«إمبرور 1688».. من دبي إلى العالم

3 إخوة يجمعهم الحس الجمالي والتجاري وأم تقود المركب في السوداء

«إمبرور 1688».. من دبي إلى العالم
TT

«إمبرور 1688».. من دبي إلى العالم

«إمبرور 1688».. من دبي إلى العالم

همان، وباباك, وفرحان غولكار، ثلاثة إخوة في عمر الزهور، حطوا الرحال في لندن مؤخرا قادمين من دبي، للمشاركة في مسابقة «وولمارك» العالمية، فيما يعتبر إنجازا غير مسبوق. فقد كانوا أول ممثلين من منطقة الشرق الأوسط يصلون إلى المرحلة النهائية، التي ضمت خمسة مصممين، من بين 60 مصمما عالميا كان يطمح للجائزة والشهرة على حد سواء. الإخوة غولكار، وهم من أصول إيرانية، استقروا في دبي منذ فترة طويلة، وفيها أسسوا دار أزياء باسم «إمبرور 1688» أصبحت تعرف في أوساط الموضة كدار تجمع العصرية بالأناقة. ما يحسب لها أنها لا تعتمد على خض التابوهات أو تجري وراء تقديم المبتكر المجنون بهدف استعراض قدراتها ولفت الانتباه، بقدر ما تهدف إلى تلبية رغبة رجل مقتدر في تصاميم تخدمه، وامرأة متذوقة للموضة في أزياء مميزة تجعلها تشعر بالثقة. بالنسبة لجائزة «وولمارك»، سبب حضورهم إلى لندن، فهي محطة مهمة في مسيرتهم، لأنها تستمد أهميتها من تاريخها الطويل، كونها تأسست في 1953، لتشجيع مصممين صاعدين على استعمال الصوف، كما تستمدها من اسمين كبيرين فازا بها في بدايتهما، وهما الراحل إيف سان لوران والمخضرم كارل لاغرفيلد مصمم دار «شانيل» و«فندي» حاليا. الأول فاز بجائزة تصميم أجمل فستان، ما فتح له أبواب دار «ديور» على مصراعيها، والثاني بجائزة تصميم أحسن معطف ما ساعده على دخول دار «بالمان». لهذا فإن وصول الإخوة غولكار، أو بالأحرى ماركة «إمبرور 1688» (Emperor 1688)، إلى النهائيات ليس بالأمر الذي يستهان به، ولا سيما أنها أول مرة تُرشح فيها ماركة ذات أصول عربية للجائزة. صحيح أنها لم تكن من نصيبهم، إذ ذهبت إلى ماركة أميركية، إلا أن مجرد المشاركة كان إنجازا عزز ثقتهم بأنفسهم، ويتوقع أن يفتح لهم الأبواب. فالإخوة لا يتسرعون النجاح، ويفضلون طبخه على نار هادئة.
انطلقت «إمبرور 1688» في عام 2008 كدار متخصصة في تصميم وتفصيل القمصان الرجالية. السبب حسب تفسير الإخوة أنهم كانوا يريدون في البداية بناء دار أزياء على أسس قوية تجذب لها الأنظار والثقة.. «كان من المهم أن نمشي قبل أن نجري أو نقفز»، حسب قول بابان، متابعا: «كنا ندرك منذ البداية أن الطريق الذي علينا أن نسلكه هو التركيز على قطعة واحدة وأساسية يحتاجها الزبون ويريدها في الوقت ذاته». بعد دراسة للسوق، لاحظ الإخوة أن هناك ثغرة في مجال القمصان، فتوفرها بتصميم أنيق وتفصيل راق وخامة مترفة، كان شحيحا، ما جعلهم يقررون الاهتمام بها بصب كل طاقتهم عليها. ونجحت التجربة، ما عبد الطريق للتوسع إلى قطع أخرى، شملت كل ما يحتاجه الرجل الأنيق والمرأة المتطلبة. ما يُحسب لها دائما أنهم يقترحون خزانة متكاملة. الحديث مع الإخوة ممتع، لأنك تستغرب أن تكون لثلاثة إخوة نفس الميول والطموحات، وتكتشف سريعا أن هناك تناغما وانسجاما يجمعهم. أول القواسم المشتركة بينهم أناقتهم الكلاسيكية العصرية، في دلالة واضحة أنهم يتمتعون بنفس الذوق والأسلوب. عند مواجهتهم بهذه الملاحظة، يضحكون ويُعلقون أن اتفاقهم على نفس الأسلوب الشخصي صدفة، أما في العمل، فهم يكملون بعض. فباباك درس تصميم الأزياء، وهمان تصميم المنتجات، وفرحان تصميم الغرافيك، لهذا فإن «لكل واحد منا تخصصه الذي يساعد على سير المركب بهدوء والدفع به بقوة إلى الأمام، فضلا على أن لا أحد منا يحاول فرض رأيه على الآخر، بقدر ما يحاول أن يكمله»، حسب قول فرحان. وبالفعل فإن باباك، مثلا، يهتم بفكرة الموضة من وجهة نظر تاريخية، يترجمها كل من فرحان وهمان إلى الواقع، من خلال تصاميم تخاطب الزبون.
