مصر تطوي حقبة الصحف المسائية

أعداد سابقة من صحف «الأخبار المسائي» قبل قرار التوقف عن طباعتها في مصر
أعداد سابقة من صحف «الأخبار المسائي» قبل قرار التوقف عن طباعتها في مصر
TT

مصر تطوي حقبة الصحف المسائية

أعداد سابقة من صحف «الأخبار المسائي» قبل قرار التوقف عن طباعتها في مصر
أعداد سابقة من صحف «الأخبار المسائي» قبل قرار التوقف عن طباعتها في مصر

ودعت مصر أخيراً حقبة الصحف المسائية عقب قرار الهيئة الوطنية للصحافة في مصر تحويلها إلى نسخ إلكترونية، وهو ما أحدث حالة من التباين بعدما انقسم الصحافيون بين مؤيد للقرار ومعارض له. فبينما رأى خبراء مصريون أن قرار وقف طباعة الصحف المسائية قد يمتد لإصدارات رسمية أخرى، أعرب آخرون عن أملهم في أن يكون القرار مرحلياً، وشددوا على أن الصحافة الورقية باقية مستمرة، على الرغم من الظروف التي تحيط بها.
الهيئة الوطنية للصحافة، المسؤولة عن إدارة المؤسسات الصحافية المملوكة للدولة المصرية، قررت تحويل إصدارات صحف «الأهرام المسائي» التي تصدر عن مؤسسة «الأهرام»، و«الأخبار المسائي» الصادرة عن مؤسسة «أخبار اليوم»، و«المساء» التي تصدر عن مؤسسة «دار التحرير للطبع والنشر»، إلى إصدارات إلكترونية، ووقف طباعتها في 15 يوليو (تموز) الماضي. وتعليقاً على هذه الخطوة، قالت الدكتورة ليلى عبد المجيد، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، لـ«الشرق الأوسط» إن «الصحافة تعاني من مشكلات اقتصادية، وتشهد بعض الإصدارات انخفاض التوزيع وضعف الإعلانات، وهي المورد الرئيسي للدخل، إضافة إلى مشكلات الديون والمنافسة مع المنصات الرقمية وارتفاع أسعار الورق، وهو ما جعل الوضع صعباً، ولعل هذه الأسباب أو بعضها أدت لقرار وقف الطباعة». وأردفت: «هذه المسألة ليست متعلقة بمصر فقط، فقد شاهدنا وقف وإغلاق عدد من الصحف الورقية حول العالم».
ومن جهته، تحفظ فتحي أبو حطب، الخبير الإعلامي، على القرار، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «القرار لم يوضح أسباب ومعايير توقف الإصدارات، كما أنه لم يطبق على جميع الصحف الورقية التي تشرف عليها الهيئة الوطنية للصحافة، والتي تعاني من الأزمات نفسها، وهو ما يفقد القرار موضوعيته، فالصحف المسائية ليست الإصدارات الوحيدة التي تواجه أزمات مالية وتراجعاً في التوزيع والتأثير، ثم إن الجانب المتعلق بالتحول الرقمي أفقد القرار واقعيته وجديته، كون الصحف التي تقرر وقف صدورها لا تمتلك مواقعها الخاصة المؤهلة تقنياً، وهو ما يعني أن تحولها الرقمي مستحيل».
واستطرد: «القرار يخلو من الأرقام، وكان يجب نشر أرقام جميع الصحف، الصباحية والمسائية. ربما تكون الصحف المسائية الأقل توزيعاً، لكن هذا لا يعني أن خسائرها هي الأعلى بين باقي الصحف، إضافة إلى أن القرار لم يذكر التجارب الرقمية والورقية الناجحة التي حققتها مؤسسات الهيئة الوطنية للصحافة، والتي يسعى إلى تطبيقها».
ومن ثم، تساءل أبو حطب عما إذا كانت «تكلفة الطباعة هي الجزء الأكبر من خسائر هذه الصحف، وإذا كان توزيع هذه الصحف ضعيفاً، فهي تطبع عدداً قليلاً من النسخ، ما يعني أن تكلفة الطباعة ليست الجزء الأكبر من ميزانيتها، إذ هناك رواتب وتكلفة تشغيل أخرى ما زالت مستمرة. وبالتالي، إذا كان وقف الطباعة محاولة لتقليل الخسائر المالية، وتطوير الصحيفة لتحقيق عائد مادي، فهذا يعني مزيداً من الاستثمار في التحول الرقمي الذي لم نر مؤشراته حتى الآن!».
ولا شك أن الصحافة الورقية في العالم تعاني من أزمات مالية فاقمتها جائحة «كوفيد - 19». ووفقاً لدراسة نشرها مركز «بيو» الأميركي للأبحاث نهاية يونيو (حزيران) الماضي، عن حال الصحف في الولايات المتحدة الأميركية، فإن «الصحف الورقية التي تشكل عنصراً مهماً من سوق الإعلام الأميركي تعرضت لضربات قاسية مع زيادة استهلاك الأخبار إلكترونياً، وتراجعت العائدات المالية وقاعدة الاشتراكات منذ بدايات الألفية الثانية، مع تزايد نمو زيارات المواقع الإلكترونية». ووفق الدراسة، فقد «تراجع توزيع الصحف اليومية بنسبة 19 في المائة، بينما تراجع توزيع الصحف الأسبوعية بنسبة 14 في المائة، ومن المتوقع استمرار التراجع».

