أمن الملاحة يهيمن على مباحثات وزير الخارجية الياباني في طهران

رئيسي طالب بالإفراج عن الأصول المجمدة... وشمخاني حذّر من انضمام إسرائيل إلى «سنتكوم»

الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي يلتقي وزير الخارجية الياباني توشيميتسو موتيجي في طهران أمس (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي يلتقي وزير الخارجية الياباني توشيميتسو موتيجي في طهران أمس (الرئاسة الإيرانية)
TT

أمن الملاحة يهيمن على مباحثات وزير الخارجية الياباني في طهران

الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي يلتقي وزير الخارجية الياباني توشيميتسو موتيجي في طهران أمس (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي يلتقي وزير الخارجية الياباني توشيميتسو موتيجي في طهران أمس (الرئاسة الإيرانية)

هيمن أمن الملاحة الإقليمية والدولية على مشاورات أجراها وزير الخارجية الياباني وكبار المسؤولين الإيرانيين أمس، في طهران، وشملت مستقبل الاتفاق النووي. وتلقى الوزير طلب الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة لدى طوكيو امتثالاً للعقوبات الأميركية، إضافة إلى تحذير من «تبعات خطيرة للغاية» لانضمام إسرائيل إلى منطقة عمليات قوات القيادة المركزية (سنتكوم).
ونقلت وكالات رسمية إيرانية عن الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، قوله لوزير الخارجية الياباني، توشيميتسو موتيجي، إن «تأخير اليابان في الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في البنوك اليابانية لا يمكن تبريره»، ووصفه العلاقات بين البلدين بـ«الجيدة الودية»، مؤكداً أن «تطوير العلاقات الثنائية وتعميقها يحظيان بأهمية كبيرة»، مشيداً بالمساعدات الإنسانية التي قدمتها اليابان لإيران خلال جائحة كورونا.
وشدد وزير الخارجية الياباني على أهمية وضرورة تنفيذ الاتفاق النووي، بصفته اتفاقاً دولياً، في حين قال رئيسي إن «إيران امتثلت لجميع التزاماتها في الاتفاق النووي، والأميركيون هم الذين لم يفوا بالتزاماتهم، وانسحبوا من جانب واحد من الاتفاق الدولي، ووسعوا العقوبات»، متهماً الأوروبيين أيضاً بـ«التبعية» للولايات المتحدة في عدم الوفاء بالتزاماتهم.
وصرح بأنه «يجب الثناء على من أوفى بالتزاماته»، وأنه «على الأميركيين أن يردوا على الرأي العام العالمي حول عدم الامتثال لالتزاماتهم، وخروجهم من الاتفاق النووي»، موضحاً: «لا توجد لدينا مشكلة مع أصل الاتفاق»، وتساءل: «بأي مبرر يجب أن تستمر العقوبات الأميركية على الشعب الإيراني».
وكانت الولايات المتحدة قد انسحبت من الاتفاق في مايو (أيار) 2018، وأعادت فرض العقوبات في أغسطس (آب) من العام نفسه، بهدف إجبار إيران على قبول اتفاق أوسع، يضمن إطالة أمد الاتفاق النووي، وتعديل سلوكها الإقليمي، وضبط توسع وانتشار برنامجها للصواريخ الباليستية. وبعد عام على انسحابه، قرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مايو (أيار) 2019 سحب إعفاءات نفطية سمحت لإيران بتصدير 1.5 مليون برميل يومياً لثمانية دول، من بينها اليابان، ضمن استراتيجية «الضغط الأقصى».
وردت طهران على الانسحاب الأميركي باستراتيجية «السير على حافة الهاوية»، حيث بدأت بخطة «الانسحاب التدريجي» من الاتفاق النووي التي جمدت بموجبها كثيراً من الالتزامات التي تراوحت بين رفع مخزون اليورانيوم المخصب والمياه الثقيلة، بموازاة رفع نقاء اليورانيوم من 3.67 في المائة التي ينص عليها الاتفاق النووي إلى 4.5 في المائة. وبالتزامن، بدأت العمل على تطوير وتشغيل أجهزة الطرد المركزي، وعادت عجلة التخصيب إلى منشأة فردو في أنفاق تحت جبال قم. لكن الخطوة الأكبر من انتهاكات الاتفاق النووي جاءت بعيد انتخاب الرئيس الأميركي جو بايدن الذي تعهد خلال حملته الانتخابية بإحياء الاتفاق النووي.
وأقر البرلمان الإيراني مشروعاً، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، رفعت إيران بموجبه نقاء اليورانيوم من مستوى الانتهاك السابق (4.5 في المائة) إلى 20 في المائة في فبراير (شباط) الماضي، ثم قررت رفع نقاء تخصيب اليورانيوم إلى 60 في المائة. وبموازاة ذلك، أنتجت لأول مرة في تاريخ برنامجها النووي معدن اليورانيوم بنسبة نقاء 20 في المائة. كما تخلت طهران أيضاً عن البرتوكول الإضافي الملحق بمعاهدة حظر الانتشار النووي.
