أدب الأطفال في قبضة الإنترنت

كتاب ومختصون وناشرون يدعون إلى تطويره لمواجهة منافسة التكنولوجيا

أدب الأطفال في قبضة الإنترنت
TT

أدب الأطفال في قبضة الإنترنت

أدب الأطفال في قبضة الإنترنت

حسب الآراء الواردة في هذا التحقيق، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي بحكم التطور التكنولوجي الهائل أكثر جذباً للأطفال من عالم الكتاب، وبذلك تراجعت عادة القراءة وانطفأ بريق القصص والحكي الشفاهي على ألسنة الجدات والأمهات، ما يشكّل خطورة على أفق الطفل الخيالي ونموه العقلي وتفاعله مع محيطة الإنساني... ما السبيل للخروج من هذه الأزمة؟
في هذا التحقيق آراء عدد من كتاب أدب الطفل ورسامي مجلات الأطفال، ودور النشر المتخصصة.

صفاء عبد المنعم، كاتبة أطفال وروائية: عودة الحكي القصصي
أولى المشكلات التي تواجه الكتابة للطفل وتساهم فيها الأسر والهيئات الثقافية المختلفة، تنحصر في الكتاب نفسه، فلا بد أولاً من تحديد الفئة العمرية على الغلاف، لأن كل مرحلة لها خصائص وأسلوب وطريقة وحكايات تناسبها.
والمشكلة الثانية مصدرها دور النشر، فكل كتاب يقدم لها هو من وجهة نظر كاتبه مهم للطفل، وهو وحده الذي يقبل هذا النص أو يرفضه، حسبما يتضمن من معلومات أو طريقة حكي مبهرة، لذا يجب عدم فرض الوصاية على الأطفال. طالما لا يوجد في الكتب تطرف، والمشكلة الثالثة مصدرها المؤسسات الثقافية التي تغلق أبوابها في وجه الأطفال وتمنعهم من القراءة.
أما عن الوسائل التي يمكن من خلالها تطوير أدب الأطفال، فتبدأ بعودة حكي القصص في المرحلة الابتدائية، فقد كانت معظم المناهج قديماً تعتمد على حكايات كليلة ودمنة، ومعظم الأجيال السابقة تعلمت بهذه الطريقة، وقد أصبح الطفل الآن يمتلك أداة مهمة، وهي التكنولوجيا ويمكن من خلالها نقل المعرفة إليه، ويمكن عمل كتب صوتية أو مصورة وأفلام قصيرة ملونة بأصوات الفنانين، ويمكن للكاتب نفسه أن يقرأ قصته وهو ما يعلّم الطفل الصغير قيمة أن يستمع لغيره حين يتكلم.

أحمد عبد العليم، باحث في المركز القومي لثقافة الطفل: دائرة ثقافية عالمية
أدب الأطفال -كمجال للبحث والتدريس- يشمل كل الأجناس الأدبية، والصيغ، والوسائط، وكل فترات الكتابة، وأنواعها، والحركات الأدبية من أي بقعة من العالم، وما يرتبط بذلك من المطبوعات المؤقتة والسلع أيضاً. وهو يشير إلى الأعمال التي وُجهت تحديداً على صغار السن، والأعمال التي باتت تُعد أدباً للأطفال من خلال تخصيصها لصغار القراء، والأعمال التي كان الأطفال يقرأونها فيما مضى، واقتصرت قراءتها الآن على دارسي الأدب.
وهنا من المهم أن نؤكد أنه لا يوجد نتاج أدبي واحد مترابط ومحدد يشكّل أدب الأطفال، ولكن يوجد عديد من أعمال أدب الأطفال التي تم إنتاجها في فترات مختلفة، وبطرق مختلفة، ولأغراض مختلفة، وباستخدام صيغ ووسائط مختلفة.
العولمة وما يصاحبها من وسائل الاتصال، والانضغاط في الزمان والمكان، يُخرج الفرد من دائرة الأسرة، إلى دائرة ثقافية عالمية، تسهم في تشكيل وعيه وبناء شخصيته، وهنا تتجلى قضية التنشئة والتي تضع الفرد أمام مؤثرات عديدة قد يجد نفسه مشتتاً أمامها إذا لم يضع لنفسه آليات تَكَيُّف تمكّنه من أن يحقق قدراً من التوازن بين القوى والمؤثرات المتناقضة، ويكون قادراً على أن يتقبل الثقافات الأخرى، مع المحافظة على هويته الشخصية والثقافية، وهو أمر يجبر كاتب الأطفال على التعامل مع قضية الإبداع بطريقة أكثر جدية، وأكتر تطوراً، بحيث يقدم إبداعاً قادراً على التعامل مع كل هذه المتغيرات في إطار عام يمكنه المساهمة بقدر في تنشئة الطفل وبناء شخصيته.
ومن هنا ينبغي أن يسهم الأدب في تنمية الأطفال من خلال جوانب متعددة، منها الجانب العقلي، والخيالي، والإدراكي، والوجداني... إلخ، ويلعب الأدب دوراً مهماً، من خلال سلوكيات الشخصيات الذين يُعجب بهم الطفل ويقدرهم، فيقلدهم ويتبنى ممارساتهم دون تردد، وعبر عملية اكتشاف الذات، ينتقل الطفل إلى إدراك الموجودات من حوله، وهي عملية مهمة، ويتم بناؤها اعتماداً على تعميق مدركاته وخلق المعاني التي يختارها بفاعلية ونشاط.

أحمد زحام، كاتب أطفال:
انغلاق منافذ النشر
يواجه أدب الطفل تحديات كثيرة منها مشكلة التواصل بين الكاتب والطفل بسبب قلة المعروض من الكتب والمجلات، فمجلات الأطفال محدودة، وتخدم عدداً محدوداً من الكتاب، كما تمتنع دور نشر عامة وخاصة عن استقبال كتابات جديدة، مما يؤدي إلى إغلاق منافذ النشر، ففي السنوات الأخيرة على سبيل المثال أغلقت دار الهلال سلسلتي «روايات الهلال للأولاد والبنات التاريخية»، و«كتب الهلال للأولاد والبنات»، كما تحول كتاب «قطر الندى» من إصدار نصف شهري إلى إصدار شهري، وهناك كثير من الكتب لا يخص الأطفال إلا في الشكل، أما المقدَّم من رواية وقصة مصورة فيظهر دائماً دون المستوى.
ويواجه أدب الطفل مشكلة عدم تطويره بما يواكب التغير العقلي لطفل اليوم الذي يمتلك وعياً كبيراً نتيجة المخترعات الحديثة التي يتعامل معها يومياً، كما أن دور النشر الخاصة أصبحت لا تتعامل إلا مع أسماء بعينها، وتفضل الحاصلين على جوائز بوصفهم أوراقاً مضمونة.
أما عن التطور التكنولوجي وسهولة تعامل الطفل معه، فقد قلل من اهتمام الأسرة بالكتاب، وتراجعت كتب الطفل الورقية أمام منصات الكتب على الإنترنت التي جذبت الأطفال إليها، وجعلت الحكايات القديمة خارج اهتمامه، لذا يجب أن يهتم كتاب أدب الطفل بتلك النقلة الموضوعية التي تشير إلى أننا في مرحلة انتقالية ما بين المطبوع والإلكتروني.

هشام علوان، كاتب أطفال وإعلامي: البحث عن آفاق جديدة
الطفل كائن ذكي، يكتسب خبراته بالملاحظة والمراقبة والتجربة، فتجذبه الكتب في سن مبكرة بحكايات بسيطة ورسومات جذابة، حتى يصبح قادراً على القراءة، وتتكون ذائقته في الاختيار، فينتقي ما يحبه من كتب تقدم له معلومات لزيادة وعيه المعرفي، تبتعد عن المباشرة والتقريرية، وبلغة سهلة، تثري قاموسه، وتضيف لوعيه الجمالي، وتنمي خياله.
أرى أن كل مبدع لديه قناعة بأفكاره التي يريد إيصالها للطفل، ولا يوجد كتالوج محدد للأمر، لكنْ هناك أطر عامة، مثل المرحلة العمرية الموجه إليها النص، حيث تختلف الأفكار واللغة وفقاً لذلك، وهناك ضرورة للانتباه إلى الألفاظ التي تحمل دلالات سلبية تحض على العنف والكراهية، وتخالف قيم المجتمع وعاداته.
ويحاول أدب الطفل حالياً البحث عن آفاق جديدة، يقاوم من خلالها منافسين أشداء، ظهروا مع تجليات الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي، فالتطبيقات المنتشرة مؤخراً وما بها من مشهيات تجتذب الطفل، وتشده بعيداً عن عالم القراءة.
ويمكن لأدب الطفل أن يقدم نفسه بشكل موضوعي مقنع للطفل العربي، إذا ابتعد عن التكرار والكتابات التقليدية التي تنفر الطفل ولا تناسب مُدركاته، والبحث عن طرق وموضوعات مستحدثة متنوعة تشبع احتياجات الطفل في عصر المعلوماتية، وهنا تقع مسؤولية كبيرة على دور النشر.

أيمن شرف، كاتب ومترجم ومدير دار نشر «الترجمان»: الاستفادة من التطور العلمي
إذا ما قارنّا مثلاً محتوى أدب الطفل المكتوب بالعربية بنظيره المكتوب بالألمانية أو النرويجية أو السويدية سنجد أن الأدب المكتوب بتلك اللغات يستفيد استفادة كبيرة من التطور العلمي في معرفة نمط النمو العقلي للطفل ومراحله المتتابعة، ومن يكتبون للطفل في مراحله العمرية المختلفة يدرسون –في الغالب - أو يطّلعون على دراسات في هذا الشأن، بالإضافة إلى أن دور النشر توفر متخصصين في الصياغة أو محررين لمراجعة النصوص سواء كانت خيالية أو غير خيالية، وهناك بالطبع كتاب موهوبون يعتمدون في كتاباتهم على الحدس والموهبة الأدبية، لكن النسبة الغالبة تستند إلى المعرفة المتوفرة عن نمو الطفل في مراحله السنية المختلفة، وما يتطلبه ذلك من مواصفات في الكتاب، سواء كان مصوراً أو نصياً... وإجمالاً ليست هذه هي الحال في محتوى أدب الطفل المكتوب بالعربية.
أما عن جودة الكتاب وتكلفته، فسنجد أيضاً أن التكلفة العالية لكتاب الأطفال –المصور على وجه الخصوص- تفرض خفض الجودة، بما يقلل من نسبة قراءته، ولا يحظى بالكتاب عالي الجودة والتكلفة إلا أطفال الأسرة الميسورة، وهو ما يحدّ من إقدام كثير من الناشرين على إنتاج كتب للأطفال، وفي ظل تراجع دور الدولة التنموي لا تتوفر فرص إنتاج كتب للأطفال يمكنها أن تنمّي وعيهم وترقى بهم.
جانب ثالث –أحدث نسبياً- في مشكلات أدب الطفل، وهو توفر وسائط رقمية حديثة تنقل للطفل محتوى ثقافياً أكثر إثارةً وتشويقاً يعتمد على الصورة والصوت، وعلى محتوى لا يلبي بالضرورة احتياجات نموه النفسي والعقلي، لكنه ينجح في جذب اهتمامه وأسره في ألعاب إلكترونية تسيطر على انتباهه دون أن تعلّمه ما ينبغي أن يتعلمه من قيم أو تنمّي قدراته البدنية والذهنية، بل إنها ربما تعوق هذا النمو وتعطل قدراته وتفاعله مع محيطه الإنساني.

أسامة علي، رسام وكاتب أطفال: تأثيرات التكنولوجيا الضارة
اهتمّ العالم بالأدب الموجّه إلى الطفل منذ القرن السابع عشر تقريباً، لإدراكهم أن تشكيل عقل ووجدان الطفل لا يكون إلا باقتحام عالمه وتنمية خياله، ووصلت أهمية أدب الأطفال وتطورها إلى درجة أنه تم تحويل بعض روايات الأطفال من روايات وقصص مكتوبة إلى رسوم متحركة لنشرها بطريقة أكبر وأسرع جنباً إلى جنب مع الروايات المكتوبة، وتم تحويل بعض الروايات ذات المبيعات العالية إلى أفلام سينمائية، واستمر أدب الطفل في نجاحه وانتشاره حتى ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي، وهنا بدا اهتمام الأطفال بالقراءة يقل تدريجياً مع زيادة اهتمامه بوسائل وأدوات التكنولوجيا.
أما عن اهتمام الكُتاب والمبدعين بهذا المجال فبدأ يخفت تدريجياً مع سهولة الاستعاضة بالقصص المترجمة والمُعرّبة عوضاً عن روايات الأطفال ذات الطابع الشرقي العربي الأصيل، والانبهار بكل ما هو أجنبي.
وهناك مشكلة مهمة متعلقة بالنشر والتوزيع بعد أن أصبحت تكلفة الطباعة والنشر كبيرة، بالإضافة لاعتقاد البعض بعدم أهمية الكتابة للأطفال، مما جعل مجال الكتابة للأطفال طارداً للكُتاب وغير مشجع، ولحل هذه المشكلات يجب أن يدرك الآباء أن التكنولوجيا الحديثة لها جوانب عديدة سيئة في التأثير على الأطفال، فهي تقتل الخيال والإبداع، كما أن الجهات الحكومية المسؤولة لها دور في طرح مبادرات تشجيعية للأطفال على القراءة، إيماناً بدور الثقافة في تشكيلهم عقلياً ووجدانياً.


مقالات ذات صلة

رئيس وزراء بريطانيا يسعى لصلاحيات أكبر لتنظيم استخدام الإنترنت

أوروبا  رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر متحدثاً في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (رويترز)

رئيس وزراء بريطانيا يسعى لصلاحيات أكبر لتنظيم استخدام الإنترنت

سيسعى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، إلى الحصول على صلاحيات أوسع لتنظيم الوصول إلى ​الإنترنت، وهو ما قال اليوم الأحد إنه ضروري لحماية الأطفال.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب والسيدة الأولى ميلانيا يودعان الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشيل لدى مغادرتهما عقب تنصيب ترمب في مبنى الكابيتول بواشنطن عام 2017 (رويترز) p-circle

ترمب يرفض الاعتذار عن فيديو يُظهر أوباما وزوجته على هيئة قردين

رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاعتذار عن مشاركته مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يُظهر الرئيس الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشيل على هيئة قردين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الشرطة الهندية لم تتمكن بعد من تحديد اللعبة التي تسببت في ردّة الفعل العنيفة لدى الفتيات (رويترز)

بعد حرمانهن من لعبة كورية... 3 شقيقات ينتحرن بالقفز من شرفة منزلهن

لقيت ثلاث شقيقات صغيرات حتفهن في الهند، أمس الأربعاء، بعد سقوطهن من شرفة منزلهن، وذلك عقب منع والدهن لهن من ممارسة لعبة كورية تُعرف بـ«لعبة الحب» على هاتفه.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» (صفحة الجهاز على «فيسبوك»)

«النفاد السريع» لباقات «الإنترنت» يؤرّق المصريين... وسط تحرك برلماني

تصاعدت أزمة «النفاد السريع» لباقات الإنترنت، والتي باتت تؤرق المصريين، في حين وصف «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» الشكاوى بأنها «فردية».

عصام فضل (القاهرة)
الولايات المتحدة​ إيلون ماسك (رويترز)

ماسك يلمِّح لشراء «رايان إير» بعد رفض رئيسها استخدام «ستارلينك»

أجرى إيلون ماسك استطلاع رأي على «إكس» حول إمكانية شرائه شركة «رايان إير» للطيران، في أعقاب خلافه مع رئيسها بشأن استخدام نظام «ستارلينك» للإنترنت على متن طائراته

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025
TT

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

بعد أن انغمستُ في قراءة مجلدات «أفضل قصائد الشعر الأميركي» في وقت سابق من العام الجاري، تعهدت بألا أبدأ أبداً أياً من مقالاتي بالتساؤل عن معنى كلمة «الأفضل»، وهي كلمة أزعجت محرري تلك السلسلة أكثر بكثير من كلمتي «أميركي» أو «شعر». كنت أرغب في الابتعاد عن ذلك أيضاً، ما أسمته لويز غلوك «استبداد صناعة الذوق». أنا أكتب هذه القوائم لصحيفة «التايمز» منذ خمس سنوات الآن؛ وأنا على ثقة من أن قرائي يعرفون أن كل ما تعنيه كلمة «الأفضل» في عالم الفنون هو ما تحبه فئة بعينها من الناس.

قصيدة «إنقاذ» هيدجي تشوي

بعض القصائد التي أثَّرت فيَّ بشدة هذا العام تعكس قسوة معينة. خذ على سبيل المثال الأسطر الأولى من قصيدة تشوي «الهلع»: «أعلم أن الآخرين حقيقيون، لا تُذكرني بذلك». أنا نفسي نطقت عبارة «الآخرون حقيقيون»، لذا شعرت أنها بمنزلة مواجهة مباشرة معهم. وضحكت بصوت مرتفع مرات عدة في أثناء قراءة قصيدة «إنقاذ»، أول عمل لتشوي، وهو عمل مفعم بالحقد والسخرية القاسية -بل ربما هو أقرب إلى الوحشية!

ينمُّ صوت تشوي عن ثقة الشباب المتحدية، التي نحتاج جميعاً إلى التعرض لها. القصائد مسيئة بعض الشيء («ألا يمكن أن تكون، مثل مملكة السماء، فالصور/ للخاسرين والمختلين؟») بطريقة جذابة للغاية، مثل جدال يُغير رأيك بالفعل. «هل من المهم معرفة الحقائق؟»، تسأل قصيدة «مراحل»؛ «لأنني بدأت أعتقد/ ربما لا». لا يمكن للقصائد أن تؤذيني إلا قليلاً، ويمكن أن تبدو قسوتها حقيقية للغاية: «في النهاية/ أنا/ شخص جاد للغاية/ لكننا لم نصل إلى النهاية بعد».

«أعرف بعض الأشياء» لريتشارد سايكن

كان هذا كتاباً آخر منحني متعة شبه مازوخية. في خروج رسمي عن مجموعة سايكن بعنوان «صراع الثعالب» (2015)، ومجموعته الأولى المؤثرة بعنوان «انكسار» (2005)، تأتي هذه القصائد في صورة نثرية. كُتبت جميع القصائد الـ77 (والرقم تكريم، على ما أعتقد، لمؤلفة بيريمان «أغاني الحلم 77») بعد إصابة سايكن بالسكتة الدماغية وخلالها، وتُشكل في حد ذاتها سيرة ذاتية موجزة: «إنها نافذة صغيرة، تلك الفترة الزمنية التي نستطيع فيها أن نقول ما نعرفه».

هذا عمل قاسٍ، ومخيف أحياناً في تعامله مع الشيخوخة والموت -الحياة بوصفها ضرراً- والصراع من أجل استعادة الجسد والعقل والذات بعد الأزمة. كما يستجوب سايكن أيضاً مفهوم الذاتية بوصفها مشروعاً طويلاً، وطريقة للدفاع، وفعلاً من أفعال المخاتلة: «قلت كذبة وتحولت إلى حقيقة». تَظهر كلمة «يحدث» كعبارة مخفَّفة مخيفة؛ ما يحدث قد يحطم حياتك: «كان من الواضح أن شيئاً ما قد حدث ولن يتراجع» («الرصيف»). «أنا أنتظر أن يخبرني أن هذا لن يحدث مرة أخرى. إنه لا يقول ذلك» («خريطة حرارية»). «عليك أن تكون حذراً، فالأشياء ترغب أن تحدث» («غابة ديفون»).

قد يكون هذا الكتاب قاتماً، ولكنه ساحر أيضاً («تحت السرير الأرضية، ثم الأرض، ثم الجانب الآخر والنجوم. سقطت في كل الاتجاهات») ومضحك بطريقة غريبة -ضحكة من مقطع واحد في وجه الشيطان، يكتب قائلاً: «إذا كان في ذلك أي عزاء، فلن أسامحك أبداً».

قصيدة «رحمة الدم» لآي. إس. جونز

تُعيد هذه القصائد في هذا العمل الأول المثير للإعجاب، تفسير قصة قابيل وهابيل على أنهما أختان، وهي تتمتع بقوة الأسطورة المخيفة والعنيفة والموسيقية. «معظم الألم منعدم الفائدة»، كما تكتب جونز في القصيدة الافتتاحية، «لكنه أقدم أغنية للجسد». تشكل هذه القصائد سلسلة من التفاعل المستمر مع فكرة القوة -القوة التي نستسلم لها والقوة التي نطالب بها- وتجسد نوعاً من الفضاء الهجين الحقيقي والرمزي، والحاضر والأبديّ في آن واحد.

تكتب جونز في قصيدة «قابيل»: «كنتُ أسطورة ذات يوم، وأنا الآن فتاة». وفي قصيدة «حواء ليليث» تكتب: «يكسر/ السماء فوق جمجمتي ويُظلم العالم. أختي، يستمر الأمر هكذا/ .../ الأيام لا تُعدّ».

يتحقق تماسك مذهل بصفة جزئية من خلال تكرار رمزيات الدم والشفرات والماعز القربانية والشمس: «أنا الفأس التي تحلم بشق طريقها عبر حلق آدم». وفي قصيدة «تاريخ موجز للعالم حسب الماعز»، تكتب جونز: «يولد الماعز برؤية بانورامية ليرى الموت/ الماعز يخطط للحرب مثل أي حيوان آخر/ هذه قصيدة عن التعفن». وفي النهاية الرائعة لقصيدة «قطعة موسيقية حالمة»: «تجسيد حُلم معاناتي/ الشمس تجر جسدها مقطوعة الرأس عبر السماء كنصب تذكاري/ للحرب».

قصيدة «غزة: القصيدة قالت ما لديها» لناصر رباح

يعلق مترجمو كتاب «غزة»، الذي يضم مختارات من قصائد الشاعر الفلسطيني ناصر رباح، في خاتمة الكتاب على الصعوبات التي واجهتهم في نقل هذه القصائد إلى الإنجليزية الأميركية، التي تلعب دوراً في تمكين الكثير من التشويهات في طريقة تصوير فلسطين على الساحة العالمية. وسعى المترجمون إلى تجنب «الإفراط في الترجمة»، مُفسحين النطاق لقَدرٍ من الغرابة و«الغموض وحتى عدم الفهم». أدى ذلك إلى ظهور سطور تُسبب أحياناً ارتباكاً نحوياً، غير أن الاغتراب والغرابة أمران مألوفان في هذه المناطق السريالية الشبيهة بالأحلام، حيث يتصادم الرعب والدمار مع الجمال والموسيقى والجنس، وحيث تتعايش الروتينية اليومية والملل مع الجنون واللا معقول.

وفي حين أن الصوت قد لا يُترجم دائماً، فإن الصورة تُترجَم، وأعمال رباح مليئة بالصور التي لا تُنسى: «أنا لست جندياً، لكن/ في أثناء الحرب أرى نفسي شرفة معلَّقة في السماء/ بعد أن هدموا المبنى... أنا لست جندياً، لكنني أرى نفسي في أثناء الحرب أرتِّب/ مشهد الموت الأخير، لإرضاء الأحياء بموتي». في القصيدة الطويلة «ما لم أقله لنفسي»، يكتب رباح: «كن مملاً... كن توم هانكس وقل: يا إلهي! كل شيء رائع يا رفاق. كن أي شيء، فقط لوِّح لموتك الجميل في المرآة»، و«لمرة واحدة، كن برتقالياً يا بحر، وأنتِ يا سماء، أمطري لمرة واحدة في اتجاهك».

قصيدة «ابنة المينوتور» لإيفا لوكا

أحياناً بعد سطر أو سطرين فقط تعرف أن الشاعر يتحدث إليك -كما لو أن الحساسية تتبدى في أصغر الكلمات. كانت هذه تجربتي مع لوكا وقصيدة «ابنة المينوتور»، المترجَمة عن السلوفاكية بواسطة جيمس ساذرلاند-سميث. أحب هذه القصائد السحرية عن الأماكن الحدودية والمخلوقات الهجينة، والرجال-الوحوش والأسماك-الطيور والكائنات الحية-الميتة: «مكسوة-مكشوفة/ في فمها تبكي وتغني/ تعود إلى أسفل المنحدر/ إلى المنزل الذي ليس منزلاً»، تكتب لوكا في قصيدة «الأخت البرية». «لا ماشية على الأقدام ولا راكبة في عربة/ على كتفها بومة، في يدها/ تفاحة، في تفاحتها/ حب، في حبها/ سُمّ».

انجذبتُ بصورة خاصة إلى سلسلة القصائد المستوحاة من لوحات ليونورا كارينغتون، مثل «لوحة السيدة بارتردج الراحلة» (هذه المرأة تبدو كأنها تجسيد للبرق) و«دجاجة أختي غير الشقيقة»: «لكن الآن هو أوان التمرد. الدجاجة تكشر عن أنيابها/ .../ انتظري فقط، تقول الدجاجة/ يوماً ما ستقيَّدين في طوق، كما يحدث بين المالكين/ والمملوكين... يوماً ما سنتبادل الأدوار». هذا كتاب ينبض بظلامية حكايات القصص الخيالية القديمة.

قصيدة «نوبات غضب في الهواء» لإميلي سكيلينغز

بناءً على مجموعتها الثانية، «نوبات غضب في الهواء»، أرى أن سكيلينغز زميلة لي في محبة الفراغ -نحن الذين نحب أن نجمل الفراغ. عن «زهرة الجزرة، أو دانتيل الملكة آن»، تكتب سكيلينغز في إحدى قصائدها: «أحبها عندما تكون كبيرة/ وبيضاء مثل صحن خزفي/ النقطة في المنتصف/ إيماءة صغيرة للتركيز/ رشفة من الظلام، ثقب/ ينزلق فيه كل/ تطريز السماء».

تُذكرنا قصائد سكيلينغز بمدرسة «غورلسك» (مصطلح أرييل غرينبرغ للإشارة إلى «دمج النسوية للغريب والقاسي مع البراق والحالم»)، قصائد سكيلينغز تبدو أشبه ما تكون بمسرح عبثي في بيت دمى مسكون. فكرة استعارتها من إيلين مايلز -أن الشعراء ليسوا أذكياء، بل «شيء آخر»- تتكرر طوال القصائد في شكل إصرار على نوع من الذكاء الخارجي، سبيل سلبي: «نصف تفكير، نصف لا شيء».

القصيدة الأخيرة آسرة، بسطورها الطويلة لدرجة أنها مطبوعة بشكل أفقي: «أوه، لقد لاحظت الفئران، لا تهتم بها/... / بدأت أعتقد أنها توسِّع الفجوات بين الأشياء: الكلمات، الأيام/.../ هذه مجرد غرفة واحدة في مؤامرة واسعة من الفضاء».

* تشمل مجموعات إليسا غابرت الشعرية والقصصية، في الآونة الأخيرة، «المسافة الطبيعية»، و«أي شخص هو النفس الوحيدة». تُنشر مقالاتها في دورية «حول الشعر» أربع مرات في السنة.

* خدمة: «نيويورك تايمز»


شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»