يلتقط دحان خيط الكلام ويقول: «بالنسبة لملاحظتك بأنه من النادر أن تكون لثلاثة إخوة نفس الطموحات والأفكار، فلا بد من التنويه بأنه من الخطأ أن يحيط الإنسان نفسه بأشخاص يتفقون معه في كل شيء. فللدفع بالإبداع إلى أقصى حد لا بد من بعض الاختلاف والمناقشة، ولحسن الحظ أن هذا يتم بيننا بشكل ودي، لأن عنصر الثقة بيننا قوي، ونريد مصلحة بعضنا البعض. لا بد من احترام آراء الغير وتقديرها، ولحسن الحظ أننا نتقاسم هذا الرأي ونقدر اختلافات بعضنا ونوظفها بشكل إيجابي. فقد علمتنا التجارب أن الإصغاء للآخر يأتي دائما بنتائج إيجابية ومرضية».
يتدخل همان معقبا: «ثم إن هذا التفاهم لا يعني انعدام عنصر المنافسة بيننا، فهي موجودة وإلا ما كنا حققنا ما حققناه حتى الآن». ويضيف: «لا شك أن هناك قواسم كثيرة مشتركة بيننا في الأفكار والتطلعات والطموحات وحتى الذوق، إلا أننا نتجادل دائما لكي نتفق في النهاية على نقاط العمل. المهم بالنسبة لنا، أن نخرج من مكان العمل ونفوسنا صافية. فالمسألة تتعلق بوجهات نظر لا أقل ولا أكثر».
ما لم يعترف به الإخوة صراحة وإن لمحوا إليه بطريقة غير مباشرة أن الحلقة التي تجمعهم ببعض هي والدتهم، التي يطلقون عليها ربان المركب. فهي المشرفة على قسم البيع بالتجزئة، وهي نقطة البداية والنهاية التي يلتقون عندها دائما. مؤخرا، وعلى ضوء نجاحهم في المجال الرجالي، شجعتهم على دخول مجال الأزياء النسائية، وبالنظر إلى ما عرضوه مؤخرا، فقد اتبعوا نفس الوصفة التي اعتمدوها في الأزياء الرجالية، ألا وهي التركيز على الخامات المترفة والتصاميم العصرية ذات التفصيل الكلاسيكي. كان لا بد لهم من دخول مجال التصميم النسائي، لأن فرص الإبداع فيه ويخلق تحديات أكبر. يسارع بابان قائلا: «هذا لا يعني أن التصميم للرجل يخلو من التحديات، بل العكس، فهي كثيرة وعلى رأسها كيف تجعل قطعة كلاسيكية تعود عليها تبدو مبتكرة ومتجددة، والأهم من هذا تناسب الواقع حتى يسهل تسويقها إليه. فهناك خيط رفيع بين الابتكار والتسويق حاليا، فهما في وقتنا الحالي وجهان لعملة واحدة، لهذا من الأساسي أخذ هذه النقطة بعين الاعتبار وتحقيق التوازن بينهما».
يرفض كل من الإخوة فكرة أن الجمع بين الجانبين الإبداعي والتجاري تتداخل مع دور المصمم الفني، مجمعين على أن معظم الناس رسموا صورة رومانسية عن الموضة والمصممين. يشرك باباك: «هذه الصورة تتلخص في أن المصمم يقضي معظم أوقاته مع عارضات أزياء، يجرب أمتارا طويلة من الأقمشة يلفها أو يثنيها على أجسادهن، على خلفية موسيقى بوتشيني. الواقع غير ذلك تماما، إذ نقضي أغلب الأوقات أمام جهاز كومبيوتر نختار الأقمشة ونحسب تكاليفها وتكاليف الإنتاج». ما فهمه الإخوة مبكرا، أنهم عندما يصلون إلى المرحلة التي سيتعاملون فيها مع الموضة على أنها مزيج من الابتكار والتجارة، أي على أنها صناعة قائمة بذاتها، فإنهم سيتوصلون إلى مفتاح النجاح ويرسخون أقدامهم جيدا في مجال لا يفهم كل المصممين الشباب خباياه وأسراره. لتحقيق هذه الموازنة، كان عليهم القيام بخطوات مهمة لتحسين إنتاجهم، ففي كل مرة ينتهون فيها من تصميم أي تشكيلة يراجعونها بدقة من كل الزوايا حتى يقدموها للزبون بصورة جذابة ومغرية. أما بعض العرض، وعندما ينتبهون إلى بعض