هل لا يزال نجيب محفوظ «مهيمناً» على الرواية العربية؟

بعد 15 عاماً على رحيل صاحب جائزة نوبل

هل لا يزال نجيب محفوظ «مهيمناً» على الرواية العربية؟
TT

هل لا يزال نجيب محفوظ «مهيمناً» على الرواية العربية؟

هل لا يزال نجيب محفوظ «مهيمناً» على الرواية العربية؟

رغم رحيله قبل 15 سنة في مثل هذا اليوم، يرى بعض الروائيين والنقاد أن نجيب محفوظ لا يزال يحظى بهيمنة واسعة النطاق في المشهد الروائي العربي، بمعنى أنه لا يزال يغطي على كثير من الروائيين الجيدين. الكل يتفق أن صاحب «أولاد حارتنا» قد أرسى دعائم الرواية العربية الحديثة، وحقق عبر أعماله إنجازاً روائياً غير مسبوق، وأن روائيين كثيرين قد خرجوا من تحت معطفه، ولكن أيضاً هناك العديد من الروائيين في أكثر من بلد عربي قد حققوا منجزات مهمة، لكن لا يزال الحضور الطاغي الذي حققه محفوظ، يحجبهم إلى حد ما، حسب آراء أخرى.
هل يكمن السبب «في تنوع وثراء وحجم منجزه كماً وكيفاً، وبراعته في التعبير عن الجانب المظلم من النفس الإنسانية، فضلاً عن تنقله برشاقة بين العديد من المدارس والاتجاهات الإبداعية»، كما يعبر أحد الروائيين المشاركين في هذا الاستطلاع؟
أم أن الهيمنة والرهبة والمهابة التي حظي بها محفوظ، حولها البعض إلى «رهاب يحول دون إعادة النظر في أدبهِ، خشية الاتهام بالتطاول، أو البحث عن الشهرة أو الشوشرة أو الحسد والغيرة»، بحيث أصبح صاحب نوبل عصياً على المراجعة أو التقييم، ولا يتم الاقتراب منه إلا في سياق احتفالي؟ كما يعبر روائي آخر في هذا الاستطلاع.
هنا آراء عدد من الروائيين العرب من أجيال مختلفة:

كمال الرياحي (روائي تونسي): درس لم نستوعبه بعد
لم يكن نجيب محفوظ تجربة روائية واحدة لكي تطويها التجارب الأخرى. كان منجماً للتخييل والعطاء. اطلع على الشكل الروائي الغربي ولم يترك تياراً إلا واختبر نصه فيه؛ من الرواية الواقعية إلى التاريخية إلى الذهنية. لم يسقط في فخ الآيديولوجيا، وحمى نصوصه من «المباشرتية»، وظلت قوته في وعيه باللغة، فلم يحمل اللغة الروائية ما لا تحتمل وابتعد عن الاستعارة وبلاغة المجاز والشعرية فكانت اللغة عنده براغماتية وشعريتها في روائيتها، وروائيتها في إيهامها بالواقعية، تماست مع العامية دون أن تكونها ونطقت الشخصيات بأصواتها وهذا هو الدرس المحفوظي المفقود في الرواية العربية إلى اليوم، والذي لم يتعلمه بعض الروائيين وما زالوا يتحدثون عن البلاغة بمفاهيمها الشعرية على الرواية، بينما التقط الدرس عدد من الروائيين الآخرين وحققوا نجاحات مهمة مكنت نصوصهم من عبور العربية ذاتها.
كان محفوظ تلميذاً وفياً لبلزاك ولستاندال ومورياك، لكنه وطن الشكل الروائي الغربي في القاهرة. إن عبقريته تظهر بوضوح في إعادة اختراع الأمكنة وجعلها كائناً حياً عالمياً، ويكفي هنا الإشارة إلى «خان الخليلي». كتب محفوظ عن المهمشين من الفتوات في الحواري في «الحرافيش»، وعن المجرمين الصغار والغانيات. وضفر السياسة بذكاء في «اللص والكلاب»، وكتب عن المثقف والموظف البسيط والعامل والعاطل والفلاح والشخصية التاريخية. إن خطورة محفوظ كمفكر وفيلسوف في رواياته هو ما دفع بالمتطرفين إلى محاولة اغتياله لأنه أصبح ذهنية قوية تهدد ذهنية التحريم والتكفير التي يدينون بها.