تحدي المحتوى
الصحافي عماد الدين حسين، رئيس تحرير صحيفة «الشروق» الخاصة، تخوف خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» من أن يمتد القرار لإصدارات أخرى، قائلاً: «من الوارد أن يتكرر ما حدث مع الصحف المسائية في إصدارات وصحف أخرى ورقية، لو استمرت الظروف نفسها التي أدت إلى قرار وقف طبع الصحف المسائية». وأردف: «ضروري أن نتعامل مع القرار في إطاره الطبيعي، فعند تغيير رؤساء تحرير الصحف القومية، تم وضع الصحف المسائية تحت رئاسة رؤساء تحرير المواقع الإلكترونية، وكان هذا تمهيداً لوقف نسختها الورقية». وتابع: «أسباب القرار واضحة، فالصحف تعاني أزمات مالية، والصحف المسائية الآن لم تعد مسائية، فهي تصدر في توقيت الصحف الصباحية نفسه، وتقدم المحتوى ذاته. وعليه، فحل أزمة الصحافة يكمن في تقديم محتوى جيد قادر على جذب القراء، سواء ورقياً أو إلكترونياً، لأن المحتوى غير الجاذب سيندثر».
وبدوره، قال الصحافي عبد السلام فاروق، مدير تحرير صحيفة «الأهرام المسائي»، أحد الإصدارات التي شملها قرار الوقف، لـ«الشرق الأوسط» إن «ثمن التأخر عن اللحاق بركب التطوير الرقمي والإلكتروني كان باهظاً على الصحافة الورقية في مصر، فغالبية القراء، خاصة الشباب، لا يطالعون الورق، ونحن نعيش عصر ما بعد العولمة، وهو عصر له أدواته وقراؤه». وأضاف: «أحد أسباب هذا التأخر متعلقة بالصحافيين من جيلي الذين أمضوا حياتهم في الصحف الورقية، وعجزوا عن التكيف مع متغيرات العصر، ومن لا يتكيف مع العصر يموت». ووفق فاروق، فإن «الصحف المسائية أضاعت فرصة حقيقية للتكيف. فقبل سنة، صدر قرار تعيين رؤساء الصحف القومية الذي تضمن وضع الصحف المسائية تحت رئاسة رؤساء تحرير البوابات الرقمية للمؤسسات. ومع ذلك، لم تنجح هذه الصحف في التكيف لأن الغالبية الكاسحة من العاملين فيها ما زالت تنتمي إلى الماضي».