ومع دخولها مسار الابتعاد عن الاتفاق النووي في مايو (أيار) 2019، توترت أحوال الممرات الملاحية المتشاطئة مع إيران، وتعرضت عدة سفن إلى هجمات غامضة في الخليج العربي وخليج عمان، وواجهت إيران تهماً بالوقوف وراء تلك الهجمات التي أطلقت عليها وسائل إعلام «الحرس الثوري» في بداية الأمر اسم «رصاصة الغيب».
وجاء التوتر بعدما هدد الرئيس الإيراني السابق، حسن روحاني، بعرقلة تصدير النفط من مضيق هرمز، ما لم تتمكن بلاده من بيع النفط. وحينذاك، حاولت اليابان نزع فتيل الأزمة، والوساطة لخفض التوترات بين طهران وواشنطن. وفي يونيو (حزيران) 2019، رفض المرشد الإيراني، علي خامنئي، تسلم رسالة خطية نقلها رئيس الوزراء الياباني السابق، شينزو آبي، الذي كان أول رئيس وزراء ياباني يزور إيران بعد ثورة 1979. وبالتزامن مع لقاء آبي وخامنئي، تعرضت ناقلة يابانية وأخرى نرويجية لهجمات في خليج عمان. واشتكت أوساط مؤيدة للاتفاق النووي من إحراج روحاني.
وعاد التوتر البحري، في وقت سابق من هذا الشهر، إلى الواجهة بعد هجوم بطائرة مسيرة على الأقل استهدف ناقلة نفط «إم تي ميرسر ستريت» اليابانية التي تشغلها شركة «زودياك ماريتايم»، المملوكة لرجل الأعمال الإسرائيلي إيال عوفر. وعدت كل من بريطانيا والولايات المتحدة وإسرائيل ورومانيا إيران مسؤولة عن الهجوم المميت الذي أسفر عن وفاة بحار بريطاني، وآخر روماني.
ونقل عن رئيسي قوله للوزير الياباني، أمس، إن «توفير أمن المياه الإقليمية والدولية يصب في مصلحة الجميع»، محذراً من أن «إثارة أي زعزعة للأمن في المنطقة خطيرة على الأمن الإقليمي والدولي، ونحن نعارضها»، مضيفاً أن «أي طلب لزيادة القوة في العالم لن يكون في مصلحة الشعوب والمنطقة»، مشدداً على أن «الغطرسة الأميركية تهدد استقلال وحرية وهوية الشعوب»، مشيراً إلى خطورة «الأحادية واحتكار القوة».
ونسب موقع الرئاسة الإيرانية إلى موتيجي قوله إن «طوكيو تدعم الاتفاق النووي، بصفته اتفاقاً دولياً»، وإنها «تعتقد أن إحياء الاتفاق يصب في مصلحة الجميع، ويمكن أن يساعد في حلحلة المشكلات عبر سبل الحوار والتفاوض». وأكد الوزير أن «طوكيو ترحب بالجهود الدبلوماسية لدول المنطقة من أجل تحقيق السلام والاستقرار والهدوء»، وأضاف: «موقفنا الراسخ هو حل المشكلات والقضايا عبر الطرق السلمية والحوار».
وكان الوزير الياباني قد أجرى مشاورات مع نظيره الإيراني المنتهية ولايته، محمد جواد ظريف، قبل أن يتوجه من هناك إلى مقر الرئاسة للقاء رئيسي، وتوقف بعدها في محطة المجلس الأعلى للأمن القومي، حيث يجري مشاورات هناك مع أمين عام المجلس، علي شمخاني.
وكتب ظريف في «تويتر» أنه من المحتمل أن يكون هذا آخر لقاء يجمعه بنظير له في منصب وزير الخارجية، وأشار إلى أنه ناقش مع موتيجي تعزيز علاقات الجانبين، وسبل إحياء الاتفاق النووي، وكذلك «الظروف المأساوية المصطنعة أميركياً في أفغانستان».
ومن جانبه، شدد أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني ممثل المرشد الإيراني، علي شمخاني، لدى استقباله المسؤول الياباني، على أن «حفظ أمن الملاحة استراتيجية أساسية لإيران»، وعد حضور القوات الأجنبية «تهديداً للاستقرار والأمن المستدام في المنطقة».
وأفصح شمخاني عن احتجاج طهران على انضمام إسرائيل لمهام قوات القيادة المركزية في الجيش الأميركي (سنتكوم)، وعد الخطوة «استمرار لسياسة زعزعة الاستقرار»، وحذر من أن «استمرار هذه السياسة التي تسبب التوتر لها تبعات خطيرة للغاية على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي».
ومنذ بداية العام، يعمل البنتاغون على إعادة بناء هيكله القيادي في المنطقة، ليشمل إسرائيل. وفي وقت سابق من هذا العام، زار قائد «سنتكوم»، كينيث ماكينزي، إسرائيل لمناقشة الإجراءات مع المسؤولين الإسرائيليين.
وعن الاتفاق النووي، ذكر بيان للأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي أن شمخاني ألقى باللوم في الأوضاع الحالية على «انتهاك الالتزامات، والانسحاب غير المسؤول من جانب أميركا من الاتفاق النووي، والاستمرار في سياسات ترمب من قبل حكومة بايدن». ومع ذلك، قال إن المخرج من المأزق الحالي هو «توفير حقوق الشعب الإيراني».