الثغرات التي كان بإمكانهم تجنبها، فإنهم يتعاملون معها كدرس مفيد لا ككبوة.. «فلا مكان للوم في هذا العمل، ومن الأخطاء يتعلم الإنسان»، حسب قول همان. فهذا ما تعلموه من والدتهم ويطبقونه في عملهم بشكل يومي، والنتيجة أن تشكيلاتهم تزيد قوة موسما بعد موسم، وخصوصا أنهم ركزوا أيضا على الجودة والترف، فهم يستوردون أقمشتهم إما من بلغاريا أو من إيطاليا. وهذا ما أعطى ثماره، بدليل وصولهم إلى لندن مؤخرا، وقبل ذلك إلى زبون مترف وعارف. زبون يعتبر زيارة إلى محلاتهم أو معاملهم أمر ضروري في كل زيارة يقومون بها إلى دبي، سواء كانوا في رحلة عمل أو في رحلة سياحية. بل وحتى عندما يسرقهم الوقت ولا يستطيعون التسوق بشكل شخصي، فإنهم يشترون ما يحتاجونه عن طريق الإنترنت. أما همان فيشير بفخر إليه بأن زبائنهم يسافرون إلى دبي خصيصا من أجل التعرف على جديدهم في كل موسم.
ولا يخفي الإخوة شعورهم بالفخر عندما وصلوا إلى المرحلة النهائية في مسابقة «وولمارك»، لأنها أتاحت لهم فرصة التعرف على شخصيات مؤثرة في صناعة الموضة مثل بول سميث والناقد تيم بلانكس وغيرهم. بيد أنه على الرغم من أهمية الفعالية، فإن نقطة التحول المهنية، بالنسبة لهم كانت ترحيب محلات «ساكس فيفث أفينيو» بتصاميمهم. كان الأمر قفزة مؤثرة في مسيرتهم، بالنظر إلى أهمية هذه المحلات عالميا. فقبل ذلك، كان من الصعب عليهم أن يفرضوا أنفسهم في الساحة، وإقناع محلات أصغر بعرض منتجاتهم فيها، لكن بين ليلة وضحاها، تغير الوضع، واكتسبت «إمبرور 1688» ديناميكية غير مسبوقة في العمل. ولا تزال تربطهم علاقة متينة بـ«ساكس فيفث أفينيو» حتى الآن. فقد كانت فألا حسنا عليهم ولا تزال. مشاركتهم في أسبوع لندن الرجالي من خلال مسابقة عالمية، قد يوحي بأن أقصى طموحهم العرض في أي عاصمة من العواصم العالمية، لكن ردهم يأتي مفاجئا، يعبر عن أقدام ثابتة في الأرض.. «أحد الأصدقاء المخلصين قال لنا يوما: يجب أن تلمعوا وتكبروا في ملعبكم أولا قبل أن تفكروا في الانتقال إلى ملاعب الغير». هذه النصيحة كان لها تأثير كبير تأكدوا منه بعد مشاركتهم في «فاشون فوروورد» الفعالية التي تقام بدبي مرتين في العام، وتحتفل بالمصممين الواعدين في المنطقة العربية. مشاركة شجعتهم على تقدير المنطقة التي يعيشون فيها وانطلقوا منها، ورسخت لديهم فكرة أن ينضجوا فيها قبل أي تفكير في التوسع إلى الخارج. يقول بابان: «العرض في باريس أو لندن رائع، ولا شك أنها وسيلة لتوسيع الماركة والتعريف باسمها، لكن لن نفكر في الأمر إلا بعد أن نرسخ أقدامنا في الشرق الأوسط أكثر، ونتأكد أننا بنينا دارا قوية على كل الأصعدة».
يتابع: «مفهوم الأناقة مترسخ في منطقة الشرق الأوسط منذ زمن طويل، كذلك ثقافة الجمال، لهذا عندما تجمع هذا الإرث بزيادة الوعي بالموضة كصناعة قائمة بذاتها، فإن المنطقة تصبح ميدانا خصبا للإبداع والعطاء وتحولها من منطقة مستهلكة للموضة إلى منطقة مصدرة للإبداع». الجميل أن هذه القناعة قوية بداخلهم، فهم يشعرون بأنهم جزء من المنطقة ومن حركة الموضة التي تعيشها منذ سنوات، وبالتالي يشعرون بالمسؤولية الممزوجة برغبة في التطوير ووضع المنطقة على خريطة الموضة العالمية أولا. بيد أنهم يعرفون أن هذه الحركة جماعية تستدعي مشاركة كل المصممين والجهات المسؤولة، ولا سيما في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها المنطقة على المستوى السياسي ما يضاعف حجم المسؤولية لإظهار الوجه الجميل للمنطقة وشخصيتها الإبداعية التواقة للجمال المطلق.



