صوفيا أندرييفنا عن تولستوي: يفهم الحياة السيكولوجية للبشر ولا يفهم زوجته وأولاده!

قالت إن كتفيها الضعيفين أوهن من أن يحملا عبء الاقتران برجل عبقري

صوفيا أندرييفنا وتولستوي
صوفيا أندرييفنا وتولستوي
TT

صوفيا أندرييفنا عن تولستوي: يفهم الحياة السيكولوجية للبشر ولا يفهم زوجته وأولاده!

صوفيا أندرييفنا وتولستوي
صوفيا أندرييفنا وتولستوي

لم تكن العلاقة العاطفية والأسرية التي جمعت بين صوفيا أندرييفنا والكاتب الروسي الشهير ليف تولستوي لتختلف، من حيث تعقيداتها ومفارقاتها الضدية، عن مسار العلاقات المماثلة التي جمعت بين كتاب العالم ومبدعيه ونسائهم الأثيرات اللواتي تقاسمن معهم في وقت لاحق مسرات الحياة ومشقاتها. لكن ما أكسب هذه العلاقة فرادتها وتميزها لا يقتصر على التباينات والخلافات الكثيرة التي عصفت بحياة الزوجين، بل على الطبيعة الإشكالية لشخصية الزوجة التي أخذ تولهها العاطفي بالزوج أشكالاً «مرضية» بالغة الخطورة، والتي حولت نفسها إلى أضحية حقيقية على المذبح المأساوي لغريزة التملك والاستئثار بالآخر المعشوق. وليس بالأمر المستغرب تبعاً لذلك ألا تكون الشخصية العاطفية المعقدة لصوفيا موضع إجماع النقاد والباحثين، بل محلاً دائماً للانقسام وتباين الآراء، بين مَن رأوا فيها صورة المرأة الأشد وفاءً لموهبة تولستوي التي كرست نفسها وحياتها لخدمة عبقريته ومنجزه الأدبي، ومَن رموها في المقابل بأبشع التهم، بدءاً من الأنانية والانهمام الكلي بالذات وصولاً إلى الغيرة القاتلة والرغبة غير المحدودة في الاستيلاء على الزوج وخنقه ومصادرة حريته.
تقدم صوفيا أندرييفنا في المذكرات التي أصدرتها بعيد رحيل تولستوي بسنوات قليلة، تحت عنوان «يوميات الكونتيسة صوفيا تولستايا»، صورة بانورامية وافية عن علاقتها الصعبة بصاحب «الحرب والسلام»، وما رافق حياتهما المشتركة من مسرات ومشقات. والواضح أن المؤلفة كانت تهدف من خلال مذكراتها المكتوبة على شكل يوميات إلى تأريخ تلك المسيرة الطويلة التي جمعتها بالزوج الاستثنائي، والتي ظلت طيلة نصف قرن تتراوح بين الصعود والهبوط، كما بين السعادة الخالصة والشقاء الكلي. ولعل أكثر ما يستوقف القارئ في هذا الإطار هو امتلاك أندرييفنا لكل العناصر التي تمكنها من إنجاح اقترانها بتولستوي، وتحويله إلى فسحة مديدة من السعادة والعطاء والتناغم الأسري. فقد نشأت صوفيا في كنف عائلة ميسورة، في أحد أجنحة قصر الكرملين الشهير، حيث كان والدها هو الطبيب الخاص للقيصر الروسي، وهو ما أتاح لها الحصول على كثير من الامتيازات، ومن بينها الاطلاع على الآداب العالمية، وتذوق كثير من الفنون، والعزف على البيانو، فضلاً عن إتقانها لكثير من اللغات. وإذا لم يكن ثمة ما يدفع الزوجة إلى الشعور بالنقص، أو يسوغ للزوج شعوره بالغربة أو المرارة التي رافقته على امتداد عقود من الزمن، فمن أين كانت تهب إذن تلك العواصف العاتية التي عكرت العلاقة بين الزوجين، والتي حولت حياتهما إلى سلسلة طويلة من المنغصات؟
إن قراءة متأنية ليوميات أندرييفنا التي تتجاوز الثمانمائة صفحة تُظهر بوضوح أن ليس ثمة خلاف يُذكر بين الزوجين حول طبيعة اهتمامات كل منهما على المستوى الثقافي والأدبي، بل كان هناك تناغم واضح بين الطرفين، حتى إن لم تكن آراؤهما حول بعض المفاهيم المتعلقة بشؤون الفن والإبداع متطابقة تماماً. وإذ كانت صوفيا هي من تتولى نسخ أعمال زوجها وطباعتها على الآلة الكاتبة، فإنها حرصت في الوقت نفسه على ألا تكون مجرد «أداة» ناقلة لهذه الأعمال، بل كانت تبدي رأيها الشخصي في كل عمل جديد، مستندة إلى ثقافتها الواسعة وذائقتها المرهفة. وفيما كان الزوج يصغي إلى ملاحظاتها، السلبية منها