تقرير: إصابة مسؤول إيراني مشارك في محادثات السلام بغارة أميركية-إسرائيلية

كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

تقرير: إصابة مسؤول إيراني مشارك في محادثات السلام بغارة أميركية-إسرائيلية

كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)

في تطور يُنذر بمزيد من التعقيد في المشهد الإقليمي، تعرّض مسار الجهود الدبلوماسية لضربة قوية بعد استهداف أحد أبرز المشاركين فيها. فقد أُصيب مسؤول إيراني رفيع المستوى، كان منخرطاً في محادثات تهدف إلى إنهاء الحرب، بجروح خطيرة إثر غارة جوية أميركية -إسرائيلية مشتركة، ما أثار تساؤلات حول مستقبل المساعي السياسية في ظل تصاعد العمليات العسكرية.

ووفقاً لتقارير إعلامية إيرانية نقلتها صحيفة «تلغراف»، أُصيب كمال خرازي، مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق، خلال غارة استهدفت منزله في طهران فجر يوم الخميس. وكان خرازي يؤدي دوراً محورياً في التنسيق مع باكستان بشأن مفاوضات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران.

وأفادت التقارير بأن الهجوم، الذي نُفّذ بشكل مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل، أسفر أيضاً عن مقتل زوجة خرازي، فيما نُقل هو إلى المستشفى وهو في حالة حرجة. وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع خطاب للرئيس الأميركي دونالد ترمب، أعلن فيه أن بلاده «قريبة جداً» من إنهاء الحرب مع إيران.

ورأى محللون أن استهداف شخصية دبلوماسية بهذا المستوى قد يُفهم على أنه محاولة لإفشال أو عرقلة المساعي التفاوضية، خصوصاً في ظل الدور الذي كان يلعبه خرازي في إدارة قنوات التواصل غير المباشرة مع الجانب الأميركي عبر وسطاء باكستانيين، تمهيداً لعقد لقاء محتمل مع نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس.