غضب واسع
قرار توقف طباعة الصحف المسائية أغضب كثيراً من الصحافيين المصريين وأساتذة الإعلام، فكتبوا تدوينات على حساباتهم الشخصية بمواقع التواصل الاجتماعي، أعربوا فيها عن «تحفظهم على وقف الصحف التي شكلت جزءاً مهماً من تاريخ مصر». فكتب الصحافي جمال عبد الرحيم، وكيل نقابة الصحافيين المصريين السابق، إن «الصحافة الورقية في مأزق خطير، تصارع من أجل البقاء، بسبب التطور التكنولوجي، وارتفاع أسعار الورق ومواد الطباعة، والأزمات الاقتصادية»، متمنياً «دعم الصحف الورقية والحفاظ عليها». وكتب الدكتور عبد الله زلطة، أستاذ الصحافة بكلية الآداب في جامعة بنها: «يوم 15 يوليو (تموز) الماضي، احتجبت (المساء)، أشهر جريدة مسائية في مصر». ووصلت الاعتراضات إلى البرلمان المصري، حيث أعلن عدد من أعضاء مجلسي «النواب والشيوخ» رفضهم لقرار وقف طباعة صحيفة «المساء»، بصفتها رائدة الصحافة المسائية.
أما الصحافي ياسر التلاوي، نائب رئيس تحرير صحيفة «المساء»، فقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «يرفض قرار وقف النسخة الورقية لأن (المساء) ليست الجريدة الخاسرة التي تستحق وقف طباعتها، بل يصل التوزيع اليومي للصحيفة إلى 30 ألف نسخة، ويزيد إلى 35 ألفاً في أيام المباريات الكبرى والمناسبات، ما يعني أن الجريدة قد حافظت على وجودها في الشارع المصري، على الرغم من المنافسة مع المواقع الإلكترونية والفضائيات».
وأضاف أن «هذا النجاح تحقق بإصرار العاملين في الجريدة، والصحافيين الذين لا يتجاوز عددهم 136 صحافياً وصحافية، على الرغم من ضعف الإمكانيات»، موضحاً أن «الجريدة حققت عائدات إعلانية تجاوزت 11 مليون جنيه مصري خلال الأشهر الخمس الأخيرة». وللعلم، يعود تاريخ تأسيس «المساء» إلى عام 1956، وتعد أشهر الصحف المسائية في مصر، بينما أسست جريدة «الأهرام المسائي» عام 1991.
وعلى الرغم من اعتراض التلاوي على القرار، فإنه يؤكد استعداده للمنافسة في الفضاء الإلكتروني «لأن مدرسة (المساء) الصحافية في العناوين والمحتوى قادرة على جذب جمهور المواقع الإلكترونية». وفي المقابل، يعتقد أبو حطب أن «فكرة التحول الرقمي لهذه النوعية من الصحف ما تزال غير واضحة، خاصة أن أول إشارة على هذا التحول كان الإعلان في صحيفة (الجمهورية) عن إمكانية طلب نسخة صحيفة (المساء) بصيغة (بي دي إف) عن طريق رسائل (الواتساب)، وهو ما يعني أن هذه الصحف ما زالت متمسكة بالنسخة الورقية، ولا يوجد جدية في تحولها الرقمي، والمسألة فقط إيقاف الطبع».
وهنا، يقول حسين إن «فكرة توزيع الصحيفة بصيغة (بي دي إف) محاولة لامتصاص الغضب، وهي بالتأكيد ليست الفيصل في التحول الرقمي، والنجاح مرتبط بتقديم محتوى جاذب قادر على جذب القراء والمعلنين»، موضحاً أنه «لن يكون لهذه الصحف مواقع منفصلة، بل ستدمج في المواقع الإلكترونية لمؤسساتها، ويقدم الصحافيون ما ينتجونه من محتوى للنشر في هذه البوابات الإلكترونية».
ووسط حالة الجدل والتأكيد على أن الصحافة الورقية باقية، مع «ضرورة إيجاد حلول بديلة لعلاج أزماتها»، أعربت الدكتورة عبد المجيد عن أملها في أن «يكون قرار وقف طباعة الصحف المسائية مرحلياً مؤقتاً، وأن تعود هذه الصحف للصدور ورقياً مرة أخرى، أسوة بصحف أخرى حول العالم». وتابعت: «هناك كثير من الحلول للحفاظ على النسخ الورقية للصحف، فهي وثيقة مهمة للتاريخ تبقى مئات السنين، ومن أرشيف الصحف تعلمنا الكثير عن التاريخ والسياسة والحياة الاجتماعية في عصور ماضية».


مقالات ذات صلة

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

إعلام جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

جاء إطلاق «مدونة السلوك» المهني في ظل حالة من الفوضى، وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، وعدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد.

سعاد جرَوس (دمشق)
يوميات الشرق تُكرّم «جوائز List» مجموعة تجارب استثنائية تُعيد تعريف معايير التميّز والرفاهية في العالم العربي (SRMG)

مجلة «List» تطلق النسخة الأولى من جوائزها

أطلقت مجلة «List»، النسخة الأولى من جوائزها، بالشراكة مع علامة «ريتشارد ميل»، التي تحتفي بالإبداع والتميّز بمجالات السفر والرفاهية والثقافة وفنون الطهي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.


«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.