محمد بركة (روائي مصري): التجاوز ورفض الوصاية
أعتقد أن نجيب محفوظ هو القدر السعيد الذي يلازم كل مبدع روائي في خطواته الأولى، فمثلما لا يمكن أن تكون مطرباً جيداً دون التعرف على عالم أم كلثوم، يصعب أن تكون روائياً مهماً دون أن تدلف عبر بوابة هذا الرجل الذي يستحق لقب «عميد الرواية العربية» بامتياز. والسبب ببساطة يكمن في تنوع وثراء وحجم منجزه كماً وكيفاً، وبراعته في التعبير عن الجانب المظلم من النفس الإنسانية، فضلاً عن تنقله برشاقة بين العديد من المدارس والاتجاهات الإبداعية، لكن ثمة مشكلة حقيقية تبرز في هذا السياق في اتجاهين أساسيين يحكمان نظرتنا لمنجز هذا الرجل: الأول يراه في سياق مقدس، يخلع عليه الكثير من الحصانة ضد النقد، بحيث يصبح صاحب نوبل برأيهم عصياً على المراجعة أو التقييم، ولا يتم الاقتراب منه إلا في سياق احتفالي تغشاه الأضواء المبهرة. الثاني ينال منه بشكل متعسف ولأسباب غير موضوعية تبدو أقرب إلى «الغيرة» و«مماحكات أبناء المهنة الواحدة».
من تجليات النوع الثاني ما وجدناه لدى يوسف إدريس في اتهامه الشهير لمحفوظ بأنه حصل على «نوبل» نظراً لميوله السياسية وموقفه المؤيد للسلام مع إسرائيل، وأن الرواية هي فن المدينة، لكن نجيب محفوظ حوّلها إلى فن الحارة من خلال أعمال «بلزاكية» تقليدية تفتقر إلى العمق والحداثة، وكذلك الكاتب المغربي محمد شكري في كتابه «غوايات الشحرور الأبيض»، حيث اتهم محفوظ بـ«الأسلوب المتلاعب»، و«النقص في التجربة العميقة»، فضلاً عن انتقاص الناقد د. لويس عوض الذي لم يَرَ في روايات محفوظ سوى أنها وصف آخر لمصر، على غرار كتاب «وصف مصر» الذي وضعه فنانون وباحثون فرنسيون رافقوا حملة بونابرت على مصر.
نحن بحاجة إلى طريق ثالث في النظر إلى الإرث المحفوظي يعلي من قيمته لكن يركز على قيمة تجاوزه وعدم البقاء طويلاً تحت وصاية أبوته، تلك القيمة التي نستشرفها من تجارب الرجل نفسه فقد تجاوز جميع أساتذته ثم معاصريه، بل سعى لتجاوز ما سبق أن قدمه هو ذاته، ساعتها سيظل محفوظ مهيمناً على الفضاء الإبداعي العربي عبر الدروس المهمة التي نستخلصها من مسيرته مثل الاستمرارية والدأب والتخطيط والصرامة في إدارة الوقت.