في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.


الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
TT

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

ليس من السهل الارتقاء بالسجاد من وظيفته التقليدية باعتبار أنه عنصر عملي، أو تزييني في المنزل إلى مساحة فنية قائمة بذاتها. لكن هذا ما نجحت مجموعة Becoming You في تحقيقه من خلال قطع سجاد محدودة لا تتعدى الست. بخطوط انسيابية تستحضر حركة النيل، وألوانا دافئة قريبة من تدرجات الصحراء المصرية، وعناصر أخرى مستمدة من الطبيعة وكائناتها الحية، تؤكد المجموعة أن النسيج اليدوي يمكن أن يتجاوز وظيفته المباشرة، ويتحول فعلاً إلى لوحات. كل هذا بفضل تعاون بين دار «الكحال 1871» إحدى أعرق دور صناعة السجاد في مصر، ومهندسة الديكور المنزلي المعروفة هالة صالح.

محمد الكحال من الجيل الخامس للعائلة (الكحال 1871)

محمد الكحال، محرك هذا التعاون، ينتمي إلى الجيل الخامس من العائلة، ويحمل على عاتقه مسؤولية تطوير ما ورثه عن أسلافه بما يتناسب مع روح العصر. يقول: «خمسة أجيال تعاقبت على الشركة، وواجهت تحديات مختلفة فرضتها ظروف، إما سياسية، أو ثقافية، أو اقتصادية. ومع ذلك كان كلما تسلم جيل المشعل من سابقه، يجتهد في كتابة فصل جديد يعكس زمنه وتحولاته». ويتابع: «لم تتوقف عملية التطوير في أي مرحلة من تاريخنا، لأن الكل يعرف أن الاستكانة للماضي والاكتفاء بما تم تحقيقه من نجاح غير واردين، وهذا سر استمراريتنا، وتصدرنا مشهد صناعة السجاد الفاخر إلى اليوم».

