العراق يتأهب عبر «قمة بغداد» لاختبار قدراته في مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي

العراق يتأهب عبر «قمة بغداد» لاختبار قدراته في مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي

بعد تولّي إبراهيم رئيسي الرئاسة في إيران... وسيطرة «طالبان» على أفغانستان
السبت - 13 محرم 1443 هـ - 21 أغسطس 2021 مـ رقم العدد [ 15607]

على الرغم من الانتقادات الشديدة التي وجّهها أخيراً وزير الموارد المائية العراقي مهدي رشيد الحمداني بشأن سلوك إيران المائي بقطع المياه عن العراق، فإن تنصيب الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي كان مناسبة لانشغال مواقع التواصل الاجتماعي المحلية بسلسلة الوفود العراقية التي شاركت في العاصمة الإيرانية طهران باحتفال تنصيب الرئيس الجديد. ومن جهتها، فإن وزارة الكهرباء العراقية، التي استقال وزيرها في ذروة اشتداد أزمة الكهرباء في البلاد بعد قطع إيران إمدادات الغاز والكهرباء عن العراق، تبدو أكثر مجاملة للسلوك الكهربائي لإيران حيال العراق، إذ إنها تقدم دائماً حجة جاهزة، وهي الديون التي تبلغ مليارات الدولارات المترتبة لإيران بذمة العراق... ومن ثم لا أحد «يزعل» من إيران.

إيران التي أرسلت كالعادة دعوات إلى دول العالم لإرسال شخصية أو شخصيات رسمية تمثلها في مراسم تنصيب رئيسها الجديد، فإنها كالعادة ترسل إلى العراق سلسلة دعوات لعدد من كبار المسؤولين والزعامات بحيث تسافر وفود كثيرة، وليس وفداً عراقياً رسمياً واحداً... ليؤدي ما يفترض أنه مجرد واجب بروتوكولي.

وبالتالي، لدى انشغال وسائل التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا) بانتقاد كثرة المسؤولين العراقيين المغادرين إلى إيران - زُرافات ووحداناً - لحضور «زفة» رئيسي، فإن تبرير المدعوين هو أن إيران هي التي وجّهت لهم دعوات شخصية. وهو ما يعني واقعياً، أنه بينما تدّعي إيران أنها حريصة على إقامة علاقات جيدة، بل متينة مع العراق كدولة، فإنها في الوقت نفسه وفي المقابل، تحرص على بناء علاقات موازية مع أطراف وقوى وشخصيات معينة في الدولة العراقية.

من جهة ثانية، على الرغم من أن العلاقة العراقية - الإيرانية بقيت طوال السنوات الـ18 الماضية محصورة في سياق الموقف من الوجود الأميركي في العراق، فإن التطورات الجديدة في الشرق الأوسط بدأت تشغل اهتمامات العراقيين، سواء أكانوا رسميين أم مواطنين عاديين أم مدونين أم مراقبين أم محللين. وبطبيعة الحال، في طليعة هذه التطورات إعلان واشنطن مباشرتها سحب قواتها القتالية من العراق، وانسحابها الدراماتيكي من أفغانستان... الأمر الذي سهّل بصورة غير متوقعة دخول مسلحي «حركة طالبان» العاصمة كابُل، واحتلال القصر الرئاسي، ومغادرة الرئيس الأفغاني أشرف غني أحمد زي الرئيس الأفغاني، الذي كان مدعوماً - بل مُنصّباً - من واشنطن.


«طالبان»... حسابات وتوقعات

قبل سقوط العاصمة الأفغانية كابُل في أيدي عناصر «حركة طالبان»، بالطريقة المدهشة والمثيرة للجدل التي شاهدها العالم، كان العراقيون منشغلين بهمّ آخر.

إنه همّ بما يمكن أن يترتب على «قمة الجوار الإقليمي العراقي» المقرّر انعقادها يوم 28 أغسطس (آب) الحالي في بغداد من مُخرجات. وهذه المخرجات، في الغالب، ليست في حساب الهوية الوطنية بقدر ما هي حسابات متباينة لقوى وأحزاب وكتل وقيادات وزعامات تحشد كل قواها للانتخابات المبكرة المقبلة. وهو الأمر الذي يجعل هذه القوى تنظر إلى هذه القمة من زاوية مدى استفادة الحكومة الحالية، ممثلة برئيسها مصطفى الكاظمي، من هذه القمة... وليس العراق كدولة. إذ إن خصوم مصطفى الكاظمي - وهم كثر - يرون أن «قمة بغداد» تحظى بدعم كل من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، هذا مع أن الجميع يعرف أن الرؤيتين الأميركية والفرنسية مختلفتان حيال ما يجري في المنطقة، ومنها الأوضاع في العراق.