هوشنك أوسي (روائي كردي سوري): هيمنة بحاجة إلى مراجعة
لا يزال نجيب محفوظ يحظى بهيمنة واسعة النطاق في المشهد الروائي العربي، بشكل عام، وفي مصر على وجه الخصوص. ويكاد يتحول إلى رمز قومي مصري أو عربي. ويمكنني إحالة خلفية تلك الهيمنة إلى أسباب ثلاث هي:
أولاً: الجهد الإبداعي الثري والمهم الذي بذله محفوظ، خلال مسيرته، قبل فوزه بجائزة نوبل. ما يعني أن خزانته من التجارب الإبداعية غنية ومتنوعة، أمنت وتؤمن له رصيداً ورأسمالاً أدبياً كبيراً، يمنح أدبه التفويض في استمرار السلطان والهيمنة.
ثانياً: صحيح أن نجيب محفوظ هو نجيب محفوظ، مع أو بدون جائزة نوبل. لكن، الصحيح أيضاً أنه لا يمكن إغفال دور ووزن وأهمية جائزة نوبل للآداب، التي حصل عليها بعرق جبينه وكد يمينه، في ترسيخ وتكريس محفوظ روائياً ذا مهابة وسلطة وهيمنة على المشهد، تكاد تصل لحد العصمة والرهبة.
ثالثاً: حركة النقد التي كانت (مع وضد) محفوظ، قبل فوزه بجائزة نوبل، أصبحت بعد وفاته معه وزادت من ترسيخه وتكريسه، وكأنه «ليس كمثله شيء» في عالم والأدب والرواية، ناهيك عن حصر الإبداع في «السلف الصالح» من الأدباء، وفي طليعتهم نجيب محفوظ. وبعد مرور عقد ونصف العقد على رحيله، لا نكاد نعثر على ملمح من ملامح النقد (المثلبي) الذي يرى في أدب نجيب محفوظ ما يمكن تسجيل النقاط عليه، وليس تسجيل المزيد من النقاط له. ليس هذا وحسب، بل كل مَن يحاول إعادة النظر في أدب محفوظ، بنسبة أقل افتتاناً، ويشير إلى بعض نقاط الضعف في تجربته الروائية، نرى بعض النقاد أو أغلبهم، يستشيطون غيظاً وغضباً، ويردون: مَن يمكنه انتقاد نجيب محفوظ، يجب أن يكون من وزنه! وحتى لو توفر ذلك الشرط المنتقد، لأثيرت الشبهة على الناقد، وتم التعامل معه على أنه يستهدف مصر أو الأدب العربي.
إن الهيمنة والرهبة والمهابة التي حظي بها محفوظ، حولها بعض النقاد إلى رهاب يحول دون إعادة النظر في أدبهِ، خشية الاتهام بالتطاول، أو البحث عن الشهرة أو الشوشرة أو الحسد والغيرة؛ وهذا ليس انتقاصاً من أهمية ووزن محفوظ، بل رغبة في التعامل معه، بمزيد من الإنصاف والتوازن.

هيلانة الشيخ (روائية سعودية): جماليات لا تنتهي
مات كل الحكاءين ولم يمت نجيب، وهل كان محفوظ حكاءً أم روائياً؟ هذا السؤال يراودني كلما مرت ذكرى وفاته، رغم يقيني أنه الروائي العربي الوحيد الذي لم ولن يموت. وأتساءل: هل خلدت جائزة نوبل نجيب محفوظ؟ أم خلدها هو؟ لولا انفراد محفوظ بهذه الجائزة المثيرة للشك لما أصبحت هاجس كل روائي أو شاعر عربي. كنت طفلة عندما تردد اسم هذا النجيب فأثار فضولي فبدأت أقرأ له بنهم، بعدها استوعب عقلي أن بعض الأفلام التي أعشقها هي صنيعة قلمه الجبار، وأصبت بعشق الكتابة والقراءة، ولما نضجت سرقني إحسان عبد القدوس من نجيب لوهلة وقلت: لماذا مات إحسان عبد القدوس ولم يمت نجيب؟ ومع مرور السنوات أيقنت أن نجيب محفوظ هو الروائي الوحيد المُخلد في كل الأجيال مهما حاول الحاقدون اقتلاع جذوره من رؤوسنا.
خمسة عشر عاماً على وفاته في كل عام يحتفي العالم بذكراه التي يُغضب المصريون المساس بها، مات بعد ثمانية عشر عاماً من حصوله على نوبل. وقعت عيني على قصته «زعبلاوي» التي ربما لم تحظ بشهرة باقي أعماله لكني وجدت فيها ما لم أجده في سواها؛ كيف ابتدعها هذا الرجل وكتبها بهذه الفلسفة العبثية قبل حوالي ستين عاماً، ونحن اليوم نسير كالسلاحف الهرمة نحمل أسفارنا ونبحث عن الحداثة! اختزل في هذه القصة كل مناهج الحداثة فبدأ رحلته من الفوق إلى الأسفل، من المعرفة إلى الجهل، والبحث عن الوجودية محاكاة مع رواية «في انتظار غودو» للآيرلندي صمويل بيكيت، توغل نجيب في هذه القصة في فلسفة عبثية بين الواقعية والخيالية، ستون عاماً وما زلت أنبش في سطوره عن جماليات السرد وعوالم وسحر الرواية ولم أنته.

