«الحشد الشعبي».. الولاء المزدوج

تأسست بفتوى من السيستاني لمقاتلة «داعش».. لكن انتهاكاتها حيرت العراقيين فتساءلوا: من العدو

«الحشد الشعبي».. الولاء المزدوج
TT

«الحشد الشعبي».. الولاء المزدوج

«الحشد الشعبي».. الولاء المزدوج

خلال حضوره جلسة برلمانية سابقة، كشف رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي عن تعاون من نوع جديد بين جماعات أو فصائل مسلحة عابرة للطائفية. وفي سياق تحليله لقضية اختطاف النائب في البرلمان العراقي زيد الجنابي مع عمه الشيخ قاسم سويدان الجنابي (سني) من قبل ميليشيات شيعية، ومن ثم مقتله مع نجله وإطلاق سراح النائب، قال العبادي إن التحقيقات التي تجريها جهات أمنية في هذه الحادثة تشير إلى أن هناك أكثر من طرف متورط بهذه الحادثة، في إطار خلط الأوراق أمام المواطن العراقي الذي لم يعد يعرف من هو العدو.
ومع أن تلك الحادثة أدت إلى تعليق تحالف القوى العراقية (الكتلة السنية في البرلمان) مشاركته في جلسات البرلمان احتجاجا على ما عدته انفلاتا أمنيا وعدم قدرة الحكومة على السيطرة على الأوضاع بسبب انتشار السلاح بيد الميليشيات إلا أن العبادي وإن لم يقل كل شيء إلا أنه أضاف، ربما دون أن يقصد، هما جديدا إلى هموم العراقيين عندما اعترف بوجود جماعات جديدة خارجة عن القانون.

رئيس الوزراء العراقي والقائد العام للقوات المسلحة حيدر العبادي يسعى جاهدا لإجراء عملية فك ارتباط بين عناصر الحشد الشعبي وفصائله، وبين ما يشاع عما تقوم به الميليشيات التي كثيرا ما تختلط صورتها المشوهة في ذهن المواطن العراقي مع الحشد الشعبي الذي تحاول الحكومة والطبقة السياسية العراقية لا سيما الشيعية منها رسم صورة جيدة عنه.
العبادي وفي إطار مداخلة برلمانية أكد أن الحشد الشعبي مؤسسة عراقية ضمن منظومة الأمن الوطني العراقي. لكن العبادي اعترف في المداخلة ذاتها بوجود من وصفهم بالمندسين الذين «يحاولون الإساءة إلى انتصاراتنا بارتكاب جرائم على أمن المواطنين». ومع أن العبادي وصف الجرائم المرتكبة بأنها خطيرة إلا أنه هاجم في الوقت ذاته من يحاول «استغلال هذه التجاوزات أبشع استغلال بالكذب ونرى هذا في مواقع التواصل الاجتماعي هناك تزوير في محاولة للإساءة لقواتنا».
هذه النظرة انسحبت على سير المعارك التي يقوم بها الجيش العراقي وفصائل الحشد الشعبي في المحافظات الغربية ذات الغالبية السنية من العراق على إثر احتلال تنظيم داعش لمحافظات نينوى وصلاح الدين وأجزاء واسعة من الأنبار حيث كان ولا يزال «الحشد الشعبي» ويضم المتطوعين الشيعة هو العنوان الأبرز لهذه المواجهة مع تنظيم داعش. وفي الإطار أيضا مقاتلون من أبناء نفس المحافظات تحت مسميات كان الأبرز فيها هم «ثوار العشائر» يقاتلون «داعش» أيضا، وبالتالي بدا عنوان المواجهة في بعض صفحاته طائفيا. وقد جرت بالفعل سلسلة انتهاكات تحت هذا العنوان الطائفي في عدة مناطق من هذه المحافظات.

* انتهاكات ممنهجة

* يعترف عضو البرلمان العراقي عن محافظة صلاح الدين مشعان الجبوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» عن وجود «حالات انتقام حصلت أثناء عملية تحرير مدن محافظة صلاح الدين.. ورغم أننا حذرنا ودعونا إلى المزيد من الدقة لكن من غير المعقول ضبط أعداد هائلة وبعضها لديها حس انتقامي مسبق لأسباب مختلفة».
يضيف الجبوري قائلا إن «هناك عمليات اعتقال حصلت في الدور وعندما سألنا الجهات المعنية قالوا إن الذين جرى اعتقالهم وعددهم لا يزيد عن المائة إنما تم لأغراض التحقيق معهم كونهم استمروا في البقاء مع (داعش) ولم يخرجوا الأمر الذي جعل الشبهات تحوم حولهم» مبينا أن «أحدا لا يعرف متى يطلق سراحهم أو سيعاقبون أننا في كل الأحوال نريد للعملية أن تجري بطريقة سليمة». لكن رئيس لجنة حقوق الإنسان في البرلمان العراقي أرشد الصالحي يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه يسمع بمثل «هذه الانتهاكات وقد تم تشكيل لجان متابعة لها ولكن اللجنة لم تتلق حتى الآن أية شكوى بهذا الشأن سواء من قبل مواطنين هناك قيل إن دورهم أحرقت أو قتلوا ولا حتى من قبل نواب صلاح الدين».

* الأزهر يندد

* وإذا كانت عمليات ما عرف بالانتقام في معركة صلاح الدين قد حملت الأزهر على إصدار بيان تنديد بما اعتبره عمليات انتقام ضد أهل السنة فإن التداخل بين متطوعين شيعة يعترف العبادي بأن فيهم «مندسون» لأغراض الانتقام وبين عشائر سنية اختلفت مع بعضها بسبب «داعش»، وبالتالي حصلت عمليات انتقام متبادلة بينها خصوصا في منطقة البوعجيل، حيث يقول نائب رئيس اللجنة الأمنية في مجلس محافظة صلاح الدين خالد الخزرجي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «الممارسات والانتهاكات في هذه المناطق أو سواها من مناطق صلاح الدين أو الأنبار أو نينوى هي تلك التي قام بها تنظيم داعش عبر عمليات الحرق والتفخيخ والتفجير».
وأضاف الخزرجي أن «هناك مواطنين قام تنظيم داعش بحرق منازلهم وتهجير عوائلهم وقد بدأت بعض عمليات الانتقام بين أبناء المنطقة الواحدة». مع ذلك فإن محافظة ديالى كانت هي العنوان الأبرز للانتهاكات خلال الشهور الماضية. وهنا يرى الشيخ مازن الخيزران شيخ قبيلة العزة في محافظة ديالى حيث وقعت فيها «مجزرة بروانة» في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إن «القبائل السنية في ديالى تقع اليوم بين مطرقة الميليشيات وسندان تنظيم داعش». ويضيف الخيزران: «ديالى واقعة بالفعل تحت تأثير (داعش) من جهة والميليشيات المسلحة من الأحزاب والقوى الشيعية من جهة أخرى غير أن ما يمكن قوله بهذا الصدد أن المعادلة غير متكافئة لأن الجماعات الشيعية المسلحة تملك غطاء حكوميا للتحرك بينما تبدو القاعدة و(داعش) وكل الفصائل السنية المسلحة مطاردة بوصفها حركات إرهابية وهو ما جعل عشائرنا ضحية للطرفين معا».
وفي السياق نفسه يرى الناشط السياسي في محافظة ديالى تراث محمود في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إن «محافظة ديالى وإن كانت ذات أغلبية سنية لكن هناك هيمنة مشتركة شيعية - كردية على مفاصل القرار في المحافظة، وهو ما أدى إلى احتقان مضاعف ومع تراجع هذا الدور فقد تم تأسيس صحوات في بعض المناطق لغرض مسك الأرض لكن الحكومة شنت حملة كبيرة ضد الصحوات وحولتها إلى خصم، الأمر الذي انعكس على وضع العرب السنة في المحافظة الذين بدأوا يتذمرون ويبحثون عن أية قوة يمكن أن تخلصهم من هذا الواقع المزري، وهو ما استثمرته الميليشيات الخارجة عن القانون التي تستر الكثير منها بالحشد الشعبي وراح يمارس عمليات قتل وخطف واغتصاب بالإضافة إلى عملية هدم للمساجد السنية التي تم تدمير العشرات منها من قبل هذه الميليشيات».

* الحشد الشعبي.. ولاء مزدوج

* جاء تأسيس الحشد الشعبي على أثر الفتوى التي أصدرها المرجع الشيعي الأعلى آية الله العظمى علي السيستاني في الثالث عشر من يونيو (حزيران) عام 2014 بعد أيام قلائل من احتلال الموصل وصلاح الدين من قبل تنظيم داعش. وعلى إثر هذه الفتوى أعلن مئات آلاف المتطوعين الشيعة من كل الأعمار تطوعهم وهو ما حمل الحكومة العراقية آنذاك إلى تشكيل مؤسسة أطلق عليها «مؤسسة الحشد الشعبي» جرى ربطها بمستشارية الأمن الوطني التي يترأسها مستشار الأمن الوطني فالح الفياض. وفي السياق نفسه فقد وجدت الجماعات والميليشيات والفصائل المسلحة الشيعية نفسها ملزمة بين الاستجابة للفتوى من جهة وبين تحريك عناصرها لمواجهة تنظيم داعش الذي أعلن الحرب على هذه الفصائل سواء بشكل مباشر أو من خلال تهديده للأماكن والعتبات الدينية المقدسة لدى الشيعة وهي حصر مراقد الأئمة سواء في مدينة سامراء التي يحاصرها التنظيم حتى اليوم أو مدن بغداد وكربلاء والنجف. ليس هذا فقط فإن الكثير من هذه الفصائل تقلد مراجع دين شيعة مختلفين، وبالتالي هي ليست ملزمة نصا بفتوى السيستاني لكن الإطار العام لانضمامها إلى الحشد الشعبي جاء في إطار تلبية الدعوة للفتوى. ولفك الاشتباك بين بعض المفاهيم الدينية في إطار مثل هذه الفتاوى كيفية الإلزام بها يقول الأستاذ في الحوزة العلمية حيدر الغرابي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «ما صدر عن السيد السيستاني فتوى صريحة لأن هناك تهديدا حقيقيا وجديا لا سيما كانت هناك دعوات صريحة من الجماعات الإرهابية بالتوجه إلى المدن المقدسة واستباحتها، فضلا عن أن العراق الآن كله بات مهددا». وأضاف أن «الأمر أصلا لم يكن بحاجة إلى فتوى لأن الدفاع عن الوطن قضية مقدسة ملزمة للجميع، لكن ما يجب لفت الانتباه إليه أن فتوى المرجع حددت الآليات والسياقات وهي بمثابة تعليمات ملزمة لأن المرجعية الدينية تعرف واقع الحال جيدا وبالتالي فإنها تقف على مسافة واحدة من الجميع، موضحا أن «هناك المزيد من التعليمات كانت قد صدرت عن المرجعية بشأن كيفية التعامل مع المواطنين من أبناء تلك المناطق والأهم أن يكون المتطوعون والحشد الشعبي تحت إمرة المؤسسة العسكرية». وفي وقت سعى فيه مرجع ديني مثل السيستاني فك الاشتباك بين ما هو ديني وتحديدا مذهبي وبين الوطن باعتبار الدفاع عنه قضية ملزمة من قبل جميع المواطنين فإن عملية فك الاشتباك بدت صعبة بين من يوالي هذا المرجع الديني أو ذاك من بين المتطوعين، علما أن بعض هؤلاء المراجع إما غير عراقيين أصلا «محمود الشاهرودي مثلا» أو يعيشون خارج العراق منذ عقود «كاظم الحائري مثلا» وبين قدسية الدفاع عن الوطن فإن ما يجري في ساحات القتال إنما هو نوع من تداخل الخنادق والولاءات. وفي الوقت الذي يضم الحشد الشعبي مئات آلاف المتطوعين من عامة المواطنين الشيعة ممن لا يرتبطون رسميا بأي فصيل من الفصائل المسلحة المعروفة لكن من الأهمية بمكان التعريف بأهم الفصائل التي يتكون منها الحشد الشعبي وهي أولا: سرايا السلام ولواء اليوم الموعود والتابعة للزعيم الشيعي مقتدى الصدر والتي كانت تسمى «جيش المهدي» الذي سبق للصدر أن جمده منذ عام 2007 أكثر من مرة. وفي عام 2004 وعلى إثر احتلال الموصل من قبل تنظيم داعش أعلن الصدر عن تأسيس سرايا السلام كجزء من عملية الدفاع عن العراق وحدد مهمتها الأصلية في الدفاع عن مرقدي سامراء. لكن الصدر عاد وأعلن تجميد هذا الفصيل مؤخرا على إثر مقتل الشيخ قاسم سويدان واتهامه الصريح لما أسماه بـ«الميليشيات الوقحة» في عملية الاختطاف فإنه عاد وأعلن الأسبوع الماضي عن إعادة تشكيله ولكنه ربطه هذه المرة بالجيش بالكامل ويتلقى أوامره من القائد العام للقوات المسلحة حيدر العبادي. وتضم سرايا السلام عدة آلاف من المقاتلين. ثانيا: منظمة «بدر» (الجناح العسكري) التي انشقت عن المجلس الأعلى الإسلامي قبل نحو 3 سنوات. وتضم «بدر» أكثر من 10 آلاف مقاتل مدربين جيدا وهم الأكثر تنسيقا مع إيران. ويتزعم «بدر» هادي العامري، الذي كثرت إشاداته في الآونة الأخيرة بقائد فيلق القدس الإيراني الجنرال قاسم سليماني إلى حد أنه طالب بإقامة تمثال له في بغداد. ثالثا: كتائب حزب الله وتضم آلاف المقاتلين ولا تعرف لها قيادة واضحة. رابعا: عصائب أهل الحق وكانت قد تاسست عام 2007 بعد انشقاقها عن جيش المهدي ويتزعمها قيس الخزعلي وتعد أكثر الفصائل الشيعية نفوذا لا سيما بعد أن قربها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي كثيرا. خامسا: حركة حزب الله «النجباء» وهي إحدى الفصائل التي انشقت عن العصائب. سادسا: كتائب سيد الشهداء وتضم نحو 3 آلاف مقاتل. سابعا: سرايا عاشوراء وهي الجناح العسكري للمجلس الأعلى الإسلامي بزعامة عمار الحكيم وتضم عدة آلاف من المقاتلين. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا إلى أي مدى ترتبط هذه الجهات بإيران؟ على هذا السؤال يجيب الأكاديمي ورجل الدين الشيعي عبد الحسين الساعدي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بالقول إن «العلاقة مع إيران سواء على صعيد الحشد الشعبي أو بشكل عام مع الطبقة السياسية العراقية شديدة الالتباس، فمن ناحية إيران وباعتراف الحكومة العراقية تساعد العراق ضد تنظيم داعش، سواء كان بالسلاح والمال والخبراء الذين هم بمستويات عالية جدا يتقدمهم قائد فيلق القدس نفسه قاسم سليماني.
ومن ناحية أخرى فإن للكثير من فصائل الحشد الشعبي علاقات متميزة مع إيران والكثير منها تتلقى مساعدات مالية وحتى عسكرية مبينا أن «العلاقة مع إيران تبدو هذه المرة مختلفة، ذلك أن وجود إيران في العراق وعلاقتها المباشرة مع القيادات العراقية لا سيما الشيعية منها يجعل من هذه الفصائل أكثر انضباطا حتى على صعيد الصلة مع الجهات الأمنية». وأكد الساعدي أن «الثقل الإيراني واضح الآن وبالتالي فإنها قادرة على التعامل مع هذه الجهات سواء بشكل مباشر حين تريد أو عن طريق الجهات العسكرية في حال وجدت أن ذلك أنفع لها». على صعيد متصل فإنه وفي ضوء هذه الأمور فإن سؤالا آخر يطرح نفسه وهو هل يرتبط الحشد الشعبي سواء بوصفه مؤسسة وطنية مثلما قال العبادي أو فصائل وكتائب مسلحة بالجيش أم لا؟ عن هذا السؤال يقول ضابط عراقي رفيع المستوى برتبة عميد ركن في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، طالبا عدم الإشارة إلى اسمه أو هويته إن «العلاقة غير واضحة المعالم وإذا شئنا الدقة هي علاقة تنسيقية أكثر منها تكاملية، فالحشد الشعبي متعدد القيادات رغم ارتباطه بالأمن الوطني وفي جبهات القتال يجب أن يكون مرتبطا بالمؤسسة العسكرية لكن دخول قيادات سياسية كبيرة تقود الحشد وهي رسميا أكبر من كل القيادات العسكرية المحترفة جعل العملية تأخذ جانب التنسيق وليس التبعية». وأضاف الضابط العراقي أن «من المسائل التي لا بد من الاعتراف بها هي أن الحشد الشعبي يقاتل بطريقة استثنائية حين يتلقى أوامره من مراجعه الدينية أو السياسية كما أنه في الغالب يتقدم الصفوف وهي إحدى الميزات الهامة له».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.