ثم إن كان الحدث الأفغاني بدا طارئاً وغير قابل للاستيعاب في لحظاته الأولى، فإن القوى المعارضة للوجود الأميركي في العراق، وهي قوى وفصائل مقرّبة، وبعضها موالية لإيران، ترفض المقاربة الأفغانية بالقياس إلى العراقية. ذلك أن هذه الجماعات ترى أن واشنطن هُزمت في أفغانستان، إلا أنها لا تزال باقية في العراق. وفي حين لم تُطلق أي رصاصة على القوات الأميركية في أفغانستان منذ سنوات... فإن الصواريخ والطائرات المُسيّرة التي تملكها الفصائل المسلحة في العراق تتساقط بين آونة وأخرى على القواعد التي يتمركز فيها عسكريون أميركيون في العراق دون أي إصابات تذكر. وفي هذا السياق، نشير إلى أن العسكريين الأميركيين هم الذين تولوا في عهد جو بايدن على الأقل الرد مرتين على هذه الفصائل، وكان الرد قاسياً. أما في عهد دونالد ترمب، فبينما ردّت القوات الأميركية عدة مرات على الفصائل وأوقعت بها خسائر في الأرواح والمعدات، فإن الغارة الأميركية التي قتلت قرب مطار بغداد الدولي - أوائل عام 2020 - قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني، كانت ضربة قاصمة، لم تكن سلسلة الردود الإيرانية بمستواها.

مع ذلك، فإن الحدث الأفغاني الذي سرق الأضواء من اهتمامات العراقيين، سواء بالانتخابات أو القمة المنتظرة، بات ينظر إليه الآن عراقياً على مستوى التطورات المستقبلية، وبالأخص أن «حركة طالبان» بدأت تقدم نفسها على أنها «حركة معتدلة»، خاصة أن أفغانستان ترتبط بعلاقات حدودية طويلة جداً مع إيران، تقرب من 1000 كيلومتر.


«داعش»... الحاضر دائماً

على صعيد آخر، وعلى الرغم من الأخبار المتداولة بشأن «طالبان» بنسختها الجديدة، ومنها القول إنها ليست رديفة لتنظيم «القاعدة» كما إنها ليست هي «طالبان باكستان»، ما كان هذا كافياً لتبديد المخاوف بشأن سلوكها المستقبلي المرتقب في المنطقة.

صحيح أن العراق بعيد عن أفغانستان جغرافياً، لكنه ليس بعيداً عن إيران... جغرافياً أو سياسياً. ولمّا كانت حركات «الإسلام السياسي» المتشدد تصنف على أنها ذات مرجعية سنّية «فقهياً وعقائدياً»، سواء «القاعدة»، ومن بعدها «داعش» أو «طالبان»، فإن الخوف بدا مزدوجاً تبعاً لطبيعة المناقشات والسجالات الجارية لدى النخبة السياسية والفكرية في العراق على مدى الأيام الماضية.

ففي حين يتخوّف الشيعة العراقيون من تمدّد «طالبان» عند حدود إيران، ما قد يؤدي إلى إشغال إيران بطرف سنّي متشدد عند حدودها الشرقية، فإنهم شكّلوا جيشاً موازياً للجيش العراقي الذي لم يصمد أمام «داعش» عند احتلال التنظيم للأراضي العراقية... وتحديداً، المحافظات الغربية ذات الغالبية السنّية. هذا الجيش الموازي (طبعاً) هو «الحشد الشعبي» الذي أُسس بناء على فتوى من المرجع الشيعي الأعلى في العراق آية الله علي السيستاني.

أما اليوم، وطبقاً لتطورات الأحداث الأخيرة في أفغانستان، فيمكن القول إنه بينما كانت إيران منهمكة ببناء ما أسماه العاهل الأردني الملك عبد الله «الهلال الشيعي» ظل وجود «داعش» في مناطق غرب العراق خطراً قائماً يتهدد البلاد، ولا يزال التحالف الدولي قائماً لمحاربته من دون تحقيق نتائج مهمة. وفي المقابل، يرى كثيرون أن وجود «طالبان» إلى الشرق من إيران، ربما يكون قد ضاعف من المخاوف الشيعية داخل كل من العراق وإيران. وفي هذا السياق، لا يزال العراقيون، الذين يتأهبون لاستضافة «قمة الجوار الإقليمي» نهاية الشهر الحالي والتصويت في انتخابات ما زال موعد إجرائها قلقاً في الشهر العاشر المقبل، منشغلين بالحدث الأفغاني وتداعياته.


هواجس أم مخاوف!

لقد تمحورت النقاشات بين ما يدخل في باب المخاوف مرة، والهواجس مرة أخرى. ومقابل مَن يرى أن هناك إمكانية لتكرار «السيناريو الأفغاني» في العراق، ثمة آخرون يرون أن أفغانستان ليست العراق، وبالتالي لا مجال لتكرار مثل هذا السيناريو. كذلك، يوجد الذين ينظرون إلى إمكانية تمدد «داعش» من جديد فيما لو شكلت «طالبان» هاجساً للأمن الإيراني (المرتبط مع العراق طبقاً للفصائل التي يطلق عليها في العراق الفصائل الولائية)، وفي الجانب الآخر، هناك الذين يعتقدون أن المقاربة تبقى بعيدة، بل بعيدة جداً.

غير أن بُعد المقاربة أو قربها يبقى هو الآخر موضع سجال بين الأطراف العراقية. إذ كثرة من الشيعة يرون أن «الحشد الشعبي» سيبقى هو المؤسسة القادرة على وأد أي تحرك لـ«داعش» من جديد. في حين يرى العرب السنة أن المؤسسة العسكرية العراقية يجب أن تظل هي الضمانة مع وجود التحالف الدولي وبقاء القوات الأميركية في العراق على الرغم من اتفاق الحكومة العراقية - طبقاً للحوار الاستراتيجي - على بدء انسحابها من العراق.

العرب السنة، ومعهم الكرد، يرون أن هذا الانسحاب جاء تحت ضغط الفصائل المسلحة مرة، وطبقاً لرغبة الأميركيين في ترك المنطقة مرة أخرى. ولأن الحدث الأفغاني ما زال طازجاً فإن كل النقاشات صبّت وتصب في سياق ما حصل وما يمكن توقعه خلال الفترة المقبلة.

النخبة السياسية الشيعية كانت تخشى ما يمكن أن يترتّب على هزيمة الحكومة الأفغانية وسيطرة «طالبان» التي لها حلف قديم مع «القاعدة»، وربما مع «داعش»، من نتائج وآثار على العلاقة مع إيران. أما النخبة السياسية السنّية فبدا موقفها مختلفاً أول الأمر لجهة انتظار ما يمكن أن يحصل، بينما تبرع أحد رجال الدين السنة العراقيين بكتابة مقال على شبكة الإنترنت، طمأن فيه الجميع بأن «طالبان» أفغانستان حركة تؤمن بالاعتدال، وهي لا تشبه حركة «طالبان باكستان». وأردف أنها حين تقيم «إمارتها» في أفغانستان لن تكون مصدر أذى لأحد، ولا سيما الجيران. غير أنه في اليوم الذي سيطرت فيه الحركة على القصر الرئاسي، وبعدما قام بعض منتسبيها بإنزال الرايات الحسينية المرفوعة في بعض شوارع مزار الشريف حيث تكثر هناك الطائفة الشيعية فإن أحد قياديي الحركة المعروفين سرعان ما حضر مجلس عزاء حسيني هناك واعتذر عما حصل.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن أفراد الحركة أنفسهم رفعوا تلك الرايات ثانية. وعندها تغيّر المشهد في كابُل والنقاش في بغداد. وحقاً، مع أن «طالبان» بدت بالفعل بنسخة جديدة، لكن ما بدا ليس مثلما كانت في ذهن رجل الدين السنّي الذي حاول طمأنة الشيعة بأن «طالبان» ستكون مرنة كثيراً في الحكم. ومن ثم، فإن النسخة الجديدة لـ«طالبان» هي التي حوّلت مسار النقاش بين النخب السياسية والفكرية السنّية والنخب السياسية والفكرية الشيعية... إلى مساعٍ من النخب الشيعية لطمأنة النخب السنّية إلى أن «طالبان»، التي بدا أنها تقترب من طهران، لن تكون شبيهة بـ«القاعدة»، ومن بعدها «داعش». ويذكر أن هذين التنظيمين قتلا من العرب السنة في العراق أكثر بكثير مما قتلا من سواهم من أبناء الأديان والمذاهب الأخرى في العراق.