ريم بسيوني (روائية مصرية): الحارة الشعبية طريقه للعالمية
نجيب محفوظ سيظل مهيمناً على فضاء الرواية العربية بسبب اتساع «قماشة» أعماله وشموليتها وتنوع الموضوعات التي قام بمعالجتها عبر حقبات تاريخية مختلفة. صحيح أنه اتخذ من الحارة الشعبية مسرحاً لأعماله، إلا أنه استطاع بمهارة فائقة أن يصل للعالمية من خلال تجسيد صراعات البشر وأشواقهم للحرية في كل مكان وزمان عبر أحلامهم وتمزقهم بين الخير والشر. قدم الرجل قوالب روائية متنوعة مثل عالم الواقعية السحرية في «ليالي ألف ليلة»، وقضايا الوجود الإنساني كما في «قلب الليل» و«الشحاذ» ورواية الجريمة كما في «اللص والكلاب»، كما مزج الواقعية السحرية بالتاريخ في «أولاد حارتنا» و«الحرافيش». أضف إلى كل ذلك لغته الواضحة السلسلة التي لا تتنازل عن الفصحى ولكنها تبقى سهلة الوصول للقارئ العادي.

الغربي عمران (روائي يمني):
كان وسيظل مهيمناً
محفوظ ليس مجرد أديب عابر. فمن قبل أن ينال نوبل، وهو أستاذ لجيل عريض من الأدباء العرب. سيل إبداعه مثل حالة لم تتكرر في الأدب العربي، موضوعياً وفنياً، خاصة بعد أن تحولت أكثر أعماله إلى أعمال فنية تلفزيونية وسينمائية ليتجاوز النخبوية إلى الشعبية، إذ أن الأعمال المأخوذة عن رواياته أوصلته وبقوة إلى جميع الشرائح حتى الأميين في أقطارنا العربية. وبهذا وصلت أعماله وانتشرت لتسهم وبقوة في تشكل الوعي الجمعي للمجتمعات. محفوظ برقي أعماله من خلال نوبل إلى العالمية وترجمتها أضحى في مصاف العظماء عربياً وعالمياً والسفير الأوحد للأدب العربي. خدم الرجل الأدب العربي بل غير الكثير في الوعي الإنساني بغوصه في أعماق الشخصية العربية. كان مهيمناً وإلى اليوم وسيظل كنجم كبير تتبعه نجوم كبيرة؛ استطاع أن يحتوينا جميعاً، وسبر أغوار المجتمع من خلال شخصياته الروائية المتنوعة. أيضاً ألاعيبه الفنية نهل الجميع منها، لا سيما قدرته على تصوير ورسم الشخصيات من الداخل. فكل كاتب في بداية طريقه يتأثر بمحفوظ وفنه، ثم يسعى كلما نضج لتجاوز أبوته والبحث عن ذاته.



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي