العراق يتأهب عبر «قمة بغداد» لاختبار قدراته في مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي

بعد تولّي إبراهيم رئيسي الرئاسة في إيران... وسيطرة «طالبان» على أفغانستان

العراق يتأهب عبر «قمة بغداد» لاختبار قدراته في مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي
TT

العراق يتأهب عبر «قمة بغداد» لاختبار قدراته في مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي

العراق يتأهب عبر «قمة بغداد» لاختبار قدراته في مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي

على الرغم من الانتقادات الشديدة التي وجّهها أخيراً وزير الموارد المائية العراقي مهدي رشيد الحمداني بشأن سلوك إيران المائي بقطع المياه عن العراق، فإن تنصيب الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي كان مناسبة لانشغال مواقع التواصل الاجتماعي المحلية بسلسلة الوفود العراقية التي شاركت في العاصمة الإيرانية طهران باحتفال تنصيب الرئيس الجديد. ومن جهتها، فإن وزارة الكهرباء العراقية، التي استقال وزيرها في ذروة اشتداد أزمة الكهرباء في البلاد بعد قطع إيران إمدادات الغاز والكهرباء عن العراق، تبدو أكثر مجاملة للسلوك الكهربائي لإيران حيال العراق، إذ إنها تقدم دائماً حجة جاهزة، وهي الديون التي تبلغ مليارات الدولارات المترتبة لإيران بذمة العراق... ومن ثم لا أحد «يزعل» من إيران.
إيران التي أرسلت كالعادة دعوات إلى دول العالم لإرسال شخصية أو شخصيات رسمية تمثلها في مراسم تنصيب رئيسها الجديد، فإنها كالعادة ترسل إلى العراق سلسلة دعوات لعدد من كبار المسؤولين والزعامات بحيث تسافر وفود كثيرة، وليس وفداً عراقياً رسمياً واحداً... ليؤدي ما يفترض أنه مجرد واجب بروتوكولي.
وبالتالي، لدى انشغال وسائل التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا) بانتقاد كثرة المسؤولين العراقيين المغادرين إلى إيران - زُرافات ووحداناً - لحضور «زفة» رئيسي، فإن تبرير المدعوين هو أن إيران هي التي وجّهت لهم دعوات شخصية. وهو ما يعني واقعياً، أنه بينما تدّعي إيران أنها حريصة على إقامة علاقات جيدة، بل متينة مع العراق كدولة، فإنها في الوقت نفسه وفي المقابل، تحرص على بناء علاقات موازية مع أطراف وقوى وشخصيات معينة في الدولة العراقية.
من جهة ثانية، على الرغم من أن العلاقة العراقية - الإيرانية بقيت طوال السنوات الـ18 الماضية محصورة في سياق الموقف من الوجود الأميركي في العراق، فإن التطورات الجديدة في الشرق الأوسط بدأت تشغل اهتمامات العراقيين، سواء أكانوا رسميين أم مواطنين عاديين أم مدونين أم مراقبين أم محللين. وبطبيعة الحال، في طليعة هذه التطورات إعلان واشنطن مباشرتها سحب قواتها القتالية من العراق، وانسحابها الدراماتيكي من أفغانستان... الأمر الذي سهّل بصورة غير متوقعة دخول مسلحي «حركة طالبان» العاصمة كابُل، واحتلال القصر الرئاسي، ومغادرة الرئيس الأفغاني أشرف غني أحمد زي الرئيس الأفغاني، الذي كان مدعوماً - بل مُنصّباً - من واشنطن.

«طالبان»... حسابات وتوقعات
قبل سقوط العاصمة الأفغانية كابُل في أيدي عناصر «حركة طالبان»، بالطريقة المدهشة والمثيرة للجدل التي شاهدها العالم، كان العراقيون منشغلين بهمّ آخر.
إنه همّ بما يمكن أن يترتب على «قمة الجوار الإقليمي العراقي» المقرّر انعقادها يوم 28 أغسطس (آب) الحالي في بغداد من مُخرجات. وهذه المخرجات، في الغالب، ليست في حساب الهوية الوطنية بقدر ما هي حسابات متباينة لقوى وأحزاب وكتل وقيادات وزعامات تحشد كل قواها للانتخابات المبكرة المقبلة. وهو الأمر الذي يجعل هذه القوى تنظر إلى هذه القمة من زاوية مدى استفادة الحكومة الحالية، ممثلة برئيسها مصطفى الكاظمي، من هذه القمة... وليس العراق كدولة. إذ إن خصوم مصطفى الكاظمي - وهم كثر - يرون أن «قمة بغداد» تحظى بدعم كل من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، هذا مع أن الجميع يعرف أن الرؤيتين الأميركية والفرنسية مختلفتان حيال ما يجري في المنطقة، ومنها الأوضاع في العراق.
ثم إن كان الحدث الأفغاني بدا طارئاً وغير قابل للاستيعاب في لحظاته الأولى، فإن القوى المعارضة للوجود الأميركي في العراق، وهي قوى وفصائل مقرّبة، وبعضها موالية لإيران، ترفض المقاربة الأفغانية بالقياس إلى العراقية. ذلك أن هذه الجماعات ترى أن واشنطن هُزمت في أفغانستان، إلا أنها لا تزال باقية في العراق. وفي حين لم تُطلق أي رصاصة على القوات الأميركية في أفغانستان منذ سنوات... فإن الصواريخ والطائرات المُسيّرة التي تملكها الفصائل المسلحة في العراق تتساقط بين آونة وأخرى على القواعد التي يتمركز فيها عسكريون أميركيون في العراق دون أي إصابات تذكر. وفي هذا السياق، نشير إلى أن العسكريين الأميركيين هم الذين تولوا في عهد جو بايدن على الأقل الرد مرتين على هذه الفصائل، وكان الرد قاسياً. أما في عهد دونالد ترمب، فبينما ردّت القوات الأميركية عدة مرات على الفصائل وأوقعت بها خسائر في الأرواح والمعدات، فإن الغارة الأميركية التي قتلت قرب مطار بغداد الدولي - أوائل عام 2020 - قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني، كانت ضربة قاصمة، لم تكن سلسلة الردود الإيرانية بمستواها.
مع ذلك، فإن الحدث الأفغاني الذي سرق الأضواء من اهتمامات العراقيين، سواء بالانتخابات أو القمة المنتظرة، بات ينظر إليه الآن عراقياً على مستوى التطورات المستقبلية، وبالأخص أن «حركة طالبان» بدأت تقدم نفسها على أنها «حركة معتدلة»، خاصة أن أفغانستان ترتبط بعلاقات حدودية طويلة جداً مع إيران، تقرب من 1000 كيلومتر.

«داعش»... الحاضر دائماً
على صعيد آخر، وعلى الرغم من الأخبار المتداولة بشأن «طالبان» بنسختها الجديدة، ومنها القول إنها ليست رديفة لتنظيم «القاعدة» كما إنها ليست هي «طالبان باكستان»، ما كان هذا كافياً لتبديد المخاوف بشأن سلوكها المستقبلي المرتقب في المنطقة.
صحيح أن العراق بعيد عن أفغانستان جغرافياً، لكنه ليس بعيداً عن إيران... جغرافياً أو سياسياً. ولمّا كانت حركات «الإسلام السياسي» المتشدد تصنف على أنها ذات مرجعية سنّية «فقهياً وعقائدياً»، سواء «القاعدة»، ومن بعدها «داعش» أو «طالبان»، فإن الخوف بدا مزدوجاً تبعاً لطبيعة المناقشات والسجالات الجارية لدى النخبة السياسية والفكرية في العراق على مدى الأيام الماضية.
ففي حين يتخوّف الشيعة العراقيون من تمدّد «طالبان» عند حدود إيران، ما قد يؤدي إلى إشغال إيران بطرف سنّي متشدد عند حدودها الشرقية، فإنهم شكّلوا جيشاً موازياً للجيش العراقي الذي لم يصمد أمام «داعش» عند احتلال التنظيم للأراضي العراقية... وتحديداً، المحافظات الغربية ذات الغالبية السنّية. هذا الجيش الموازي (طبعاً) هو «الحشد الشعبي» الذي أُسس بناء على فتوى من المرجع الشيعي الأعلى في العراق آية الله علي السيستاني.
أما اليوم، وطبقاً لتطورات الأحداث الأخيرة في أفغانستان، فيمكن القول إنه بينما كانت إيران منهمكة ببناء ما أسماه العاهل الأردني الملك عبد الله «الهلال الشيعي» ظل وجود «داعش» في مناطق غرب العراق خطراً قائماً يتهدد البلاد، ولا يزال التحالف الدولي قائماً لمحاربته من دون تحقيق نتائج مهمة. وفي المقابل، يرى كثيرون أن وجود «طالبان» إلى الشرق من إيران، ربما يكون قد ضاعف من المخاوف الشيعية داخل كل من العراق وإيران. وفي هذا السياق، لا يزال العراقيون، الذين يتأهبون لاستضافة «قمة الجوار الإقليمي» نهاية الشهر الحالي والتصويت في انتخابات ما زال موعد إجرائها قلقاً في الشهر العاشر المقبل، منشغلين بالحدث الأفغاني وتداعياته.