وحسب التقارير، فإن فانس كان قد تواصل مع وسطاء من باكستان حتى يوم الثلاثاء الماضي لمناقشة تطورات الصراع، ما يجعل توقيت استهداف خرازي عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد، الذي يُوصف أساساً بأنه هش وحساس.

من جهتهم، أبلغ مسؤولون إيرانيون الوسطاء أنهم لا يزالون بانتظار موافقة «القيادة العليا» لعقد أي لقاء مباشر، غير أن اغتيال شخصية تُعد محورية في هذه الترتيبات قد يُعمّق فجوة انعدام الثقة بين طهران وواشنطن، ويُضعف فرص استئناف الحوار.

ويشغل خرازي حالياً منصب رئيس المجلس الاستراتيجي الإيراني للعلاقات الخارجية، كما ظلّ مستشاراً مؤثراً لمكتب المرشد الأعلى حتى بعد اغتيال علي خامنئي في فبراير (شباط).

وفي مقابلة سابقة مع شبكة «سي إن إن» من طهران مطلع مارس (آذار)، أعرب خرازي عن تشاؤمه إزاء فرص الحل الدبلوماسي، مؤكداً أن إيران قادرة على إطالة أمد الصراع. وقال: «لم أعد أرى مجالاً للدبلوماسية، لأن دونالد ترمب كان يخدع الآخرين ولا يفي بوعوده. لقد شهدنا ذلك خلال مرحلتين من المفاوضات، فبينما كنا منخرطين فيها، تعرّضنا للهجوم».

وعند سؤاله عن مدى توافق القيادة العسكرية والسياسية في إيران، أجاب: «نعم، تماماً».

وفي سياق متصل، وبعد ساعات من تصريح ترمب بأن الأهداف العسكرية الأميركية في إيران «تقترب من الاكتمال»، ردّت طهران بلهجة حادة، حيث توعّد متحدث عسكري بمواصلة الهجمات «الساحقة» إلى أن ترضخ الولايات المتحدة وإسرائيل.

كما دعا ترمب الدول الأوروبية إلى «السيطرة على مضيق هرمز وتأمينه»، مطالباً الحلفاء بتحمّل مسؤولية أكبر في إعادة فتح هذا الممر الملاحي الحيوي.

ومنذ 28 فبراير، نفذت القوات الأميركية عمليات عسكرية واسعة، شملت استهداف أكثر من 12 ألفاً و300 هدف، وتنفيذ نحو 13 ألف طلعة جوية قتالية، إضافة إلى تدمير أو إلحاق أضرار بأكثر من 155 سفينة إيرانية، حسب بيانات صادرة عن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم).


لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
TT

لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)

رغم الشراكات السياسية والاقتصادية التي تجمع إيران بكل من روسيا والصين، فإن غيابهما عن تقديم دعم عسكري مباشر في ظل التصعيد الحالي يثير تساؤلات واسعة. غير أن حسابات المصالح الاستراتيجية، وتجنُّب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، إلى جانب فرص الاستفادة من إطالة أمد الصراع، تفسر هذا الحذر من جانب موسكو وبكين.

هذا ما أكَّد عليه جاستن ميتشل، وهو محلل سياسة خارجية مقيم في واشنطن متخصص في الجغرافيا السياسية وأمن الولايات المتحدة، وذلك في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست».

ويقول ميتشل إن إيران معزولة، وتخوض حرباً من أجل بقائها. ومع ذلك، فإن الصين وروسيا، الشريكتين المفترضتين لإيران، غائبتان بشكل لافت. فقد أدان البلدان الهجمات على إيران ودعيا إلى إنهاء الأعمال العدائية، لكنهما امتنعا عن تقديم دعم عسكري كبير. وفي الوقت نفسه، تنشر الولايات المتحدة مزيداً من القوات في الشرق الأوسط، بما في ذلك قوات من مشاة البحرية (المارينز) والفرقة 82 المحمولة جوَّاً، استعداداً لاحتمال غزو بري.

ويرى محللون أن عدم تحرك الصين هو «أوضح دليل على ارتباك بكين»، وأن عجز روسيا عن مساعدة «حليف رئيسي يعد بلا شك أمراً محرجاً».