والإيجابية، باهتمام ملحوظ، كانت ترى في ذلك الإصغاء مدعاة للغبطة والاعتزاز البالغ، إلا أن الأمور لم تجر دائماً على هذا النحو، فإذا كان من حق صوفيا أن تفصل بين العاطفة الشخصية والنقد الموضوعي، وهو ما تمت ترجمته في كثير من نصوص اليوميات، فإن هذه القاعدة سرعان ما يجري اختراقها حين تصل المناكفات بين الزوجين إلى ذروتها. ولا تتحرج المؤلفة في هذه الحالة من القول عن زوجها الكاتب: «استنسخت كثيرًا من أعمال ليف نيقولايفيتش؛ لا تعجبني مقالاته، وهذا يحزنني كثيراً؛ ثمة حدة منفرة، وحتى حاقدة، في مقالاته. وأنا أشعر بأنه يهاجم عدواً خفياً في خياله».
والطريف في الأمر أن أندرييفنا التي تسببت غيرتها المرضية على زوجها بإفساد حياتهما معاً، لا تتردد في رد كرة الغيرة إلى مرمى الزوج نفسه، معتبرة أن مصدر تلك الحدة في أسلوبه هو غيرته القاتلة من الموسيقي الروسي سيرجي إيفانوفيتش. وهو أمر لا يَرد بشكل عرضي في يوميات الكاتبة، بل يتكرر باستمرار، وبشكل متعسف مفتعل في بعض الأحيان. ومع أن صوفيا لا تترك مناسبة تمر دون أن تشير إلى ولائها المطلق للرجل الذي اقترنت به، فهي لا تكف عن الإشارة إلى اهتمام إيفانوفيتش بها، وإلى مبادلتها ذلك الاهتمام بمثله. ولعلها ترمي من خلال ذلك إلى إصابة عصفورين بحجر واحد: الأول يتعلق بإرضاء غرورها بصفتها أنثى جميلة مرغوبة لم يفلح الزوج المنصرف إلى شؤونه الشخصية في إعطائها حق قدرها، فيما يهدف الثاني إلى إثارة غيرة تولستوي الذي ما يلبث أن يخرج غير مرة عن بروده العاطفي ليظهر قلقه وتبرمه الواضح بالعلاقة «المريبة» التي تجمع بين الزوجة الشابة التي تصغره بستة عشر عاماً والموسيقي الموهوب، وهو ما يعتقد بعضهم بأن ظلاله وتأثيراته لم تكن بعيدة تماماً عن رواية تولستوي المعروفة «أنَّا كارنينا».
لكن السبب الحقيقي للعطب الذي أصاب العلاقة بين الزوجين في صميمها هو أن كل واحد من الطرفين أراد من هذا الزواج ما يلبي احتياجاته وتطلعاته الشخصية. فتولستوي، شأنه شأن معظم المبدعين، كان يدرك في قرارته بصفته كاتباً، أنه غير معني بتدبير شؤون المنزل أو الاعتناء بالأطفال، وأن الشيء الوحيد الذي يجيد القيام به هو الكتابة. على أن صوفيا، رغم اقتناعها بخصوصية الزوج وتفهمها لمزاجية الكتاب وحاجتهم الماسة إلى الحرية، لم تستطع أن تتقبل مسألة إهماله لحقوقها الطبيعية بصفتها زوجة وأنثى، أو إهماله لأطفاله، خاصة في حالات المرض. ورأت في تذرعه بالكتابة لتبرير انصرافه عنها، وعن أبنائها الكثر الذين بلغ عددهم ستة عشر، توفي 3 منهم فيما بعد، حجة غير مقنعة لأحد، لأنه كان يقضي كثيراً من أوقاته في مجالسة أصدقائه ومريديه. ومع أنها لم تعارض بعض أنشطة زوجها الاجتماعية والإنسانية، بل إنها شجعته على إنشاء مطاعم مجانية أو شبه مجانية للفقراء والمحتاجين، فإنها رفضت بإلحاح تخليه عن حقوقه المالية لناشري رواياته وأعماله، ورفضت بإلحاح أكبر توزيع ممتلكاته الشاسعة على الفلاحين، وعلى أتباعه من طائفة «الدوخوبوريين» الذين رأوا فيه معلمهم ومرشدهم الروحي.
لم تترك صوفيا أندرييفنا أي فرصة تُذكر دون أن تعترف بحبها المطلق لليف تولستوي. وهو ما عبرت عنه بالقول «الزواج من العبقري لا يتطلب كثيراً من العقل، بل كثيراً من الحب»، أو القول في مكان آخر: «نحن النساء لا نستطيع أن نحيا من دون معبود، وقد كان ليف معبودي، ولكنه لم يرَ ذلك». وهذا الحب لم يقتصر بالنسبة لها على الأقوال، بل عبر عن نفسه من خلال تكريس حياتها لتدبير شؤون العائلة، والسهر على صحة الجميع وسعادتهم، وصولاً إلى نسخ روايات الزوج ومقالاته، ومناقشة أفكاره وطروحاته المختلفة، بل إنها لم تتردد، بما لعائلتها من وزن اجتماعي، في زيارة القيصر نقولا الأول مناشدة إياه الإفراج عن بعض أعمال تولستوي التي صادرتها الرقابة، مخففة من وطأة بعض آرائه «المتطرفة» حول بعض شؤون السياسة والدين، مطالبة إياه بالعمل على حماية الزوج بعد أن تلقى غير مرة تهديدات جدية بالقتل.
وحين ألقت الكنيسة الروسية الحُرْم الشامل على الكاتب، تولت الزوجة بنفسها قيادة حركة التضامن مع الزوج المتهم بالخروج على التعاليم المسيحية، وكتبت بنفسها الرسائل التي تستنكر القرار الجائر، ووزعتها في جميع أنحاء العالم. إلا أن صوفيا ظلت تحس في أعماقها بأن كل ذلك الحب وتلك التضحيات لم يشفعا لها لدى الزوج الذي كان يسْلم نفسه بالكامل لشؤون الكتابة من جهة، ولدعوته الاجتماعية والإصلاحية من جهة أخرى. كما لم تستطع الزوجة المثقلة بالوحشة التي لاحقها على امتداد حياتها هاجس الانتحار أن تجد تفسيراً مقنعاً لما رأت فيه نوعاً من السلوك الفصامي لذلك الذي «يطعم مئات الجياع، فيما يهمل أبناءه تماماً». وعلى مدى كتابها الضخم، يمكن لنا أن نقرأ عبارات وتساؤلات مريرة، من مثل: «كيف يفهم تولستوي الحياة السيكولوجية للبشر، ولا يفهم زوجته وأولاده؟!»، أو مثل: «إنه يكتب سيرته كقديس، ولن يعرف أحد ما فعله بعائلته»، بل إنها لا تتحرج في لحظات غضبها وسخطها العارمين من الطعن في مصداقيته الأخلاقية والأدبية على حد سواء، حيث «لا ينفك يدعو أتباعه إلى الفضيلة، والترفع عن الشهوات، فيما رواياته تدعو إلى الجنس والرذيلة، وتعاني من الحموضة الزائفة».
ولعل أكثر ما يلفت انتباه القارئ في أثناء تتبعه للمأزق المأساوي الذي أفسد حياة الزوجين، وأفضى بتولستوي إلى الرحيل عن المنزل الزوجي، هو أن الغيرة العمياء التي استبدت بأندرييفنا لم تكن تتعلق بعلاقات زوجها النسائية، إذ هي لم تُشر على الإطلاق إلى أي أمر من هذا النوع، بل انصبت غيرتها على كل المحيطين بالزوج، خاصة جامع التحف تشيرتكوف الذي رأت فيه صوفيا «معبود تولستوي ومنافسها الأخطر على قلبه»، خاصة أن الزوج الخائف على مصير إرثه الأدبي بعد رحيله قد عهد إليه من دون الجميع بحماية هذه المذكرات من السرقة أو التزوير. فقد كان صاحب «سلطان الظلام» متيقناً من أن أندرييفنا تتلصص بشكل دائم على مذكراته، بغية الوقوف على مشاعره الحقيقية تجاهها.
والواقع أن ما قرأته صوفيا خلسة في مذكرات الزوج قد أصابها بالهلع والصدمة التامة، إذ إنه يصفها تارة بالحمقاء، وتارة بالشريرة التي تضيق عليه الخناق، وتعمل على عزله عن أصدقائه كافة، وصولاً إلى وأد طاقته الإبداعية. وهي تعترف تبعاً لذلك بأن قرارها بكتابة مذكراتها، بكل ما تتضمنه من تفاصيل يومية صغيرة، كان يهدف إلى تقديم الرواية «الصائبة» عن العلاقة المضطربة، في مقابل رواية الطرف الآخر المليئة من وجهة نظرها بالتشوهات والافتئات على الحقيقة. إلا أنها ظلت تشعر في قرارتها بأن المعركة بينها وبين زوجها لم تكن متكافئة على الإطلاق، حيث استطاع تولستوي، بما له من سلطة، أن يفرض على العالم رؤيته الخاصة للأحداث، محولاً إياها إلى نسخة معدلة من كسانيتا، زوجة سقراط المتسلطة التي لم تتورع على الإطلاق عن معاقبته بقسوة، وصولاً إلى جَلده بالسوط. وإذ أدركت أندرييفنا فساد العدالة الأرضية، وانحيازها للأقوى والأكثر نفوذاً، لم تجد بدا من الاستنجاد بعدالة السماء، معفية نفسها من أي مسؤولية تُذكر عما لحق بزواجها من أعطاب، هاتفة بأسى مرير «يا إلهي، ساعدني على تحمل هذا الألم، إذ لا ينفك تولستوي يقدم نفسه للأجيال القادمة بصفته شهيداً، وبصفتي امرأته الخاطئة».



روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».


إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!