صورة تعبر عن مرحلة الإدراك كما تم تصورها (الكحال 1871)

مراجعة الأرشيف تكشف بوضوح اختلاف الأساليب بين مرحلة وأخرى، مع ثبات المعايير التقنية والجمالية التي أرساها المؤسسون. وحتى عندما تم إطلاق «الكحال 1871» باعتبار أنها خط معاصر، حرصت الدار على جذورها، بأن وضعت الحرفة المصرية في سياق عالمي يؤكد أن التراث يمكن أن يكون قاعدة صلبة للانطلاق نحو المستقبل.

تزامن هذا التعاون أيضاً -بكل ما يحمله من تجديد ورغبة في التطوير- له ما يُبرره. فمحمد الكحال يمر بمرحلة شخصية مهمة في حياته بعد أن أصبح أباً. هذه الولادة عزَّزت اهتمامه بفكرة الاستمرارية، وما يمكن أن يتركه بما أنه يمثل الجيل الحالي لمن يأتي بعده. هذا بالإضافة إلى أسئلة أخرى كثيرة بدأت تُلح عليه عن النمو، والتطور، والتحول. أخذ كل هذه الأسئلة وناقشها مع هالة. أنصتت هذه الأخيرة له، وفهمته، وكانت ثمرات النقاش قطعاً تتضمن مفهوم التطور بلغة معاصرة.

المصممة هالة صالح (الكحال 1871)

اختيار هالة صالح لتصميم المجموعة أيضاً لم يكن صدفة. بل كان مدروساً. فإلى جانب مكانتها في مجال التصميم في مصر، يتقاطع أسلوبها مع توجه الدار نحو تقديم منتج معاصر يتكئ على مرجعية ثقافية واضحة. تاريخ هالة -مهندسة الديكور- يشير إلى أنها ترى أن السجاد عنصر أساسي في تشكيل المساحات الداخلية، وتحديد العلاقة بين الأثاث والفراغات. فهو بالنسبة لها ليس فقط للزينة، بل رابط إنساني يعكس شخصية من اختاره ونسَقها ومن شأنه أن يفتح نقاشات فنية مثيرة.

سجادة تجسد مرحلة النمو (الكحال 1871)

في هذه المجموعة يتضاعف هذا الرابط لما يتيحه من حوار مفتوح بين الإنسان، وهويته، وثقافته، والطبيعة المحيطة به. تقول هالة: «في عالم التصميم حالياً نلاحظ أن الطريق إلى الحداثة يبدأ من الماضي. كثيراً ما نطرح السؤال عن كيف يمكن أن نُزاوج القديم بالحديث مثلاً؟». الجواب يكون غالباً بمزج العناصر التقليدية بالخطوط المعاصرة، وخلق علاقة عضوية بين محيط الإنسان وثقافته، وبالتالي لم يعد الأمر مجرد خيار لتجميل المكان، بل أصبح أسلوباً يعكس الرغبة في الحفاظ على الهوية.

مرحلة الظهور ويبدو فيها الطائر قبل تحليقه (الكحال 1871)

بيد أن هالة صالح ورغم أن عدد القطع التي ساهمت في إبداعها لا تتعدى الست، فإنها لا تُخفي أن تنفيذها شكَّل تحدياً كبيراً. هذا التحدي حفّز أيضاً مخيلتها. تقول: «استندت في مقاربتي على الطبيعة من خلال رحلة طائر، منذ لحظات ولادته إلى أن استكمل نموه وبدأ يستعد للتحليق». أما كيف ترجمت هذه الصورة، فعبر ست مراحل مترابطة: التشكل، الظهور، التفاعل، النمو، الإدراك، ثم الاكتمال. قدمت هذه المراحل عبر ثلاثة تصاميم مزدوجة، أي ست سجادات، تعكس كل واحدة منها مرحلة محددة من مسار التحول، تظهر فيها أشكال مستمدة من الطبيعة، مثل تفرعات الأشجار، وتشابك الأغصان، وحركة الأجنحة، وما شابه من تفاصيل كلما تمعَّنت فيها زاد تأثيرها الجمالي، والفني.