غير أن الأمر لا يتعلق باللامبالاة أو الإهمال، بل إن لدى كلا البلدين تعريفات أكثر انضباطاً لمصالحهما الوطنية، ما يقيدهما عن الانخراط المباشر. إضافة إلى ذلك، من المرجح أن يحقق كلاهما مكاسب استراتيجية كلما طال انخراط الولايات المتحدة في الحرب، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وتنظر الصين إلى آسيا وجوارها المباشر باعتبارهما محور سياستها الخارجية واستراتيجيتها العسكرية. ورغم أهمية الشرق الأوسط بالنسبة إلى الطاقة والتجارة الصينية، فإن بكين لم تعتبره يوماً أكثر أهمية من تايوان أو اليابان أو أوروبا. وعلى مدار تاريخها الحديث، تجنبت الصين الدخول في تحالفات رسمية. ومعاهدة الأمن الوحيدة التي تربطها هي مع كوريا الشمالية منذ عام 1961، وحتى قوة هذا الالتزام تبقى محل شك.

ويقول ميتشل إنه رغم أن الصين زودت إيران بالأسلحة على مر السنوات، فإن علاقتهما الأمنية لا تقارن بعلاقات الصين الأمنية مع روسيا أو كوريا الشمالية. فإيران ليست شريكاً أمنياً عميقاً، كما أنها لا تقع ضمن مسرح الأولويات الصينية، مما يمنح بكين أسباباً محدودة للتدخل لصالحها.

وتعد الطاقة المحرك الرئيسي لعلاقات الصين مع إيران. ففي عام 2025 وحده، اشترت الصين أكثر من 80 في المائة من صادرات النفط الإيرانية، ما يمثل 13.4 في المائة من إجمالي وارداتها النفطية. ومن شأن إغلاق مضيق هرمز، الذي سيوقف معظم صادرات النفط من إيران ودول الخليج الأخرى، أن يؤثر على مزيج الطاقة الصيني.

ويرى ميتشل أن استمرار الحرب وتعطل تدفقات النفط قد يدفع الصين إلى إعادة التفكير في استراتيجيتها الضمنية المتمثلة في إسناد أمن الطاقة في الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن احتياطي الصين النفطي يمكن أن يغطي وارداتها لمدة 120 يوماً، كما أن موردين بديلين، مثل روسيا، يمكنهم التخفيف من الصدمة. وحتى مع هذا الاضطراب في سوق النفط، فإن تحويل الولايات المتحدة اهتمامها وإعادة توجيه قوتها العسكرية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الخليج يصب في مصلحة الصين.

ومن المرجح أن ينظر المخططون العسكريون في الصين، الذين يتركز اهتمامهم بشكل كبير على محيط بلادهم المباشر، بارتياح إلى تحويل القوة العسكرية الأميركية من جوار الصين إلى الشرق الأوسط. وبدأت الولايات المتحدة بالفعل في تحويل أسلحة من منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما في ذلك بطارية اعتراض من نظام «ثاد» من كوريا الجنوبية إلى إيران، مع استنزاف الحرب لمخزونها المحدود من الصواريخ الاعتراضية. كما نقلت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قوات برية وبحرية من المنطقة ذاتها إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك السفينة «يو إس إس تريبولي» ووحدة مشاة بحرية من اليابان، إضافة إلى مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» من بحر الصين الجنوبي.

مقاتلات حربية على متن حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن (رويترز)

أما روسيا، فلا تنظر إلى إيران باعتبارها عنصراً حاسماً في سياستها الخارجية والدفاعية. فقد ركز «مفهوم السياسة الخارجية الروسية لعام 2023» على «الجوار القريب» بوصفه الأكثر أهمية، بينما جاءت إيران ضمن دول الشرق الأوسط في مرتبة متأخرة. وعلى خلاف الصين، لا تعتمد روسيا على الشرق الأوسط في النفط والغاز، كما أن حجم تجارتها مع إيران محدود.

وترتبط روسيا بترتيبات أمنية مع بيلاروسيا ودول منظمة معاهدة الأمن الجماعي، كما تجمعها «شراكة شاملة وتعاون استراتيجي» مع الصين. وأبرمت روسيا صفقات أسلحة عديدة مع إيران، من بينها صفقة بقيمة 500 مليون يورو (589 مليون دولار) لتوريد 500 قاذف محمول على الكتف من طراز «فيربا» و2500 صاروخ من نوع «9إم336». ومع ذلك، فإن إيران لا تحظى بالأهمية الكافية لدى روسيا لتبرير تقديم ضمانات أمنية لها.

ويقول ميتشل إنه على غرار الصين، يمكن لروسيا أن تخرج مستفيدة بشكل كبير من هذه الحرب، لا سيما في قطاع الطاقة. فإغلاق إيران لمضيق هرمز سيجبر دولاً، منها الصين والهند، على زيادة وارداتها النفطية من روسيا. كما أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة عالمياً، إلى جانب تعليق العقوبات النفطية، قد يوفِّر عائدات تشتد الحاجة إليها لاقتصاد روسيا المعتمد على الوقود الأحفوري.

كما أن انخراط الولايات المتحدة في إيران يخدم حرب روسيا في أوكرانيا. فالعمليات الأميركية تستهلك موارد عسكرية، خاصة الصواريخ الاعتراضية. وكل صاروخ من أنظمة «ثاد» أو «باتريوت» أو «توماهوك» يتم تحويله إلى إيران هو صاروخ لن يصل إلى جبهات القتال في أوكرانيا. كذلك تملك روسيا فرصة لدعم إيران في استهداف القوات الأميركية عبر تقديم معلومات استخباراتية لتحديد مواقع الأهداف العسكرية الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط.

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

وبذلك، تستطيع روسيا مساعدة إيران بشكل غير مباشر ومن مسافة، مع الاستفادة من الحرب دون المخاطرة بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

ويخلص ميتشل إلى أن ضبط النفس الذي تبديه الصين وروسيا يعكس انضباطاً استراتيجياً، لا إهمالاً. فجيش أميركي مستنزف وموزع على جبهات متعددة يصب في مصلحة الصين في منطقة المحيط الهادئ وروسيا في أوكرانيا. وكلما طال أمد هذه الحرب، زادت المكاسب المحتملة لكلا البلدين.


بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
TT

بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)

تعهّد الجيش الإيراني، الخميس، بشنّ هجمات «ساحقة» على الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد ساعات من تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتوجيه ضربات شديدة للجمهورية الإسلامية في الأسابيع المقبلة، وإعادتها إلى «العصر الحجري».

وقال «مقر خاتم الأنبياء»، غرفة العمليات المركزية للقوات المسلحة الإيرانية، في بيان بثّه التلفزيون الرسمي: «بالتوكّل على الله، ستستمرّ هذه الحرب حتى إذلالكم وذلّكم وندمكم الدائم والحتمي واستسلامكم».

وأضاف: «انتظروا عملياتنا الأكثر سحقاً وتدميراً».

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن الولايات المتحدة «تقترب من تحقيق» أهدافها في الحرب ضد إيران لكنها ستواصل ضرب البلاد «بشدة» لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع أخرى.

وأشاد الرئيس الأميركي، في خطاب للأمة من البيت الأبيض، بالانتصارات «الحاسمة» و«الساحقة» التي حققتها الولايات المتحدة، مؤكداً مرة أخرى أن الضربات كانت ضرورية لمنع إيران من الحصول على السلاح النووي. وتعهّد بعدم التخلي عن دول الخليج التي تستهدفها إيران رداً على الضربات الإسرائيلية الأميركية على الجمهورية الإسلامية، وقال: «أود أن أشكر حلفاءنا في الشرق الأوسط... لقد كانوا رائعين، ولن نسمح بتعرضهم بأي شكل لأي ضرر أو فشل».

وفي الوقت نفسه، أصر ترمب على أن نهاية الحرب لم تأتِ بعد، وقال: «سنوجه إليهم ضربات شديدة للغاية خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة. سنعيدهم إلى العصر الحجري الذي ينتمون إليه».