحرب لم تعد حدثاً يبدأ وينتهي، بل عملية تتغير باستمرار، وتعيد إنتاج نفسها.

في مواجهة هذا الواقع، تصبح الحرب الحديثة أقرب إلى نمط إدارة مستمر للتوتر، لا إلى مواجهة تنتهي بانتصار أو هزيمة واضحين. هي حالة تتغير صفتها أكثر مما تنقطع، وتعيد تشكيل نفسها وفقاً للظروف التي تمر بها، وتفرض إيقاعها الخاص على الجميع.

ومن هذا المنظور، فإن وعي هذا التحول ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية، خصوصاً لدول مثل المملكة العربية السعودية التي أدركت مبكراً طبيعة هذا التغير. فتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، وتنويع مصادر القوة، وبناء منظومات اقتصادية وتقنية متماسكة، ليس إلا استجابة واعية لحرب لم تعد تُخاض على جبهة واحدة، بل في كل اتجاه.

في النهاية، لم يعد السؤال عن موقع الجبهة ذا معنى، لأن الجبهة لم تعد بنية مكانية أصلاً. السؤال الأعمق يتعلق بطريقة تشكُّل الصراع نفسه، حين يفقد شكله المتماسك ويتحوَّل إلى شبكة من التأثيرات المتبادلة. وعند هذه النقطة، لا يعود الإنسان خارج الحرب كما كان يُفترض سابقاً، بل داخل امتدادها، حتى في اللحظات التي يظن فيها أنه بعيد عنها، أو قادر على تجاهلها.

* كاتب سعودي


رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف
TT

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف

غيّب الموت الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز، الدكتور فيليب سادجروف، عن 82 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

بعد إكماله دراسته الجامعية كدارس للغة العربية، عمل سادجروف في السلك الدبلوماسي وخدم في السعودية ومصر ولبنان قبل أن يترك الدبلوماسية ويتفرغ للدراسة الأكاديمية، متخصصاً في التاريخ والثقافة العربية. أحب سادجروف العرب وثقافتهم وجال على وطنهم من مشرقه إلى مغربه.

شغل الراحل منصب رئيس قسم الدراسات الشرقية في جامعة مانشستر وكان المحاضر الأول فيها.

كما درّس اللغة العربية في جامعتي دورهام وأدنبرة، والترجمة في جامعة هيريوت- وات بأدنبرة، وخلال مسيرة الدكتور سادجروف الأكاديمية الزاخرة تتلمذ على يديه المئات من الطلبة العرب والأجانب.

المسرح العربي كان الشغل الشاغل للدكتور سادجروف، ويُعرف بتوثيقه الدقيق لتاريخ المسرح العربي، خاصة كتابه الشهير «المسرح المصري في القرن التاسع عشر (1799-1882)» الذي يؤرخ لبدايات المسرح منذ الحملة الفرنسية ودور الفرق الشامية والأجنبية. يعتبر كتاب «المسرح المصري في القرن التاسع عشر» التوثيقي مرجعاً أساسياً لدراسات المسرح العربي.

استخدم الدكتور سادجروف في الكتاب مصادر لم يتم استغلالها من قبل ليقدم تاريخاً شاملاً للمسرح في مصر، منذ وقت الحملة الفرنسية عليها عام 1798، وحتى الاحتلال البريطاني عام 1882، متفحصاً الأشكال التقليدية من الدراما العربية المحلية، ومراحل نمو وتطور المسرح الأوروبي في مصر، في باكورة العقد الثامن من القرن التاسع عشر. يتناول الكتاب أيضاً مشروع إنشاء مسرح قومي في مصر، ويروي قصة الفرق المسرحية المهاجرة التي لعبت دوراً حاسماً في تدشين تقاليد مسرحية جديدة، ويورد التجارب الأولى في الدراما العربية، ومنها مسرح يعقوب صنوع، وكذلك المسرح العربي السوري في مصر ويركز على نشاط الجاليات الأجنبية والفرق السورية وتأثيرها على الحركة المسرحية المصرية.

كما ينسب إلى الراحل الفضل في اكتشافات بحثية تتعلق بنصوص مسرحية عربية مبكرة، بما في ذلك أبحاثه حول أول نص مسرحي عربي جزائري كتبه إبراهيم دانينوس بعنوان «نزاهة المشتاق وغصَّة المشتاق في مدينة طرياق في العراق» باليد، وبخطٍّ مغربي - جزائري، طبع على الآلة الحجرية عام 1847 وذلك في 62 صفحة من القياس الصغير.

إلى جانب المسرح، اهتم الدكتور سادجروف بجوانب أخرى من الثقافة العربية، لا سيما الصحافة المكتوبة في مصر وغيرها من الدول العربية، وكانت له مساهمات في إثراء المعرفة في هذا المجال عبر أبحاث ومحاضرات ومقالات أصبحت مرجعاً مهماً للمتخصصين فيه.