هواجس أم مخاوف!
لقد تمحورت النقاشات بين ما يدخل في باب المخاوف مرة، والهواجس مرة أخرى. ومقابل مَن يرى أن هناك إمكانية لتكرار «السيناريو الأفغاني» في العراق، ثمة آخرون يرون أن أفغانستان ليست العراق، وبالتالي لا مجال لتكرار مثل هذا السيناريو. كذلك، يوجد الذين ينظرون إلى إمكانية تمدد «داعش» من جديد فيما لو شكلت «طالبان» هاجساً للأمن الإيراني (المرتبط مع العراق طبقاً للفصائل التي يطلق عليها في العراق الفصائل الولائية)، وفي الجانب الآخر، هناك الذين يعتقدون أن المقاربة تبقى بعيدة، بل بعيدة جداً.
غير أن بُعد المقاربة أو قربها يبقى هو الآخر موضع سجال بين الأطراف العراقية. إذ كثرة من الشيعة يرون أن «الحشد الشعبي» سيبقى هو المؤسسة القادرة على وأد أي تحرك لـ«داعش» من جديد. في حين يرى العرب السنة أن المؤسسة العسكرية العراقية يجب أن تظل هي الضمانة مع وجود التحالف الدولي وبقاء القوات الأميركية في العراق على الرغم من اتفاق الحكومة العراقية - طبقاً للحوار الاستراتيجي - على بدء انسحابها من العراق.
العرب السنة، ومعهم الكرد، يرون أن هذا الانسحاب جاء تحت ضغط الفصائل المسلحة مرة، وطبقاً لرغبة الأميركيين في ترك المنطقة مرة أخرى. ولأن الحدث الأفغاني ما زال طازجاً فإن كل النقاشات صبّت وتصب في سياق ما حصل وما يمكن توقعه خلال الفترة المقبلة.
النخبة السياسية الشيعية كانت تخشى ما يمكن أن يترتّب على هزيمة الحكومة الأفغانية وسيطرة «طالبان» التي لها حلف قديم مع «القاعدة»، وربما مع «داعش»، من نتائج وآثار على العلاقة مع إيران. أما النخبة السياسية السنّية فبدا موقفها مختلفاً أول الأمر لجهة انتظار ما يمكن أن يحصل، بينما تبرع أحد رجال الدين السنة العراقيين بكتابة مقال على شبكة الإنترنت، طمأن فيه الجميع بأن «طالبان» أفغانستان حركة تؤمن بالاعتدال، وهي لا تشبه حركة «طالبان باكستان». وأردف أنها حين تقيم «إمارتها» في أفغانستان لن تكون مصدر أذى لأحد، ولا سيما الجيران. غير أنه في اليوم الذي سيطرت فيه الحركة على القصر الرئاسي، وبعدما قام بعض منتسبيها بإنزال الرايات الحسينية المرفوعة في بعض شوارع مزار الشريف حيث تكثر هناك الطائفة الشيعية فإن أحد قياديي الحركة المعروفين سرعان ما حضر مجلس عزاء حسيني هناك واعتذر عما حصل.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن أفراد الحركة أنفسهم رفعوا تلك الرايات ثانية. وعندها تغيّر المشهد في كابُل والنقاش في بغداد. وحقاً، مع أن «طالبان» بدت بالفعل بنسخة جديدة، لكن ما بدا ليس مثلما كانت في ذهن رجل الدين السنّي الذي حاول طمأنة الشيعة بأن «طالبان» ستكون مرنة كثيراً في الحكم. ومن ثم، فإن النسخة الجديدة لـ«طالبان» هي التي حوّلت مسار النقاش بين النخب السياسية والفكرية السنّية والنخب السياسية والفكرية الشيعية... إلى مساعٍ من النخب الشيعية لطمأنة النخب السنّية إلى أن «طالبان»، التي بدا أنها تقترب من طهران، لن تكون شبيهة بـ«القاعدة»، ومن بعدها «داعش». ويذكر أن هذين التنظيمين قتلا من العرب السنة في العراق أكثر بكثير مما قتلا من سواهم من أبناء الأديان والمذاهب الأخرى في العراق.

هموم الكاظمي
في سياقٍ متصل، قبيل أحداث أفغانستان وبعد تنصيب إبراهيم رئيسي رئيساً لإيران، جاءت دعوة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى مؤتمر «قمة دول الجوار الإقليمي» يعقد في بغداد، وتشارك فيه فرنسا، بمثابة ضربة معلم في وقت حرج. فالكاظمي يخوض في الداخل العراقي حرباً مع عدة قوى في آن واحد. فبالنسبة للوجود الأميركي يخوض رئيس الوزراء معركة تبدو أنها مفتوحة ضد الفصائل المسلحة. وعلى مستوى المواجهة والتعايش مع الكتل السياسية فإن الكاظمي وجد نفسه بلا معين بعدما بدأ أولى خطوات الإصلاح، بدءاً من تشكيل «لجنة لمكافحة الفساد»، التي أراد الجميع ألا تقترب منهم. وعلى صعيد الانتخابات، ومع أنه حدد موعدها وأكمل كل مستلزمات تنظيمها، فإن خصومه يشكون في دوافعه على الرغم من أنه ليس مرشحاً لها.
أما في الخارج، فالعكس هو الصحيح، إذ إن الأوراق التي يلعب بها الكاظمي تبدو كلها لصالحه. فهو، بداية، تمكن من تأسيس علاقات متوازنة مع واشنطن، إذ إنه زار خلال سنة واحدة من حكمه البيت الأبيض مرتين، وفي عهدين مختلفين (عهدي الرئيسين الجمهوري دونالد ترمب، والديمقراطي جو بايدن).
كذلك، فإن علاقة رئيس الوزراء العراقي بدول المنطقة بدت سالكة وجيدة إلى حد كبير، بلغ المستوى الذي جعله مؤهلاً لنقل رسائل ولعب دور الوساطات. والآن، وهو على أبواب نهاية عهده، فيما لو أجريت الانتخابات - وبعيداً عما إذا كان سيجدد له مع أن فرصه جيدة - فإن دعوته إلى مؤتمر القمة في بغداد... وتفاعل الدول المجاورة والأخرى الإقليمية معه جعلاه في وضع مريح حيال خصومه.
صحيح أن أياً من القوى السياسية التي تخاصم الكاظمي لم تعترض على القمة، ربما لأنها تشعر أن من الصعب بالنسبة لها إيجاد مبررات للاعتراض، لكن الثغرة التي وجدتها القوى المعارضة للكاظمي، ورأت أن بإمكانها النفاذ منها لتوجيه انتقادات للقمة هي الإحجام عن دعوة سوريا إلى القمة. وكان جوهر الانتقاد الامتناع عن دولة مجاورة للعراق، بينما تُدعى فرنسا وقطر، وهما دولتان ليستا مجاورتين للعراق.
من جهته، الكاظمي، وفي سبيل توضيح المقاصد والأهداف، أوفد رئيس هيئة «الحشد الشعبي» فالح الفياض لينقل رسالة إلى الرئيس السوري بشار الأسد بشأن مبرّرات عدم دعوة الأسد إلى القمة. والمفارقة أن الرئيس السوري - وطبقاً لوكالات الأنباء السورية - قدّر موقف العراق واقتنع بالمبرّرات، لكن معارضي الكاظمي العراقيين لا يزالون يواصلون انتقاداتهم لرفضه دعوة نظام دمشق.
مع ذلك، فإن المؤشرات تؤكد أن القمة المقررة ستعقد، ومن المقرر أن تكون مستجدات الأوضاع الجديدة (تنصيب رئيسي ووصول «طالبان» إلى السلطة في كابُل) من القضايا التي ستأخذ حيزاً كبيراً من الاهتمام، على الأقل، عراقياً. ذلك أنه، في نهاية المطاف، يبحث العراق الآن عن الاستقرار، وأحد أوجه هذا الاستقرار هي مشاركة «دول الجوار الإقليمي» في القمة المقررة، التي لا خلاف على أنها حدث مهم وجارٍ الإعداد له في الأروقة الحكومية الرسمية في بغداد بعناية. والمأمول بلا شك من القمة أن تضع العراق على طريق جديد... ولا سيما إذا أجريت الانتخابات في ظل رقابة دولية فاعلة.

«قمة دول الجوار الإقليمي»
> «قمة دول الجوار الإقليمي» مقرر عقدها في بغداد بنهاية أغسطس (آب).
> ستركز القمة على إرساء الأمن في العراق والمنطقة الإقليمية وبناء شراكات اقتصادية.
> سلّم العراق دعوات رسمية لحضور القمة إلى قادة كل من تركيا وإيران والمملكة العربية السعودية ومصر والأردن وقطر والكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة.
> من خارج دول الجوار، سيشارك في فعاليات القمة، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى جانب ممثلين عن الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، والأمين العام لجامعة الدول العربية، والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي.



الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.