هموم الكاظمي

في سياقٍ متصل، قبيل أحداث أفغانستان وبعد تنصيب إبراهيم رئيسي رئيساً لإيران، جاءت دعوة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى مؤتمر «قمة دول الجوار الإقليمي» يعقد في بغداد، وتشارك فيه فرنسا، بمثابة ضربة معلم في وقت حرج. فالكاظمي يخوض في الداخل العراقي حرباً مع عدة قوى في آن واحد. فبالنسبة للوجود الأميركي يخوض رئيس الوزراء معركة تبدو أنها مفتوحة ضد الفصائل المسلحة. وعلى مستوى المواجهة والتعايش مع الكتل السياسية فإن الكاظمي وجد نفسه بلا معين بعدما بدأ أولى خطوات الإصلاح، بدءاً من تشكيل «لجنة لمكافحة الفساد»، التي أراد الجميع ألا تقترب منهم. وعلى صعيد الانتخابات، ومع أنه حدد موعدها وأكمل كل مستلزمات تنظيمها، فإن خصومه يشكون في دوافعه على الرغم من أنه ليس مرشحاً لها.

أما في الخارج، فالعكس هو الصحيح، إذ إن الأوراق التي يلعب بها الكاظمي تبدو كلها لصالحه. فهو، بداية، تمكن من تأسيس علاقات متوازنة مع واشنطن، إذ إنه زار خلال سنة واحدة من حكمه البيت الأبيض مرتين، وفي عهدين مختلفين (عهدي الرئيسين الجمهوري دونالد ترمب، والديمقراطي جو بايدن).

كذلك، فإن علاقة رئيس الوزراء العراقي بدول المنطقة بدت سالكة وجيدة إلى حد كبير، بلغ المستوى الذي جعله مؤهلاً لنقل رسائل ولعب دور الوساطات. والآن، وهو على أبواب نهاية عهده، فيما لو أجريت الانتخابات - وبعيداً عما إذا كان سيجدد له مع أن فرصه جيدة - فإن دعوته إلى مؤتمر القمة في بغداد... وتفاعل الدول المجاورة والأخرى الإقليمية معه جعلاه في وضع مريح حيال خصومه.

صحيح أن أياً من القوى السياسية التي تخاصم الكاظمي لم تعترض على القمة، ربما لأنها تشعر أن من الصعب بالنسبة لها إيجاد مبررات للاعتراض، لكن الثغرة التي وجدتها القوى المعارضة للكاظمي، ورأت أن بإمكانها النفاذ منها لتوجيه انتقادات للقمة هي الإحجام عن دعوة سوريا إلى القمة. وكان جوهر الانتقاد الامتناع عن دولة مجاورة للعراق، بينما تُدعى فرنسا وقطر، وهما دولتان ليستا مجاورتين للعراق.

من جهته، الكاظمي، وفي سبيل توضيح المقاصد والأهداف، أوفد رئيس هيئة «الحشد الشعبي» فالح الفياض لينقل رسالة إلى الرئيس السوري بشار الأسد بشأن مبرّرات عدم دعوة الأسد إلى القمة. والمفارقة أن الرئيس السوري - وطبقاً لوكالات الأنباء السورية - قدّر موقف العراق واقتنع بالمبرّرات، لكن معارضي الكاظمي العراقيين لا يزالون يواصلون انتقاداتهم لرفضه دعوة نظام دمشق.

مع ذلك، فإن المؤشرات تؤكد أن القمة المقررة ستعقد، ومن المقرر أن تكون مستجدات الأوضاع الجديدة (تنصيب رئيسي ووصول «طالبان» إلى السلطة في كابُل) من القضايا التي ستأخذ حيزاً كبيراً من الاهتمام، على الأقل، عراقياً. ذلك أنه، في نهاية المطاف، يبحث العراق الآن عن الاستقرار، وأحد أوجه هذا الاستقرار هي مشاركة «دول الجوار الإقليمي» في القمة المقررة، التي لا خلاف على أنها حدث مهم وجارٍ الإعداد له في الأروقة الحكومية الرسمية في بغداد بعناية. والمأمول بلا شك من القمة أن تضع العراق على طريق جديد... ولا سيما إذا أجريت الانتخابات في ظل رقابة دولية فاعلة.


«قمة دول الجوار الإقليمي»

> «قمة دول الجوار الإقليمي» مقرر عقدها في بغداد بنهاية أغسطس (آب).

> ستركز القمة على إرساء الأمن في العراق والمنطقة الإقليمية وبناء شراكات اقتصادية.

> سلّم العراق دعوات رسمية لحضور القمة إلى قادة كل من تركيا وإيران والمملكة العربية السعودية ومصر والأردن وقطر والكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة.

> من خارج دول الجوار، سيشارك في فعاليات القمة، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى جانب ممثلين عن الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، والأمين العام لجامعة الدول العربية، والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي.


العراق أخبار العراق

اختيارات المحرر

فيديو